الأول: أنّ كون الإِنزال بغير جماع لا يفطّر؛ شيء، ومباشرة الصائم، شيء آخر، ذلك أنّنا لا ننصح الصائم وبخاصّة إِذا كان قوي الشهوة؛ أنْ يباشر وهو صائم، خشية أن يقع في المحظور؛ الجماع، وهذا سداً للذريعة المستفادة من عديد من أدلّة الشريعة، منها قوله ﷺ : "ومَن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه".
وكأنّ السيدة عائشة ﵂ أشارت إِلى ذلك بقولها حين روت مباشرة النّبيّ ﷺ وهو صائم: "وأيّكم يملك إِربه؟ ".
والأمر الآخر: أنّ المؤلف لمّا ذكر الاستمناء باليد، فلا يجوز لأحد أن ينسب إِليه أنّه مباح عنده، لأنّه إِنّما ذكَره لبيان أنَّه مبطل للصوم عنده.
وأما حكم الاستمناء نفسه، فلبيانه مجال آخر، وهو قد فصّل القول فيه، في "كتاب النكاح"، وحكى أقوال العلماء، واختلافهم فيه ...
وأمّا نحن؛ فنرى أنّ الحق مع الّذين حرَّموه، مستدلين بقوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إِلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أَيْمانهم فإِنّهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ (١).
ولا نقول بجوازه لمن خاف الوقوع في الزنا، إِلا إِذا استعمل الطبَّ النبوي، وهو قوله ﷺ للشباب في الحديث المعروف الآمر لهم بالزواج:
"فمن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنّه له وجاء".
ولذلك فإِننا نُنكر أشد الإِنكار على الذين يُفتون الشباب بجوازه؛ خشية الزنا، دون أن يأمرهم بهذا الطبّ النّبويّ الكريم". انتهى.
стр. 1157
وقال أخي الشيخ مشهور حسن -حفظه الله تعالى- في مقدّمة تحقيقه على "بلوغ المنى في حُكم الاستمنى" للشوكاني ﵀ ملخّصاً ما ذهب إِليه في مسألة الاستمناء-: "إِنْ فعَله ليكسر حدَّة شهوته، وشدّة شبقه فحسب فحرام، فإِنْ كان هذا الفعل لدفع مضرّة الزنى أو اللواط، التي باتت أو كادت [أن تكون] متحققة في حقّه، فهو مباح بعد أن يجرّب الصيام، ويجاهد نفسه، ويتقي الله ما استطاع". انتهى.
قلت: فلا تنظرنّ إِلى كلمة (فهو مباح) حتى تنظر فيما أشار إِليه من الصيام ومجاهدة النفس، والتقوى المستطاعة؛ وهذا يتضمّن التحصُّن بالصلاة الخاشعة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقراءة القرآن، والأذكار، والدعاء والابتهال إِلى الله -سبحانه- أن يصرف عنك مقته وغضبه.
فإِذا اجتمع هذا مع اجتناب الأطعمة والأشربة المثيرة للشهوة، مع غضّ البصر والابتعاد عن الاختلاط وأسباب الفتنة، فإِن النجاة بإِذن الله -تعالى- متحقّقة.
لكن؛ لا بُدّ لنا أن نُذكّر بقول رسول الله ﷺ : "إِن تصدق الله يصدقْك" (١)، وبالله التوفيق.
وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢١٤): " ... وأمّا من استمنى فإِنه يُفطر".
وتقدم ما جاء في "الصحيحة" (١/ ٤٣٧): "وروى ابن أبي شيبة (٢/ ١٧٠/١) عن عمرو بن هرم قال: سُئل جابر بن زيد عن رجل نظر إِلى امرأته في رمضان فأمنى من شهوتها؛ هل يفطر؟ قال: لا؛ ويتمّ صومه".
стр. 1158
قال شيخنا ﵀: وإسناده جيّد، وعلّقه البخاري على عمرو بصيغة الجزم، وسكت عنه الحافظ (٤/ ١٥١).
وترجم ابن خزيمة للحديث بقوله: "باب الرخصة في المباشرة التي هي دون الجماع للصائم، والدليل على أنّ اسم الواحد قد يقع على فعلين أحدهما مباح والآخر محظور".
وجاء في التعليق على "بلوغ المنى في حُكم الاستمنى" (ص٥٤ - في التعليق): "وقرّر المرغيناني في "الهداية" أنّ الاستمناء لا يفطّر ... ".
وانظر تفصيل الشيخ مشهور -حفظه الله- (ص ٥٤) فإِنه نافع قويّ.
قلت: ومهما يكن مِن أمر؛ فإِنّه لا ينبغي أن نختلف، أو نتفرّق، أو نُوالي، أو نعادي في هذه المسائل.
فهناك من قال من أهل العلم أنّ الاستمناء يفطّر، وهناك من قال أنّه لا يفطّر ولا شكّ أنّه حرام -أي باليد ونحوه- لما ذَكرناه وقدّمناه.
أمّا الاستمناء بضمّ الزوجة ونحو ذلك في الصيام؛ فمن رأى بعد الاطلاع على ما قال أهل العلم أنّ ذلك لا يفطّر فله ذلك، ومن رأى أنّه يفطّر؛ فإِنّ العلماء القائلين بأنّه لا يفطّر؛ لم يوجبوا عليه هذا الفعل.
لكن ليس لأحدٍ أن يُلزم الآخر برأيه، والمهم ألا يتبع المرء هواه، فما دام قد اعتمد على أقوال العلماء، مع بذل الأسباب في معرفة الحقّ والصواب، والتجرّد من الهوى والتعصّب، فقد سدّد وقارب ونجا بإِذن الله -تعالى- وبالله التوفيق.
стр. 1159
قضاء رمضان
من أفطر لعذر شرعي وجب عليه القضاء.
جاء في "الرّوضة النّدية" (١/ ٥٤٧): "يجب على مَنْ أفطر لعذر شرعي أنْ يقضي؛ كالمسافر والمريض.
وقد صرح بذلك القرآن الكريم: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيّام أُخر﴾ (١).
وقد ورد في الحائض حديث معاذة عن عائشة ﵂ ... والنفساء مِثلها". [بلفظ: فتؤمر بقضاء الصِّيام ولا تؤمر بقضاء الصّلاة] (٢).
متى يقضى قضاء رمضان (٣)
قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿فعِدَّة من أيّام أُخر﴾ (٤): في القضاء " ... هل يجب متتابعاً أو يجوز فيه التفريق فيه قولان:
أحدهما: أنّه يجب التتابع، لأنّ القضاء يحكي الأداء.
