← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وعن ابن عباس ﵄: "أنَّ النّبيّ ﷺ مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما" (١). ١٣ - مسْح الأذنين بماء الرّأس وجواز أخْذ ماء جديد لهما عند الحاجة . قال المُناوي في شرح حديث: "الأذُنان من الرأس" (٢): "الأذُنان من الرأس، لا من الوجه ولا مستقلّتان؛ يعني: فلا حاجة إِلى أخْذ ماء جديد منفرد لهما غير ماء الرأس في الوضوء، بل يجزئ مسْحهما ببلل ماء الرأس، وإلاَّ لكان بياناً للخلقة فقط، والمصطفى ﷺ لم يُبعث لذلك، وبه قال الأئمة الثلاثة ... "، وذكر مخالفة الشّافعيِّة في ذلك. واحتجّ النَّووي في "المجموع" (١/ ٤١٢) بحديث عبد الله بن زيد ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ أخَذ لأذنيه ماءً خلاف الذي أخذ لرأسه"، وقال: حديث حسن، رواه البيهقيّ وقال: إِسناده صحيح. بيْد أنَّ شيخنا -حفظه الله- بيّن شذوذه في: "الضعيفة" (٩٩٥)، و"صحيح سنن أبي داود" (١١١).

стр. 142

وقال النّووي ﵀ في موطن آخر (١): "وهو حديث صحيح كما سبق بيانه قريباً؛ فهذا صريح في أنَّهما ليستا من الرّأس، إِذ لو كانتا منه؛ لما أخذ لهما ماءً جديداً كسائر أجزاء الرّأس، وهو صريح في أخذ ماء جديد، فيحتجّ به أيضاً على من قال: يمسحمها بماء الرّأس ... ". قال شيخنا -حفظه الله-: "ولا حُجّة فيه على ما قالوا؛ إِذ غاية ما فيه مشروعيّة أخذ الماء لهما، وهذا لا ينافي جواز الاكتفاء بماء الرّأس؛ كما دلَّ عليه الحديث، فاتّفقا ولم يتعارضا. ويؤيد ما ذكرتُ: أنَّه صحّ عنه ﷺ : "أنَّه مسح برأسه من فضل ماءٍ كان في يده". رواه أبو داود في "سننه" بسند حسن كما بيّنته في "صحيح سننه" (١٢١)، وله شاهد من حديث ابن عباس في "المُستدرك" (١/ ١٤٧) بسند حسن أيضاً، ورواه غيره؛ فانظر: "التلخيص الحبير" (ص ٣٣). وهذا كلّه يُقال على فرض التّسليم بصحّة حديث عبد الله بن زيد، ولكنه غير ثابت، بل هو شاذٌّ كما ذكرت في "صحيح سنن أبي داود" (١١١)، وبيّنته في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (تحت ٩٩٥). وجملة القول: فإِنَّه أسعد النَّاس بهذا الحديث من بين الأئمّة الأربعة أحمد ابن حنبل ﵃ أجمعين؛ فقد أخذ بما دلّ عليه الحديث في المسألتين، ولم يأخذ به في الواحدة دون الأخرى كما صنع غيره" (٢) أهـ.

стр. 143

وخلاصة القول التي بدت لي: "جواز مسح الأذنين بماء الرأس، مع جواز أخْذ ماء جديد لهما، إِذا دعت الحاجة لذلك، والله أعلم". ١٤ - عدم ورود المسْح على العُنق . قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: "لم يصح عن النّبي ﷺ أنَّه مسح على عنقه في الوضوء، بل ولا رُوي عنه ذلك في حديث صحيح، بل الأحاديث الصحيحة التي فيها صفة وضوء النبيّ ﷺ لم يكن يمسح على عنقه؛ ولهذا لم يستحبّ ذلك جمهور العلماء؛ كمالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهم، ومن استحبّه؛ فاعتمد فيه على أثر يُروى عن أبي هريرة ﵁ أو حديث يضعُف نقْلُه: "أنَّه مسح رأسه حتى بلغ القذال (١) " (٢)، ومِثل ذلك لا يصح عمدة، ولا يُعارض ما دلّت عليه الأحاديث" (٣). وأما حديث: "مسح الرقبة أمان من الغِلّ"؛ فموضوع (٤).

стр. 144

١٥ - غسل الرِّجلين إِلى الكعبين . عن عمرو بن يحيى عن أبيه قال: "شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله ابن زيد عن وضوء النّبيّ ﷺ : فدعا بتور من ماء، فتوضأ لهم وضوء النّبيّ ﷺ : فأكفأ على يديه من التّور فغسل يديه ثلاثاً، ثمَّ أدخل يده في التّور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات، ثمَّ أدخل يده فغسل وجهه ثلاثاً، ثمَّ غسل يديه مرّتين إِلى المرفقين، ثمَّ أدخل يده فمسح رأسه فأقبَل بهما وأدبر مرّة واحدة، ثمَّ غسل رجليه إِلى الكعبين" (١). ١٦ - غَسل الرجلين بغير عدد . لحديث يزيد بن أبي مالك، وفيه: " ... فتوضّأ ثلاثاً ثلاثاً، وغسل رجليه بغير عدد" (٢). ١٧ - تخليل أصابع الرجلين . عن المستورد بن شدَّاد ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ إِذا توضّأ يدلك أصابع رجليه بخِنصره" (٣). وعن ابن عباس ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا توضّأْتَ، فخلِّل أصابع يديْك ورجليك" (٤).

стр. 145

وعن لَقِيط بن صَبِرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أسبغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق؛ إلاَّ أن تكون صائماً" (١). ١٨ - الترهيب من النقص في غسل الرجلين . عن سالم مولى شدَّاد؛ قال: دخلَت عليَّ عائشة زوج النّبيّ ﷺ يوم تُوفّي سعدُ بن أبي وقاص، فدخل عبد الرحمن بنُ أبي بكر، فتوضّأ عندها، فقالت: يا عبد الرحمن! أسبغ الوضوء؛ فإِنّي سمعْت رسول الله ﷺ يقول: "ويْلٌ (٢) للأعقاب (٣) من النّار" (٤). وعن جابر ﵁ قال: "أخبرَني عمر بن الخطاب ﵁: أنَّ رجلاً توضّأ، فترك موضع ظُفُر على قدمه، فأبصره النّبيّ ﷺ ، فقال: ارجعْ؛ فأحسِن وضوءك، فرجع ثمَّ صلَّى" (٥).

