← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

والخطرات كلُّها بذِكْره، والتفكُّر في تحصيل مراضيه وما يقرِّب منه. فيصير أُنْسه بالله بدلاً عن أُنْسه بالخلق، فيعدُّه بذلك لأُنْسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يُفرح به سواه، فهذا مقصود الاعكتاف الأعظم". زمانه: يؤدّى الاعتكاف الواجب حسبما نَذَره وسمّاه النّاذر، فإِنْ نَذَر الاعتكاف يوماً أو أكثر؛ وجب الوفاء بما نذَره (١). ويشرع الاعتكاف المستحبّ في أيّ وقت من أيّام العام. وقد ثبت أنّ النّبيّ ﷺ اعتكف في العشر الأول من شوّال. ففي حديث عائشة ﵂ قالت: " ... وتَرَك الاعتكاف في شهر رمضان؛ حتى اعتكف في العشر الأَوّل من شوّال" (٢). * وآكدُه في رمضان لحديث أبي هريرة ﵁: "كان رسول الله ﷺ يعتكف في كلِّ رمضان عشرة أيّام، فلمّا كان العام الذي قُبض فيه؛ اعتكف عشرين يوماً" (٣). وأفضله آخر رمضان، لأن النّبيّ ﷺ "كان يعتكف العشر الأواخر من

стр. 1192

رمضان حتى توفَّاه الله " (١). * (٢) شروطه (٣) ١ - الإِسلام، قال الله تعالى: ﴿لئنْ أشركت ليحبطنّ عَمَلُك﴾ (٤). ٢ - العقل. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النّائم حتّى يستيقظ، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم" (٥). لا يُشرع الاعتكاف إلاَّ في المساجد؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهنَّ (٦) وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (٧). وقالت السيدة عائشة ﵂: "السنّة في المعتكِف أنْ لا

стр. 1193

يخرج إِلا لحاجته التي لا بدّ له منها، ولا يعود مريضاً، ولا يمسّ امرأته، ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلاَّ في مسجد جماعة، والسنَّة فيمن اعتكف أنْ يصوم" (١). وينبغي أنْ يكون مسجداً جامعاً؛ لكي لا يضطر للخروج منه لصلاة الجمعة، فإِنّ الخروج لها واجب عليه، لقول عائشة في روايةٍ عنها في حديثها السابق: " ... ولا اعتكاف إلاَّ في مسجد جامع" (٢). قال شيخنا ﵀: ثم وقَفْت على حديث صحيح صريح؛ يُخصّص؛ ﴿المساجد﴾ المذكورة في الآية بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النّبوي، والمسجد الأقصى، وهو قوله ﷺ : "لا اعتكاف إلاَّ في المساجد الثلاثة" (٣). وقد قال به من السلف فيما اطّلعت: حذيفة بن اليمان، وسعيد بن المسيِّب، وعطاء، إلاَّ أنّه لم يذكر المسجد الأقصى. وقال غيرهم بالمسجد الجامع مطلقاً، وخالف آخرون فقالوا: ولو في مسجد بيته، ولا يخفى أنّ الأخذ بما وافق الحديث منها هو الّذي ينبغي

стр. 1194

المصير إِليه، والله -سبحانه- وتعالى أعلم". وجاء في "الصحيحة" (٦/ ٦٧٠): "واعلم أنّ العلماء اختلفوا في شرطيّة المسجد للاعتكاف وصِفَته؛ كما تراه مبسوطاً في "المصنَّفَين" المذكورَين (١) و"المُحلّى" وغيرهما. وليس في ذلك ما يصح الاحتجاج به سوى قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾، وهذا الحديث الصحيح، والآية عامّة، والحديث خاصٌّ، ومقتضى الأصول أنْ يُحمل العام على الخاصّ. وعليه: فالحديث مخصِّص للآية ومبيِّن لها، وعليه يدلُّ كلام حذيفة وحديثه، والآثار في ذلك مختلفة أيضاً، فالأَوْلى الأخذ بما وافق الحديث منها، كقول سعيد بن المسيِّب: "لا اعتكاف إلاَّ في مسجد نبيّ". أخرجه ابن أبي شيبة وابن حزم بسند صحيح عنه". ٣ - لا بد من الصوم في الاعتكاف على الراجح وتقدّم حديث عائشة ﵂: "والسّنة فيمن اعتكف أنْ يصوم". قال الإِمام ابن القيّم ﵀ في "زاد المعاد" (٢/ ٨٧): "ولم يُنقل عن النّبيّ ﷺ أنّه اعتكف مفطراً قطّ، بل قد قالت عائشة: "لا اعتكاف إلاَّ بصوم"، ولم يذكر سبحانه الاعتكاف إِلا مع الصوم، ولا فَعَله رسول الله ﷺ إِلا مع الصوم.

