← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

بألف كفن؛ لأن ذلك يصير ترابًا عن قريب. ومعلوم أنه إِذا كان صحيح العقل لا يقصد التزين بذلك بين أهل البرزخ - فقد صاروا جميعاً في شغل شاغل عن ذلك-؛ فالصواب أنه يأثم الوصي والوارث بامتثال هذه الوصية لا بِرَدِّها. والله -سبحانه- إِنما جعل للميت ثلث ماله ليجعله زيادة في حسناته ويتقرب به إِلى الله -سبحانه- لا ليضعه في موضع الإِضاعة، ويخالف به ما شرعه الله لعباده من عدم إِضاعة المال". والمرأة في ذلك كالرجل، إِذ لا دليل على التفريق. حَمْلُ الجنازةِ واتّباعُها حُكم حمل الجنازة واتّباعها: ويجب حمل الجنازة واتّباعها، وذلك من حقّ الميت المسلم على المسلمين، وفي ذلك أحاديث منها: الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حقّ المسلم على المسلم خمس: ردّ السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس" (١). الثاني: قوله أيضاً: "عودوا المريض، واتّبعوا الجنائز؛ تذكّرْكم الآخرة" (٢).

стр. 1297

واتّباعُها على مرتبتين: الأولى: اتّباعها من عند أهلها، حشى الصلاة عليها. والأخرى: اتباعها من عند أهلها، حتى يُفرغ من دفنها. وكُلاًّ منهما فعَل (١) رسول الله ﷺ . هل تتبع جنازة المشرك ؟ جاء في "مجموع الفتاوى" (٢٤/ ٢٦٥): "وسئل -رحمه الله تعالى- عن قوم مسلمين مجاوري النصارى؛ فهل يجوز للمسلم إِذا مرض النصراني أن يعوده؟ وإِذا مات أن يتبع جنازته؟ وهل على مَن فعَل ذلك من المسلمين وِزْرٌ أم لا؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين، لا يتبع جنازتَه، وأمّا عيادته فلا بأس بها (٢)؛ فإِنه قد يكون في ذلك مصلحةٌ لتأليفه على الإِسلام، فإِذا مات كافراً؛ فقد وَجَبت له النار؛ ولهذا لا يُصلّى عليه. والله أعلم". فضل اتباع الجنازة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد الجنازة

стр. 1298

حتى يُصلّى عليها؛ فله قيراط (١)، ومن شهِدهَا حتى تدفن؛ فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين" (٢). وفي لفظٍ: "أعظم من أُحد" (٣). وفي بعض الشواهد عن أبي هريرة زيادات مفيدة، لعلّه من المُستحسن ذِكْرها: "وكان ابن عمر يُصلّي عليها، ثمّ ينصرف، فلمّا بلغه حديث أبي هريرة قال: [أكثر علينا أبو هريرة (وفي رواية: فتعاظمه)]، [فأرسل خبّاباً إِلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة، ثمّ يرجع إِليه فيُخبره ما قالت؟ وأخذ ابن عمر قبضةً من حصى المسجد يُقلِّبها في يده، حتى رجع إِليه الرسول، فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة. فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض، ثمّ قال:] لقد فرّطْنا في قراريط كثيرة! [فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: إِنه لم يكن يَشْغَلني عن رسول الله ﷺ صفقة السوق، ولا غرس الوَدِيِّ (٤)، إِنما كنت ألزم النّبيّ ﷺ لكلمةٍ يُعلّمنيها، وللُقمة يُطعِمُنيها]، [فقال له ابن عمر: أنت يا أبا هريرة! كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه] " (٥).

стр. 1299

عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أصبح منكم اليوم صائماً؟! قال أبو بكر: أنا قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن في امرئ إِلا دخَل الجنة" (١). وهذا الفضْل في اتّباع الجنائز؛ إِنّما هو للرجال دون النساء؛ لنهي النّبيّ ﷺ لهنّ عن اتباعها، وهو نهي تنزيه. عن أم عطية ﵂ قالت: "نُهينا عن اتباع الجنائز؛ ولم يُعْزَم علينا" (٢). وفي روإية: "نهانا رسول الله ﷺ " (٣). وقد جاء التصريح بأنّ النساء لا أجر لهنَّ في اتباعها: كما في الحديث الذي أخرجه ابن حبان في "الثقات" (٦/ ٤٩٣) بإِسناده عن عائشة مرفوعاً؛ وهو مخرج في "الصحيحة" (٣٠١٢).

стр. 1300

لا يجوزأن تُتَّبَعَ الجنائز بما يخالف الشريعة: ولا يجوز أن تُتّبع الجنائز بما يخالف الشريعة، وقد جاء النصُّ فيها على أمرين: رفع الصوت بالبكاء، واتبّاعها بالبَخُور. عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تتّبع جنازة معها رانّة (١) " (٢). وعن أبي بُردة قال: "أوصى أبو موسى ﵁ حين حضَره الموت قال: إِذا انطلقتم بجنازتي؛ فأسرعوا بي المشي، ولا تَتَّبعوني بمِجمَر (٣) ... " (٤). وعن عمرو بن العاص ﵁ قال وهو في سياق الموت: "فإِذا أنا مِتُّ؛ فلا تصحبني نائحةٌ ولا نار" (٥). ويلحق بذلك رفع الصوت بالذّكر أمام الجنازة؛ لأنّه بدعة، ولقول قيس بن عُبَاد: "كان أصحاب النّبيّ ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز" (٦). ولأنّ فيه تشبّهاً بالنصارى؛ فإِنّهم يرفعون أصواتهم بشيء من أناجيلهم

