← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

ولكنّها إِذا لم تحدّ على غير زوجها -إِرضاءً للزوج وقضاءً لوَطَرِهِ منها- فهو أفضل لها، ويرجى لهما من وراء ذلك خيرٌ كثير؛ كما وقع لأم سُليم وزوجها أبي طلحة الأنصاري ﵄. فعن أنس ﵁ قال: "مات ابن لأبي طلحة من أم سُليم، فقالت لأهلها: لا تُحدِّثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أُحدّثه، قال: فجاء فقرَّبت إِليه عشاءً، فأكل وشرب، فقال: ثمّ تصنّعت له أحسن ما كان تصنَّع قبل ذلك، فوقع بها، فلمّا رأت أنّه قد شبع وأصاب منها؛ قالت: يا أبا طلحة! أرأيت لو أنّ قوماً أعاروا عاريَتهم أهل بيت، فطلبوا عاريَتَهُم؛ أَلَهُمْ أنْ يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، قال: فغضب وقال: تركتِني حتّى تلطّخت ثمّ أخبرتني بابني! فانطلق حتّى أتى رسول الله ﷺ فأخبره بما كان، فقال رسول الله ﷺ : بارك الله لكما في غابر ليلتكما (١) " (٢). ما يحرُم على أقارب الميت ١ - النياحة ؛ وهي رفْع الصوت بالبكاء، وفيه أحاديثُ كثيرة: عن أبي مالك الأشعري أنّ النّبيّ ﷺ قال: "أربعٌ في أُمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهنَّ: الفخر في الأحساب (٣)، والطعن في الأنساب، والاستسقاء

стр. 1262

بالنّجوم، والنياحة، وقال: النائحة -إذا لم تتب قبل موتها- تقام يوم القيامة وعليها سربال (١) من قطران، ودِرْع مِن جرَب (٢) " (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اثنتان في النّاس هما بهم كُفر: الطعْن في النّسب، والنّياحة على الميت" (٤). وعنه ﵁ قال: "لما مات إِبراهيم ابن رسول الله ﷺ ؛ صاحَ أسامة ابن زيد، فقال رسول الله ﷺ : ليس هذا منّي، وليس لصائحٍ حقّ، القلب يحزن والعين تدمع، ولا يُغضَب الربّ" (٥). وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنّ الميت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه" (٦).

стр. 1263

وفي لفظ: "الميّت يعذب في قبره بما نِيح عليه" (١). فهذا ينفي مطلق البكاء، وأنّ المراد هو النُّوَاحُ، كما بيّن ذلك شيخنا ﵀. وعن المغيرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نِيحَ عليه؛ فإِنّه يُعذّب بما نيحَ عليه يوم القيامة" (٢). وهذا لا يعارض مثل قوله -تعالى-: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (٣). إِذ الحديث محمول -كما ذهب إِلى ذلك الجمهور- على من أوصى بالنّوح عليه، أو لم يوصِ بتركه مع علِمه بأنّ النّاس يفعلونه عادة. ولهذا قال عبد الله بن المبارك: -رحمه الله تعالى-: "إِذا كان ينهاهم في حياته، ففعلوا شيئاً من ذلك بعد وفاته؛ لم يكن عليه شيء" (٤). ٢، ٣ - ضرب الخدود وشق الجيوب . عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منّا

стр. 1264

من لطم الخدود وشق الجيوب (١)، ودعا بدعوى الجاهلية (٢) " (٣). ٤ - حلق الشعر . عن أبي بُردة بن أبي موسى ﵁ قال: "وَجِع أبو موسى وَجَعاً؛ فَغُشِيَ عليه، ورأسه في حَجْرِ امرأة من أهله فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يَرُدّ عليها شيئاً، فلمّا أفاق قال: أنا بريء ممن بريء منه رسول الله ﷺ ، إِنّ رسول الله ﷺ بريء من الصالقة (٤) والحالقة (٥) والشاقّة (٦) " (٧). ٥ - نَشْر الشّعر . عن امرأة من المبايعات قالت: "كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف -الذي أخذ علينا أن لا نعصيَه فيه-: أن لا نخمش (٨) وجهاً، ولا ندعو

стр. 1265

ويلاً (١)، ولا نشق جيباً، ولا ننشر شعراً (٢) " (٣). ٦ - الإِعلان عن موته على رؤوس المنائر ونحوها، لأنّه من النعي (٤)، وقد ثبت عن حذيفة بن اليمان أنّه قال: "إِذا متُّ فلا تُؤْذِنوا (٥) بي أحداً؛ فإِنّي أخاف أن يكون نعياً، وإِنّي سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي" (٦). النعي الجائز النعي -لغةً-: هو الإِخبار بموت الميت؛ وقد دلّ حديث حذيفة ﵁ السابق على أنّ النهي يشمل كلّ إِخبار، ولكن قد جاءت أحاديثُ صحيحة تدّل على جواز نوعٍ من الإِخبار. فيجوز إعلان الوفاة إِذا لم يقترن به ما يشبه نعي الجاهلية، وقد يجب ذلك إِذا لم يكُن عنده من يقوم بحقه من الغسل والتكفين والصلاة عليه ونحو

стр. 1266

ذلك، وفيه أحاديث: عن أبي هريرة ﵁: "أنّ رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، فخرج إِلى المصلّى؛ فصفَّ بهم وكبّر أربعاً" (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النّبي ﷺ : "أخذ الراية زيد فأصيب، ثمّ أخذها جعفر فأصيب، ثمّ أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب -وإنّ عَيْنَي رسول الله ﷺ لَتَذْرِفانِ- ثمّ أخذها خالد بن الوليد من غير إِمرة ففُتح له" (٢). قال شيخنا ﵀ (ص ٤٥ - ٤٦): "أخرجه البخاري وترجم له والذي قبله بقوله: "باب الرجل ينعى إِلى أهل الميت بنفسه". وقال الحافظ: "وفائدة هذه الترجمة: الإِشارة إِلى أنّ النعي ليس ممنوعاً كلُّه، وإنّما نهى عمّا كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون مَنْ يُعلن بخبر موت الميت على أبواب الدُّور والأسواق ... " ... " انتهى. جاء في "السيل الجرار" (١/ ٣٣٨): "وأمّا الإِيذان بموت الميت؛ فقد ثبت في كتب اللغة أن النعي هو الإِخبار بموت الميت وإِذاعته، وقد ثبت عنه ﵌ في "الصحيحين" وغيرهما: "أنه قال لما رأى قبراً دفن ليلاً فقال: "متى دفن هذا؟ فقالوا: البارحة. قال: أفلا آذنتموني" (٣).