стр. 1195

فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف أنّ الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجِّحه شيخ الإِسلام أبو العباس ابن تيمية" (١). متى يدخل المعتكَف ؟ عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إِذا أراد أن يعتكف؛ صلّى الفجر، ثمّ دخَل معتكفه" (٢). وسألْتُ شيخنا ﵀ عن قول بعض الفقهاء؛ في دخوله المعتكف قبل غروب الشمس من يوم، والخروج بعده بيوم؟ فأجاب: نعم جائز؛ والمهمّ أنْ يدخل صائماً. وقال ابن حزم ﵀: "ومن نذر اعتكاف يوم أو أيّام مسمّاة، أو أراد ذلك تطوّعاً؛ فإِنّه يدخل في اعتكافه قبل أن يتبيّن له طلوع الفجر، ويخرج إِذا غاب جميع قرص الشمس؛ سواء كان ذلك في رمضان أو غيره؟ ومن نذر اعتكاف ليلة أو ليال مسمّاة، أو أراد ذلك تطوُّعاً؛ فإِنّه يدخل قبل أنْ يتمّ غروب جميع قرص الشمس؛ ويخرج إِذا تبيّن له طلوع الفجر؛ لأن مبدأ الليل إِثر غروب الشمس، وتمامه بطلوع الفجر، ومبدأ اليوم بطلوع الفجر، وتمامه بغروب الشمس كلّها، وليس على أحد إلاَّ ما التزم أو ما

стр. 1196

نوى؟ " (١). ما يستحبّ للمعتكِف (٢) يستحبّ للمعتكف التشاغل بالصّلاة، وتلاوة القرآن، وذِكْر الله تعالى ونحو ذلك من الطاعات المحضة، ويجتنب ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال، ولا يكثر الكلام؛ لأنّ من كثُر كلامه كثر سَقطه. وفي الحديث: "مِنْ حُسن إِسلام المرء ترْكه ما لا يعنيه" (٣). ويجتنب الجدال والمراء والسّباب، والفحش، فإِنّه لا ينبغي في غير الاعتكاف، ففيه أولى. قال ابن قدامة (٤) ﵀: "فأمّا إِقراء القرآن، وتدريس العلم، ودرسه ومناظرة الفقهاء، ومجالستهم، وكتابة الحديث، ونحو ذلك مما يتعدّى نفْعه؛ فأكثر أصحابنا على أنّه لا يستحبّ، وهو ظاهر كلام أحمد. وقال أبو الحسن الآمدي: في استحباب ذلك روايتان، واختار أبو الخطاب أنّه مستحبّ إِذا قصد به طاعة الله -تعالى- لا المباهاة وهذا

стр. 1197

مذهب الشافعي، لأنّ ذلك أفضل العبادات، ونفْعه يتعدّى، فكان أولى مِن ترْكه كالصلاة. واحتجّ أصحابنا بأنّ النّبيّ ﷺ كان يعتكف، فلم يُنقَل عنه الاشتغال بغير العبادات المختصَّة به، ولأنّ الاعتكاف عبادة من شرطها المسجد، فلم يُستحبّ فيها ذلك؛ كالطواف (١) انتهى". وسألتُ شيخنا ﵀ عن هذا. فقال: "الاعتكاف عبادة محضة، فنحن لا نرى هذا؛ كما ننكر على الأئمّة في شهر رمضان مِن فصْلهم الصلاة وإنشاء استراحة؛ تتخلّلها موعظة أو درس، وهذا كقول القائل: "تقبّل الله" لمن صلّى، فهذه زيادة لم تكن في عهد النّبيّ ﷺ ولا السلف. والاعتكاف عبادة محضة؛ صلاة -ورسول الله ﷺ يقول: "الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر- (٢) وتلاوة قرآن ... إِلخ". قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٣/ ١٤٩) -بتصرف يسير-:

стр. 1198

"وليس من شريعة الإِسلام الصمت عن الكلام، وظاهر الأخبار تحريمه. قال: قيس بن أبي حازم: "دخل أبو بكر ﵁ على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم فقال: ما لها لا تَكلَّمُ؟ قالوا: حجّت مُصمتةً، قال لها: تكلّمي فإِنّ هذا لا يحلّ، هذا من عمل الجاهلية، فتكلّمت" (١). وعن عليّ ﵁ قال: "حفظت عن رسول الله ﷺ أنّه قال: لا صُمات يوم إِلى الليل" (٢). فإِنْ نذر ذلك في اعتكافه أو غيره، لم يلزمه الوفاء به، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، ولا نعلم فيه مخالفاً؛ لما روى ابن عباس قال: بينا النّبيّ ﷺ يخطب إِذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أنْ يقوم ولا يقعد ولا يستظلّ ولا يتكلّم ويصوم. فقال النّبيّ ﷺ : مُرْهُ فليتكلم وليستظلّ، وليقعد وليُتمّ صومه" (٣). ولنا النّهي عنه، وظاهره التحريم، والأمر بالكلام ومقتضاه الوجوب، وقول أبي بكر الصدِّيق ﵁: "إِنّ هذا لا يحلّ، هذا من عمل الجاهلية".