والثاني؛ لا يجب التتابع، بل إِنْ شاء تابع، وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل؛ لأن التتابع إِنِّما وجب في الشّهر؛ لضرورة
стр. 1160
أدائه في الشّهر، فأمّا بعد انقضاء رمضان، فالمراد صيام أيام عدّة ما أفطر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فعدّة من أيّام أُخر﴾ ". انتهى.
عن أبي سلمة قال: سمعْتُ عائشة ﵂ تقول: "كان يكون عليَّ الصيام من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلاَّ في شعبان. قال يحيى: الشُّغل من النّبيّ ﷺ أو بالنّبيّ ﷺ " (١).
وقال ابن عبّاس ﵄: "لا بأس أن يُفرِّق؛ لقوله الله تعالى: ﴿فعدّة من أيّام أُخر﴾ (٢).
وعنه ﵄ كذلك في قضاء رمضان: "صُمه كيف شئت"، وقال ابن عمر ﵄ "صُمه كما أفطرته" (٣).
وعن ابن عمر ﵄ في قضاء رمضان-: "يُتابِع بينه" (٤).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: يواتِره (٥) إِن شاء" (٦).
стр. 1161
قال شيخنا ﵀ في "الإِرواء" (٤/ ٩٧): "وخلاصة القول؛ أنّه لا يصحّ في التفريق ولا في المتابعة حديث مرفوع، والأقرب جواز الأمرين كما في قول أبي هريرة ﵁[المتقدّم: "يُواتره إِن شاء] (١) ".
جاء في "الفتح" (٤/ ١٨٩): "قال الزين بن المنيِّر [-بحذف بعد حديث عائشة ﵂ السابق]: ... وظاهر صنيع عائشة يقتضي إِيثار المبادرة إِلى القضاء لولا ما منَعَها من الشغل، فيشعر بأنّ من كان بغير عذر لا ينبغي له التأخير. قلت: -أي: الحافظ ﵀: ظاهر صنيع البخاري يقتضي جواز التراخي والتفريق؛ لما أودَعَه في الترجمة من الآثار كعادته -وهو قول الجمهور-.
ونقل ابن المنذر وغيره عن عليّ وعائشة وجوب التتابع، وهو قول بعض أهل الظاهر.
وروى عبد الرزاق بسنده عن ابن عمر قال: يقضيه تباعاً ... ولا يختلف المجيزون للتفريق أنَّ التتابع أولى".
وجاء في "تمام المِنّة" (ص٤٢١): "قوله -أي: الشيخ السيد سابق ﵀: "قضاء رمضان لا يجب على الفور، بل يجب وجوباً موسَّعاً في أيِّ وقت، وكذلك الكفَّارة".
قلت: -أي: شيخنا ﵀ هذا يتنافى مع قوله تعالى: ﴿وسارعوا إِلى مغفرة من ربّكم﴾ [آل عمران: ١٣٣]، فالحقّ وجوب المبادرة إِلى القضاء حين الاستطاعة، وهو مذهب ابن حزم (٦/ ٢٦٠)، وليس يصحُّ في
стр. 1162
السُّنّة ما يعارض ذلك.
وأمّا استدلال المؤلف على عدم الوجوب بقوله: "فقد صحّ عن عائشة أنّها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان. (رواه أحمد ومسلم)، ولم تكن تقضيه فوراً عند قدرتها على القضاء".
فليس بصواب؛ لأنّه ليس في حديث عائشة أنّها كانت تقدر أن تقضيه فوراً، بل فيه عكس ذلك، فإِنّ لفظ الحديث عند مسلم (٣/ ١٥٤ - ١٥٥): "كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إِلا في شعبان، الشغل من رسول الله ﷺ ، أو برسول الله ﷺ ".
وهكذا أخرجه البخاري أيضاً في "صحيحه" -خلافاً لما أوهمه تخريج المصنف- وفي رواية لمسلم عنها قالت: "إِنْ كانت إِحدانا لتفطر في زمان رسول الله ﷺ ، فما تقدر على أنْ تقضيه مع رسول الله ﷺ حتى يأتي شعبان".
فالحديث بروايتيه صريح؛ في أنّها كانت لا تستطيع، ولا تقدر على القضاء قبل شعبان، وفيه إِشعار بأنَّها لو استطاعت لَمَا أخّرته، فهو حجّة على المؤلف ومَن سبَقه.
ولذلك قال الزين بن المنيِّر ﵀: "وظاهر صنيع عائشة يقتضي إِيثار المبادرة إِلى القضاء، لولا ما منعها من الشغل، فيشعر بأنّ مَنْ كان بغير عذر، لا ينبغي له التأخير" (١).
واعلم أنّ ابن القيم والحافظ وغيرهما قد بيّنا أنّ قوله في الحديث:
стр. 1163
"الشُّغل من رسول الله ﷺ ، أو برسول الله ﷺ "؛ مدرج في الحديث، ليس من كلام عائشة، بل من كلام أحد رواته، وهو يحيى بن سعيد، ومن الدليل على ذلك قول يحيى في روايةٍ لمسلم: "فظننت أنّ ذلك لمكانها من النّبيّ ﷺ ".
ولكن هذا لا يخدج فيما ذكَرنا؛ لأنّنا لم نستدل عليه بهذا المدرج، بل بقولها: "فما أستطيع .. "، والمدرج؛ إِنّما هو بيان لسبب عدم الاستطاعة، وهذا لا يهمنا في الموضوع.
ولا أدري كيف خفي هذا على الحافظ حيث قال في خاتمة شرح الحديث: "وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقاً، سواء كان لعذر أو لغير عذر؛ لأن الزيادة كما بيّناه مدرجة ... فخفي عليه أنّ عدم استطاعتها هو العذر فتأمّل".
وجاء فيه (ص٤٢٤): "وجملة القول؛ أنّه لا يصحّ في هذا الباب شيء لا سلباً ولا إِيجاباً، والأمر القرآني بالمسارعة يقتضي وجوب المتابعة إلاَّ لعذر، وهو مذهب ابن حزم أيضاً (٦/ ٢٦١)، قال: "فإِنْ لم يفعل فيقضيها متفرِّقة، وتجزيه لقول الله تعالى: ﴿فعدّةٌ من أيّام أُخر﴾، ولم يحدد تعالى في ذلك وقتاً يبطل القضاء بخروجه، وهو قول أبي حنيفة". انتهى.
والخلاصة التي بدت لي: وجوب الصوم على الفور إِلا من عُذر، مع التتابع.