стр. 146

وعن أبي هريرة ﵁: أنَّه رأى قوماً يتوضؤون من المطهرة، فقال: أسبغوا الوُضوء؛ فإِني سمعْت أبا القاسم ﷺ يقول: "ويل للعراقيب (١) من النار" (٢). ١٩ - النّضح بعد الوضوء . عن الحكم بن سفيان الثقفي ﵁: "أنَّه رأى رسول الله ﷺ توضّأ، ثمَّ أخذ كفّاً من ماء فنضحَ به فرجه" (٣). ٢٠ - وجوب استيعاب جميع أجزاء محلّ الطهارة، ولا يصحّ الوضوء بترك مثل موضع الظُّفُر أو قدر الدّرهم . عن جابر؛ قال: "أخبرني عمر بن الخطاب: أنَّ رجلاً توضّأ، فترك موضع ظُفُر على قدمه، فأبصره النّبيّ ﷺ ، فقال: "ارجع فأحسن وُضوءك فرجع ثمَّ صلّى" (٤).

стр. 147

٢١ - ما يوجب إِعادة الوضوء . للحديث السابق. ٢٢ - التيمّن في الوضوء . عن عائشة ﵂ قالت: "كان النّبيّ ﷺ يُعجبه التّيمّن (١)؛ في تنعُّله (٢)، وترجُّله (٣)، وطُهُوره؛ في شأنه كلّه" (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا لبستم وإِذا توضّأتم؛ فابدأوا بأيامنكم" (٥). وعن أم عطيّة ﵂ قالت: قال النّبيّ ﷺ لهنّ في غسل ابنته: "ابدأنَ بميامنها ومواضع الوضوء منها" (٦).

стр. 148

٢٣ - إِسباغ الوضوء على المكاره . عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "إِسباغ الوُضوء على المكاره (١)، وكثرة الخُطا إِلى المساجد، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة؛ فذلكم الرّباط (٢) " (٣). وتقدَّم حديث لَقيط بن صَبِرة: "أسبِغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالِغ في الاستنشاق؛ إلاَّ أن تكون صائماً". ٢٤ - عدم ترتيب الوضوء لا يفسده . الأصل في الوضوء الترتيب، ولكن ليس هناك ما يدلّ على أنَّ عدم ترتيب الوضوء يفسده، فقد ثبت عن النّبيّ ﷺ أنَّه توضّأ من غير ترتيب؛ كما في حديث المقدام بن معديكرب ﵁ قال: "أُتي رسول الله ﷺ بوَضوء، فتوضّأ، فغسل كفّيه ثلاثاً، ثمَّ غسل وجهه ثلاثاً، ثمَّ غسل ذراعيه ثلاثاً، ثمَّ مضمض واستنشق ثلاثاً، ومسح برأسه وأُذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل رجليه ثلاثاً" (٤).

стр. 149

٢٥ - النّهي عن الاعتداء في الوُضوء . عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه؛ قال: جاء أعرابيٌّ إِلى النّبيّ ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثاً ثلاثاً، ثمَّ قال: "هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدّى وظلم" (١). وفي الحديث: "إِنّه سيكون في هذه الأمَّة قومٌ يعتدون في الطُهور (٢) والدُّعاء" (٣). ٢٦ - الرجل يُوضِّئ صاحبه . عن أسامة بن زيد: أنَّ رسول الله ﷺ لمّا أفاض من عرفة؛ عدل إِلى الشِّعْب، فقضى حاجته. قال أسامةُ بن زيد: فجعلْت أصُبُّ عليه ويتوضّأ، فقلت: يا رسول الله! أتصلّي؟ فقال: "المُصلَّى أمامك" (٤). وعن المغيرة بن شعبة: "أنَّه كان مع رسول الله ﷺ في سفر، وأنَّه ذهب لحاجةٍ له، وأنَّ مغيرةَ جعل يصبُّ الماء عليه وهو يتوضّأ، فغسل وجهه ويديه ومسح على الخُفّين" (٥).

стр. 150

٢٧ - التخفيف في الوضوء . عن ابن عباس ﵄ قال: "بتُّ عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النّبيّ ﷺ من الليل، فلمّا كان في بعض الليل؛ قام النّبيّ ﷺ ، فتوضّأ من شنٍّ (١) مُعلَّق وضوءاً خفيفاً -يخفّفه عمرو ويقلّله (٢) - وقام يُصلِّي ... " (٣). وعن أنس ﵁ قال: "كان النّبيّ ﷺ يغسل (٤) (أو كان يغتسل) (٥) بالصّاع (٦) إِلى خمسة أمداد (٧)، ويتوضّأ بالمُدّ" (٨).

стр. 151

وعن أنس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يغتسل بخمس مكاكيك (١)، ويتوضّأ بمكّوك" (٢). وعن عُمارة: "أنَّ النّبيّ ﷺ توضّأ، فأُتي بإِناء فيه ماء؛ قدر ثُلُثي المدّ" (٣). وعن عبد الله بن زيد: "أنَّ النّبيّ ﷺ أُتيَ بثُلُثي مُدّ، فجعل يدلك ذراعه" (٤). ٢٨ - استعمال فضل وضوء النّاس . عن أبي جُحيفَة ﵁ قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة (٥)، فأُتي بوَضوء فتوضّأ، فجعل النّاسُ يأخذون من فضل وَضوئه فيتمسّحون به، فصلّى النّبيّ ﷺ الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه

стр. 152

عَنَزَة (١) "" (٢). فوائد يحتاج المتوضِّىء إِليها (٣). * الكلام المباح أثناء الوضوء مُباح، ولم يَرِدْ في السنّة ما يدلّ على منعه. * الدّعاء عند غسل الأعضاء باطل لا أصل له. * لو شكَّ المتوضئ في عدد الغسلات؛ يبني على اليقين، وهو الأقل. * وجود الحائل -مثل الشَّمع (٤) - على أيّ عضو من أعضاء الوضوء يُبطله، أمّا اللون وحده -كالخضاب بالحنّاء مثلاً-، فإِنَّه لا يؤثر في صحة الوضوء؛ لأنَّه لا يَحُولُ بين البشرة وبين وصول الماء إِليها. * المستحاضة ومن به سلس بول أو انفلات ريح أو غير ذلك من الأعذار يتوضؤون لكلّ صلاة إِذا كان العذر يستغرق جميع الوقت، أو كان لا يمكن ضبطه، وتعدّ صلاتهم صحيحة مع قيام العُذر. * يجوز الاستعانة بالغير في الوضوء. * يباح للمتوضّئ أن يُنشّف أعضاءه بمنديل أو نحوه؛ صيفاً وشتاءً.