стр. 1199

وهذا صريح ولم يخالِفه أحد من الصحابة؛ فيما علِمناه، واتباع ذلك أولى". ما يجوز للمعتكف (١): ١ - الخروج من معتكفه لقضاء الحاجة، وأن يُخرج رأسه من المسجد، ليغَسّل ويُسَرَّح. عن عائشة ﵂ قالت: "وإنْ كان رسول الله ﷺ ليُدخِل عليَّ رأسه وهو [معتكف] في المسجد، [وأنا في حجرتي] فأُرَجِّلُه، [وفي رواية: فأغسله وإنّ بيني وبينه لعتبة الباب وأنا حائض]. وكان لا يدخل البيت إِلا لحاجة [الإِنسان]، إِذا كان معتكفاً" (٢). وعليه ألا يتوسّع في الخروج، قال أبو زُرعة العراقي -رحمه الله تعالى- بعد هذا الحديث: "لو جاز له الخروج لغير ذلك، لما احتاج إِلى إِخراج رأسه من المسجد خاصّة، ولكان يخرج بجملته؛ ليفعل حاجته من تسريح رأسه في بيته ... " (٣). ٢ - أن يتوضأ في المسجد، لقول رجلٍ خدَم النّبيّ ﷺ : "توضّأ النّبيّ ﷺ في المسجد وضوءاً خفيفاً" (٤).

стр. 1200

٣ - أن يتخذ خيمةً صغيرةً في مؤخرة المسجد يعتكف فيها؛ لأنّ عائشة ﵂ "كانت تضرب للنبي ﷺ خِبَاءً (١) إِذا اعتكف، وكان ذلك بأمره ﷺ " (٢). و"اعتكف مرّة في قُبَّةٍ تُركيّةٍ (٣) على سُدَّتِها (٤) حصير" (٥). ٤ - ويجوز للمرأة أن تزور زوجها وهو في مُعْتكَفه، وأن يُوَدّعها إِلى باب المسجد، لقول صفيّة ﵂: "كان النّبيّ ﷺ معتكفاً [في المسجد في العشر الأواخر من رمضان] فأتيته أزوره ليلاً، [وعنده أزواجه، فَرُحْن]، فحدّثته [ساعة]، ثم قمت لأنقلب، [فقال: لا تعجلي حتى أنصرف

стр. 1201

معك]. فقام معي ليقْلِبَني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد [حتى إِذا كان عند باب المسجد الذي عند باب أمّ سلمة]، فمرّ رجلان من الأنصار، فلمّا رأيا النّبيّ ﷺ أسرعا. فقال النّبيّ ﷺ : على رِسْلكما (١)؛ أنها صفية بنت حُيَيٍّ، فقالا: سبحان الله! يا رسول الله! قال: إِنّ الشيطان يجري من الإِنسان مجرى الدم، وإنّي خشيت أنْ يقذف في قلوبكما شراً، أو قال: شيئاً" (٢). بل يجوز لها أن تعتكف مع زوجها، أو بمفردها؛ لقول عائشة ﵂: "اعتكَفَتْ مع رسول الله ﷺ امرأة مستحاضة (وفي رواية: أنّها أمّ سلمة) من أزواجه، فكانت ترى الحُمرة والصُّفرة، فربما وضعنا الطَّسْت تحتها وهي تصلّي" (٣). وقالت أيضاً: "كان النّبيّ ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفّاه الله، ثمّ اعتكف أزواجه من بعده" (٤).

стр. 1202

٥ - ولا بأس أنْ يأكل المعتكف في المسجد، ويضع سُفرة، يسقط عليها ما يقع منها؛ كيلا يُلوّث المسجد (١). منْع الرجل أهله من الاعتكاف للرجل أن يمنع أهله من الاعتكاف، كما في حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إِذا أراد أن يعتكف صلّى الفجر، ثمّ دخَل معتكفه، وإنّه أَمَر بخبائه فضُرِب، أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان. فأمرت زينب بخبائها فَضُرِب، وأمَر غيرُها من أزواج النّبيّ ﷺ بخبائه فضُرب. فلمّا صلّى رسول الله ﷺ الفجر، نظر فإِذا الأخبية، فقال: آلبر (٢) تُرِدْن؟ فأمر بخبائه فقوِّض (٣) وتَرَك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأوّل من شوال (٤) " (٥).

стр. 1203

ما يُبطل الاعتكاف ١ - الارتداد عن الدِّين (١) لقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطنّ عملك﴾ (٢). ٢ - الجماع، لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (٣). وقال ابن عباس: "إِذا جامع المعتكف بطل اعتكافه، واستأنف (٤) " (٥). ولا كفّارة عليه لعدم ورود ذلك عن النّبيّ ﷺ وأصحابه (٦). فوائد متنوّعة ١ - هناك من يرى أن الخروج اليسير من المسجد يُبطل الاعتكاف، وأنّ الخروج في غير ما سبق ذِكره ينافي الاعتكاف، ولا دليل -فيما علمت- على إِبطاله. وسألت شيخنا ﵀ عن الخروج اليسير، فقال: "لا يبطله ولكنّه