стр. 1301

وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين. وأقبح من ذلك: تشييعها بالعزف على آلالات الموسيقية أمامها عزفاً حزيناً، كما يفعل في بعص البلاد الإِسلامية تقليداً للكفّار! والله المُستعان. قال النووي -رحمه الله تعالى- في "الأذكار" (ص ٢٠٣): "واعلم أنّ الصواب والمختار وما كان عليه السلف ﵃: السّكوت في حال السّير مع الجنازة، فلا يُرْفَعُ صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة، وهي أنّه أسكن لخاطره، وأجمع لفكره فيما يتعلّق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق، ولا تغترّ بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو عليّ الفُضَيْل بن عِيَاضٍ ﵁ ما معناه: الزم طُرق الهدى؛ ولا يضرك قلّة السالكين، وإيّاك وطرُق الضلالة؛ ولا تغتر بكثرة الهالكين". وقد روّينا في "سنن البيهقي" ما يقتضي ما قلته (يشير إِلى قول قيس بن عباد). وأمّا ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها؛ من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن مواضعه، فحرام بإِجماع العلماء، وقد أوضحت قُبحه، وغلظ تحريمه، وفسق من تمكّن من إِنكاره فلم يُنكره في كتاب "آداب القراءة". والله المستعان". قال شيخنا ﵀: "يشير إِلى كتابه "التبيان في آداب حَمَلة القرآن" انتهى. وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٤/ ٢٩٣): "وسُئل عن رفع الصوت في الجنازة؟ فأجاب: الحمد لله؛ لا يستحب رفع الصوت مع الجنازة، لا بقراءة ولا ذِكر

стр. 1302

ولا غير ذلك؛ هذا مذهب الأئمة الأربعة، وهو المأثور عن السلف من الصحابة والتابعين، ولا أعلم فيه مخالفاً؛ بل قد روي عن النّبيّ ﷺ : أنّه نهى أن يتبع بصوت أو نار: رواه أبو داود (١). وسمع عبد الله بن عمر ﵄ رجلاً يقول في جنازة: استغفروا لأخيكم. فقال ابن عمر: لا غفر الله بعد! وقال قيس بن عُبَاد -وهو من أكابر التابعين من أصحاب علي بن أبي طالب ﵁: كانوا يستحبون خفض الصوت عند الجنائز، وعند الذكر، وعند القتال. وقد اتفق أهل العلم بالحديث والآثار أنّ هذا لم يكن على عهد القرون الثلاثة المفضلة. وأما قول السائل: إِن هذا قد صار إِجماعاً من الناس! فليس كذلك؛ بل ما زال في المسلمين من يكره ذلك، وما زالت جنائز كثيرة تخرج بغير هذا في عدة أمصار من أمصار المسلمين. وأما كون أهل بلد -أو بلدين أو عشر- تعوَّدوا ذلك؛ فليس هذا بإِجماع؛ بل أهل مدينة النّبيّ ﷺ التي نزل فيها القرآن والسنة -وهي دار الهجرة، والنصرة، والإِيمان، والعلم- لم يكونوا يفعلون ذلك؛ بل لو اتفقوا في مثل زمن مالك وشيوخه على شيء، ولم ينقلوه عن النّبيّ ﷺ أو خلفائه؛ لم يكن

стр. 1303

إِجماعهم حُجّة عند جمهور المسلمين، وبعد زمن مالك وأصحابه ليس إِجماعهم حجة باتفاق المسلمين؛ فكيف بغيرهم من أهل الأمصار. وأمّا قول القائل: إِنّ هذا يشبه بجنائز اليهود والنصارى! فليس كذلك؛ بل أهل الكتاب عادتهم رفع الأصوات مع الجنائز، وقد شُرط عليهم في شروط أهل الذّمة أن لا يفعلوا ذلك. ثمّ إنما نهينا عن التشبه بهم فيما ليس هو من طريق سلفنا الأول، وأما إِذا اتبعنا طريق سلفنا الأول كنا مصيبين، وإن شاركنا في بعض ذلك من شاركنا، كما أنهم يشاركوننا في الدفن في الأرض، وفي غير ذلك". الإِسراع في السير بها: ويجب الإِسراع في السير بها، سيراً دون الرَّمَلِ، وفي ذلك أحاديث: الأول: عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "أسرِعوا بالجنازة؛ فإِن تكُ صالحة؛ فخير تقدّمونها إِليه، وإن يَكُ سوى ذلك؛ فشرّ تضعونه عن رقابكم" (١). الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا وُضِعَتِ الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم؛ فإِن كانت صالحة قالت: قدّموني، وإن كانت غير صالحة؟ قالت: يا ويلها! أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إِلا الإِنسان، ولو سمعه صَعِق" (٢).

стр. 1304

الثالث: عن عبد الرحمن بن جَوْشَنٍ قال: "كنت في جنازة عبد الرحمن بن سَمُرَةَ، فجعل زياد ورجال من مواليه يمشون على أعقابهم أمام السرير، ثمّ يقولون: رويداً رويداً بارك الله فيكم!! فلحِقهم أبو بكرة في بعض سِكَكِ المدينة، فحمل عليهم بالبَغْلَةِ، وشدّ عليهم بالسّوط، وقال: خلُّوا! والذي أكرم وجه أبي القاسم ﷺ ؛ لقد رأيتنا على عهد رسول الله ﷺ لنكاد أن نَرْمُلَ بها رَمَلاً" (١). قال شيخنا ﵀: ظاهر الأمر الوجوب [أي: الإِسراع بالجنازة]، وبه قال ابن حزم (٥/ ١٥٤ - ١٥٥)، ولم نجد دليلاً يصرفه إِلى الاستحباب، فوقفنا عنده، وقال ابن القيم في "زاد المعاد": "وأمّا دبيب الناس اليوم خطوة خطوة؛ فبدعة مكروهة، مخالفة للسنّة، ومتضمّنة للتشبّه بأهل الكتاب اليهود" ... " انتهى. وجاء في "الروضة الندية" (١/ ٤٣٠): "والحق: هو القصد في المشي، فالأحاديث المصرحة بمشروعية الإِسراع؛ ليس المراد بها الإِفراطَ في المشي الخارج عن حد الاعتدال، والأحاديث التي فيها الإِرشاد إِلى القصد؛ ليس المراد بها الإِفراطَ في البُطْءِ، فيجمع بين الأحاديث بسلوك طريقة وسطى بين الإِفراط والتفريط؛ يصدق عليها أنه إِسراع بالنسبة إِلى الإِفراط في البطء، وأنها قصد بالنسبة إِلى الإِفراط في الإِسراع، فيكون المشروع دون الخبب، وفوق المشي الذي يفعله من يمشي في غير مهم".