وجواز تفريقه من عُذرٍ أو ابتغاء استراحة؛ تدفع عنه مشقة التتابع، إِذ القول بجواز عدم الصيام على الفور وعدم التتابع، قد يفضي إِلى تأخير القضاء
стр. 1164
شهوراً أو سنوات، وقد يقول قائل: إِنّ تأخير عائشة ﵂ قضاءَها إِلى شعبان ليس على الوجوب. فماذا إِذاً؟!
أليس هذا بِمُفضٍ إِلى التقصير والتأخير؛ بل التفريط؟!
ولا يخفى علينا قوله تعالى: ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غداً﴾ (١).
وعن أبي أُمَامَة بن سهل قال: "دخلت أنا وعروة بن الزبير يوماً على عائشة، فقالت: لو رأيتما نبيّ الله ﷺ ذات يوم، في مَرضٍ مَرِضَه.
قالت: وكان له عندي ستةُ دنانير -قال موسى: أو سبعة- قالت: فأمرني نبيّ الله ﷺ أن أفرّقها، قالت: فشغلني وجع نبيّ الله ﷺ حتى عافاه الله.
قالت: ثم سألني عنها؟ فقال: ما فعَلت الستة -قال: أو السبعة-؟ قلت: لا والله، لقد كان شغلني وجعك.
قالت: فدعا بها، ثمّ صفَّها في كفّه، فقال: "ما ظنُّ نبيِّ الله لو لقي الله ، وهذه عنده! يعني: ستة دنانير أو سبعة" (٢).
فهذا هو حُسن الظنّ بالله -سبحانه- فمن وافتْه المنيّة وقد أدّى ذلك؛ فقد فعَل الخير.
ومن وافتْه المنيّة في فترةٍ كان يستريح فيها يوماً أو يومين أو أكثر من ذلك، ذلك بحسب طاقته وقدرته، وقد عَلِم الله تعالى منه صِدق نيّته، فإِنه يرتجى له من الله المغفرة والرحمة، ولكن من أَخّر وسوَّف، فهذا الذي نرثي
стр. 1165
له ونأسف عليه.
ثمّ ما الفرق بين هذا وبين الذي استطاع الحجّ فأجّله لغير عُذر، ثمّ جاء أجله ولم يحجّ!
وعلى كلّ حال إِنّ مدار الأمر لا يُغادر وجود العُذر وعدم الاستطاعة؛ لمن أجَّل وفرّق، والله -تعالى- أعلم.
ثمَّ تدبّرت بعض ما جاء في الطرق الأُخرى من حديث عائشة ﵂ المتقدّم بلفظ: "إِنْ كانت إِحدانا لتُفطر في زمان رسول الله ﷺ ؛ فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله ﷺ ؛ حتى يأتي شعبان" (١).
فتأمّل يرحمك الله: "أنْ تقضيه مع رسول الله ﷺ "، وتدبّر -وفّقك الله- الطريق الأخرى بلفظ: "ما كنتُ أقضي ما يكون عليّ من رمضان إلاَّ في شعبان، حتى توفّي رسول الله ﷺ " (٢).
فماذا بعد أن توفّي رسول الله ﷺ ؟
هل كانت عائشة ﵂ تؤخّر القضاء إِلى شعبان؟
لا شكّ أنّ الجواب ظاهر، لأنّ الشغل برسول الله ﷺ لا وجود له بعد مصيبة موته ﷺ .
وكذلك لا محلّ لعدم الاستطاعة التي كانت تقولها ﵂:
стр. 1166
"فما أستطيع" كما هو في حياته.
فلمن كان في مثل حال عائشة ﵂ من الشُّغل، مِمّا يعذرها ولا تستطيع معه القضاء، نقول: لا بأس لا بأس!
وفي حديث جابر ﵁ قال: "مرّ النّبيّ ﷺ برجل يقلِّب ظهره لبطنه، فسأل عنه؟ فقالوا: صائم يا نبي الله! فدعاه فأمره أنْ يفطر فقال: أما يكفيك في سبيل الله، ومع رسول الله ﷺ حتى تصوم؟! " (١).
وهكذا لأمَ النّبيّ ﷺ ذلك الصحابي الذي كان يعاني من مشقة الصيام، على صومه، قائلاً: أما يكفيك في سبيل الله، ومع رسول الله ﷺ حتى تصوم؟! وتأجيل عائشة من هذا الباب ... ومع رسول الله ﷺ " -والله تعالى أعلم-.
ثمّ إِنّ هذا يدخل في مسألة أعمّ من هذه وهي: "ما حُكم أداء ما يتوجّب من الحقوق المتعلّقة بالله -سبحانه- أو العباد؟ أعلى الفور أمْ على التراخي؟ ".
ويطول الكلام في هذا، وحسْبنا قوله ﷺ : "مطل (٢) الغني ظُلم" (٣).
وعن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: "لَيّ (٤) الواجد (٥)
стр. 1167
يُحلّ (١) عِرْضَه (٢) وعقوبته (٣) " (٤).
ولنا أنْ نقول مقولة النّبيّ ﷺ في غير هذه المناسبة: "فدين الله أحقُّ أنْ يُقضى" (٥).
وما تقدّم من آثار في جواز التفريق، ينبغي أن تُحمل على العُذر؛ لا على مضادّة قوله سبحانه: ﴿وسارعوا إِلى مغفرةٍ من ربّكم وجنَّةٍ عرضها السَّموات والأرض أُعدَّت للمتَّقين﴾ (٦).
هل على من أَخَّر القضاء كفّارة ؟
لم يَرِد في هذا حديث مرفوع، فلا كفّارة.
وسألت شيخنا ﵀ عن هذا فقال: هناك قول، ولكن ليس هناك حديث مرفوع.
هل يقضي مَن أَفطر متعمّداً ؟
إِذا أفطر متعمِّداً في رمضان، هل يُشرع له قضاؤه أم لا؟
стр. 1168
قال شيخنا ﵀ في "تمام المنّة" (ص ٤٢٥) -بحذف وتصرف- بعد أن رجّح عدم القضاء: "والظاهر الثاني، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية، فقد قال في "الاختيارات" (ص ٦٥): "لا يقضي متعمِّدٌ بلا عذرٍ صوماً ولا صلاة، ولا تصحُّ منه، وما رُوي أنّ النّبيّ ﷺ أمر المجامع في رمضان بالقضاء ضعيف".
وهو مذهب ابن حزم، ورواه عن أبي بكر الصدّيق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأبي هريرة، فراجع "المُحلّى" (٦/ ١٨٠ - ١٨٥) [المسألة: ٧٣٥].