стр. 1204

يقلّل الأجر". ٢ - الاستحاضة لا تمنع الاعتكاف؛ لأنها لا تمنع الصلاة ولا الطواف (١). كما في حديت عائشة ﵂ قالت: "اعتكفَتْ مع رسول الله ﷺ امرأهّ مستحاضة (وفي رواية: أنّها أمّ سلمة) من أزواجه، فكانت ترى الحُمرة، والصُّفرة، فربّما وضَعْنا الطَّسْت تحتها وهي تصلّي" (٢). ٣ - يرى بعض العلماء أنّ ذهاب العقل بجنون ونحوه يبطل الصوم، ولا دليل على هذا. قال الإِمام الشافعي ﵀ في "الأم" (٤/ ٣٨٥): "وإذا جُنّ المعتكف، فأقام سنين؛ ثم أفاق بنى". وسألت شيخنا ﵀ عن هذا فقال: "الجنون كالنوم، فإِذا أفاق وهو لا يزال في نيّة الاعتكاف، فإِنّه يتمُّ اعتكافه، وكذلك الحيض والنّفاس لا يُبطلان الاعتكاف، ولكنهما يمنعان من الصلاة ولا يمنعان مِن ذِكر الله تعالى". ٤ - ويرى عدد من العلماء أن مَن قبّل زوجه؛ لا يفسد اعتكافه إلاَّ أن يُنزل. وسألت شيخنا ﵀ عن هذا فقال: "حتى الاستثناء لا نقول به، قال الله تعالى: ﴿ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (٣)، وهذا

стр. 1205

التقبيل ولو كان مقروناً بالإِنزال؛ فهو كالتقبيل المقرون بالإِنزال وهو صائم (١)، فهذا لا يفطّر وهذا لا يفطّر، ولكن هل ذلك ممّا يجوز؟ الجواب: لا، ففرق بين الأمرين". ٥ - سألت شيخنا عمّا ذكره السيد سابق في "فقه السنّة" عن الإِمام الشافعي ﵏ أجمعين-: إِن لم يكن عليه نذْر اعتكاف أو شيء أوجبه على نفسه، وكان متطوعاً فخرج، فليس عليه قضاء؛ إلاَّ أن يحبّ ذلك اختياراً منه. وكلّ عمل لك أن لا تدخل فيه، فإِذا دخَلت فيه وخرجْتَ منه؛ فليس عليك أن تقضي إِلا الحجّ والعمرة". فقال ﵀ مجيباً عن العبارة الأخيرة: يُقيَّد ذلك بأن لا يكون فرضاً، ولا بدّ من الإِتمام لقوله تعالى: ﴿وأتمّوا الحجّ والعمرة لله﴾ (٢). وإذا لم يتيّسر له؛ فكما قال الإِمام ﵀: "فعليه القضاء". لكن هنا يحضرني تقييد؛ وهو عدم اشتراطه كما في قوله ﷺ : "اللهمّ

стр. 1206

محلّي حيت حبَستني (١) " (٢). فإِذا حصل طارئُ مرض أو كسْر أو نحوه؛ فلا يجب عليه القضاء لأنّه اشترط، هذا إِذا كان حجّ نافلة. والخلاصة: جواب الإِمام الشافعي ﵀ صحيح، مع ذِكر الاشتراط؛ فإِذا اشترط بقوله: "اللهمّ محلّي حيث حبستني" فلا قضاء عليه. وسألت شيخنا ﵀ هل يشترط اعتكاف الليالي مع الأيام؟ فأجاب: السُّنّة الأيام مع الليالي، ويجوز اعتكاف الأيام دون الليالي. -تمّ بحمد الله تعالى-

стр. 1207

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة الجزء الرابع كتاب الجنائز والحج بقلم حسين بن عودة العوايشة المكتبة الإسلامية دار ابن حزم

стр. 1208

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1209

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

стр. 1210

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م المكتبة الإسلامية ص ب: (١١٣) الجبيهة - هاتف ٥٣٤٢٨٨٧ عمَّان - الأردن دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤

стр. 1211

-[المقدّمة]- إِنّ الحمْدَ لله، نحمَدُه ونستعينهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرور أَنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ لهُ. وأَشهَد أنْ لا إله إِلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ محمداً عَبدهُ ورَسولهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). أمَّا بعد: فإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدْي محمّد، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار. فهذا هو الجزء الرابع من الموسوعة الفقهية؛ وقد تضمّن (كتاب الجنائز)

стр. 1212

و (الحجّ) وقد استفدت كثيراً فيهما من كتاب "أحكام الجنائز" و"مناسك الحج والعمرة" و"حجّة النّبيّ ﷺ " لشيخنا ﵀ وقد أحسن شيخنا ﵀ * (١) حتى لم يكد يدَع للإِحسان موضعاً، وسَبَق حتى جاء من خَلَفه له تَبَعاً*. وكذا استفدت من "فقه السنة" أيضاً؛ في كثير من العناوين والأدلّة والترتيب؛ كما هو الشأن مع الأجزاء السابقة. أسأل الله أن يتقبّل مني عملي ويجعله له خالصاً. إِنه على كل شيء قدير. حسين بن عودة العوايشة عمّان - ٨ ذو الحجة ١٤٢٢ هـ