стр. 1305

أين يكون الماشي والراكب من الجنازة ؟ ويجوز المشي أمامها وخلفها وعن يمينها ويسارها، على أن يكون قريباً منها، إِلا الراكب فيسير خلفها. فعن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الراكب يسير خلف الجنازة والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها؛ قريباً منها؛ والسِّقْط يُصلّى عليه ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة" (١). وكل من المشي أمامها وخلفها ثبت عن رسول الله ﷺ فِعْلاً، كما قال أنس ابن مالك ﵁: "إِنّ رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها" (٢). ما هو الأفضل ؟ لكن الأفضل المشي خلفها؛ لأنّه مقتضى قوله ﷺ : "واتبعوا الجنائز" (٣). ويؤيِّده قول علي ﵁: "المشي خلفها أفضل من المشي أمامها، كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذّاً" (٤).

стр. 1306

الجنازة" .. " (١). لكر، الأفضل المشي؛ لأنّه المعهود عنه ﷺ ، ولم يَرِدْ أنّه ركب معها؛ بل قال ثوبان ﵁: "إِنّ رسول الله ﷺ أُتي بدابة وهو مع الجنازة؛ فأبى أن يركبها، فلما انصرف أُتي بدابة فركب، فقيل له؟ فقال: إِنّ الملائكة كانت تمشي؛ فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبْتُ" (٢). وأمّا الركوب بعد الانصراف عنها؛ فجائز بدون كراهة؛ لحديث ثوبان المذكور آنفاً، ومِثله حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: "صلّى رسول الله ﷺ على ابن الدَّحداح، تم أُتي بفرس عُرْي (٣)؛ فعقله (٤) رجل فركبه، فجعل يتوقّص (٥) به؛ ونحن نتّبعه ونسعى خلفه، فال: فقال رجل من القوم: إِنّ النّبيّ ﷺ قال: كم من عِذْق (٦) مُعلّق (أو مُدلّى) في الجنة لابن الدحداح! أو قال شعبة: لأبي الدحداح! " (٧).

стр. 1307

تحريم حمل الجنازة على عربة مخصصة لها ونحو ذلك: وأمّا حمل الجنازة على عربة أو سيارة مخصصة للجنائز، وتشييع المُشيعين لها وهم في السيارات؛ فهذه الصورة لا تُشْرع البتة، وذلك لأمور: الأول: أنها من عادات الكُفار، وقد تقرّر في الشريعة أنّه لا يجوز تقليدهم فيها. الثاني: أنها بدعة في عبادة، مع مُعارضتها للسّنة العملية في حمل الجنازة، وكلّ ما كان كذلك من المُحدثات؛ فهو ضلالة اتفاقاً. الثالث: أنها تُفوّت الغاية من حملها وتشييعها، وهي تذكّر الآخرة، كما في الحديث المتقدّم: " .. واتبعوا الجنائز تُذكّركم الآخرة". قال شيخنا ﵀: إِنّ تشييعها على تلك الصّورة ممّا يفوّت على الناس هذه الغاية الشريفة تفويتاً كاملاً أو دون ذلك؛ فإِنّه ممّا لا يخفى على البصير أنّ حمل الميت على الأعناق (١)، ورؤية المشيعين لها وهي على

стр. 1308

رؤوسهم؛ أبلغ في تحقيق التذكّر والاتعاظ من تشييعها على الصّورة المذكورة، ولا أكون مُبالغاً إِذا قلت: إِنّ الذي حمل الأوروبيين عليها إِنّما هو خوفهم من الموت وكل ما يذكّر به؛ بسبب تغلُّب المادة عليهم وكفرهم بالآخرة! ". الرابع: أنها سبب قويّ لتقليل المُشيّعين لها والرّاغبين في الحصول على الأجر. الخامس: أنّ هذه الصّورة لا تتفق من قريب ولا من بعيد -مع ما عُرف عن الشريعة المُطهّرة السمحة من البُعد عن الشكليّات والرسميّات، لا سيّما في مثل هذا الأمر الخطير: الموت! نسْخ القيام للجنازة: والقيام لها منسوخ، وهو على نوعين: أ- قيام الجالس إِذا مرّت به. ب- وقيام المُشيّع لها عند انتهائها إِلى القبر حتى تُوضْع على الأرض. والدليل على ذلك. حديث عليّ ﵁ وله ألفاظ: الأول: عن عليّ ﵁ قال: "رأينا رسول الله ﷺ قام فقمنا؛ وقعد فقعدنا؛ يعني: في الجنازة" (١).

стр. 1309

الثاني: "كان يقوم في الجنائز، ثمّ جلس بَعْدُ" (١). الثالت: من طريق واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال: "شهدت جنازة في بني سَلِمَة، فقمت، فقال لي نافع بن جبير: اجلس؛ فإِنّي سأخبرك في هذا بثَبْتٍ، حدّثني مسعود بن الحكم الزُّرَقيُّ أنه سمع علي بن أبي طالب ﵁ برَحْبَة الكوفة وهو يقول: "كان رسول الله ﷺ أمرنا بالقيام في الجنازة، ثمّ جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس" (٢). الرابع: عن إِسماعيل بن مسعود بن الحكم الزُّرَقي عن أبيه قال: "شهدتُ جنازة بالعراق، فرأيت رجالاً قياماً ينتظرون أن توضع، ورأيت عليّ بن أبي طالب ﵁ يشير إِليهم: أن اجلسوا؛ فإِن النّبيّ ﷺ قد أمَرَنا بالجلوس بعد القيام" (٣). استحباب الوضوء لمن حمَلها: ويُستحبُّ لمن حملها أن يتوضأ؛ للحديث المتقدّم: "من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ".