стр. 1267

وثبت في "الصحيح" أنه قال ذلك لما أخبروه بموت السوداء -أو الأسود- الذي كان يقُمّ المسجد (١). فدل على أن مجرد الإِخبار بموت الميت -من دون إِذاعة ولا تفجُّع- جائز؛ لأنّه قد ورد ما يدلّ على أنّ في كثرة المصلين عليه منفعة له، وأنهم شفعاؤه، وأيضاً لا بد من حضور من يتولى تجهيزه وحمله ودفنه، فإِخبارهم بذلك مما تدعو إِليه الحاجة وتقتضيه الضرورة. وأمّا ما ذكَره من توابع النّعي؛ فهي ما ورد النهي عنه مِن ضرْب الخدود، وشقِّ الجيوب، والدعاء بدعوة الجاهلية؛ كما في "الصحيحين" وغيرهما". ويستحب للمخبر أن يطلب من النّاس أن يستغفروا للميت؛ لحديث أبي قتادة ﵁ قال: "بعث رسول الله ﷺ جيش الأُمراء فقال: عليكم زيد بن حارثة؛ فإِنْ أصيب زيدٌ فجعفر بن أبي طالب؛ فإِن أصيب جعفرٌ فعبد الله بن رواحة الأنصاري. فوثب جعفر فقال: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله! ما كنت أرهب أن تستعمل عليّ زيداً، قال: امضهْ فإِنّك؛ لا تدْري أيُّ ذلك خير. فانطلقوا، فلبثوا ما شاء الله، ثمّ إِنّ رسول الله ﷺ صعد المنبر، وأمر أن ينادى (الصلاة جامعة)، فقال رسول الله ﷺ : ناب خير، أو بات خير -أو ثاب خير؛ شك عبد الرحمن (يعني: ابن مهدي) -! ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ إِنهم انطلقوا فلقوا العدو، فأصيب زيد شهيداً، فاستغفِروا له - فاستغفر له الناس- ثمّ أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فشد على القوم حتى

стр. 1268

قتل شهيداً، أَشْهَدُ له بالشهادة، فاستغفَروا له، ثمّ أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فأثبت قدميه حتى قُتل شهيداً، فاستغفروا له، ثمّ أخذ اللواء خالد بن الوليد؛ ولم يكن من الأمراء، هو أمّر نفسه، ثمّ رفع رسول الله ﷺ أصبعيه فقال: اللهم هو سيف من سيوفك، فانصره؛ فمن يومئذٍ سمّي خالد سيف الله، ثمّ قال: انفروا فأمدُّوا إِخوانكم، ولا يتخلفنّ أحدٌ؛ فنفر الناس في حرّ شديد مُشاة وركباناً" (١). ما جاء في الإِحداد (٢) على الميت: الإِحداد: هو الحُزن على الميت، وترْك الزينة والطيب. يجوز للمرأة أن تحدّ على قريبها ثلاثة أيام، ويحرم عليها الإِحداد فوق ذلك. أمّا الزوج؛ فيحلّ لها أن تحدّ عليه أربعة أشهر وعشراً. فعن أم عطية أنّ رسول الله ﷺ قال: لا تُحدّ امرأة على ميت فوق ثلاث؛ إِلا على زوج؛ أربعة أشهر وعشراً، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً؛ إِلا ثوب عَصْب (٣)، ولا تكتحل، ولا تمس طيباً؛ إِلا إِذا طهرت نُبذة (٤) من قُسْط (٥) أو

стр. 1269

أظفار (١) " (٢). وعن زينب ابنة أبي سلمة قالت: "لمّا جاء نعي أبي سفيان من الشام؛ دعت أمّ حبيبة ﵂ بصُفرة (٣) في اليوم الثالث، فمسحت عارضيها (٤) وذراعيها، وقالت: إِني كنتُ عن هذا لغنية؛ لولا أنّي سمعت النّبيّ ﷺ يقول: "لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميت فوق ثلاث؛ إِلا على زوج؛ فإِنّها تُحدُّ عليه أربعة أشهر وعشراً" (٥). غَسْلُ المَيِّتِ حكمه: فإِذا مات المسلم؛ وجب على طائفة من الناس أن يبادروا إلى غَسله، وهو

стр. 1270

فرض كفاية؛ إِذا قام به البعض؛ سقط عن جميع المكلَّفين. وأمّا وجوب الغَسْل؛ فلأمره ﷺ به في غير ما حديث: ١ - قوله ﷺ في المُحْرِم الذي وقصته ناقته: "اغسلوه بماء وسِدْر ... " (١). ٢ - قوله ﷺ في ابنته زينب ﵂: "اغْسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك ... " (٢). كيفية غَسْلِ الميت: ويُراعي في غَسْلِهِ الأمورَ الآتيةَ: أولاً: غسله ثلاثاً فأكثر؛ على ما يرى القائمون على غسله. قال الإِمام مالك ﵀: "إِنّ الغَسل أوّلاً هو الفرض، فوجَب أن يكون بالماء وحده، وما بعد ذلك؛ فإِنما هو على وجه التنظيف والتطييب؛ فلا يضرّه ما خالطه مما يزيد في تنظيفه" (٣). ثانياً: أن تكون الغَسَلاتُ وتراً. قال ابن المنذر ﵀ في "الأوسط" (٥/ ٣٢٥): "ذِكْر الخبر الدالِّ على أنّ النّبيّ ﷺ إِنما أمر بعدد غسل الميت على ما يراه غاسله بعد أن يكون عدد غسله وتراً، وعلى أنّ معنى قوله: "إِنْ رأيتن ذلك وتراً لا شفعاً ... ". ثمّ ذكر حديث أمّ عطيّة ﵂.

стр. 1271

ثالثاً: أن يُقرن مع بعضها سِدْرٌ، أو ما يقوم مقامه في التنظيف، كالصابون ونحوه. رابعاً: أن يخلط مع آخر غَسْلة منها شيء من الطيب، والكافورُ أوْلى. خامساً: نقض الضفائر وغسلها جيداً. سادساً: تسريح شعره. سابعاً: جعله ثلاث ضفائر للمرأة وإلقاؤها خلفها. ثامناً: البدء بميامنه ومواضع الوضوء منه. قال الزين بن المنيِّر: قوله: "ابدأن بميامنها"؛ أي: في الغسلات التي لا وضوء فيها. "ومواضع الوضوء منها"؛ أي: في الغسلة المتصله بالوضوء". "فتح" (٣/ ١٢١). تاسعاً: أن يتولى غَسلَ الذّكر الرجالُ، والأنثى النساءُ؛ إلاَّ ما استُثْني؛ كما يأتي بيانه -إِن شاء الله تعالى-. والدليل على هذه الأمور: حديث أم عطية ﵂ قالت: "دخل علينا النّبيّ ﷺ ونحن نُغَسِّلُ ابنته [زينب]، فقال: اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً [أو سبعاً]، أو أكثر من ذلك -إِن رأيتنّ ذلك- بماء وسدْرٍ [قالت: قلت: وتراً؟ قال: نعم]، واجعلن في الآخرة كافوراً (١)، أو شيئاً من كافور، فإِذا فرغتن فآذِنَّنِي، فلمّا فرغنا آذنّاه، فألقى إِلينا حِقْوه (٢)؛ فقال: أشعرنها إِياه (٣)؛ [تعني:

стр. 1272

إِزاره]، [قالت: ومشطناها ثلاثة قُرون]، (وفي رواية: نقضنه ثمّ غسلنه) [فضفّرنا شعرها ثلاثة أثلاثٍ: قرنيها وناصيتها] وألقيناها خلفها]، [قالت: وقال لنا: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها] (١). قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (٥/ ١٨٠ - مسألة: ٥٦٨): "وصفة الغَسْل: أن يُغسَّل جميع جسد الميت ورأسه بماء قد رُمي فيه شيء من سدر ولا بدّ، إِن وجد، فإِن لم يوجد؛ فبالماء وحده ثلاث مرات ولا بد، يُبتدأ بالميامن، ويُوضّأ، فإِنْ أحبُّوا الزيادة فعلى الوتر أبداً: إِما ثلاث مرات، وإِما خمس مرات، وإمّا سبع مرات، ويجعل في آخر غسلاته -إِن غسل أكثر من مرة- شيئاً من كافور ولا بدّ فرضًا؛ فإِنْ لم يوجد فلا حرج؛ لأمر رسول الله ﷺ بذلك كلّه". ثمّ ذكر ﵀ حديث أم عطية ﵂ السابق. ذِكْر مضمضة الميت واستنشاقه (٢): واختلفوا في مضمضة الميت واستنشاقه: فكان سعيد بن جبير والنَّخَعِيُّ، والثوري لا يرون ذلك. وكان الشافعي وإِسحاق يأمران به. قال ابن النذر ﵀: "هذا أحبُّ إِلي؛ لأنّ في جملة ما وصَفه عامة أهل العلم أن يوضأ الميت، ومن سنة الحيِّ إِذا توضأ أن يتمضمض ويستنشق؛

стр. 1273

فسبيل ما يُفعَل بالميت كسبيل ما يفعله الحي؛ إِلا أن تمنع منه سُنّة". ماذا إِذا مات رجل بين نساء، أو ماتت امرأة بين رجال ؟ قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (٥/ ٢٥٩ - مسألة: ٦١٨): "فلو مات رجل بين نساء لا رجل معهن، أو ماتت امرأة بين رجال لا نساء معهم؛ غسَل النساءُ الرجلَ وغسل الرجالُ المرأةَ على ثوب كثيف، يُصبّ الماء على جميع الجسد دون مباشرة اليد؛ لأن الغسل فرض كما قدَّمنا؛ وهو ممكن كما ذكَرنا بلا مباشرة؛ فلا يحل تركه، ولا كراهة في صبّ الماء أصلاً. وبالله -تعالى- التوفيق. ولا يجوز أن يُعوّض التيمم من الغسل؛ إِلا عند عدم الماء فقط. وبالله -تعالى- التوفيق. وممن قال بقولنا هذا: طائفة من العلماء: رُوِّينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري وقتادة قالا جميعاً: تُغسل وعليها الثياب، يعنيان: في المرأة تموت بين رجال لا امرأة معهم ... وقال الحجاج عن الحكم بن عُتَيْبَة قالا جميعاً -في المرأة تموت مع رجال ليس معهم امرأة-: إِنها يصب عليها الماء من وراء الثياب". غسل الميت بخرقة: عاشراً: ويراعى أن يُغسَل الميت بخرقة أو نحوها تحت ساتر لجسمه بعد تجريده من ثيابه كُلّها؛ فإِنّه كذلك كان العمل على عهد النّبيّ ﷺ ؛ كما يُفيدُه حديث عائشة ﵂: "لما أرادوا غسل النّبيّ ﷺ قالوا: والله ما ندري؛ أنجرِّد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نُجرّد موتانا، أم نغسله وعليه

стр. 1274

ثيابه؟ فلمّا اختلفوا؛ ألقى الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلاَّ وذقنَه في صدره، ثمّ كلّمهم مُكلِّم من ناحية البيت -لا يدرون من هو-: أن اغسلوا النّبيّ ﷺ وعليه ثيابه. فقاموا إِلى رسول الله ﷺ ، فغسلوه وعليه قميصه؛ يصُبُّون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: لو استقْبَلْتُ من أمري ما استدبرت؛ ما غسله إلاَّ نساؤه" (١). ذِكْر عصْر بطن الميت (٢): قال ابن المنذر ﵀: "واختلفوا في عصر بطن الميت: فكان ابن سيرين والنخعي والحسن البصري ومالك يقولون: يُعصَر بطن الميت. قال بعضهم: عصراً خفيفاً. وكان سفيان الثوري يقول: يُمسح مسحاً رقيقاً بعد الغسلة الأولى. قال الشافعي: "يُمِرُّ يده على بطنه إِمراراً بليغاً؛ ليُخْرِجَ شيئاً إِنْ كان فيه". وقال أحمد وإِسحاق: يمسح بطنه مسحاً رقيقاً؛ خرج منه شيئاً أو لم يخرج. وقد رُوِّينا عن الضحاك بن مزاحم: أنه أوصى أنه لا يعصر بطنه. وكان أحمد بن حنبل يستحب أن يعصر بطنه في الثانية قال: فإِنّه تلين

стр. 1275

في الغسلة الأولى. قال ابن المنذر: ليس في عصر البطن سُنّة تتبع، وقد رواه من ذكَرنا ذلك عنهم من أهل العلم؛ فإِنْ أمرَّ الغاسل يديه إِمراراً خفيفاً على بطنه ليخرج شيئاً إِن كان هناك فحَسَن، وإن تَرك فلم يفعل ذلك، فلا بأس" انتهى. قلت: وهذا راجع للمغسِّل، فيفعل ما تقتضيه الحاجة. والله -تعالى- أعلم. هل يغطّى وجه الميّت ؟ جاء في "الأوسط" (٥/ ٣٢٧): "واختلفوا في تغطية وجه الميت عند غسله: فكان محمد بن سليمان وسليمان بن يسار وأيوب السَّخْتِيَاني يرون أن يلقى على وجه الميت خرقة. وكان مالك والثوري والشافعي وجماعة يرَون أن يُطرح على فرج الميت خرقة، ولم يذكروا الوجه. وقال أحمد بن حنبل: إِنما يغطى منه ما كان يغطى في حياته، قال أحمد: يغطى ما بين سُرّته وركبتيه". قلت: وقول الإِمام أحمد ﵀ هو الراجح؛ لأن عورة الحيّ والميت سواءٌ، ولا دليل على التخصيص. وجاء في "السيل الجرار" (١/ ٣٤٥): "الأدلة الواردة في منع نظر العورة ولمسها شاملة لعورة الحي والميت، فغَسْلُها يكون بالدلك مع حائل بين اليد وبينها".