стр. 1213

[[الجنائز]] فَضْلُ المَرَضِ: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "دخَلْت على رسول الله ﷺ وهو يُوعَك وَعْكاً شديداً، فمَسسْته بيدي فقلت: يا رسول الله! إِنك توعك (١) وَعْكاً شديداً؟! فقال رسول الله ﷺ : أجل، إِني أوعك كما يوعك رجلان منكم فقلت: ذلك أنّ لك أجرين؟! فقال رسول الله ﷺ : أجل. ثمّ قال رسول الله ﷺ : ما من مسلم يُصيبه أذى -مرض فما سواه- إِلا حَطّ الله له سيّئاته، كما تحطّ الشجرة ورقها" (٢). وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: "ما يصيب المسلمَ من نَصَب (٣) ولا وَصَب (٤) ولا همّ ولا حَزَن ولا أذى ولا غمّ - حتى الشوكةِ يُشَاكُها- إِلا كفّر الله بها من خطاياه" (٥). وعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وأهله وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" (٦).

стр. 1214

وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من يُرِدِ الله به خيراً يُصِبْ (١) منه" (٢). وعن عائشة ﵂ عن النّبيّ ﷺ قال: "إِذا اشتكى المؤمن؛ أخلصَه الله (٣) كما يخلص الكِيرُ (٤) خَبَث الحديد (٥) " (٦). شكوى المريض: يجوز للمريض أن يشكو للطبيب والصديق ما يجده من الألم والمرض؛ ما

стр. 1215

لم يكن ذلك على سبيل التسخّط وإظهار الجَزَع (١)؛ وقد تقدّم حديث: "إِنّي أُوعَك كما يوعَك رجلان منكم". وعن القاسم بن محمد قال: "قالت عائشة: وارأساه!! فقال رسول الله ﷺ : ذاك لو كان وأنا حيٌّ واستغفرَ لك وأدعوَ لك، فقالت عائشة: واثُكْلِيَاه (٢)!! والله إِني لأظنُّك تحبّ موتي، ولو كان ذلك لظَللْتَ آخر يومك مُعرِّساً ببعض أزواجك!! فقال النّبيّ ﷺ : بل أنا وارأساه! لقد هممت -أو أردت- أن أرسل إِلى أبي بكر وابنه وأعهد؛ أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنّون! ثمّ قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون -أو يدفع الله ويأبى المؤمنون-" (٣). وعن عروة بن الزبير قال: "دخلت أنا وعبد الله بن الزبير على أسماء -قبل قتل عبد الله بعشر ليال- وأسماء وَجِعة، فقال لها عبد الله: كيف تجدينك؟ قالت: وَجِعة." (٤). المريض يُكتب له ما كان يعمل مقيماً صحيحاً: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا

стр. 1216

مرض العبد أو سافر؛ كُتب له مثلُ ما كان يعمل مقيماً صحيحاً" (١). عيادة المريض: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أطعموا الجائع وعودوا المريض وفُكُّوا العاني (٢) " (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حقّ المسلم على المسلم خمس: ردّ السلام، وعيادة المريض، واتّباع الجنائز، وإِجابة الدعوة، وتشميت العاطس" (٤). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله؛ ناداه منادٍ: أن طِبْتَ وطاب ممشاك، وتبوَّأتَ من الجنة منزلاً" (٥). وعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ عن رسول الله ﷺ قال: "من عاد مريضاً؛ لم يزل في خُرْفةِ الجنة (٦) قيل: يا رسول الله! وما خُرْفةُ الجنة؟ قال: جناها" (٧).

стр. 1217

وعن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم يعود مسلماً غدوةً؛ إِلا صلّى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يمسي، وإن عاده عَشِيَّةً؛ إِلا صلّى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف (١) في الجنة" (٢). عيادة المُغْمَى عليه (٣): عن جابر بن عبد الله قال: "مرضتُ مرضاً، فأتاني النّبيّ ﷺ -يعودني- وأبو بكر وهما ماشيان، فوجداني أُغميَ عليّ، فتوضأ النّبيّ ﷺ ، ثمّ صبَّ وَضوءه عليّ، فأفقتُ؛ فإِذا النّبيّ ﷺ . فقلت: يا رسول الله! كيف أصنع في مالي؟ [كيف] أقضي في مالي؟ فلم يُجبني بشيء حتى نزلت آية الميراث" (٤). جاء في "الفتح" (١٠/ ١١٤): "قال ابن المنَيِّر: فائدة الترجمة: أن لا يُعتقد أَنَّ عيادة المغمى عليه ساقطة لكونه لا يعلم بعائده. [قال الحافظ]: ومجرد عِلم المريض بعائده لا تتوقف مشروعية العيادة عليه؛ لأَنَّ وراء ذلك جبْرَ خاطِرِ أهله، وما يُرجَى من بركة دعاء العائد، ووضْع يده على المريض، والمسح على جسده، والنفث عليه عند التعويذ، إِلى غير