стр. 1310

الصلاة على الجنازة شروطها (١): *صلاة الجنازة يتناولها لفظ الصلاة، فيشترط فيها الشروط التي تفرض في سائر الصلوات المكتوبة: من الطهارة الحقيقية، والطهارة من الحدث الأكبر والأصغر، واستقبال القبلة، وستر العورة.* لكنّه إِذا خشي فوات الصلاة؛ فله أن يتيمّم وبه يقول شيخ الإِسلام ﵀ كما في "مجموع الفتاوى"، وكذلك شيخنا ﵀ في إِجابةٍ أجابنيها. حُكمها: والصلاة على الميت المسلم فرض كفاية؛ لأمره ﷺ بها في أحاديث منها: حديث أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ "كان يُؤتى بالرّجل الميّت، عليه الدّين، فيسأل: هل ترك لدَيْنه من قضاء؟ فإِنْ حُدّث أنّه ترك وفاءً صلّى عليه؛ وإلا قال: صلّوا على صاحَبكم، فلمّا فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوفّي وعليه دَيْن؛ فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فهو لورثته" (٢). عدم وجوب الصلاة على شخصين: ويستثنى من ذلك شخصان؛ فلا تجب الصلاة عليهما:

стр. 1311

الأول: الطفل الذي لم يبلغ؛ لأنّ النّبيّ ﷺ لم يُصلِّ على ابنه إِبراهيم؛ قالت عائشة ﵂: "مات إِبراهيم ابن النّبيّ ﷺ وهو ابن ثمانية عشر شهراً، فلم يصلِّ عليه رسول الله ﷺ " (١). الثاني: الشهيد؛ لأنّ النّبيّ ﷺ لم يُصلِّ على شهداء أُحد وغيرهم؛ وفي ذلك ثلاثة أحاديث سبَق ذِكْرها: منها حديث أنس ﵁: "أنّ شهداء أحد لم يُغسّلوا، ودُفنوا بدمائهم، ولم يُصلّ عليهم [غير حمزة] ". ولكنّ ذلك لا ينفي مشروعية الصلاة عليهما بدون وجوب، كما يأتي من الأحاديث فيهما في المسألة التالية: وتُشرع الصلاة على من يأتي ذكرهم. الأول: الطفل، ولو كان سِقْطاً (وهو الذي يَسْقُط من بطن أُمّه قبل تمامه)، وفي ذلك حديثان: ١ - " .. والطفل (وفي رواية: السِّقْط) يُصلّى عليه، ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة" (٢). ٢ - وعن عائشة أمّ المؤمنين ﵂ قالت: دُعي رسول الله ﷺ إِلى جنازة صبيّ من الأنصار، فقلت: يا رسول الله! طوبى لهذا؛ عُصفور من عصافير الجنّة؛ لم يعمل السُّوء ولم يدركه! قال: أوَ غيرَ ذلك يا عائشة! إِنّ الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في

стр. 1312

أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" (١). قال شيخنا ﵀: "وأجاب السّندي في "حاشيته على النسائي" بجوابٍ خلاصتُه: أنّه إِنما أنكر عليها الجزم بالجنة لطفل معين: قال: ولا يصحّ الجزم في مخصوص؛ لأنّ إِيمان الأبوين -تحقيقاً- غيب، وهو المناط عند الله -تعالى-. والظاهر أن السِّقْط إِنّما يُصلّى عليه إِذا كان قد نُفخت فيه الروح، وذلك إِذا استكمل أربعة أشهر ثمّ مات، فأمّا إِذا سقط قبل ذلك فلا؛ لأنّه ليس بميت كما لا يخفى". عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ -وهو الصادق المصدوق-: إِنّ خلْق أحدكم يُجمَع في بطن أُمّه أربعين يوماً وأربعين ليلة، ثمّ يكون علقة مثله، ثم يكون مُضغة مثله، ثمّ يُبْعَثُ إِليه الملك، فَيُؤْذَنُ بأربع كلمات، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقيٌّ أم سعيد، ثمّ ينفخ فيه الروح: فإِنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع؛ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار. وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار؛ حتى ما يكون بينها وبينه إِلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها" (٢). وجاء في "المحلّى" (٥/ ٢٣٣ - مسألة: ٥٩٨): "ونستحب الصلاة على

стр. 1313

المولود يولد حياً ثمّ يموت -استهل أو لم يستهل-؛ وليس الصلاة عليه فرضاً ما لم يبلغ. أمّا الصلاة عليه؛ فإِنها فعل خير لم يأت عنه نهي! وأمّا ترك الصلاة عليه؛ فلما روينا من طريق أبي داود: ثمّ ذكر إِسناده إِلى عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: "مات إِبراهيم ابن رسول الله ﷺ وهو ابن ثمانية عشر شهراً، فلم يصلّ عليه رسول الله ﷺ ". وقال: هذا خبر صحيح؛ ولكن إِنما فيه ترك الصلاة، وليس فيه نهي عنها. الثاني: الشهيد، وفيه أحاديث كثيرة: منها: عن شَدَّاد بن الهادِ: "أنّ رجلاً من الأعراب جاء إِلى النّبيّ ﷺ ، فآمن به واتّبعه، ثمّ قال: أُهاجر معك .. فلبثوا قليلاً، ثمّ نهضوا في قتال العدوّ، فأُتِيَ به النّبيُّ يُحْمَل قد أصابه سهم .. ثمّ كفّنه النّبيّ ﷺ فى جُبَّته، ثمّ قدّمه فصلّى عليه ... " (١). عن عبد الله بن الزبير: "أنّ رسول الله ﷺ أَمَر -يوم أحد- بحمزة؛ فسُجِّي ببردةٍ، ثمّ صلّى عليه (٢)، فكبر تسع تكبيرات، ثمّ أُتي بالقتلى يُصَفُّون، ويصلّي عليهم، وعليه معهم" (٣). قال شيخنا ﵀: "قد يقول قائل: لقد ثبت في هذه الأحاديث

стр. 1314

مشروعية الصلاة على الشهداء، والأصل أنّها واجبةٌ، فلماذا لا يُقال بالوجوب؟! قلت [أي: شيخنا ﵀]: لما سبق ذكره في المسألة (٥٨) [يعني: من كتابه؛ وهي هنا قبل بضع صفحات] ونزيد على ذلك هنا فنقول: لقد استشهد كثير من الصحابة في غزوة بدر وغيرها، ولم يُنقل أنّ النّبيّ ﷺ صلّى عليهم ولو فعَل لنقلوه عنه، فدلّ ذلك أنّ الصلاة عليهم غير واجبة. ولذلك قال ابن القيم في "تهذيب السنن" (٤/ ٢٩٥): "والصواب في المسألة ... أنه مخير بين الصلاة عليهم، وتركها؛ لمجيء الآثار بكل واحد من الأمرين، وهذا إِحدى الروايات عن الإِمام أحمد، وهي الأَلْيَقُ بأصوله ومذهبه". قلت [أي: شيخنا ﵀]: ولا شكّ أنّ الصلاة عليهم أفضل من الترك إذا تيسّرت؛ لأنها دعاء وعبادة. الثالث: من قُتل في حدّ من حدود الله؛ لحديث عمران بن حصين: "أنّ امرأة من جُهَيْنَةَ أتت نبي الله ﷺ ، وهي حُبلى من الزّنى، فقالت: يا نبي الله! أصبت حدّاً فأقمه عليّ. فدعا نبيّ الله وليَّها، فقال: "أحسِن إِليها، فإِذا وضعت فأْتِني بها ففعل، فأمر بها نبيّ الله ﷺ ؛ فشُكّت عليها ثيابها (١)، ثمّ أَمر بها فرجمت، ثمّ صلّى عليها، فقال له عمر: تُصلي عليها؟ يا نبي الله وقد زَنَتْ؟! فقال: لقد تابت توبة، لو قُسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبةً أفضل