стр. 1276

حادي عشر: ويستثنى -مما ذكر في (رابعاً) -: المُحْرِم؛ فإِنّه لا يجوزُ تطييبه؛ لقوله في الحديث الذي سبقت الإِشارة إِليه قريباً: "لا تُحنِّطوه (وفي رواية: ولا تُطيّبوه). فإِنّه يُبعث يوم القيامة مُلبياً" (١). ثاني عشر: ويستثنى -أيضاً ممّا ورد في (تاسعاً) - الزوجان؛ فإِنّه يجوز لكلٍّ منهما أنْ يتولّى غَسْل الآخر؛ إِذ لا دليل يمنعُ منه، والأصل الجواز، ولا سيما وهو مؤيَّد بحديثين: ١ - عن عائشة ﵂ قالت: "لو كنت استقبلتُ من أمري ما استدبرت؛ ما غسل النّبيَّ ﷺ غيرُ نسائه" (٢). قال البيهقي: "فتلهّفَت على ذلك، ولا يُتَلَهَّفُ إِلا على ما يجوز". قال شيخنا ﵀: "والجواز هو قول الإِمام أحمد، كما رواه أبو داود في "مسائله" (ص ١٤٦) ". ٢ - وعنها ﵂ قالت: "رجع إِليّ رسول الله ﷺ من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صُداعاً في رأسي، وأقول: وارأساه! فقال: بل أنا وارأساه! ما ضرَّك لو متِّ قبلي فغسلتُك وكفَّنتك، ثمّ صليتُ عليك ودفنتك؟! " (٣).

стр. 1277

وعن أسماء بنت عُمَيْسٍ قالت: "غسلت أنا وعلي فاطمة بنت رسول الله ﷺ " (١). ذِكر ترْك الأخذ من شعر الميت ومن أظفاره (٢): قال ابن المنذر ﵀: "واختلفوا في أخْذ شعر الميت وأظفاره: فقالت طائفة: يؤخذ من شعره وأظفاره؛ كذلك قال الحسن البصري وبكر بن عبد الله المُزَنِيُّ. ورُوِّينا أن سعد بن مالك أخذ عانة ميت، وذكَر آثاراً في ذلك". ثمّ قال ﵀: "وكرهت طائفة ذلك: كره محمد بن سيرين أخْذ عانة الميت. وسُئل حمّاد بن أبي سليمان عن تقليم أظفار الميت؟ فقال: إِنْ كان أقلف أتختنه؟ وكره مالك تقليم أظافر الميت وحلْق عانته". قال ابن المنذر ﵀: "الوقوف عن أخذ ذلك أحب إِليّ؛ لأنّ المأمور بأخذ ذلك من نفسه الحي، فإِذا مات انقطع الأمر، ويصير جميع بدنه إِلى البلاء؛ إِلا عَجْبَ (٣) الذَّنَبِ الذي استثناه الرسول ﷺ ". وبعدم الأخذ يقول شيخنا ﵀ في إِجابةٍ أَجابنيها. التيمُّم للميّت عند فَقْدِ الماء: ويُيَمَّمُ الميت إِذا فُقد الماء؛ لقوله -تعالى-: ﴿فإِنْ لم تجدوا ماءً

стр. 1278

فتيمّموا﴾ (١). ولقول رسول الله ﷺ : "وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" (٢). قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (٥/ ١٨٢ - تحت المسألة: ٥٦٩): فإِن عُدِمَ الماء؛ يُمِّم الميت ولا بُدّ؛ لقول رسول الله ﷺ : "جُعلت لي الأرض مسجداً وطَهوراً" ... ". يتولّى الغسلَ من كان أعرف بسُنّة الغسل: قال شيخنا ﵀ في "أحكام الجنائز" (ص ٦٨): [ولا بدَّ] أن يتولَّى غَسْلَهُ من كان أعرف بسُنّة الغسل، لا سيّما إِذا كان من أهله وأقاربه؛ لأنّ الذين تولّوا غَسله ﷺ كانوا كما ذكرنا، فقد قال عليّ ﵁: "غَسلْتُ رسول الله ﷺ ، فجعلتُ أنظرُ ما يكون من الميّت؛ فلم أر شيئاً، وكان طيِّباً حيّاً وميّتاً ﷺ " (٣). قال ابن المنذر ﵀ في "الأوسط" (٥/ ٣٢٤): "ذِكْر الدليل على أنّ عُصبة الميت وقرابته أحقّ بولايته وغَسْله؛ إِذا كان فيهم من يُحسن الغسل من الأباعد". ثمّ ذكر ﵀ حديث سالم بن عُبَيْدِ في وفاة النّبيّ ﷺ ؛ وفيه:

стр. 1279

"قالوا: يا صاحب رسول الله (١)! أيُدفَن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قالوا: أين؟ قال: في المكان الذي قُبِض فيه روحُه، فإِنّ الله لم يقبض روحه إِلا في مكان طيب. فعلموا أن قد صدَق، ثمّ أمَرهم أن يُغسّله بنو أبيه" (٢). قال شيخنا ﵀: " [أي: عصبته]، فغسله سيدنا علي ﵁، فكان الفضل بن عباس وأسامة وشقران مولى رسول الله ﷺ يناولون عليّاً الماء". ولمن تولّى غَسْله أجرٌ عظيم بشرطين اثنين: الأول: أن يستُر عليه، ولا يحدّث بما قد يرى من المكروه؛ لقوله ﷺ : "من غَسَّلَ مُسلماً فكتم عليه؛ غفر له الله أربعين مرةً، ومن حفر له فأجنّه؛ أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إِياه إلى يوم القيامة، ومن كفّنه؛ كساه الله يوم القيامة من سندسِ وإستبرقِ الجنة" (٣). الثاني: أن يبتغي بذلك وجه الله، لا يريدُ به جزاءً ولا شُكوراً ولا شيئاً من أمور الدنيا، لما تقرّر قي الشرع أنّ الله ﵎ لا يقْبل من العمل إلاَّ ما كان خالصاً لوجهه الكريم. والأدلّة على ذلك من الكتاب والسُّنة كثيرة جدّاً.