стр. 1218

ذلك" (١). قول العائد للمريض: كيف تَجِدُكَ ؟ عن عائشة ﵂ قالت: "لما قدم رسول الله ﷺ المدينة؛ وُعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلتْ عليهما، فقلت: يا أبتِ! كيف تجدك؟ ويا بلال! كيف تجدك؟ " (٢). ما يجيب المريض: عن سعيد بن عمرو بن سعيد قال: "دخل الحجاج على ابن عمر -وأنا عنده -فقال: كيف هو؟ فقال: صالح، فقال: من أصابك؟ قال: أصابني من أمَر بحمل السلاح في يوم لا يحلُّ فيه حمْله! يعني: الحجاج" (٣). أين يقعد العائد ؟ عن ابن عباس ﵄ قال: "كان النّبيّ ﷺ إِذا عاد المريض جلس عند رأسه، ثمّ قال (سبع مرار): أسأل الله العظيم - ربَّ العرش العظيم: أنْ يشفيَك، فإِنْ كان في أجله تأخير عُوفي من وجعه (٤) " (٥).

стр. 1219

عيادة النِّساءِ الرّجالَ (١): عن عائشة ﵂ قالت: "لما قدِم رسول الله ﷺ المدينة؛ وُعك أبو بكر وبلال ﵄ قالت: فدخلْت عليهما قلت: يا أبت! كيف تجدك؛ ويا بلال! كيف تجدك؟ " (٢). عيادة المشرك: عن أنس ﵁ "أن غلاماً ليهود كان يخدُم النّبيّ ﷺ ، فمرض، فأتاه النّبيّ ﷺ يعوده، فقال: أسلِم "فأسلم" (٣). التداوي: عن أسامة بن شَرِيك قال: "أتيت النّبيّ ﷺ ؛ وأصحابُه كأنما على رؤوسهم الطير، فسلّمت ثمّ قعدت، فجاء الأعراب من هاهنا وهاهنا، فقالوا: يا رسول الله! أنتداوى؟ فقال: تداووا؛ فإِن الله لم يضع داءً إِلا وضَع له دواءً؛ غيرَ داء واحد: الهَرَمُ" (٤). وعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "ما أنزل الله داءً؛ إِلا

стр. 1220

أنزل له شفاءً" (١). وعن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لكل داءٍ دواء، فإِذا أُصيب دواء الداء برَأ بإِذن الله " (٢). تحريم التداوي بمحرّم: عن وائل الحضرمي: أن طارق بن سُويد الجُعْفِيَّ سأل النّبيّ ﷺ عن الخمر؟ فنهاه -أو كره- أن يصنعها، فقال: إِنما أصنعها للدواء؟! فقال ﷺ : إِنه ليس بدواء، ولكنه داء" (٣). وقال عبد الله بن مسعود ﵁ في السُّكْر: "إِنّ الله لم يجعل شفاءَكم فيما حرّم عليكم" (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث" (٥). وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٤/ ٢٦٦): وسُئل عن التداوي بالخمر؟

стр. 1221

فأجاب: "التداوي بالخمر حرام، بنص رسول الله ﷺ ، وعلى ذلك جماهير أهل العلم". ثمّ ذكر ﵀ الأدلّة على ذلك، ثمّ قال: "وليس هذا مِثلَ أكْل المُضْطَرِّ للميتة؛ فإِن ذلك يحصل به المقصود قطعاً، وليس له عنه عوض، والأكل منها واجب، فمن اضطر إِلى الميتة ولم يأكل حتى مات؛ دخل النار، وهنا لا يعلم حصول الشفاء، ولا يتعين هذا الدواء، بل الله - تعالى- يعافي العبد بأسباب متعددة". وجاء فيه (٢٤/ ٢٧٠): وسُئل ﵀ عن رجل وُصف له شحم الخنزير بمرضٍ به، هل يجوز له ذلك أم لا؟ فأجاب: "وأما التداوي بأكل شحم الخنزير؛ فلا يجوز". وجاء فيه (٢٤/ ٢٧٥): "وأما ما أبيح للحاجة لا لمجرد الضرورة -كلباس الحرير-؛ فقد ثبت في "الصحيح": "أن النّبيّ ﷺ رخص للزبير وعبد الرحمن ابن عوف في لبس الحرير؛ لحكة كانت بهما". وهذا جائز على أصح قَوْلَي العلماء؛ لأن لبس الحرير إِنما حُرِّمَ عند الاستغناء عنه، ولهذا أبيح للنساء لحاجتهن إِلى التزيّن به، وأبيح لهن التستر به مطلقاً، فالحاجة إِلى التداوي به كذلك، بل أوْلى، وهذه حُرِّمت لما فيها من السرف والخيلاء والفخر، وذلك مُنْتَفٍ إِذا احتيج إِليه، وكذلك لبسها للبرد، أو إذا لم يكن عنده ما يستتر به غيرها".