стр. 153

خُلاصة مُيسَّرة لأعمال الوضوء (١). - النيّة: لحديث عمر بن الخطاب ﵁ عن النّبيّ ﷺ ؛ قال: "إِنَّما الأعمال بالنّيات، وِإنَّما لكلّ امرئ ما نوى ... " (٢). ومحل النيّة القلب، وأما التلفّظ بها؛ فبدعة. - التسوّك (٣). - غسل الكفّين، ويخلّل الأصابع فيها؛ إِن لم يُرِد تخليلهما عند غسل اليدين إِلى المرفقين. - المضمضة والاستنشاق والاستنثار، والمبالغة في ذلك إلاَّ من صيام. والأصل هو المضمضة والاستنشاق من ماء واحد، والفصل جائز، ويكون ذلك باليمين، وأمّا النّثر؛ فباليد اليُسرى. - غَسل الوجه. - تخليل اللحية. - غَسل اليدين إِلى المرفقين، ويخلِّل أصابع اليدين إن لم يخلِّلْهما عند غَسل الكفّين.

стр. 154

- مسح الرأس كلّه إِقبالاً وإِدباراً. - مسح الأذنين باطنهما وظاهرهما. - غَسل الرجلين إِلى الكعبين، مع تخليل أصابع الرجلين. الذكر المستحب عقب الوضوء عن عقبة بن عامر ﵁ قال: كانت علينا رعايه الإِبل، فجاءت نوبتي، فروّحتُها بعَشِيّ (١)، فأدْركْت رسول الله ﷺ قائماً يحدّث النّاس، فأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضّأ فيحسن وضوءَه، ثمَّ يقوم فيصلّي ركعتين، مُقبِلٌ عليهما بقلبه ووجهه؛ إلاَّ وَجَبَت له الجنَّة". قال: فقلت: ما أجود هذه! فإِذا قائل بين يديَّ يقول: التي قبلها أجود، فنظرْتُ فإِذا عمر، قال: إِنّي قد رأيتُك جئتَ آنِفاً. قال: "ما منكم من أحدٍ يتوضّأ فيُبلغ (أو فيُسبغ) (٢) الوُضوء، ثمَّ يقول: أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأن محمداً عبد الله ورسوله؛ إلاَّ فُتحت له أبواب الجنَّة الثمانيةُ يدخُل من أيّها شاء" (٣). وفي رواية أُخرى لعقبة ﵁: "من توضّأ فقال: أشهد أن لا

стр. 155

إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله" (١). زاد الترمذي: "اللهم اجعلني من التَّوَّابين، واجعلني من المتطهِّرين" (٢). وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النّبيّ ﷺ : " ... ومن توضّأ فقال: سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إِله إلاَّ أنت، أستغفرك وأتوب إِليك؛ كُتب له في رَِقٍّ (٣)، ثمَّ جُعلَ في طابع، فلم يُكسر إِلى يوم القيامة" (٤).

стр. 156

المسح على الخفين أولاً: المسح على الخفين . وفيه أدلَّة عديدة؛ منها: ما رواه عروة بن المغيرة عن أبيه؛ قال: كنتُ مع النّبيّ ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفَّيه، فقال: "دعْهُما؛ فإِني أدخلتُهما طاهرتين"، فمسح عليهما (١). وعن عبد الله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص ﵄ عن النّبيّ ﷺ : "أنَّه مسح على الخفَّين" (٢). وعن همَّام بن الحارث؛ قال: "رأيت جرير بن عبد الله بال، ثمَّ توضّأ ومسح على خفَّيه، ثمَّ قام فصلَّى، فسُئل؟ فقال: "رأيتُ النّبيّ ﷺ صنَع مثل هذا". قال إِبراهيم: فكان يعْجِبُهم؛ لأنَّ جريراً كان مِن آخر من أسلم (٣). وعن ثوبان ﵁ قال: "بعثَ رسول الله ﷺ سريَّة، فأصابهم

стр. 157

البرد، فلمَّا قَدمِوا على رسول الله ﷺ ؛ أمرهم أن يمسحوا على العصائب (١) والتساخين (٢) " (٣). وقال الحافظ في "الفتح" (٢٠٢) تعليقاً على حديث عبد الله بن عمر السابق: "نقَل ابن المنذر عن ابن المبارك؛ قال: ليس في المسح على الخُفَّين عن الصحابة اختلاف؛ لأنَّ كلَّ من رُوِيَ عنه منهم إِنكاره؛ فقد رُوِيَ عنه إِثباتُه. وقال ابن عبد البرِّ: لا أعلم رُوي عن أحد من فقهاء السلف إِنكاره إِلا عن مالك، مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرِّحة بإِثباته. ... وقال ابن المنذر: اختلف العلماء؛ أيّهما أفضل: المسح على الخفَّين أو نزْعهما وغسل القدمين؟ قال: والذي أختاره أنَّ المسح أفضل؛ لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض. قال: وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السُّنن أفضل من ترْكه" اهـ. ثانياً: المسح على الجوربين . عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "توضّأ النّبي ﷺ ومسح

стр. 158

على الجوربين والنَّعلين" (١). قال أبو داود: "ومسح على الجوربين: عليُّ بن أبي طالب، وأبو مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث، ورُوي ذلك عن عمر بن الخطَّاب، وابن عبّاس" (٢). وذكر ابن حزم عدداً كبيراً من السلف قالوا بالمسح على الجوربين؛ منهم: ابن عمر، وعطاء، وِإبراهيم النخعي، وغيرهم، وأورد عدداً من الآثار المتعلَّقة بذلك (٣). وعن يحيى البكَّاء؛ قال: "سمعْت ابن عمر يقول: المسح على الجوربين كالمسح على الخفَّين، وتلقَّى نافع ذلك عنه، فقال: هما بمنزلة الخفَّين" (٤).