стр. 1280

ويستحبّ لمن غسّله أن يغتسل، فعن عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "من غسَّل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضَّأ" (١). قال شيخنا -رحمه الله تعالى-: "وظاهر الأمر يفيد الوجوب، وإنّما لم نقُل به لحديثين موقوفيْن -لهما حْكم الرفع-: الأوّل: عن ابن عباس: "ليس عليكم في غَسْلِ ميّتكم غُسْلٌ إِذا غسَّلْتمُوه؛ فإِن ميّتكم ليس بنجسٍ، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم" (٢). الثاني: قول ابن عمر ﵁: "كنّا نغسل الميت، فمنّا من يغتسل، ومنّا من لا يغتسل" (٣). ولا يُشْرَعُ غَسل الشهيد قتيل المعركة، ولو اتّفق أنّه كان جُنباً، وفي ذلك أحاديث: عن جابر قال: قال النّبيّ ﷺ : "ادْفنوهم في دمائهم؛ يعني: يوم أُحد، ولمْ يُغسِّلْهم" (٤). وفي لفظ: "لا تغسِلوهم؛ فإِنّ كُلّ جرحٍ -أو كلّ دم- يفوح مِسكاً يوم

стр. 1281

القيامة؛ ولم يُصلِّ عليهم" (١). الثالث: عن أبي بَرْزَةَ: أنّ النّبيّ ﷺ كان في مغزىً له، فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: هل تفقدون من أحد؟، قالوا: نعم، فلاناً وفلاناً وفلاناً، ثمّ قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نعم، فلاناً وفلاناً وفلاناً، ثمّ قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا، قال: لكنّي أفقد جُليبيباً، فاطلبوه. فطُلِبَ في القتلى، فوجدوه إِلى جنب سبعةٍ قد قتلهم ثمّ قتلوه، فأتى النّبيّ ﷺ فوقف عليه، فقال: قتل سبعة، ثمّ قتلوه! هذا منّي وأنا منه، هذا منّي وأنا منه! قال: فوضعه على ساعديه، ليس له إِلا ساعدا النّبيّ ﷺ . قال: فحفر له ووضع في قبره، ولم يذكر غَسْلاً" (٢). عن أنس: "أنّ شهداء أُحد لم يغسّلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يُصَلَّ عليهم؛ غير حمزة" (٣). الشهداء الذين يغسلون ويصلّى عليهم: أمّا القتلى الذين لم يُقْتَلوا في المعركة بأيدي الكفار؛ فقد أطلق الشارع على بعضهم لفظ الشهداء، وهؤلاء يغسلون، ويصلّى عليهم؛ فقد غسل

стр. 1282

رسول الله ﷺ من مات منهم في حياته، وغسل المسلمون بعده عمر وعثمان وعليّاً، وهم جميعاً شهداء، ونحن نذكر هؤلاء الشهداء فيما يلي (١): عن جابر بن عَتِيكٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "الشهداء سبعةٌ -سوى القتل في سبيل الله-: المطعون شهيد، والغَرِقُ شهيد، وصاحب ذات الجَنْبِ شهيد (٢)، والمبطون شهيد، وصاحب الحَرِيقُ شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجُمع (٣) شهيدة" (٤). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تَعُدُّون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! من قُتل في سبيل الله فهو شهيد. قال: إِنّ شُهداء أمتي إِذاً لقليل، قالوا: فمن هم يا رسول الله؟! قال: من قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد،

стр. 1283

ومن مات في الطّاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، والغريق شهيد" (١). وعن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد" (٢). من جُرح في المعركة وعاش حياةً مستقرّة (٣): إِذا جُرح الرجل في المعركة وعاش حياة مستقرّة، ثمّ مات؛ يُغسل ويُصلّى عليه. فإنْ عاش عيشة غير مستقرّة فتكلّم أو شرب ثمّ مات؛ فإِنّه لا يُغسل ولا يصلّى عليه. والله -تعالى- أعلم. هل يُغسل الكافر ؟ جاء في كتاب "الأوسط" (٥/ ٣٤١): "واختلفوا في غَسْل الكافر ودَفْنه: فكان مالك يقول: "لا يغسِّلُ المسلمُ والدَه إِذا مات كافراً، ولا يتبعه، ولا يدخل في قبره؛ إِلا أن يخشى أن يضيع، فيواريه". وكان الشافعي يقول: "لا بأس أن يغسل المسلم ذا قرابته من المشركين،

стр. 1284

ويتبعه ويدفنه"، وبه قال أبو ثور، وأصحاب الرأي. قال أبو بكر [هو ابن المنذر]: ليس في غَسْلِ من خالف الإِسلام سنة يجب اتباعها ... " انتهى. قلت: لا دليل على مشروعية غَسْلِ الكافر؛ لأن الغَسْلَ عبادة لا تثبت إِلا بدليل، وقد ورد الدليل على مواراته ودفنه؛ كما في حديث علي ﵁ قال: "لما توفّي أبو طالب؛ أتيت النّبيّ ﷺ فقلت: إِنّ عمّك الشيخ الضالّ قد مات، فمن يواريه؟ قال: اذهب فواره ... " (١). الصبي الصغير تغسله المرأة: قال ابن المنذر في "الأوسط" (٥/ ٣٣٨): "أجمع كل من نحفظ -من أهل العلم- على أن المرأة تغسل الصبي الصغير، وممن حفظنا ذلك عنه: الحسن البصري ومحمد بن سيرين وحفصة بنت سيرين ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي". ما عدد ما يُغسَل الجنب والحائض إِذا ماتا ؟ جاء في "الأوسط" (٥/ ٣٤٠): "واختلفوا في الجنب والحائض يموتان؛ كم يغسلان؟ فكان الحسن يقول: يغسل الجنب غسل الجنابة، والحائض غسل الحيض؛

стр. 1285

ثمّ يغسلان غَسْلَ الميت. وقال سعيد بن المسيِّب والحسن: ما مات ميت إِلا أجنب. ورُوِّينا عن عطاء أنه قال: "يُصْنَعُ بهما ما يُصْنَعُ بغيرهما". قال أبو بكر [هو ابن المنذر]: وهذا قول عوام أهل العلم، وبه نقول، وذلك أنا لا نعلم -فيما سَنّ النّبيّ ﷺ مِن غسل الموتى- تفريقاً بين من مات منهم جُنباً، أو غير جنب، أو حائضاً [وهذه حُجّة قوية]، وقد يجنب الرجل في غير وقت الصلاة، وإِنما يجب عليه الاغتسال إِذا دخل وقت الصلاة، فيؤدي فرض الصلاة، وإذا سقط بوفاته عنه فرض الصلاة؛ أشبه أن يسقط عنه فرض الطهارة، التي تؤدى بها الصلاة. والله أعلم" انتهى. إِذا خرج شيء من الميت بعد الغَسْلِ؛ فهل يعاد الغَسل ؟ اختلف العلماء في الميت يخرج منه الشيء بعد الغسل: فقال بعضهم: يعاد عليه الغَسْل، واختلفوا في عدد المرات. *وقالت طائفة: لا يعاد الغسل؛ كذلك قال مالك والثوري والنعمان. وقال الثوري والنعمان: يغسل ما خرج منه. قال ابن المنذر: وكذلك نقول، ولا يكون حكم الميت أكثر من حكم الحي، فلو خرج من حي شيء بعد ما اغتسل؛ لم ينقض ذلك غسله، وإيجاب الغسل في هذه الحالة إِيجاب فرض، والفرض لا يجب بغير حجة* (١). قلت: كلام ابن المنذر في غاية القوّة. والله أعلم.