стр. 1315

من أن جادت بنفسها لله -تعالى-؟! " (١). الرابع: الفاجر المنبعث في المعاصي والمحارم، مثل تارك الصلاة والزّكاة مع اعترافه بوجوبهما،، والزاني ومُدْمن الخمر، ونحوهم من الفُساق؛ فإِنه يصلّي عليهم؛ إِلا أنه ينبغي لأهل العلم والدين أن يَدَعُوا الصلاة عليهم؛ عقوبة وتأديباً لأمثالهم، كما فعل النّبيّ ﷺ ، وفي ذلك أحاديث: ١ - عن أبي قتادة قال: "كان رسول الله ﷺ إِذا دُعي لجنازة سأل عنها، فإِنْ أُثني عليها خير قام فصلّى عليها، وإن أُثني عليها غير ذلك قال لأهلها: شأنَكُم بها ولم يُصلِّ عليها" (٢). ٢ - عن جابر بن سمَرة ﵁ قال: "أُتي النّبيّ ﷺ برجل قَتَل نفسه بمشاقص (٣)؛ فلم يُصَلِّ عليه" (٤). قال أبو عيسى ﵀ تعليقاً على حديث جابر بن سمرة: "وقد اختلف أهل العلم في هذا: فقال بعضهم: يُصلّى على كلِّ من صلّى للقبلة، وعلى قاتل النفس، وهو قول سُفيان الثوري وإسحاق، وقال أحمد: لا يُصلّي الإِمام على قاتل النفس، ويصلّي عليه غير الإِمام".

стр. 1316

وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "الاختيارات" (ص ٥٢): "ومن امتنع من الصلاة على أحدهم (يعني: القاتل والغالَّ والمدين الذي ليس له وفاء) زجراً لأمثاله عن مثل فعله؛ كان حسناً، ولو امتنع في الظاهر، ودعا له في الباطن، ليجمع بين المصلحتين؛ كان أولى من تفويت إِحداهما". قال النووي ﵀ بعد الحديث السابق: "أُتي النّبيّ ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يُصَلِّ عليه": وفي هذا الحديث دليل لمن يقول: لا يصلّى على قاتل نفسه لعصيانه، وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي. وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: يُصلّى عليه، وأجابوا عن هذا الحديث بأنّ النّبيّ ﷺ : لم يصل عليه بنفسه؛ زجراً للناس عن مثل فعله، وصلت عليه الصحابة، وهذا كما ترك النّبيّ ﷺ الصلاة في أول الأمر على من عليه دين؛ زجراً لهم عن التساهل في الاستدانة، وعن إِهمال وفائه؛ وأمر أصحابه بالصلاة عليه، فقال ﷺ : "صلّوا على صاحبكم". قال القاضي: مذهب العلماء كافةً: الصلاةُ على كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه وولد الزنى. وعن مالك وغيره: أن الإِمام يجتنب الصلاة على مقتول في حد، وأن أهل الفضل لا يُصلّون على الفساق زجراً لهم ... " انتهى. وجاء في "الأوسط" (٥/ ٤٠٨) -بعد إِيراد عدد من النّصوص والآثار-: "سنّ رسول الله ﷺ الصلاة على المسلمين ولم يستثن منهم أحداً، وقد دخَل في جُملهم الأخيار والأشرار، ومن قُتل في حد، ولا نعلم خبراً أوجب استثناء

стр. 1317

أحدٍ ممن ذكَرناه، فيُصلّ على من قَتل نفسه، وعلى من أُصيب في أي حد أصيب فيه، وعلى شارب الخمر، وولد الزنى، لا يستثنى منهم إِلا من استثناه النّبيّ ﷺ من الشهداء الذين أكرمَهم الله بالشهادة، وقد ثبَت أن نبيّ الله ﷺ صلّى على من أصيب في حدّ". وجاء في "المحلّى" (٥/ ٢٤٩ - مسألة: ٦١١) -بحذف-: "ويصلّى على كلّ مسلم، برّ أو فاجر، مقتول في حدّ، أو في حرابة، أو في بغي، ويصلّي عليهم الإِمام، وغيره ...... لعموم أمر النّبيّ ﷺ بقوله: "صلّوا على صاحبكم (١)، والمسلم صاحب لنا، قال -تعالى-: ﴿إِنما المؤمنون إِخوة﴾ (٢)، وقال -تعالى-: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٣). فمن منَع من الصلاة على مسلم؛ فقد قال قولاً عظيماً، وإن الفاسق لأحوج إِلى دعاء إِخوانه المؤمنين من الفاضل المرحوم. وصح عن عطاء: أنه يصلى على ولد الزنى، وعلى أمه، وعلى المتلاعِنَين، وعلى الذي يقاد منه، وعلى المرجوم، والذي يفرّ من الزحف فيُقتل. قال عطاء: لا أدَع الصلاة على من فال: لا إِله إِلا الله؛ قال -تعالى-: ﴿من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ (٤).