стр. 159

قال شيخنا الألبانيّ -حفظه الله تعالى-: "فبعْد ثبوت المسح على الجوربين عن الصحابة ﵃ أفلا يجوز لنا أن نقول فيمن رغبَ عنه ما قاله إِبراهيم هذا في مسحهم على الخفَّين: فمن ترك رغبةً عنه؛ فإِنَّما هو من الشيطان (١)؟! قال أبو عيسى: "سمعتُ صالح بن محمد التِّرمذي؛ قال: سمعتُ أبا مقاتل السَّمرقندي يقول: دخَلْتُ على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه، فدعا بماء فتوضّأ، وعليه جوربان، فمسح عليهما، ثمَّ قال: فعلتُ اليوم شيئاً لم أكنْ أفعله: مسحْتُ على الجوربين وهما غير منعَّلين". وعن عطاء؛ قال: "المسح على الجوربين بمنزلة المسح على الخفَّين" (٢). ثالثاً: المسح على النَّعلين . عن أوس بن أبي أوس الثَّقفي: "أن رسول الله ﷺ توضّأ ومسح على نعليه وقدميه، وقال عبَّاد: رأيت رسول الله ﷺ أتى كِظامة قوم -يعني: الميضأة- (ولم يذكر مسدَّد الميضأة والكِظامة، ثمَّ اتفقا): فتوضّأ ومسح على نعليه وقدميه" (٣).

стр. 160

وعن ابن عمر، قال: "رأيت رسول الله ﷺ يلبسها (يعني: النِّعال السِّبتيَّة (١)) ويتوضّأ فيها ويمسح عليها" (٢). وثبت عن أبي ظبيان: "أنَّه رأى عليّاً ﵁ بال قائماً، ثمَّ دعا بماء، فتوضّأ، ومسح على نعليه، ثمَّ دخل المسجد فخلعَ نعليه (٣) ثمَّ صلَّى" (٤). رابعاً: المسح على الخفِّ أو الجورَب المخرَّق . قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: "وأمَّا المسح على الخفِّ أو الجورب

стр. 161

المخرَّق؛ فقد اختلفوا فيه اختلافاً كثيراً؛ فأكثرهم يمنع منه، على خلاف طويل بينهم، تراه في مبسوطات الكتب الفقهيَّة و"المحلَّى"، وذهبَ غيرُهم إِلى الجواز، وهو الذي نختاره. وحجَّتنا في ذلك أنَّ الأصل الإِباحة، فمن منع واشترط السَّلامة من الخرق أو وضع له حدّاً؛ فهو مردود؛ لقوله ﷺ : "كلُّ شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل"، متفق عليه (١). وأيضاً؛ فقد صحَّ عن الثَّوريِّ: أنَّه قال: امسحْ عليها ما تعلَّقت به رجلك، وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار إلاَّ مخرَّقة، مشقَّقة، مرقَّعة؟! أخرجه عبد الرزاق في "المصنَّف" (٧٥٣)، ومن طريقه البيهقيُّ (١/ ٢٨٣). وقال ابن حزم (٢/ ١٠٠): فإِن كان في الخفَّين أو فيما لبس على الرجلين خرقٌ صغيرٌ أو كبيرٌ طولاً أو عرضاً، فظهر منه شيء من القدم -أقلّ القدم أو أكثرها أو كلاهما- فكل ذلك سواء، والمسح على كلِّ ذلك جائز، ما دام يتعلَّق بالرجلين منهما شيء، وهو قول سفيان الثوريِّ وداود وأبي ثور وإسحاق ابن راهويه ويزيد بن هارون. ثمَّ حكى أقوال العلماء المانعين منه على ما بيّنها من اختلاف وتعارُض، ثمَّ ردَّ عليها، وبين أنَّها ممّا لا دليل عليها سوى الرأي، وختم ذلك بقوله: لكنَّ الحقَّ في ذلك ما جاءت به السنَّة المبيِّنة للقرآن؛ من أنَّ حُكم القدمين اللَّتين ليس عليهما شيء ملبوسٌ يمسح عليه أن يُغسلا، وحُكمهما إِذا كان عليهما شيء ملبوس أن يُمسح على ذلك الشيء، بهذا جاءت السنَّة،

стр. 162

﴿وما كان ربّكَ نَسِيّاً﴾ (١)، وقد عَلِم رسول الله ﷺ إِذ أمرَ بالمسح على الخفَّين وما يُلبس في الرجلين، ومُسِحَ على الجوربين: أنَّ من الخفاف والجوارب وغير ذلك ممَّا يُلبس على الرجلين المخرَّق خرقاً فاحشاً أو غير فاحش وغير المخرَّق، والأحمر والأسود والأبيض، والجديد والبالي، فما خصَّ ﵇ بعض ذلك دون بعض، ولو كان حكمُ ذلك في الدين يختلف؛ لما أغفله الله تعالى أن يوحي به، ولا أهمَله رسول الله ﷺ المفترض عليه البيان، حاشا له من ذلك، فصحَّ أنَّ حُكم المسمح على كلِّ حال، والمسح لا يقتضي الاستيعاب في اللغة التي بها خوطِبْنا. وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "اختياراته" (ص ١٣): ويجوز المسح على اللَّفائف في أحد الوجهين، حكاه ابن تميم وغيره، وعلى الخفِّ المخرَّق ما دام اسمه باقياً والمشي فيه ممكناً، وهو قديم قولَي الشافعي واختيار أبي البركات وغيره من العلماء. قلت: ونسبه الرَّافعي في "شرح الوجيز" (٢/ ٣٧٠) للأكثريَّة، واحتجَّ له بأنَّ القول بامتناع المسح يُضيِّق باب الرخصة، فوجب أن يمسح، ولقد أصاب ﵀" (٢) اهـ. وأخيراً أقول: إِنَّ إِيراد هذه الاشتراطات التي ليست من الدين في شيء تجعلنا نردُّ رخصة الله علينا، وقد قال ﷺ : "إنَّ الله يحبُّ أن تؤتى رخصُه