والحقّ أنه ثابت صحيح بمجموع طرقه كما قال الحافظ ابن حجر، وأحدها صحيح مرسل كما كنت بيّنته في تعليقي على رسالة ابن تيمية في "الصيام" (ص ٢٥ - ٢٧)، ثمّ في "إِرواء الغليل" (٤/ ٩٠ - ٩٢). فقضاء المجامع من تمام كفّارته، فلا يلحق به غيره من المفطرين عمداً.
أمّا الصلاة فهو مختار المصنّف (١) أيضاً تبعاً لابن حزم -وقد كان نقَل كلامه في ذلك مُلخَّصاً في "الصلاة" قبيل "الجمعة"- وكان يلزمه أن يختار مثله في الصوم، فإِنّ دليل عدم القضاء فيه مثله في الصلاة.
ولا سيّما أنّه مذهب ابن حزم أيضاً، فقد قال: "برهان ذلك أنّ وجوب القضاء في تعمُّد القيء قد صحَّ عن رسول الله ﷺ ... ولم يأت في فساد الصوم بالتعمد للأكل أو الشرب أو الوطء نصٌّ بإِيجاب القضاء.
стр. 1169
وإنما افترض تعالى رمضان -لا غيره- على الصحيح المقيم العاقل البالغ، فإِيجاب صيام غيره بدلاً منه؛ إِيجاب شرْعٍ لم يأذن الله -تعالى- به، فهو باطل.
ولا فرق بين أنْ يوجب الله -تعالى- صوم شهر مسمّى، فيقول قائل: إِنّ صوم غيره ينوب عنه بغير نصّ وارد في ذلك، وبين من قال: إِنّ الحجّ إِلى غير مكّة ينوب عن الحجّ إِلى مكّة، والصلاة إِلى غير الكعبة، تنوب عن الصلاة إِلى الكعبة، وهكذا في كل شيء.
قال الله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ (٢).
ثمّ شرع يرُدُّ على المخالفين قياسهم كل مفطر بعمد؛ على المفطر بالقيء، وعلى المجامع في رمضان.
ثم روى مثل قوله عن الخلفاء الراشدين حاشا عثمان، وعن ابن مسعود وأبي هريرة، فراجِعه.
قلت [أي: شيخنا ﵀]: لكن المجامع في رمضان قد صح أنّه أمره بالقضاء أيضاً".
قضاء صوم النَّذر عن الميت من قِبل وليِّه
عن عائشة ﵂ أنّ رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه
стр. 1170
صيام (١) صام عنه وليُّه" (٢).
وعن ابن عباس ﵄: "أنّ امرأة ركبَت البحر فنذَرت، إِنِ الله ﵎ أَنْجاها أنْ تصوم شهراً، فأنجاها الله ، فلم تصم حتى ماتت.
فجاءت قرابة لها [إِمّا اختها أو ابنتها] إِلى النّبيّ ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: [أرأيتك لو كان عليها دَيْن كُنتِ تقضينه؟ قالت: نعم، قال: فَدَيْن الله أحق أن يُقضى]، [فـ] اقضِ [عن أمّك] " (٣).
وعنه ﵄: "أنّ سعد بن عبادة ﵁ استفتى رسول الله ﷺ فقال: إِنّ أمّي ماتت وعليها نذر فقال: اقضه عنها" (٤).
جاء في "أحكام الجنائز" (ص ٢١٥) -بتصرّف بعد أنْ ذكَر هذه الأحاديث-:
"قلت: وهذه الأحاديث صريحة الدَّلالة في مشروعيَّة صيام الوليّ عن
стр. 1171
الميِّت صوم النَّذر، إلاَّ أنّ الحديث الأوّل (١) يدلُّ بإِطلاقه على شيء زائدٍ على ذلك، وهو أنّه يصوم عنه صوم الفرض أيضاً، وقد قال به الشافعيَّة، وهو مذهب ابن حزم (٧/ ٢، ٨) وغيرهم.
وذهب إِلى الأوّل الحنابلة، بل هو نصُّ الإِمام أحمد، فقال أبو داود في "المسائل" (٩٦): "سمعت أحمد بن حنبل قال: لا يُصامُ عن الميِّت إلاَّ في النَّذر".
وحمَل أتباعه الحديث الأوَّل على صوم النَّذر، بدليل ما روت عَمْرة: أن أمّها ماتت وعليها من رمضان فقالت لعائشة: أقضيه عنها؟ قالت: لا بل تصدَّقي عنها مكان كل يوم نصف صاعٍ على كل مسكين. أخرجه الطحاوي (٣/ ١٤٢) وابن حزم (٧/ ٤) واللفظ له بإِسنادٍ؛ قال ابن التركماني: صحيح.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "إِذا مرض الرجل في رمضان، ثمّ مات ولم يصم؛ أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نَذْر قضى عنه وليُّه".
أخرجه أبو داود بسند صحيح على شرط الشيخين، وله طريق آخر بنحوه عند ابن حزم (٧/ ٧) وصحح إِسناده.
قلت: [أي: شيخنا ﵀] وهذا التفصيل الذي ذَهَبتْ إِليه أمّ المؤمنين، وحَبْر الأمّة ابن عبّاس ﵄ وتابعهما إِمام السنَّة أحمد بن حنبل، هو الذي تطمئنُّ إِليه النَّفس، وينشرح له الصدر، وهو أعدل
стр. 1172
الأقوال في هذه المسألة وأوسطها.
وفيه إِعمالٌ لجميع الأحاديث؛ دون ردٍّ لأيّ واحد منها، مع الفهم الصحيح لها؛ خاصّة الحديث الأول منها، فلم تَفْهَم منه أمُّ المؤمنين ذلك الإِطلاق الشامل لصوم رمضان، وهي راويته.
ومن المقرَّر أنَّ راوي الحديث أدرى بمعنى ما روى، لا سيّما إِذا كان ما فَهِمَ هو الموافق لقواعد الشريعة وأصولها، كما هو الشأن هنا". انتهى.
وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٦٩): "وسُئل عن الميِّت في أيّام مرضه أدركه شهر رمضان، ولم يكن يقدر على الصّيام، وتوفّي وعليه صيام شهر رمضان.
وكذلك الصلاة مدّة مرضه، ووالديه بالحياة. فهل تسقط الصلاة والصيام عنه إِذا صاما عنه، وصلّيا؟ إِذا وصَّى، أو لم يوصِ؟
فأجاب: إِذا اتّصل به المرض، ولم يمكنه القضاء فليس على ورثته إلاَّ الإِطعام عنه، وأمّا الصلاة المكتوبة، فلا يصلِّي أحد عن أحد، ولكن إِذا صلَّى عن الميت واحد منهما تطوُّعا، وأهداه له، أو صام عنه تطوُّعاً وأهداه له، نفَعه ذلك، والله أعلم".