стр. 1318

قال عطاء: فمن يعلم أن هؤلاء من أصحاب الجحيم؟! قال ابن جريج: فسألت عمرو بن دينار؟ فقال مثل قول عطاء! وصح عن إِبراهيم النخعي أنه قال: لم يكونوا يحجبون الصلاة عن أحد من أهل القبلة، والذي قتل نفسه يصلّى عليه. وصح عن قتادة: صلّ على من قال: لا إِله إِلا الله، فإِن كان رجلَ سوء جدّاً؛ فقل: اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات! ما أعلم أحداً من أهل العلم اجتنب الصلاة على من قال: لا إِله إِلا الله! وصح عن ابن سيرين: ما أدركت أحداً يتأثم من الصلاة على أحد من أهل القبلة. وصح عن الشعبي أنه قال في رجل قتل نفسه: ما مات فيكم -مذ كذا- وكذا أحوجُ إِلى استغفاركم منه". الخامس: المدِين الذي لم يترك من المال ما يقضي به دينه؛ فإِنّه يُصلّى عليه، وإنما ترك رسول الله ﷺ الصلاة عليه في أوّل الأمر. عن سَلَمَة بن الأكوع ﵁ قال: "كنّا جُلوساً عند النّبيّ ﷺ ؛ إِذ أُتي بجنازة فقالوا: صلّ عليها، فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا. قال: فهل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، فصلّى عليه، ثمّ أُتي بجنازة أخرى فقالوا: يا رسول الله! صلّ عليها. قال: هل عليه دَين؟ قيل: نعم. قال: فهل ترك شيئاً؟

стр. 1319

قالوا: ثلاثة دنانير، فصلّى عليها. ثمّ أُتي بالثالثة فقالوا: صلّ عليها، قال: هل ترك شيئاً؟ قالوا: لا. قال: فهل عليه دَين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلّوا على صاحبكم. قال أبو قتادة: صلِّ عليهِ يا رسول الله! وعليَّ دينه، فصلّى عليه" (١). وعن أبي قتادة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ أُتيَ برجل من الأنصار ليصلّي عليه، فقال النّبيّ ﷺ : "صلّوا على صاحبكم، فإِنّ عليه دَيْناً. قال أبو قتادة: هو عليّ، قال النّبيّ ﷺ : بالوفاء؟ قال: بالوفاء، فصلّى عليه" (٢). عن أبي هريرة ﵁ "أنّ رسول الله ﷺ كان يُؤتى بالرّجل المُتوفّى؛ عليه الدين، فيسأل هل ترك لدينه فضلاً (٣) فإِنّ حُدِّث أنّه ترك لدينه وفاءً صلّى؛ وإِلا قال للمسلمين صلّوا على صاحبكم، فلمّا فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوُفّي من المؤمنين فترك ديناً؛ فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته" (٤). قال شيخنا ﵀: "قال أبو بشر يونس بن حبيب -راوي "مسند

стр. 1320

الطيالسي"- عقب الحديث: "سمعت أبا داود -يعني: الطيالسي- يقول: بذا نسخ تلك الأحاديث التي جاءت على الّذي عليه الدين" انتهى. هلّ يُصلّى على الميت الذي كان لا يصلّي: جاء في "مجموع الفتاوى" (٢٤/ ٢٨٥): "وسُئل ﵀ عن الصلاة على الميت الذي كان لا يصلّي؛ هل لأحد فيها أجر أم لا؟ وهل عليه إِثم إِذا تركها، مع علمه أنه كان لا يصلّي؟ وكذلك الذي يشرب الخمر وما كان يصلّي؛ هل يجوز لمن كان يعلم حاله أن يصلّي عليه أم لا؟ فأجاب: أما من كان مظهراً للإِسلام، فإِنّه تجري عليه أحكام الإِسلام الظاهرة: من المناكحة، والموارثة، وتغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ونحو ذلك؛ لكن من عُلِمَ منه النفاق والزندقة؛ فإِنّه لا يجوز لمن عَلِمَ ذلك منه الصلاة عليه، وإن كان مظهراً للإِسلام، فإِن الله نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين، فقال: ﴿ولا تُصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تَقُم على قبره إِنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ (١)، وقال: ﴿سواءٌ عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ (٢). وأما من كان مظهراً للفسق -مع ما فيه من الإِيمان- كأهل الكبائر؛ فهؤلاء لا بد أن يصلّي عليهم بعض المسلمين، ومن امتنع من الصلاة على أحدهم زجراً لأمثاله عن مثل ما فعله، كما امتنع النّبيّ ﷺ عن الصلاة على قاتل نفسه،

стр. 1321

وعلى الغال، وعلى المدين الذي لا وفاء له، وكما كان كثير من السلف يمتنعون من الصلاة على أهل البدع؛ كان عمله بهذه السنة حسناً، ومن صلّى على أحدهم يرجو له رحمة الله، ولم يكن في امتناعه مصلحة راجحة؛ كان ذلك حسناً، ولو امتنع في الظاهر ودعا له في الباطن -ليجمع بين المصلحتين-؛ كان تحصيل المصلحتين أولى من تفويت أحداهما. وكل من لم يُعْلَمْ منه النفاق وهو مسلم؛ يجوز الاستغفار له، والصلاة عليه، بل يشرع ذلك، ويؤمر به، كما قال -تعالى-: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ (١). وكل من أظهر الكبائر؛ فإِنّه تسوغ عقوبته بالهجر وغيره، حتى ممن في هجره مصلحة له راجحة فتحصل المصالح الشرعية في ذلك بحسب الإِمكان". والله أعلم. وفيه (ص ٢٨٧): وسئل عن رجل يصلّي وقتاً، ويترك الصلاة كثيراً، أو لا يصلّي؛ هل يصلّى عليه؟ فأجاب: "مثل هذا ما زال المسلمون يصلون عليه، بل المنافقون الذين يكتمون النفاق يصلّي المسلمون عليهم، ويغسَّلون، وتجري عليهم أحكام الإِسلام، كما كان المنافقون على عهد رسول الله ﷺ . وإن كان من علم نفاق شخص لم يجز له أن يصلّي عليه، كما نُهِيَ النّبيّ ﷺ عن الصلاة على من علم نفاقه. وأمّا من شك في حاله؛ فتجوز الصلاة عليه إِذا كان ظاهر الإِسلام، كما صلّى النّبيّ ﷺ على من لم يُنْهَ عنه، وكان فيهم من لم يعلم نفاقه، كما قال -