стр. 163

كما يكره أن تُؤتى معصيتُه" (١)! وقال شيخ الإِسلام ﵀: "ومعلومٌ أنَّ الخفاف في العادة لا يخلو كثير منها عن فتقٍ أو خرقٍ، لا سيما مع تقادُم عهدها، وكان كثير من الصحابة فقراء، لم يكن يمكنهم تجديد ذلك. ولما سُئِل النّبيُّ ﷺ عن الصَّلاة في الثَّوب الواحد، فقال: "أوَ لكلِّكم ثوبان" (٢)؟! وهذا كما أنَّ ثيابهم كان يكثر فيها الفتق والخرق حتى يحتاج لترقيع؛ فكذلك الخفاف" (٣). وقال ﵀: "وكان مقتضى لفْظه أنَّ كلَّ خفٍّ يلبسه النَّاس ويمشون فيه؛ فلهم أن يمسحوا عليه، وإن كان مفتوحاً أو مخروقاً؛ من غير تحديد لمقدار ذلك؛ فإِنَّ التحديد لا بدَّ له من دليل" (٤). وقال ﵀ أيضاً: "وأيضاً؛ فأصحاب النّبيّ ﷺ الذين بلَّغوا سنَّته وعملوا بها؛ لم يُنْقَل عن أحدٍ منهم تقييد الخفِّ بشيء من القيود، بل أطلقوا المسح على الخفّين، مع علمهم بالخفاف وأحوالها، فعُلم أنَّهم كانوا قد فهموا عن نبيِّهم جواز المسح على الخفّين مطلقاً. وأيضاً؛ فكثير من خفاف النّاس لا يخلو من فتق أو خرق يظهر منه بعض القدم، فلو لم يجز المسح عليها؛ بطل مقصود الرخصة، لا سيِّما والذين

стр. 164

يحتاجون إِلى لُبس ذلك هم المحتاجون" (١). وقال (ص١٨٣) (٢): "وإنْ قالوا بأنَّ المسح إِنَّما يكون على مستور أو مغطَّى ونحو ذلك؛ كانت هذه كلّها عبارات عن معنى واحد، وهو دعوى رأس المسألة بلا حُجَّة أصلاً، والشارع أمرَنا بالمسح على الخفّين مطلقاً، ولم يقيِّدْه، والقياس يقتضي أنَّه لا يقيَّد". وقال (ص٢١٢ و٢١٣) (٣): " ... ولفظ الخفِّ يتناول ما فيه من الخرق وما لا خرق فيه، لا سيَّما والصحابة كان فيهم فقراء كثيرون، وكانوا يسافرون، وإذا كان كذلك؛ فلا بدَّ أن يكون في بعض خفافهم خروق، والمسافرون قد يتخرَّق خفُّ أحدهم، ولا يمكنه إِصلاحه في السَّفر، فإِن لم يجز المسح عليه؛ لم يحصل مقصود الرخصة" اهـ. ولو كان هناك استثناء أو منع؛ -لبيَّنه الشرع؛ كما هو شأن الأضحية-، فلمَّا لم يبلُغْنا شيء من هذا؛ دلَّ على أنَّ المسح يظلُّ على إِطلاقه، والمخرَّق جزء من هذا المطلق. خامساً: المسح على اللفائف . قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: " ... فإِنْ قيل: فيلزم من ذلك جواز المسح على اللفائف، وهو أن يلفَّ الرجل لفائف من البرد أو خوف الحفاء أو من جراح بهما ونحو ذلك. قيل: في هذا وجهان، وذكَرهما الحلواني، والصواب أنَّه يمسح على

стр. 165

اللفائف، وهي بالمسح أولى من الخفّ والجورب؛ فإِنَّ تلك اللفائف تستعمل للحاجة في العادة، وفي نزْعها ضرر: إِمَّا إِصابة البرد، وإمّا التأذِّي بالحفاء، وإِمّا التأذي بالجراح، فإِذا جاز المسح على الخفّين والجوربين؛ فعلى اللفائف بطريق الأولى" (١). سادساً: أحكام تتعلَّق بالمسح على الخفَّين . ١ - خلْع الممسوح عليه هل ينقض الوضوء ؛ قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: "اختلف العلماء فيمن خلَع الخفَّ ونحوه بعد أن توضّأ ومسح عليه على ثلاث أقوال: الأوَّل: أنَّ وضوءه صحيح ولا شيء عليه. الثاني: أنَّ عليه غسل رجليه فقط. الثالث: أنَّ عليه إِعادة الوضوء. وبكلٍّ من هذه الأقوال قد قال به طائفة من السَّلف، وقد أخرج الآثار عنهم بذلك: عبد الرزاق في "المصنَّف" (١/ ٢١٠/٨٠٩ - ٨١٣)، وابن أبي شيبة (١/ ١٨٧ - ١٨٨)، والبيهقيّ (١/ ٢٨٩ - ٢٩٠). ولا شكَّ أنَّ القول الأول هو الأرجح؛ لأنَّه المناسب لكون المسح رخصة وتيسيراً من الله، والقول بغيره ينافي ذلك؛ كما قال الرافعي في المسألة التي قبلها؛ كما تقدّم، ويترجّح على القولين الآخرين بمرجِّح آخر، بل مرجِّحين:

стр. 166

الأوَّل: أنَّه موافق لعمل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ فقد قدَّمْنا بالسند الصحيح عنه: "أنَّه أحدث، ثمَّ توضّأ ومسَح على نعليه، ثمَّ خلعَهما، ثمَّ صلى". والآخر: موافقته للنَّظر الصحيح؛ فإِنَّه لو مسَح على رأسه، ثمَّ حلق؛ لم يجب عليه أن يُعيد المسح بله الوضوء. وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال في "اختياراته" (ص ١٥): "ولا ينتقض وضوء الماسح على الخفِّ والعمامة بنزعهما، ولا بانقضاء المدَّة، ولا يجب عليه مسح رأسه، ولا غسل قدميه، وهو مذهب الحسن البصريِّ؛ كإِزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد، وقول الجمهور". وهو مذهب ابن حزم أيضاً، فراجِع كلامه في ذلك ومناقشته لمن خالف؛ فإِنَّه نفيس. "المحلّى" (٢/ ١٠٥ - ١٠٩) (١) " اهـ. قال البخاري في "صحيحه" (٢): "وقال الحسن: إنْ أخذَ من شعره وأظفاره أو خلَعَ خفَّيه، فلا وضوء عليه".