стр. 1222

الطبيب المشرك (١): قال الشيخ تقي الدين (٢): "إِذا كان اليهودي أو النصراني خبيراً بالطب ثقة عند الإِنسان؛ جاز له أن يستطبّ كما يجوز له أنْ يودِعه المال وأن يعامله، كما قال -تعالى-: ﴿ومن أهل الكتاب من إِن تأمنه بقنطار يُؤَدِّهِ إِليك ومنهم من إِن تأمنه بدينار لا يُؤَدِّهِ إِليك﴾ [آل عمران: ٧٥] ". وفي "الصحيح": "أنّ النّبيّ ﷺ لما هاجر؛ استأجر رجلاً مشركاً هادياً خِرِّيتاً" (٣). والخريت: الماهر بالهداية، وَأْتَمَنَهُ على نفسه وماله. وكانت خُزَاعَةُ عَيْبَةً لرسول الله ﷺ مسلمُهم وكافرُهم (٤). وإذا أمكنه أنْ يستطبّ مسلماً؛ فهو كما لو أمكنه أن يودعه أو يعامله، فلا ينبغي أن يَعْدِلَ عنه. وأمّا إِذا احتاج إِلى ائتمان الكتابيّ أو استطبابه؛ فله ذلك، ولم يكن من ولاية اليهود والنصارى المنهيّ عنها، وإِذا خاطبه بالتي هي أحسن كان حسَناً؛ فإِنّ الله -تعالى- يقول: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إِلا

стр. 1223

بالتي هي أحسن إِلا الذين ظلموا منهم﴾ (١) ". انتهى كلامه. وسألت شيخنا ﵀: هل ترون جواز تطبيب الكافرِ المسلمَ؛ إِذا لم يُتهم، وكان غير مظنون به الريبة؟ فأجاب: نعم. هل يداوي الرجل المرأة والمرأة الرجل ؟ (٢) عن رُبَيِّعَ بنتِ مُعوِّذ قالت: "كنّا نغزو مع رسول الله ﷺ : نسقي القوم، ونخدُمهم، ونَرُدُّ القتلى والجرحى إِلى المدينة" (٣). العلاج بالرُّقى: عن عائشة ﵂ أنّ النّبيّ ﷺ كان يُعوِّذ بعض أهله؛ يمسح بيده اليمنى ويقول: "اللهمّ ربَّ الناس! أذهب الباس، واشفه -وأنت الشافي، لا شفاءَ إِلا شفاؤك- شفاءً لا يغادر سَقَماً" (٤). وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي: أنّه شكا إِلى رسول الله ﷺ وجَعاً، يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﷺ : "ضع يدك على الذي تَألَمُ من جسدك، وقل: باسم الله؛ ثلاثاً، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شرّ ما أجد وأحاذر" (٥).

стр. 1224

وعن سعد بن أبي وقاص ﵁: أن رسول الله ﷺ عاده في مرضه، فقال النّبيّ ﷺ : "اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً ثلاث مِرارٍ" (١). وعن محمد بن سالم: حدَّثنا ثابت البُناني قال: قال لي: يا محمد! إِذا اشتكيت؛ فضع يدك حيث تشتكي، ثمّ قل: "بسم الله، أعوذ بعزة الله وقدرته من شرِّ ما أجد من وجعي هذا، ثمّ ارفع يدك، ثمّ أعد ذلك وتراً؛ فإِن أنس بن مالك حدثني أن رسول الله ﷺ حدّثه بذلك" (٢). وعن ابن عباس ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: "من عاد مريضاً لم يحضر أجله، فقال عنده -سبع مِرار- أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيَك؛ إِلا عافاه الله من ذلك المرض" (٣). وعنه ﵄ قال: "كان النّبيّ ﷺ يعوِّذ الحسن والحسين ويقول: إِن أباكما كان يعوِّذ بها إِسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامّة (٤)،

стр. 1225

من كل شيطان وهامّة (١)، ومن كل عين لامّة (٢) " (٣). تحريم التمائم: عن عقبة بن عامر الجُهَني ﵁: أنّ رسول الله ﷺ أقبل إِليه رَهْطٌ (٤)، فبايع تسعةً، وأمسَك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله! بايعت تسعة وتركت هذا؟! قال: إِن عليه تميمة، فأدخل يده، فقطعها، فبايعه وقال: "من علّق تميمةً؛ فقد أشرك" (٥). "والتميمة: هي خرَزات كانت العرب تُعلّقها على أولادهم؛ يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإِسلام". قاله ابن الأثير في "النهاية". وقال بعض العلماء: "ثمّ توسّعوا فيها فسمَّوا بها كل عوذة". قال شيخنا ﵀ في "الصحيحة" تحت الحديث (٣٣١): "ومِنْ ذلك تعليق بعضهم نعل الفرس على باب الدار، أو في صدر المكان! وتعليق بعض السائقين نعلاً في مقدمة السيارة أو مؤخرتها، أو الخرز الأزرق على مرآة السيارة التي تكون أمام السائق من الداخل؛ كل ذلك من أجل العين زعموا!