стр. 1286

فوائد في غسل الميت: ١ - ينبغي ألاَّ يحضُرَ الغُسل إِلا من لا بدّ من حضوره. جاء في "المغني" (٢/ ٣١٧): "ولا يحضرهُ إلاَّ من يُعين في أمره ما دام يُغسَل". ٢ - وأن يَحْرِص القائم على تغسيله على عدم إِظهار العورة ما استطاع إِلى ذلك سبيلاً. ٣ - أن يتضمّن الغَسل تعميم الماء على بدن الميت كلّه. تكفين الميت حُكمه: تكفين الميت -ولو بثوب واحدٍ- واجب؛ لحديث خبّاب ﵁ الآتي إِن شاء الله -سبحانه- بعد سطور. قال شيخنا ﵀ (ص ٧٦): "وبعد الفراغ من غَسْلِ الميت؛ يجب تكفينه؛ لأمر النّبيّ ﷺ بذلك في حديث المُحْرِم الذي وقصته الناقة". قلت: وهو حديث: "اغسلوه بماءٍ وسدرٍ، وكفّنوه في ثوبين ... " (١). الكفن أو ثمنه مِن مال الميّت: والكَفَن أو ثمنه من مال الميت، ولو لم يُخلِّف غيره؛ لحديث خبّاب بن الأَرتِّ ﵁ قال: "هاجرنا مع النّبيّ ﷺ نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا

стр. 1287

على الله: فمنّا من مات لم يأكل من أجره شيئاً (١)؛ منهم مُصعب بن عمير، ومنّا من أينعت (٢) له ثمرته؛ فهو يَهْدِبُها (٣)؟ قُتل يوم أُحد، فلم نجد ما نكفّنه إِلا بُردةً إِذا غطّينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطّينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا النّبيّ ﷺ أن نُغطّي رأسه، وأن نجعل على رجليه من الإِذخر (٤) " (٥). وقال ابن المنذر ﵀ في "الأوسط" (٥/ ٣٥٤) -بعد هذا الحديث-: "يدل هذا الحديث على معاني: أحدها: التكفين في ثوب واحد عند عدم غيره. ويدل على أن الكفن من رأس المال، قال في الحديث: لم يترك إِلا نمرةً. ويدل على أن الكفن يُبْدَأُ به على الدَّين، والميراث. ويدل على أن الثوب الذي يكفن فيه لو أضاق؛ فتغطية رأسه أولى أن يبدأ به من غيره". والحَنُوط وأُجرة القبر والغسل كذلك من مال الميت . وقال عمرو بن دينار: الحنوط من جميع المال (٦)، وقال إِبراهيم: يبدأ

стр. 1288

بالكفن، ثم بالدّين، ثمّ بالوصية (١)، وقال سفيان: أجر القبر والغسل هو من الكفن (٢). ينبغي أن يكون الكفن طائلاً سابغاً ساتراً جميع بدنه: وينبغي أن يكون الكفن حسناً طائلاً سابغاً، يسترُ جميع بدنه؛ لحديث جابر ابن عبد الله ﵁: "أنّ النّبيّ ﷺ خطب يوماً؛ فذكر رجلاً من أصحابه قبض؛ فكفِّن في كفن غير طائلٍ وقُبر ليلاً؛ فزجر النّبيّ ﷺ أن يُقبر الرّجل بالليل حتى يُصلّى عليه؛ إِلا أن يُضطرّ إِنسان إِلى ذلك، وقال النّبيّ ﷺ : إِذا كفّن أحدكم أخاه فليُحسِّن كفَنه" (٣). قال شيخنا ﵀: "قال العلماء: والمراد بإِحسان الكَفن: نظافته وكثافته وستره وتوسُّطه، وليس المراد به السَّرَفَ فيه والمغالاة ونفاسته" انتهى. وجاء في "السيل الجرّار" (١/ ٣٤٧): "قد حصَل الاتفاق على أنّ الواجب في الكفن ثوب واحد يستر جميع البدن، وأنّ ذلك مُقدّم على ما يخرج من التَّرِكَةِ من دَيْنٍ وغيره، فإِنْ ألجأت الضرورة إِلى أن يُكفنّ في ثوب لا يستر

стр. 1289

جميع بدنه؛ فللضرورة حُكمها؛ كما وقع في "الصحيحين" وغيرهما: "أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد ولم يترك إِلا نَمِرَة (١) ... ". ماذا إذا ضاق الكفَن ؟ فإِنْ ضاق الكَفن عن ذلك، ولم يتيسّر السابغ؛ سُتر به رأسه وما طال من جسده، وما بقي منه مكشوفاً جُعل عليه شيء من الإِذخر أو غيره من الحشيش، وفيه حديثان: الأول: حديث خّباب بن الأرتّ ﵁ المتقدّم وفيه: " .. فأمَرنا النّبيّ ﷺ أن نغطّي رأسه، وأن نجعل على رجليه من الإِذخر". الثاني: عن حارثة بن مُضَرِّب قال: "دخلت على خبّاب وقد اكتوى [في بطنه] سبعاً، فقال: لولا أنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يتمنّينّ أحدكم الموت"؛ لتمنّيته! ولقد رأيتني مع رسول الله ﷺ لا أملك درهماً، وإنّ في جانب بيتي الآن لأربعين ألف درهم. ثمّ أتى بكفنه، فلمّا رآه بكى وقال: ولكنّ حمزة لم يوجد له كفن إِلا بُردةً ملحاءَ، إِذا جُعلت على رأسه قَلَصتْ (٢) عن قدميه، وإذا جُعلت على قدميه قَلَصتْ عن رأسه، وجُعل على قدميه الإِذخر" (٣).

стр. 1290

جواز تكفين الجماعة في الكفن الواحد عند الضرورة: وإذا قلَّت الأكفان، وكثرت الموتى؛ جاز تكفين الجماعة منهم في الكفن الواحد، ويقدَّم أكثرهم قرآناً إِلى القبلة؛ لحديث أنس: "لمّا كان يومُ أُحُد؛ مرّ رسول الله ﷺ بحمزة بن عبد المطلب، وقد جُدِعَ ومُثِّل به، فقال: لولا أن تجد صفيّة [في نفسها!] تركته [حتى تأكُله العافية]، حتى يحشره الله من بطون الطير والسّباع! فكفّنه في نَمِرَة، [وكانت] إِذا خُمَّرَ رأسه بدت رجلاه، وإذا خُمِّرت رجلاه بدا رأسه، فخُمّر رأسه، ولم يُصَلِّ على أحد من الشهداء غيرهُ. وقال: أنا شاهد عليكم اليوم، [قال: وكثرت القتلى، وقلّت الثياب، وقال:] وكان يَجْمَعُ الثلاثة والاثنين في قبر واحد، ويسأل: أيُّهُم أكثر قرآناً، فيقدِّمه في اللحد، وكفّن الرجلين والثلاثة في الثوب الواحد" (١). وفي رواية قال: "أتى رسول الله ﷺ على حمزة يوم أُحد، فوقف عليه، فرآه قد مُثِّل به، فقال: لولا أن تجد صفية في نفسها؛ لتركته حتى تأكله العافية (٢)، حتى يحشر يوم القيامة من بطونها، قال: ثمّ دعا بنَمِرة فكفّنه فيها، فكانت إِذا مُدَّت على رأسه بدت رجلاه، وإذا مُدت على رجليه بدا رأسه. قال: فكثر القتلى، وقَلَّتْ الثياب.