وجاء في "تهذيب السنن" لابن القيم ﵀ (٧/ ٢٧): "وقد اختلف أهل العلم فيمن مات وعليه صوم هل يقضى عنه؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يُقضى عنه بحال، لا في النّذر ولا في الواجب الأصلي، وهذا ظاهر مذهب الشافعي، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابه.
стр. 1173
الثاني: أنّه يُصام عنه فيهما، وهذا قول أبي ثور وأحد قولي الشافعي.
الثالث: أنّه يُصام عنه النَّذر دون الفرض الأصلي، وهذا مذهب أحمد المنصوص عنه، وقول أبي عبيد والليث بن سعد، وهو المنصوص عن ابن عباس.
روى الأثرم عنه أنه "سئل عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر، وعليه صوم رمضان؟ قال: أمّا رمضان فليطعم عنه، وأمّا النَّذر فيصام".
وهذا أعدل الأقوال، وعليه يدلُّ كلام الصحابة، وبهذا يزول الإِشكال.
وتعليل حديث ابن عباس أنه قال: "لا يصوم أحد عن أحد، ويُطْعم عنه"، فإِنّ هذا إِنّما هو في الفرض الأصلي، وأمّا النَّذر فيصام عنه، كما صرَّح به ابن عباس.
ولا معارضة بين فتواه وروايته، وهذا هو المرويُّ عنه في قصّة مَنْ مات وعليه صوم رمضان وصوم النَّذر، فرَّق بينهما، فأفتى بالإِطعام في رمضان، وبالصوم عنه في النَّذر.
فأيُّ شيء في هذا ممّا يوجب تعليل حديثه؟ وما روي عن عائشة من إِفتائها في التي ماتت وعليها الصوم: أنّه يُطعَم عنها؛ إِنما هو في الفرض لا في النذر؛ لأنّ الثَّابت عن عائشة فيمن مات وعليه صيام رمضان: "أنّه يطعم عنه في قضاء رمضان، ولا يصام".
فالمنقول عنها كالمنقول عن ابن عباس سواء، فلا تعارُضَ بين رأيها وروايتها.
стр. 1174
وبهذا يظهر اتفاق الروايات في هذا الباب، وموافقة فتاوى الصحابة لها، وهو مقتضى الدليل والقياس، لأنّ النّذر ليس واجباً بأصل الشرع، وإنّما أوجبه العبد على نفسه، فصار بمنزلة الدَّين الذي استدانه.
ولهذا شبَّهه النّبيّ ﷺ بالدَّين في حديث ابن عبّاس، والمسؤول عنه فيه؛ أنّه كان صوم نذر، والدين تدخله النيابة.
وأمّا الصوم الذي فرَضه الله عليه ابتداء؛ فهو أحد أركان الإِسلام، فلا يدخله النيابة بحال، كما لا يدخل الصلاة والشهادتين، فإِنّ المقصود منها طاعة العبد بنفسه، وقيامه بحقِّ العبودية التي خُلِقَ لها وأُمِر بها.
وهذا أمر لا يؤدّيه عنه غيره، كما لا يُسْلِم عنه غيره، ولا يصلِّي عنه غيره، وهكذا من ترك الحجّ عمداً مع القدرة عليه حتى مات أو ترَك الزكاة فلم يُخرجها حتى مات (١)، فإِنّ مقتضى الدليل وقواعد الشرع: أن فِعْلهما عنه بعد الموت لا يبرئ ذمَّته. ولا يُقبل منه، والحق أحقُّ أن يتبع.
وسرُّ الفرق: أنَّ النَّذر التزام المكلَّف لِمَا شُغِل به ذمَّته، لا أنّ الشارع ألْزَمه به ابتداءً، فهو أخف حُكْماً ممّا جعله الشَّارع حقاً له عليه، شاء أم أبى.
والذِّمّة تسَع المقدور عليه والمعجوز عنه، ولهذا تقبل أنْ يشغلها المكلِّف بما لا قُدرة له عليه؛ بخلاف واجبات الشرع، فإِنِّها على قدر طاقة البدن، لا تجب على عاجز.
стр. 1175
فواجب الذِّمَّة أوسع من واجب الشرع الأصلي، لأنَّ المكلّف متمكِّن من إِيجاب واجبات كثيرة على نفسه لم يوجبها عليه الشارع.
والذِّمَّة واسعة، وطريق أداء واجبها أوسع من طريق أداء واجب الشرع، فلا يلزم من دخول النِّيابة في واجبها بعد الموت دخولها في واجب الشرع.
وهذا يبيِّن أنّ الصحابة أفقه الخلْق، وأعمقهم عِلماً، وأعرفهم بأسرار الشرع ومقاصده وحكمه، وبالله التوفيق".
والخلاصة: "أنّه لا يُصام عن الميِّت إلاَّ صوم النَّذر، أمّا رمضان فيطعم عنه".
والحديث المتقدم: "من مات وعليه صيام صام عنه وليّه". يحمل على صوم النّذر.
وكذلك حديث ابن عباس ﵄ " جاء رجل إِلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله إِنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: نعم؛ فدين الله أحقّ أن يقضى" (١).
فقد جاء ما يفسّرهما عند الشيخين أنّه صوم النَّذر قال شيخنا في "تمام المنّة" (ص ٤٢٨) في الرَّد على السيد السابق -رحمهما الله تعالى- بعد قوله وروى أحمد وأصحاب السنن: "هذا يوهم أنّه لم يخرِّجه من هو أرقى في الصحَّة من المذكورين، وليس كذلك، فقد أخرجه الشيخان (٢) في "الصوم"
стр. 1176
عن ابن عباس، وفي رواية لهما: "ماتت وعليها صوم نذر".
فهذا الحديث إِذن وارد فى صوم النَّذر، فلا يجوز الاستدلال به على صوم الفرض كما فعل المؤلِّف".
ماذا يقول الصائم إِذا دُعي إِلى طعام ؟
عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "إذا دُعي أحدكم إِلى طعام وهو صائم؛ فليقل: إِنّي صائم" (١).
وفي الحديث الإِشارة إِلى تأليف القلوب وتطييب خاطر الداعي.
وإنّ ممّا يُخشى من عدم قوله: "إِني صائم" إِحداث شيءٍ في نفس الداعي، أو ظنّه أن الطعام أو الشراب لم يُعجِب الزائر، فيتكلّف في إِحضار غيره، والله -تعالى- أعلم.
الترغيب في إِطعام الصائم (٢)
عن زيد بن خالد الجهني ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "من فطَّر صائماً؛ كان له مثل أجره، غير أنّه لا ينقص من أجر الصَّائم شيء" (٣).