стр. 167

ونقَل ابن المنذر الإِجماع على ذلك (١). ٢ - انتهاء مدَّة المسح هل ينقض الوضوء ؟ قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: "للعلماء في ذلك أقوال، أشهرها قولان في مذهب الشافعي: الأوَّل: يجب استئناف الوضوء. الثاني: يكفيه غَسل القدمين. والثالث: لا شيء عليه، بل طهارته صحيحة، يصلّي بها ما لم يُحْدث. قاله النَّووي ﵀. قلت: وهذا القول الثالث أقواها، وهو الذي اختاره النَّووىِ، خلافاً لمذهبه، فقال ﵀ (١/ ٥٢٧): وهذا المذهب حكاه ابن المنذر عن الحسن البصريِّ وقَتادة وسليمان بن حرب، واختاره ابن المنذر، وهو المختار الأقوى، وحكاه أصحابنا عن داود. قلت: وحكاه الشعراني في "الميزان" (١/ ١٥٠) عن الإِمام مالك، وحكى النَّووي عنه غيره؛ فليحقَّق، وهو الذي ذهب إِليه شيخ الإِسلام ابن تيمية كما تراه في كلامه السابق في المسألة الثالثة (ص٩٢) تبعاً لابن حزم، وذكر هذا في القائلين به إِبراهيم النخعي وابن أبي ليلى. ثمَّ قال (٢/ ٩٤): وهذا هو القول الذي لا يجوز غيره؛ لأنَّه ليس في شيء

стр. 168

من كتب الأخبار أنَّ الطَّهارة تنتقض عن أعضاء الوضوء، ولا عن بعضها، بانقضاء وقت المسح، وإِنَّما نهى ﵇ عن أن يمسح أحدٌ أكثر من ثلاث للمسافر أو يوم وليلة للمقيم، فمن قال غير هذا؛ فقد أقحم في الخبر ما ليس فيه، وقوَّل رسول الله ﷺ ما لم يقل، فمن فعل ذلك واهماً؛ فلا شيء عليه، ومن فعَل ذلك عامداً بعد قيام الحجة عليه؛ فقد أتى كبيرة من الكبائر، والطهارة لا ينقضها إلاَّ الحدث، وهذا قد صحّت طهارته ولم يُحْدِث، فهو طاهر، والطاهر يصلّي ما لم يُحْدِث أو ما لم يأت نصٌّ جليٌّ فيِ أنَّ طهارته انتقضت وإِنْ لم يُحدِث، وهذا الذي انقضى وقت مسْحه لم يُحْدِث ولا جاء نصٌّ في أنَّ طهارته انتقضت؛ لا عن بعض أعضائه، ولا عن جميعها؛ فهو طاهرٌ يصلِّي حتى يُحْدِث، فيخلع خفَّيه حينئذ، وما على قدميه، ويتوضّأ، ثمَّ يستأنف المسح توقيتاً آخر، وهكذا أبداً. وبالله تعالى التوفيق" (١). ٣ - هل تنْزَع الخفاف من جنابة ؛ نعم؛ تُنْزَع؛ لحديث صفوان بن عسَّال، قال: "كان رسول الله ﷺ يأمُرُنا إِذا كنَّا سَفْراً أن لا ننزِعَ خفافنا ثلاثة أيام ولياليهنَّ؛ إلاَّ من جنابة، ولكنْ من غائط وبول ونوم" (٢). ٤ - اللبس على طهارة شرطٌ للمسح . لحديث المغيرة ﵁ قال: "كنتُ مع النّبيّ ﷺ في سفرٍ،

стр. 169

فأهويْتُ لأنزعَ خفَّيه، فقال: "دعْهُما؛ فإِنِّي أدخلتُهما طاهرتين"، فمسح عليهما" (١). ٥ - محلُّ المسح . يمسح على ظهر الخفَّين أو النعلين أو الجوربين، ويجوز مسح أيِّ جزء تُغْسَل فيه القدم خلا أسفلها (٢). عن المغيرة بن شعبة -رضى الله عنه-: "أنَّ رسول الله ﷺ : كان يمسح على الخُفَّين"، وقال: "على ظهر الخُفَّين" (٣). وعن علي ﵁ قال: "لو كان الدِّين بالرَّأي لكان أسفل الخُفِّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت النّبيّ ﷺ يمسح على ظاهر خُفَّيْه" (٤). ٦ - مدَّة المسح، ومتى تبدأ ؟ مدّة المسح ثلاثة أيام ولياليهنَّ للمسافر، ويوم وليلة للمقيم. عن شُريح بن هانئ؛ قال: أتيتُ عائشة أسألها عن المسح على الخفَّين؟ فقالت: عليك بابن أبي طالب؛ فسَلهُ؛ فإِنَّه كان يسافر مع رسول الله ﷺ . فسألناه؛ فقال: "جَعَلَ رسول الله ﷺ ثلاثة أيَّام ولياليهنَّ للمسافر، ويوماً

стр. 170

وليلةً للمقيم" (١). وعن خُزيمة بن ثابت عن النّبيّ ﷺ ؛ قال: "المسح على الخُفَّين للمسافر ثلاثة أيَّام، وللمقيم يوم وليلة" (٢). وعن صفوان بن عسَّال؛ قال: "كان رسول الله ﷺ يأمرُنا إِذا كُنَّا سَفْراً أن لا ننزعَ خفافنا ثلاثة أيَّام ولياليهنَّ؛ إلاَّ من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم" (٣). قال أبو عيسى التِّرمذي: "وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النّبيّ ﷺ والتابعين ومَن بعدهم من الفقهاء؛ مثل: سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإِسحاق؛ قالوا: يمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهنَّ". ويبدأ التوقيت من المسح بعد الحدث على القول الراجح. قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: " ... فالأحاديث الصحيحه التي رواها جمع من الصحابة في "صحيح مسلم" والسنن الأربعة والمسانيد وغيرها؛ ففيها أنَّ النّبيّ ﷺ : أمر بالمسح، وفي بعضها: رخَّص في المسح، وفي غيرها: جَعَل المسح للمقيم يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثةٌ أيام ولياليهن، ومن