стр. 1322

تعالى-: ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل الدينة مَرَدُوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾ (١). ومثل هولاء لا يجوز النهي عنه؛ ولكن صلاة النّبيّ ﷺ والمؤمنين على المنافق لا تنفعه، كما قال النّبيّ ﷺ -لمَا ألبس ابن أُبيٍّ قميصه (٢) -: "وما يُغني عنه قميصي من الله؟! "؛ وقال -تعالى-: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ (٣). وتارك الصلاة أحياناً، وأمثاله من المتظاهرين بالفسق؛ فأهل العلم والدين إِذا كان في هجر هذا، وترك الصلاة عليه منفعة للمسلمين -بحيث يكون ذلك باعثاً لهم على المحافظة على الصلاة عليه-[هجروه ولم يصلوا عليه]، كما ترك النّبيّ ﷺ الصلاة على قاتل نفسه، والغال، والمدين الذي لا وفاء له، وهذا شرٌّ منهم". السادس: مَن دُفن قبل أن يُصلّى عليه، أو صَلّى عليه بعضهم دون بعض، فيصلّون عليه في قبره، على أن يكون الإِمام في الصورة الثانية ممّن لم يكن صلّى. فعن أبي هريرة ﵁: "أنّ امرأةً (٤) سوداء كانت تقُمّ المسجد (أو

стр. 1323

شابّاً)، ففقدها رسول الله ﷺ ، فسأل عنها (أو عنه)؟ فقالوا: مات، قال: أفلا كنتم آذنتموني؟! قال: فكأنّهم صغّروا أمرها (أو أمره)، فقال: دُلُّوني على قبره. فدلوه، فصلّى عليها ثمّ قال: إِنّ هذه القبور مملوءةٌ ظُلمةً على أهلها، وإنّ الله ينوّرها لهم بصلاتي عليهم" (١). وعن يزيد بن ثابت -وكان أكبر من زيد- قال: خرجنا مع النّبيّ ﷺ ، فلما ورد البقيع؛ فإِذا هو بقبر جديد، فسأل عنه؟ فقالوا: فلانة. قال: فعرفها. وقال: "ألا آذنتموني بها؟! قالوا: كنت قائلاً صائماً، فكرهنا أن نؤذيك! قال: فلا تفعلوا، لا أعرفنّ ما مات منكم ميت -ما كنت بين أظهركم- إِلا آذنتموني به؛ فإِنّ صلاتي عليه له رحمة ثمّ أتى القبر فصففنا خلفه، فكبّر عليه أربعاً" (٢). قال الإِمام أحمد ﵀ ومن يشك في الصلاة على القبر؟! يروى عن النّبيّ ﷺ من ستة وجوه؛ كلّها حسان (٣). وجاء في "المحلّى" (٥/ ٢١٠ مسألة: ٥٨١): "ورُوِّينا عن معمر عن أيوب السَّخْتيَاني عن ابن أبي مليكة: مات عبد الرحمن بن أبي بكر على ستة أميال من مكَة؛ فحملناه، فجئنا به مكة. فدفناه، فقدمت علينا عائشة أمّ المؤمنين فقالت: أين قبر أخي؟ فدللناها عديه، فوضعت في هودجها عند قبره فصلت

стр. 1324

عليه! .. وعن ابن عمر: أنّه قدم وقد مات أخوه عاصم، فقال: أين قبر أخي؟ فدُل عليه؛ فصلّى عليه ودعا له. وعن علي بن أبي طالب: أنّه أمر قَرَظَةَ بن كعب الأنصاري أن يصلّي على قبر سهل بن حُنَيْفِ بقوم جاءوا بعد ما دفن وصُلِّي عليه. وعن علي بن أبي طالب أيضاً: أنّه صلّى على جنازة بعد ما صُلِّي عليها. وأن أنس بن مالك صلّى على جنازة بعدما صُلّي عليها. وعن ابن مسعود نحو ذلك. وعن سعيد بن المسيَّب إِباحة ذلك. وعن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد: أنّه صلّى على جنازة بعدما صلِّي عليها. وعن قتادة: أنّه كان إِذا فاتته الصلاة على الجنازة صلّى عليها. فهذه طوائف من الصحابة لا يعرف لهم منهم مخالف. وأمّا أمر تحديد الصلاة بشهر أو ثلاثة أيام؛ فخطأ لا يشكل؛ لأنّه تحديد بلا دليل؛ ولا فرق بين من حد بهذا، أو من حد بغير ذلك". السابع: من مات في بلد ليس فيها من يصلّي عليه صلاةَ الحاضر، فهذا يُصلّي عليه طائفة من المسلمين صلاة الغائب؛ لصلاة النّبيّ ﷺ على النّجاشيّ. فعن أبي هريرة ﵁: "أنّ رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم

стр. 1325

الذي مات فيه، خرج الى المصلّى؛ فصفّ بهم وكبّر أربعاً" (١). قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (٥/ ٢٤٩ - مسألة: ٦١٠): "ويصلى على الميت الغائب بإِمام وجماعة؟ قد صلّى رسول الله ﷺ على النجاشي ﵁ ومات بأرض الحبشة؛ وصلّى معه أصحابه عليه صفوفاً، وهذا إِجماع منهم لا يجوز تعدّيه". قال شيخنا ﵀ في "أحكام الجنائز" (ص ١١٨): "واعلم أنّ هذا الذي ذكرناه من الصلاة على الغائب: هو الذي لا يتحمّل الحديث غيره، ولهذا سبقَنا إِلى اختياره ثُلّةٌ من مُحقّقي المذاهب، وإليك خلاصةً من كلام ابن القيم ﵀ في هذا الصدد؟ قال في "زاد المعاد" (١/ ٢٠٥ و٢٠٦): "ولم يكن من هديه ﷺ وسُنته الصلاة على كلّ ميت غائب؛ فقد مات خلْق كثير من المسلمين وهم غُيَّبٌ، فلم يصلّ عليهم، وصحّ عنه أنّه صلّى على النجاشي صلاته على الميت، فاخْتُلِفَ في ذلك على ثلاثة طرق: ١ - أنّ هذا تشريع وسنّة للأمّة الصلاة على كلّ غائب. وهذا قول الشافعي وأحمد. ٢ - وقال أبو حنيفة ومالك: هذا خاص به، وليس ذلك لغيره. ٣ - وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "الصواب: أنّ الغائب إِن مات ببلدٍ لم يُصَلَّ عليه فيه، صُلّي عليه صلاةَ الغائب، كما صلّى النّبيّ ﷺ على النجاشي؛ لأنه مات بين الكُفار ولم يصلَّ عليه. وإنْ صُلّي عليه -حيث مات- لم يصلَّ