стр. 1177
الصوم لمن لم يستطع الباءة (١)
عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "دخلت مع علقمة والأسود على عبد الله، فقال عبد الله: كنّا مع النّبيّ ﷺ شباباً لا نجد شيئاً، فقال لنا رسول الله ﷺ : يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإِنّه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنّه له وِجاء (٢) " (٣).
ليلة القدر
فضلها:
ليلة القدر لها فضْل عظيم، فهي خيرٌ من ألف شهر، وهى أفضل ليالي رمضان.
قال الله تعالى: ﴿إِنّا أنْزلناه في ليلة القدر* وما أدراك ما ليلة القدر* ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر* تنزّل الملائكة والرُّوح فيها بإِذن ربِّهم من كل أَمْر سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ (٤).
стр. 1178
جاء في تفسير العلاّمة السعدي ﵀: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ أي: تعادل في فضلها ألف شهر، فالعمل الذي يقع فيها، خير من العمل في ألف شهر، خالية منها.
وهذا ممّا تتحيَّر فيه الألباب، وتندهش له العقول، حيث مَنَّ -تعالى- على هذه الأمّة الضعيفة القوّة والقوى؛ بليلة يكون فيها العمل يقابل ويزيد على ألف شهر، عمر رجل معمّر عمراً طويلاً، نيفاً وثمانين سنة.
وجاء في "تفسير ابن كثير" ﵀ في قوله تعالى: ﴿تنزَّلُ الملائكة والرّوح فيها﴾ أي: يكثُر تنزُّل الملائكة في هذه الليلة؛ لكثرة بركتها، والملائكة يتنزّلون مع تنزُّل البركة والرحمة، كما يتنزَّلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بِحِلَق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق؛ تعظيماً له".
متى تُتحرّى وتُلتمس ؟
جاء في "الروضة النديّة" (١/ ٥٧٦): "وفي المسوّى: "اختلفوا في أي ليلة هي أرجى، والأقوى إِنّها ليلة في أوتار العشرة الأخيرة، تتقدّم وتتأخّر"، "وقول أبي سعيد: أنّها ليلة إِحدى وعشرين".
وقال المزني، وابن خزيمة (١): إِنِّها تنتقل كلّ سنة ليلة؛ جَمْعاً بين الأخبار.
قال في "الروضة": وهو قوي، ومذهب الشافعي أنَّها لا تلزم ليلة بعينها، وفي "المنهاج" ميل الشافعي إِلى أنَّها ليلة الحادي والثالث والعشرين، وعن
стр. 1179
أبي حنيفة أنّها في رمضان، لا يدري أية ليلة هي ... ". انتهى.
قال أبو عيسى الترمذي ﵀: "وروي عن النّبيّ ﷺ في ليلة القدر: أنّها ليلة إِحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين، وآخر ليلة من رمضان" (١). انتهى.
عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يجاور (٢) في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: تحرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" (٣).
وعنها ﵂ أيضاً أنّ رسول الله ﷺ قال: "تحرَّوا ليلة القدْر في الوتر من العشْر الأواخر من رمضان" (٤).
عن ابن عمر ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: "تحرَّوا ليلة القدر في السَّبْع الأواخر" (٥).
وفي لفظ له قال: "قال رسول الله ﷺ : التمسوها في العشر الأواخر (يعني ليلة القدر)، فإِن ضَعُف أحدكم أو عجز؛ فلا يُغلَبنَّ على السَّبْع البواقي" (٦).
стр. 1180
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "اعتكف رسول الله ﷺ العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر؛ قبل أنْ تُبان له (١)، فلما انقضين أمَر بالبناء فقوِّض (٢)، ثم أبينتْ له أنّها في العشر الأواخر.
فأمر بالبناء فأُعيد، ثمّ خرج على النّاس، فقال: يا أيها الناس! إِنّها كانت أُبينت لي ليلة القدر، وإِنِّي خرجتُ لأُخبركم بها، فجاء رجلان يحْتَقَّانِ (٣) معهما الشيطان، فَنُسِّيتُها، فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة.
قال قلت: يا أبا سعيد! إِنّكم أعلم بالعدد منّا قال: أجل، نحن أحقُّ بذلك منكم، قال قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟
قال: إِذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها ثنتين وعشرين وهي التاسعة، فإِذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة" (٤).
عن عبد الله بن أُنَيس أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أُريت ليلة القدر ثمّ أُنسِيتُها، وأراني صُبْحَها أسجد في ماء وطين.
قال: فمُطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلَّى بنا رسول الله ﷺ فانصرف، وإنَّ
стр. 1181
أثر الماء والطّين على جبهته وأنفه.
قال: وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرين" (١).
وعن ابن عباس ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر في تاسعة تبقى (٢)، في سابعة تبقى (٣)، في خامسةٍ (٤) تبقى" (٥).
وعن معاذ بن جبل أنَّ رسول الله ﷺ : سُئل عن ليلة القدر؟ فقال: "هي في العشر الأواخر، أو في الخامسة، أو في الثالثة" (٦).
وعن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "هي في العشر الأواخر، في تسع (٧) يمضين أو في سبع (٨) يبقين" (٩).
стр. 1182
وعن معاوية ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "التمسوا ليلة القدر آخر ليلة من رمضان" (١).
وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٨٤) -بحذف-: "وسُئل عن ليلة القدر وهو معتقل بالقلعة قلعة الجبل -سنة ست وسبعمائة-.
فأجاب: الحمد لله، ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، هكذا صحّ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "هي في العشر الأواخر من رمضان" (٢)، وتكون في الوتر منها.
لكنّ الوتر يكون باعتبار الماضي، فتطلب ليلة إِحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين.
ويكون باعتبار ما بقي كما قال النّبيّ ﷺ : "لتاسعةٍ تبقى، لسابعةٍ تبقى، لخامسة تبقى، لثالثة تبقى" (٣).
فعلى هذا إِذا كان الشهر ثلاثين؛ يكون ذلك ليال الأشفاع، وتكون الاثنين وعشرين تاسعة تبقى، وليلة أربع وعشرين سابعة تبقى، وهكذا فسّره أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح، وهكذا أقام النّبيّ ﷺ في الشَّهر.
стр. 1183
وإِن كان الشَّهر تسعاً وعشرين، كان التاريخ بالباقي، كالتاريخ الماضي.
وإذا كان الأمر هكذا، فينبغي أنْ يتحرّاها المؤمن في العشر الأواخر جميعه؛ كما قال النّبيّ ﷺ : "تَحَرَّوها في العشر الأواخر" (١).