стр. 171

الواضح جدّاً أنَّ الحديث كالنَّصِّ على ابتداء مدة المسح من مباشرة المسح، وهو كالنصٍّ أيضاً على ردِّ القول الأوَّل؛ لأنَّ مقتضاه -كما نصُّوا عليه في الفروع- أنَّ من صلَّى الفجر قبيل طلوع الشمس، ثمَّ أحدث عند الفجر من اليوم الثاني، فتوضّأ ومسح لأوَّل مرة لصلاة الفجر؛ فليس له المسح بعدها! فهل يصدق على مثل هذا أنَّه مسح يوماً وليلة؟! أمَّا على القول الثاني الرَّاجح؛ فله أن يمسح إِلى قبيل الفجر من اليوم الثالث، بل لقد قالوا أغرب ممَّا ذكرنا: فلو أحدث ولم يمسح حتى مضى من بعد الحدث يوم وليلة أو ثلاثة إِن كان مسافراً؛ انقضت المدَّة، ولم يجُز المسح بعد ذلك حتّى يستأنف لبساً على طهارة، فحرموه من الانتفاع بهذه الرخصة؛ بناء على هذا الرأي المخالف للسنَّة! ولذلك لم يسَع الإِمام النَّوويّ إلاَّ أن يخالف مذهبه -وهو الحريص على أنْ لا يخالفه ما وجد إِلى ذلك سبيلاً- لقوَّة الدَّليل، فقال -رحمه الله تعالى- بعد أن حكى القول الأوَّل ومن قال به (١/ ٤٨٧)؛ قال: وقال الأوزاعي وأبو ثور: ابتداء المدَّة من حين يمسح بعد الحدث، وهو رواية عن أحمد وداود، وهو المختار الراجح دليلاً، واختاره ابن المنذر، وحكى نحوه عن عمر بن الخطاب ﵁ وحكى الماورديُّ والشاشيُّ عن الحسن البصريِّ أنَّ ابتداءها من اللبس" (١). وقال شيخنا -حفظه الله تعالى-: " .. روى عبد الرزاق في "المصنَّف" (١/ ٢٠٩/٨٠٧) عن أبي عثمان النَّهدي؛ قال: "حضرتُ سعداً وابن عمر يختصمان إِلى عمر في المسح على الخفَّين، فقال عمر: يمسح عليهما إِلى

стр. 172

مِثل ساعته من يومه وليلته. قلت: وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو صريح في أنَّ المسح يبتدئ من ساعة إِجرائه على الخفِّ إِلى مثلها من اليوم والليلة، وهو ظاهر كلِّ الآثار المرويَّة عن الصحابة في مدَّة المسح فيما عَلِمنا" (١). هل يشرع المسْح على الجبيرة ونحوها ؟ قال البيهقي: لا يثبت عن النّبيّ ﷺ في هذا الباب شيء يعني باب المسح على العصائب والجبائر. قال ابن حزم ﵀ في "المحلى" (٢/ ١٠٣) (مسألة ٢٠٩): "ومن كان على ذراعيه أو أصابعه أو رجليه جبائر أو دواء ملصق لضرورة؛ فليس عليه أن يمسح على شيء من ذلك؛ وقد سقط حُكم ذلك المكان؛ فإِن سقط شيء من ذلك بعد تمام الوضوء؛ فليس عليه إِمساس ذلك المكان بالماء؛ وهو على طهارته ما لم يحدث -: برهان ذلك-: قول الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إِلاَّ وسعها﴾ (٢) وقول رسول الله ﷺ : "إِذا أمرتكم بأمر فأْتوا منه ما استطعتم؟ " (٣). فسقط بالقرآن والسنّة كل ما عجز عنه المرء، وكان التعويض منه شرعاً، والشرع لا يلزم إلاَّ بقرآن أو سنّة، ولم يأت قرآن ولا سنّة بتعويض المسح على الجبائر والدواء من غسل ما لا يقدر على غسله، فسقط القول بذلك".

стр. 173

ثمَّ بيَّن ضعف بعض الأحاديث التي ذُكرت في الموضوع، وأجاب عن أثر ابن عمر المتقدّم بأنّه فِعْل منه لا إِيجاباً بالمسح، وقد صحّ عنه أنّه كان يُدخل الماء في باطن عينيه في الوضوء والغُسل ولا يشرع ذلك، فضلاً عن أن يكون فرضاً (١). وسألتُ شيخنا -حفظه الله- عن هذا فقال: "نعم، ونزيد أنّه قد ثبت المسح على الجبيرة عن بعض الصحابة، وإنْ كنّا لا نتبنّى ذلك لِما سبق؛ فلا نحجّر على الناس أن يفعلوا ذلك". قلت: "من باب احترام الرأي!، فقال -حفظه الله-: نعم".

стр. 174

الغُسل الغُسل -بضم الغين المعجمة-: اسم للاغتسال، وهو تعميم البدن بالماء. وقال الحافظ في "الفتح": "وحقيقة الاغتسال غَسْل جميع الأعضاء، مع تمييز ما للعبادة عمَّا للعادة بالنيَّة". قال الله تعالى: ﴿وإِنْ كُنْتمْ جُنُباً (١) فاطَهَّروا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يا أَيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكَارى حتَّى تَعْلَموا ما تقولونَ ولا جُنباً إِلاَّ عابري سبيلٍ حتَّى تغْتَسلوا﴾ (٣).

стр. 175

موجبات الغُسْل أولاً: خروج المنيِّ بدفق -سواء كان في النَّوم أو اليقظة- من ذكر أو أنثى: لِما ثَبَتَ عن أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين ﵂: أنها قالت: جاءت أمّ سُليم امرأة أبي طلحة إِلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إِنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ (١)؛ هل على المرأة من غُسل إِذا هي احتلمتْ؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم؛ إِذا رأت الماء" (٢). ولحديث عليّ ﵁: "إِذا رأيتَ المذي؛ فاغسل ذكَرك وتوضأ وضوءك للصّلاة، فإِذا فَضَخْتَ (٣) الماء؛ فاغتسل" (٤). قال ابن قُدامة ﵀: "فخروج المنيِّ الدافق بشهوة يوجب الغسل من الرجل والمرأة في يقظة أو في نوم، وهو قول عامَّة الفقهاء، قال التِّرمذي، ولا نعلم فيه خلافاً" (٥). ومنيُّ الرجل غليظ أبيض، أمَّا منيُّ المرأة؛ فرقيق أصفر؛ لقوله ﷺ : "إِنَّ