стр. 1291

قال: فكُفِّنَ الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد، ثمّ يدفنون في قبر واحد. قال: فجعل رسول الله ﷺ يسأل عنهم أيُّهم أكثر قرآناً، فيقدمه إِلى القبل. قال: فدفنهم رسول الله ﷺ ولم يصل عليهم" (١). قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: "معنى الحديث أنّه كان يقسم الثوب الواحد بين الجماعة، فيكفّن كل واحد ببعضه للضرورة، وإِن لم يستر إلاَّ بعض بدنه، يدلُّ عليه تمام الحديث: أنّه كان يسأل عن أكثرهم قرآناً فيُقدّمه في اللحد، فلو أنّهم في ثوب واحد جُملة؛ لسأل عن أفضلهم قبل ذلك؛ كي لا يؤدّي إِلى نقض التكفين وإعادته". ذكره في "عون المعبود" (٣/ ١٦٥). قال شيخنا ﵀: "وهذا التفسير هو الصواب. وأما قول من فسّره على ظاهره؛ فخطأ مخالف لسياق القصة كما بيّنه ابن تيمية! وأبعد منه عن الصواب من قال: معنى: (ثوب واحد) قبرٌ واحد! لأنّ هذا منصوص عليه في الحديث؛ فلا معنى لإِعادته". يدفن الشهيد في ثيابه التي قُتل فيها: ولا يجوز نزْع ثياب الشهيد التي قُتل فيها، بل يُدْفن وهي عليه؛ لقوله ﷺ في قتلى أُحد: "زمِّلوهم في ثيابهم" (٢).

стр. 1292

وفي رواية: "زمّلوهم بدمائهم" (١). ويُستحبُّ تكفينه بثوب واحد أو أكثر فوق ثيابه، كما فعل رسول الله ﷺ بمصعب بن عمير وحمزة بن عبد المطلب كما تقدّم. وكذلك ما ثبت عن شدّاد بن الهاد: أن رجلاً من الأعراب جاء إِلى النّبيّ ﷺ ، فآمن به واتّبعه، ثمّ قال: أُهاجِر معك، فأوصَى به النّبيّ ﷺ ، بعض أصحابه، فلمّا كانت غزوة [خَيْبَر] غنم النّبيّ ﷺ شيئاً؛ فقسم وقَسَم له، فأعطى أصحابه ما قَسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلمّا جاء دفعوه إِليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قِسم قَسَمه لك النّبيّ ﷺ . فأخذه فجاء به إِلى النّبيّ ﷺ فقال: ما هذا؟ قال: قَسَمتُه لك، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أنْ أُرمى إِلى هاهُنا، وأشار إِلى حلقه بسهم فأموت، فأدخُل الجنة! فقال: إِنْ تصدُق الله يصدُقْك. فلبثوا قليلاً، ثمّ نهضوا في قتال العدو، فأتي به النّبيُّ ﷺ ، يُحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النّبيّ ﷺ : أَهُوَ هُو؟! قالوا: نعم! قال: صَدَقَ الله فصدقه ثمّ كفَّنه النّبيّ ﷺ ، في جبَّة النّبيّ ﷺ ، ثمّ قدّمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: اللهمّ هذا عبْدك، خرج مُهاجراً في سبيلك، فقتل شهيداً، أنا شهيدٌ على ذلك" (٢).

стр. 1293

يُكفّن المُحرِم في ثوبيه الذين مات فيهما: والمُحْرِم يُكفَّن في ثوبيه اللّذين مات فيهما، كما في قوله ﷺ في الحديث المتقدّم في المحرِم الذي وقصته الناقة: " .. وكفّنوه في ثوبيه [اللذين أحرم فيهما] ... ". ويستحبّ في الكفن أمور: الأوّل: البياض. فعن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ : "البَسوا من ثيابكم البياض؛ فإِنّها من خير ثيابكم، وكفّنوا فيها موتاكم" (١). الثاني: كونُه ثلاثةَ أثواب. عن عائشة ﵂: أنّ رسول الله ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثواب يمانِيَةٍ بيض سَحولية (٢) من كُرْسُفٍ؛ ليس فيهنّ قميص ولا عِمامة" (٣). وفي زيادة: "أُدرج فيها إِدراجاً" (٤).

стр. 1294

الثالث: أن يكون أحدها ثوبَ حِبَرَةٍ (١) إِذا تيسّر. فعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِذا تُوفّي أحدكم فوجد شيئاً؛ فليكفِّن في ثوب حِبَرة" (٢). قال شيخنا -رحمه الله تعالى- "اعلم أنه لا تعارض بين هذا الحديث وبين الحديث الأول في البياض: "وكفنوا فيها موتاكم"؛ لإِمكان التوفيق بينهما بوجه من وجوه الجمع الكثيرة المعلومة عند العلماء، ويخطر في بالي الآن منها وجهان: ١ - أن تكون الحِبَرة بيضاء مخططة ويكون الغالب عليها البياض؛ فحينئذٍ يشملها الحديث الأول؛ باعتبار أن العبرة في كل شيء بالغالب عليه، وهذا إِذا كان الكفن ثوباً واحداً، وأما إِذا كان أكثر؛ فالجمع أيسر؛ وهو الوجه الآتي. ٢ - أن يجعل كفناً واحداً حِبَرةً، وما بقي أبيضَ، وبذلك يُعْمَلُ بالحديثين معاً. ْالرابع: تبخيرهُ ثلاثاً؛ لقوله ﷺ : "إِذا جمّرتم (٣) الميت؛ فأجمروه ثلاثاً" (٤). وهذا الحكم لا يشمل المُحِرم؛ لقوله ﷺ في المُحْرم الذي وقصته الناقة:

стр. 1295

" .. ولا تطيّبوه ... ". [تقدّم تخريجه.] ولا تجوز المُغالاة في الكفن، ولا الزيادة فيه على الثلاثة؛ لأنّه خلاف ما كُفّن فيه رسول الله ﷺ ، وفيه إِضاعة للمال، وهو منهيّ عنه؛ لا سيّما والحيُّ أولى به. فعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنّ الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإِضاعة المال، وكثرة السؤال" (١). قال شيخنا -رحمه الله تعالى-: "ويُعجبني بهذه المناسبة ما قاله العلاّمة أبو الطيّب في "الروضة الندية" (١/ ١٦٥): "وليس تكثير الأكفان والمغالاة في أثمانها بمحمود؛ فإِنّه لولا ورود الشرع به؛ لكان من إِضاعة المال؛ لأنّه لا ينتفع به الميت، ولا يعود نفْعه على الحي، ورحم الله أبا بكر الصّديق حيث قال: "إِن الحيّ أحقُ بالجديد .. لمّا قيل له عند تعيينه لثوب من أثوابه في كفنه: إِنّ هذا خَلَق" (٢). انتهى. جاء في "السيل الجرّار" (١/ ٣٤٨): "أقول: الذي أوصى بأن يُكفّن في زيادة على سبعة (٣) أكفان؛ فقد أوصى بما نهى عنه ﵌ من إِضاعة المال، وهذا إِضاعة للمال بلا شك ولا شبهة؛ فهو وصية بمحْظور لا يجوز تنفيذها، وإنما قلنا: إِنه إِضاعة للمال؛ لأنّه لا ينتفع به الميت، وإن كفن

стр. 1296

بألف كفن؛ لأن ذلك يصير ترابًا عن قريب. ومعلوم أنه إِذا كان صحيح العقل لا يقصد التزين بذلك بين أهل البرزخ - فقد صاروا جميعاً في شغل شاغل عن ذلك-؛ فالصواب أنه يأثم الوصي والوارث بامتثال هذه الوصية لا بِرَدِّها. والله -سبحانه- إِنما جعل للميت ثلث ماله ليجعله زيادة في حسناته ويتقرب به إِلى الله -سبحانه- لا ليضعه في موضع الإِضاعة، ويخالف به ما شرعه الله لعباده من عدم إِضاعة المال". والمرأة في ذلك كالرجل، إِذ لا دليل على التفريق. حَمْلُ الجنازةِ واتّباعُها حُكم حمل الجنازة واتّباعها: ويجب حمل الجنازة واتّباعها، وذلك من حقّ الميت المسلم على المسلمين، وفي ذلك أحاديث منها: الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حقّ المسلم على المسلم خمس: ردّ السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس" (١). الثاني: قوله أيضاً: "عودوا المريض، واتّبعوا الجنائز؛ تذكّرْكم الآخرة" (٢).

стр. 1297

واتّباعُها على مرتبتين: الأولى: اتّباعها من عند أهلها، حشى الصلاة عليها. والأخرى: اتباعها من عند أهلها، حتى يُفرغ من دفنها. وكُلاًّ منهما فعَل (١) رسول الله ﷺ . هل تتبع جنازة المشرك ؟ جاء في "مجموع الفتاوى" (٢٤/ ٢٦٥): "وسئل -رحمه الله تعالى- عن قوم مسلمين مجاوري النصارى؛ فهل يجوز للمسلم إِذا مرض النصراني أن يعوده؟ وإِذا مات أن يتبع جنازته؟ وهل على مَن فعَل ذلك من المسلمين وِزْرٌ أم لا؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين، لا يتبع جنازتَه، وأمّا عيادته فلا بأس بها (٢)؛ فإِنه قد يكون في ذلك مصلحةٌ لتأليفه على الإِسلام، فإِذا مات كافراً؛ فقد وَجَبت له النار؛ ولهذا لا يُصلّى عليه. والله أعلم". فضل اتباع الجنازة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد الجنازة

стр. 1298

حتى يُصلّى عليها؛ فله قيراط (١)، ومن شهِدهَا حتى تدفن؛ فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين" (٢). وفي لفظٍ: "أعظم من أُحد" (٣). وفي بعض الشواهد عن أبي هريرة زيادات مفيدة، لعلّه من المُستحسن ذِكْرها: "وكان ابن عمر يُصلّي عليها، ثمّ ينصرف، فلمّا بلغه حديث أبي هريرة قال: [أكثر علينا أبو هريرة (وفي رواية: فتعاظمه)]، [فأرسل خبّاباً إِلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة، ثمّ يرجع إِليه فيُخبره ما قالت؟ وأخذ ابن عمر قبضةً من حصى المسجد يُقلِّبها في يده، حتى رجع إِليه الرسول، فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة. فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض، ثمّ قال:] لقد فرّطْنا في قراريط كثيرة! [فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: إِنه لم يكن يَشْغَلني عن رسول الله ﷺ صفقة السوق، ولا غرس الوَدِيِّ (٤)، إِنما كنت ألزم النّبيّ ﷺ لكلمةٍ يُعلّمنيها، وللُقمة يُطعِمُنيها]، [فقال له ابن عمر: أنت يا أبا هريرة! كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه] " (٥).

стр. 1299

عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أصبح منكم اليوم صائماً؟! قال أبو بكر: أنا قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن في امرئ إِلا دخَل الجنة" (١). وهذا الفضْل في اتّباع الجنائز؛ إِنّما هو للرجال دون النساء؛ لنهي النّبيّ ﷺ لهنّ عن اتباعها، وهو نهي تنزيه. عن أم عطية ﵂ قالت: "نُهينا عن اتباع الجنائز؛ ولم يُعْزَم علينا" (٢). وفي روإية: "نهانا رسول الله ﷺ " (٣). وقد جاء التصريح بأنّ النساء لا أجر لهنَّ في اتباعها: كما في الحديث الذي أخرجه ابن حبان في "الثقات" (٦/ ٤٩٣) بإِسناده عن عائشة مرفوعاً؛ وهو مخرج في "الصحيحة" (٣٠١٢).

стр. 1300

لا يجوزأن تُتَّبَعَ الجنائز بما يخالف الشريعة: ولا يجوز أن تُتّبع الجنائز بما يخالف الشريعة، وقد جاء النصُّ فيها على أمرين: رفع الصوت بالبكاء، واتبّاعها بالبَخُور. عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تتّبع جنازة معها رانّة (١) " (٢). وعن أبي بُردة قال: "أوصى أبو موسى ﵁ حين حضَره الموت قال: إِذا انطلقتم بجنازتي؛ فأسرعوا بي المشي، ولا تَتَّبعوني بمِجمَر (٣) ... " (٤). وعن عمرو بن العاص ﵁ قال وهو في سياق الموت: "فإِذا أنا مِتُّ؛ فلا تصحبني نائحةٌ ولا نار" (٥). ويلحق بذلك رفع الصوت بالذّكر أمام الجنازة؛ لأنّه بدعة، ولقول قيس بن عُبَاد: "كان أصحاب النّبيّ ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز" (٦). ولأنّ فيه تشبّهاً بالنصارى؛ فإِنّهم يرفعون أصواتهم بشيء من أناجيلهم
следующие страницы →