وتكون في السَّبع الأواخر أكثر، وأكثر ما تكون ليلة سبع وعشرين، كما كان أُبيّ بن كعب يحلف اُنّها ليلة سبع وعشرين ...
وقد يكشفها الله لبعض الناس في المنام، أو اليقظة فيرى أنوارها، أو يرى من يقول له هذه ليلة القدر، وقد يفتح على قلبه من المشاهدة ما يتبيّن به الأمر، والله -تعالى- أعلم".
وسُئل عن ليلة القدر وليلة الإِسراء بالنّبيّ ﷺ أيّهما أفضل؟
فأجاب: "بأنَّ ليلة الإِسراء أفضل في حقّ النّبيّ ﷺ وليلة القدر أفضل بالنسبة إِلى الأمّة، فحظُّ النّبيّ ﷺ الذي اختُصّ به ليلة المعراج منها؛ أكمل من حظّه من ليلة القدر.
وحظ الأمّة من ليلة القدر أكمل من حظهم من ليلة المعراج، وإن كان لهم فيها أعظم حظّ، لكن الفضل والشرف والرتبة العليا إِنِّما حصلت فيها، لمن أُسري به ﷺ ".
تحديدها:
هي ليلة سبع وعشرين من رمضان على الأرجح، وعليه أكثر الأحاديث (٢).
стр. 1184
عن زِرّ بن حُبَيْش قال: "سألت أُبيّ بن كعب ﵁ فقلت: إِنّ أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يُصب ليلة القدر.
فقال ﵀: أراد أن لا يتّكل الناس، أمَا إِنّه قد عَلِم أنها في رمضان، وأنّها في العشر الأواخر، وأنّها ليلة سبع وعشرين، ثمّ حلف لا يستثني (١)، أنّها ليلة سبع وعشرين.
فقلت: بأيِّ شيءٍ تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعَلاَمة، أو بالآية التي أخبَرنا رسول الله ﷺ أنّها تطلع يومئذٍ لا شُعاع لها" (٢).
وفي لفظ عنه "قال: سمعت أُبيّ بن كعب يقول: وقيل له: إِنّ عبد الله بن مسعود يقول: من قام ليله السَّنَةَ أصاب ليلة القدر).
فقال أُبيّ: والله الذي لا إِله إِلا هو! إِنّها لفي رمضان (يحلف ما يستثني) ووالله إِنِّي لأعلم أيّ ليلة هي، هي الليلة التي أمَرنا بها رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأمارتها أنْ تطلع الشّمس في صبيحة يومها بيضاء؛ لا شعاع لها".
قيامها والدعاء فيها
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : "من قام ليلة القدر إِيماناً
стр. 1185
واحتساباً؛ غفِر له ما تقدّم من ذنبه" (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: "قلت: يا رسول الله: أرأيت إِنْ علمت أيّ ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي اللهمّ إِنّك عفوٌ تحبُّ العفو فاعف عني" (٢).
صفة ليلة القدر
١ - تكون ليلة طَلْقة (٣) لا حارّة ولا باردة.
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنّي كنت أُريت ليلة القدر، ثم نسيتُها، وهي في العشر الأواخر من ليلتها، وهي طَلْقة بَلجة (٤) لا حارّة ولا باردة" (٥).
٢ - تطلع الشّمس في صبيحة يومها بيضاء؛ لا شعاع لها.
كثرة الملائكة في الأرض ليلة القدر (٦)
عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "ليلة القدر ليلة
стр. 1186
سابعة أو تاسعة وعشرين، إِنّ الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى" (١).
стр. 1187
كتاب الاعتكاف
стр. 1188
الاعتكاف
تعريفه (١):
الاعتكاف لغة: لزوم الشيء وحبْس النَّفس عليه، يُقال: عكَف بالمكان: إِذا أقام به، والمعكوف: المحبوس.
قال الله تعالى: ﴿والهديَ معكوفاً أن يبلغ مَحِلَّه (٢)﴾ (٣).
وشرعاً: المُقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة.
مشروعيّته (٤):
لا خلاف في مشروعيّة الاعتكاف، وقد كان يعكتف النّبيّ ﷺ في العشر الأواخر من رمضان حتى توفّاه الله (٥).
فعن أبي هريرة ﵁ قال: "كان النّبيّ ﷺ يعتكف في كلّ رمضان عشرة أيّام، فلمّا كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوماً" (٦).
стр. 1189
قال شيخنا ﵀ في "قيام رمضان" (ص ٣٤): "والاعتكاف سُنّة في رمضان وغيره من أيّام السنة.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (١)،
مع توارد الأحاديث الصحيحة في اعتكافه ﷺ ، وتواتر الآثار عن السلف بذلك ... ".
حكمه:
الاعتكاف سُنّة إلاَّ أنْ يكون نَذْراً فيلزم الوفاء به، وممّا يدلُّ على أنّه سُنّة؛ فِعْل النّبيّ ﷺ ومداومته عليه، تقرُّباً إِلى الله -تعالى- وطلباً لثوابه، واعتكاف أزواجه معه وبعده (٢).
جاء في كتاب "الإِجماع" لابن المنذر ﵀ (ص ٤٧): "وأجمعوا على أنّ الاعتكاف لا يجب على النّاس فرضاً؛ إلاَّ أنْ يوجبه المرء على نفسه؛ فيجب عليه".
وقال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٤/ ٢٧١): "والاعتكاف ليس بواجب إِجماعاً إلاَّ على مَنْ نذرَه".
فعن عائشة ﵂ عن النّبيّ ﷺ قال: "من نَذَر أنْ يطيع الله فليُطعه، ومن نذر أن يعصيَه فلا يعصِه" (٣).
стр. 1190
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "يا رسول الله! إِنّي نذرتُ في الجاهلية أنْ أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النّبيّ ﷺ : أوفِ نذرك، فاعتكَف ليلةً" (١).
مقصود الاعتكاف
قال الإِمام ابن القيّم ﵀ في "زاد المعاد" (٢/ ٨٦): "لمّا كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيْره إِلى الله -تعالى- متوقفاً على جمعيّته على الله، ولمّ شَعثه بإِقباله بالكليَّة على الله -تعالى- فإِنَّ شَعَثَ القلب لا يَلُمُّه، إلاَّ الإِقبال على الله -تعالى-، وكان فُضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، ممّا يزيده شَعَثاً، ويُشَتِّتُه في كلِّ وادٍ، ويقطعه عن سيره إِلى الله -تعالى- أو يُضعِفه، أو يُعوّقه ويوقفه؛ اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده، أنْ شرع لهم من الصوم، ما يُذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوّقة له عن سيْره إِلى الله -تعالى- وشرعه بقدر المصلحة، بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأُخراه، ولا يضرُّه ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة.
وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله -تعالى- وجمعيِّته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده -سبحانه- بحيث يصير ذكره وحبه، والإِقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهمُّ كُلُّه به،
стр. 1191
والخطرات كلُّها بذِكْره، والتفكُّر في تحصيل مراضيه وما يقرِّب منه.
فيصير أُنْسه بالله بدلاً عن أُنْسه بالخلق، فيعدُّه بذلك لأُنْسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يُفرح به سواه، فهذا مقصود الاعكتاف الأعظم".
زمانه:
يؤدّى الاعتكاف الواجب حسبما نَذَره وسمّاه النّاذر، فإِنْ نَذَر الاعتكاف يوماً أو أكثر؛ وجب الوفاء بما نذَره (١).
ويشرع الاعتكاف المستحبّ في أيّ وقت من أيّام العام.
وقد ثبت أنّ النّبيّ ﷺ اعتكف في العشر الأول من شوّال. ففي حديث عائشة ﵂ قالت: " ... وتَرَك الاعتكاف في شهر رمضان؛ حتى اعتكف في العشر الأَوّل من شوّال" (٢).
* وآكدُه في رمضان لحديث أبي هريرة ﵁: "كان رسول الله ﷺ يعتكف في كلِّ رمضان عشرة أيّام، فلمّا كان العام الذي قُبض فيه؛ اعتكف عشرين يوماً" (٣).
وأفضله آخر رمضان، لأن النّبيّ ﷺ "كان يعتكف العشر الأواخر من
стр. 1192
رمضان حتى توفَّاه الله " (١). * (٢)
شروطه (٣)
١ - الإِسلام، قال الله تعالى: ﴿لئنْ أشركت ليحبطنّ عَمَلُك﴾ (٤).
٢ - العقل.
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النّائم حتّى يستيقظ، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم" (٥).
لا يُشرع الاعتكاف إلاَّ في المساجد؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهنَّ (٦) وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (٧).
وقالت السيدة عائشة ﵂: "السنّة في المعتكِف أنْ لا
стр. 1193
يخرج إِلا لحاجته التي لا بدّ له منها، ولا يعود مريضاً، ولا يمسّ امرأته، ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلاَّ في مسجد جماعة، والسنَّة فيمن اعتكف أنْ يصوم" (١).
وينبغي أنْ يكون مسجداً جامعاً؛ لكي لا يضطر للخروج منه لصلاة الجمعة، فإِنّ الخروج لها واجب عليه، لقول عائشة في روايةٍ عنها في حديثها السابق: " ... ولا اعتكاف إلاَّ في مسجد جامع" (٢).
قال شيخنا ﵀: ثم وقَفْت على حديث صحيح صريح؛ يُخصّص؛ ﴿المساجد﴾ المذكورة في الآية بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النّبوي، والمسجد الأقصى، وهو قوله ﷺ : "لا اعتكاف إلاَّ في المساجد الثلاثة" (٣).
وقد قال به من السلف فيما اطّلعت: حذيفة بن اليمان، وسعيد بن المسيِّب، وعطاء، إلاَّ أنّه لم يذكر المسجد الأقصى.
وقال غيرهم بالمسجد الجامع مطلقاً، وخالف آخرون فقالوا: ولو في مسجد بيته، ولا يخفى أنّ الأخذ بما وافق الحديث منها هو الّذي ينبغي
стр. 1194
المصير إِليه، والله -سبحانه- وتعالى أعلم".
وجاء في "الصحيحة" (٦/ ٦٧٠): "واعلم أنّ العلماء اختلفوا في شرطيّة المسجد للاعتكاف وصِفَته؛ كما تراه مبسوطاً في "المصنَّفَين" المذكورَين (١) و"المُحلّى" وغيرهما.
وليس في ذلك ما يصح الاحتجاج به سوى قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾، وهذا الحديث الصحيح، والآية عامّة، والحديث خاصٌّ، ومقتضى الأصول أنْ يُحمل العام على الخاصّ.
وعليه: فالحديث مخصِّص للآية ومبيِّن لها، وعليه يدلُّ كلام حذيفة وحديثه، والآثار في ذلك مختلفة أيضاً، فالأَوْلى الأخذ بما وافق الحديث منها، كقول سعيد بن المسيِّب: "لا اعتكاف إلاَّ في مسجد نبيّ". أخرجه ابن أبي شيبة وابن حزم بسند صحيح عنه".
٣ - لا بد من الصوم في الاعتكاف على الراجح وتقدّم حديث عائشة ﵂: "والسّنة فيمن اعتكف أنْ يصوم".
قال الإِمام ابن القيّم ﵀ في "زاد المعاد" (٢/ ٨٧): "ولم يُنقل عن النّبيّ ﷺ أنّه اعتكف مفطراً قطّ، بل قد قالت عائشة: "لا اعتكاف إلاَّ بصوم"، ولم يذكر سبحانه الاعتكاف إِلا مع الصوم، ولا فَعَله رسول الله ﷺ إِلا مع الصوم.
стр. 1195
فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف أنّ الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجِّحه شيخ الإِسلام أبو العباس ابن تيمية" (١).
متى يدخل المعتكَف ؟
عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إِذا أراد أن يعتكف؛ صلّى الفجر، ثمّ دخَل معتكفه" (٢).
وسألْتُ شيخنا ﵀ عن قول بعض الفقهاء؛ في دخوله المعتكف قبل غروب الشمس من يوم، والخروج بعده بيوم؟
فأجاب: نعم جائز؛ والمهمّ أنْ يدخل صائماً.
وقال ابن حزم ﵀: "ومن نذر اعتكاف يوم أو أيّام مسمّاة، أو أراد ذلك تطوّعاً؛ فإِنّه يدخل في اعتكافه قبل أن يتبيّن له طلوع الفجر، ويخرج إِذا غاب جميع قرص الشمس؛ سواء كان ذلك في رمضان أو غيره؟
ومن نذر اعتكاف ليلة أو ليال مسمّاة، أو أراد ذلك تطوُّعاً؛ فإِنّه يدخل قبل أنْ يتمّ غروب جميع قرص الشمس؛ ويخرج إِذا تبيّن له طلوع الفجر؛ لأن مبدأ الليل إِثر غروب الشمس، وتمامه بطلوع الفجر، ومبدأ اليوم بطلوع الفجر، وتمامه بغروب الشمس كلّها، وليس على أحد إلاَّ ما التزم أو ما