стр. 176

ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر ... " (١). ويستفاد من الحديثين المتقدِّمين: عدم وجوب الغُسل على من احتلَمَ ولم يجد منيّاً؛ من ذكر أو أنثى. فقد سألتْ زوجُ أبي طلحة رسولَ الله ﷺ : "هل على المرأة من غُسل إِذا هي احتلمتْ؟ ". فقال رسول الله ﷺ : "نعم؛ إِذا رأتِ الماء". فقيَّد ﷺ الاغتسال برؤيتها الماء، فإِنْ لم ترَ؛ فلا اغتسال عليها. وفي حديث عليّ ﵁: "إِذا فَضَخْتَ الماء؛ فاغْتَسلْ". فإِذا لم تفضخ الماء؛ فلا اغتسال إِذن. كما يُستفاد من ذلك وجوب الاغتسال، ولو لم يذكر الاحتلام؛ لأنَّ تعليق الاغتسال في الحديثين السابقين كان برؤية الماء وفضْخه؛ كما هو بيِّن. وقد جاء هذا صريحاً في حديث عائشة ﵂ قالت: سُئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البَلَل ولا يذكر احتلاماً؟ قال: "يغتسل". وعن الرجل يرى أنَّه قد احتلم ولا يجد البلل؟ قال: "لا غُسل عليه". فقالت أمُّ سُليم: المرأة ترى ذلك؛ أعليها غُسل؟ قال: "نعم: إِنَّما النِّساء شقائق الرِّجال" (٢).

стр. 177

خُلاصة لما سبق: ١ - إِذا احتلم ولم يجد منيّاً؛ فلا غُسل عليه. ٢ - إِذا استيقظ من نومه، ووجد بللاً، ولم يذكر احتلاماً؛ فعليه، الغُسل. ٣ - إِذا جامع فعليه الاغتسال؛ أنزَل أو لم يُنْزِل. ٤ - الرجل والمرأة في كل ذلك سواء. ثانياً: التقاء الختانين: عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "إِذا جلسَ بين شُعَبِها (١) الأربع، ثمَّ جَهَدَها (٢)؛ فقد وجب الغُسل" (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِذا جَلَسَ بين

стр. 178

شُعَبها الأربع، ومسَّ الخِتانُ الخِتان (١)؛ فقد وجب الغُسل" (٢). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا التقى الختانان، وتوارت الحَشَفة (٣)؛ فقد وجب الغُسل" (٤) وعن حبيب بن شهاب عن أبيه؛ قال: "سألتُ أبا هريرة: ما يوجب الغُسل؟ فقال: إِذا غابَتِ المُدَّورة" (٥). قال النَّوويُّ في "المجموع" (٢/ ١٣٣): "وجوب الغُسل وجميع الأحكام المتعلِّقة بالجماع يُشتَرَط فيها تغييب الحشفة بكمالها في الفرج، ولا يُشترَط زيادة على الحشفة، ولا يتعلَّق ببعض الحشفة وحده شيء من الأحكام". انتهى. وهذا لأنَّه بأقلَّ من الحشفة لا يمسُّ الخِتان الخِتان.

стр. 179

وجاء في "سبل السلام" (١/ ١٥١): "قال الشافعي: إِنَّ كلام العرب يقتضي أنَّ الجنابة تُطلق بالحقيقة على الجماع، وإِن لم يكن فيه إِنزال؛ فإِنَّ كلَّ من خوطب بأنَّ فلاناً أجنبَ عن فلانة؛ عَقَلَ أنَّه أصابها، وإِن لم يُنْزِل. ولم يُخْتَلَف أنَّ الزِّنى الذي يجب به الجلد هو الجماع، ولو لم يكن منه إِنزال". ثمَّ قال ﵀ بعد ذلك: "فتعاضد الكتاب والسنَّة على إِيجاب الغسل من الإِيلاج". وكان جماعة من الصحابة ﵃ يرون أنَّ الغُسل لا يجب إلاَّ من إِنزال؛ لحديث أبي سعيد الخُدري ﵁ قال: خرجتُ مع رسول الله ﷺ يوم الاثنين إِلى قُباء، حتى إِذا كنَّا في بني سالم؛ وقف رسول الله ﷺ على باب عِتبان فصرخ به، فخرج يجرُّ إِزاره، فقال رسول الله ﷺ : "أعْجَلْنا (١) الرجل". فقال عِتبان: يا رسول الله! أرأيت الرَّجل يُعْجَل عن امرأته ولم يُمْنِ؛ ماذا عليه؟ قال رسول الله ﷺ : "إِنَّما الماء من الماء" (٢). غير أنَّ هذا الحديث نُسخ؛ لما نصَّ عليه أهل العلم. فعن أُبيّ بن كعب ﵁ قال: "إِنَّ الفُتيا التي كانوا يُفتون أنَّ

стр. 180

الماء من الماء؛ كانت رخصة رخَّصها رسول الله ﷺ في بدء الإِسلام، ثمَّ أمر بالاغتسال بعد" (١). قال النَّووي ﵀ في "شرحه" (٤/ ٣٦): "اعلم أنَّ الأمَّة مجتمعة الآن على وجوب الغُسل بالجماع، وإِن لم يكن معه إِنزال، وعلى وجوبه بالإِنزال، وكان جماعة من الصحابة على أنَّه لا يجب إلاَّ بالإِنزال، ثمَّ رجعَ بعضهم، وانعقد الإِجماع بعدُ بآخرين". ثالثاً: انقطاع الحيض والنِّفاس: لقول الله تعالى: ﴿ويَسْألونَكَ عن المحيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فاعْتَزِلوا النِّساءَ في المحيضِ ولا تَقرَبوهُنَّ حتَّى يَطْهُرْنَ فإِذا تَطَهَّرْنَ فأتُوهُنَّ من حيثُ أَمَرَكُمُ الله إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابينَ ويُحبُّ المُتَطَهِّرينَ﴾ (٢). ولحديث فاطمة بنت أبي حُبيش ﵂: كانت تُستحاض، فسأَلَت النبيّ ﷺ ؛ فقال: "ذلك عِرق وليست بالحيضة، فإِذا أقبَلت الحيضةُ؛ فدعي الصَّلاة، وإِذا أدبرتْ؛ فاغتسلي وصلِّي" (٣). وقد سمَّى رسول الله ﷺ الحيض نفاساً؛ كما في حديث عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكرُ إلاَّ الحجَّ، حتى جِئْنا
следующие страницы →