стр. 1226

وهل يدخل في (التمائم) الحُجُبُ التي يعلقها بعض الناس على أولادهم أو على أنفسهم إِذا كانت من القرآن أو الأدعية الثابتة عن النّبيّ ﷺ ؟ للسلف في ذلك قولان؛ أرجحهما عندي المنع؛ كما بيّنتُه فيما علّقته على "الكَلِم الطيب" لشيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- (رقم التعليق: ٣٤) ". عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنّ الرُّقَى (١) والتمائم والتّوَلة (٢) شرك" (٣). وانظر تعليق شيخنا ﵀ على الحديث (٤٩٢) من "الصحيحة". عن عيسى -وهو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى- قال: دخلْت على عبد الله ابن عُكيم أبي معبد الجهني أعوده، وبه حُمرة، فقلت: ألا تُعلّق شيئاً؛! قال: الموت أقرب من ذلك، قال النّبيّ ﷺ : "من تَعَلَّق شيئاً وُكِّلَ إِليه" (٤).

стр. 1227

التوقِّي من العدوى: عن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطاعون رِجْز -أو عذاب أرسل على بني إِسرائيل- أو على من كان قبلكم - فإِذا سمعتم به بأرض؛ فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها؛ فلا تخرجوا فراراً منه" (١). وعن الشَّريد بن سُوَيْد، قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم (٢)، فأرسل إِليه النّبيّ ﷺ : إنا قد بايعناك فارجع" (٣). عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "لا تُوردوا المُمْرضَ (٤) على المُصِحّ" (٥). قال شيخنا ﵀ في "الصحيحة" -تحت الحديث (٩٧١) -: "واعلم أنه لا تعارض بين هذين الحديثين وبين أحاديث: "لا عدوى ... " (٦) المتقدّمة

стр. 1228

برقم (٧٨١ - ٧٨٩)؛ لأنّ المقصود بهما إِثبات العدوى، وأنها تنتقل بإِذن الله - تعالى- من المريض إِلى السليم، والمراد بتلك الأحاديث نفي العدوى التي كان أهل الجاهلية يعتقدونها، وهي انتقالها بنفسها دون النظر إِلى مشيئة الله في ذلك؛ كما يرشد إِليه قوله ﷺ للأعرابي: "فمن أعدى الأول؟ " (١) فقد لفَت النّبيّ ﷺ نظر الأعرابي بهذا القول الكريم إِلى المسبِّب الأول؛ ألا وهو الله ولم ينكر عليه قوله: "ما بال الإِبل تكون في الرّمل كأنها الظباء، فيخالطها الأجرب فيجربها"؟! بل إِنه ﷺ أقره على هذا الذي كان يشاهده، وإنما أنكر عليه وقوفه عند هذا الظاهر فقط بقوله له: "فمن أعدى الأوّل؟! ". وجملة القول: أنّ الحديثين يثبتان العدوى، وهي ثابتة تجربةً ومشاهدةً،

стр. 1229

والأحاديث الأخرى لا تنفيها؛ وإِنما تنفي عدوى مقرونة بالغفلة عن الله -تعالى- الخالق لها. وما أشبه اليوم بالبارحة! فإِن الأطباء الأوربيين في أشد الغفلة عنه -تعالى- لشركهم وضلالهم، وإيمانهم بالعدوى على الطريقة الجاهلية! فلهؤلاء يقال: "فمن أعدى الأول؟! ". فأمّا المؤمن الغافل عن الأخذ بالأسباب؛ فهو يُذكَّر بها، ويقال له -كما في حديث الترجمة-: "لا يورد الممرض على الصح"؛ أخذاً بالأسباب التي خلَقها الله -تعالى- وكما في بعض الأحاديث المتقدّمة (١): "وَفِرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد" ... ". وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٤/ ٢٨٤): "وسُئل عن رجل مبتلى، سكَن في دارٍ بين قوم أصحَّاء، فقال بعضهم: لا يمكننا مجاورتك، ولا ينبغي أن تجاور الأصحاء، فهل يجوز إِخراجه؟ فأجاب: نعم؛ لهم أن يمنعوه من السكن بين الأصحاء، فإِن النّبيّ ﷺ قال: "لا يورد ممرض على مُصح"؛ فنهى صاحب الإِبل الراض أن يوردها على صاحب الإِبل الصحاح، مع قوله: "لا عدوى ولا طِيَرة"، وكذلك روي أنه لما قدم مجذوم ليبايعه، أرسل إِليه بالبيعة، ولم يأذن له في دخول المدينة". ذكر الموت والاستعداد له بالعمل: عن ابن عمر ﵄ قال: كنت مع رسول الله ﷺ ، فجاءه رجل

стр. 1230

من الأنصار، فسلّم على النّبيّ ﷺ ، ثمّ قال: يا رسول الله! أيّ المؤمنين أفضل؟ قال: "أحسنهم خُلُقاً، قال: فأيّ المؤمنين أَكْيَسُ (١)؟ قال: أكثرهم للموت ذِكراً، وأحسنهم لما بعده استعداداً، أولئك الأكياس" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : "أكثِروا ذِكر هاذِمَ (٣) اللذات" (٤). وقال البخاري ﵀ في "صحيحه": (من استعدَّ الكفن في زمن النّبيّ ﷺ فلم يُنكر عليه) (٥)، ثمّ ساق بإِسناده حديث (١٢٧٧) عن سهل ﵁ "أنّ امرأة جاءت النّبيّ ﷺ ببُردة منسوجة فيها حاشيتُها (٦)،
следующие страницы →