стр. 1326

عليه صلاة الغائب؛ لأنّ الفرض سقط بصلاة المسلمين عليه، والنّبيّ ﷺ صلّى على الغائب وتَرَكَهُ، وفِعْلُهُ وتَرْكُه سُنّة، وهذا له موضع، والله أعلم. والأقوال ثلاثة في مذهب أحمد، وأصحُّها هذا التفصيل" .. ". قلت: ولو كانت الصلاة مشروعة على كل غائب؛ لنُقل إِلينا صلاة الصحابة ﵃ الذين لم يتمكّنوا من الصلاة على رسول الله ﷺ ، ولُنقِل إِلينا كذلك صلاة الأئمة الأعلام من بعدهم على النّبيّ ﷺ وأصحابه ﵃. هل يُصلّى على العضو إِذا لم يُوجَدْ غيره ؟ اختلف العلماء فيما إِذا وُجد عُضو من الميت، هل يصلّ عليه أم لا؟ فقالت طائفة: يصلّ عليه، وهو قول الإِمامين: الشافعى وأحمد -رحمهما الله تعالى-. وقالت طائفة: لا يصلّى عليه. والراجح: هو الصلاة عليه؛ لأن ذَهاب بعض الميت لا يعني ذَهاب حرمة ما بقي. جاء في "الأوسط" (٥/ ٤١١): "قال أبو بكر [هو: ابن المنذر]: لعلّ من حجّة من رأى لا يصلّى على العضو؛ أن يقول: رسول الله ﷺ [صلى] الصلاة على الميت، والصلاة على الميت سُنّة، ولا سُنّة تثبت في الصلاة على بعض البدن، فيُصلّي حيث صلّى رسول الله ﷺ ، ويقف عن الصلاة فيما لا سنّة فيه.

стр. 1327

ومن حُجّة من يرى الصلاة على العضو يوجد: أن حرمة المسلم واحدة في كل جسده، فإِذا ذهب بعضه لم تذهب حرمة ما بقي، ويجب أن يفعل فيما بقي من بدنه -من الغسل والصلاة والدفن- سُنّة الموتى. والله أعلم ... ". وجاء في "المحلّى" (٥/ ٢٠٥ - تحت المسألة: ٥٨٠): "ويصلّى على ما وُجِدَ من الميت المسلم: ولو أنّه ظُفُرٌ أو شعرٌ فما فوق ذلك، ويُغَسَّلُ ويُكَفَّنُ؛ إِلا أن يكون من شهيد، فلا يغسل، لكن يُلَفُّ ويدفن. ويصلّى على الميت المسلم، وإن كان غائباً لا يوجد منه شيء؛ فإِنْ وُجِدَ من الميت عضو آخر بعد ذلك أيضاً غُسل أيضاً، وكُفّن، ودُفن، ولا بأس بالصلاة عليه ثانية؛ وهكذا أبداً. برهان ذلك: أننا قد ذكرنا -قبلُ- وجوب غَسْل الميت وتكفينه ودفْنه والصلاة عليه، فصح بذلك غَسْل جميع أعضائه -قليلها وكثيرها- وستر جميعها بالكفن والدفن؛ فذلك -بلا شك- واجب في كلّ جزء؛ منه فإِذ هو كذلك؛ فواجب عمله فيما أمكن عمله فيه بالوجود متى وجد؛ ولا يجوز أن يسقط ذلك في الأعضاء المفرقة بلا برهان. وينوي بالصلاة على ما وجد منه الصلاة على جميعه: جسده وروحه". تحريم الصلاة والاستغفار والترحم على الكّفار والمنافقين: وتحرم الصلاة والاستغفار والترحُّم على الكّفار والمنافقين (١)، لقول الله

стр. 1328

-﵎: ﴿ولا تُصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تَقُمْ على قبره إِنّهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ (١). وسبب نزول هذه الآية الكريمة: ما رواه عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لمّا مات عبد الله بن أُبي ابن سلُولَ؛ دُعي له رسول الله ﷺ يصلّي عليه، فلمّا قام رسول الله ﷺ ؛ وَثَبْتُ إِليه فقلت: يا رسول الله! أتصلّي على ابن أُبيٍّ وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا -أعدّدُ عليه قوله-؟! فتبسّم رسول الله ﷺ وقال: أخّر عني يا عمر! فلمّا أكثرت عليه قال: إِنّي خيّرت فاخترت، لو أعلم أنّي إِن زدت على السبعين يُغفر له لزدت عليها، قال: فصلّى عليه رسول الله ﷺ ، ثمّ انصرف، فلم يمكث إِلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿ولا تُصلِّ على أحدٍ منهم

стр. 1329

مات أبداً﴾ إِلى: ﴿وهم فاسقون﴾. قال: فعجبت -بُعْدَ- من جُرْأتي على رسول الله ﷺ يومئذ، والله ورسوله أعلم" (١). وعن المسيَّب بن حزْن قال: لمّا حَضَرت أبا طالب الوفاةُ؛ جاءه رسول الله ﷺ ، فوجدَ عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أميةَ بنَ المغيرة، فقال رسول الله ﷺ : "يا عمّ! قل: لا إِله إِلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! أترغب عن ملّة عبد المطلب؟! فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب -آخرَ ما كّلمهم-: هو على ملّة عبد المطلب، وأَبى أنْ يقول: لا إِله إِلا الله، فقال رسول الله ﷺ : أما والله لأستغفرنّ لك؛ ما لم أُنْهَ عنك. فأنزل الله : ﴿ما كان للنّبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قُرْبى من بعد ما تبيّن لهم أنّهم أصحاب الجحيم﴾، وأنزل الله -تعالى- في أبي طالب، فقال لرسول الله ﷺ : ﴿إِنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين﴾ " (٢). هل يُصلّى على قتلى المسلمين إِذا اختلطوا بالمشركين ؟! جاء في "الأوسط" (٥/ ٤٢٤): "اختلف أهل العلم في قتلى المسلمين والمشركين، إِذا اختلطوا ولم يتميّزوا:

стр. 1330

فكان الشافعي يقول: يُصلّي عليهم ويَنْوي بالصلاة المسلمين. وقال ابن الحسن: إِن كان الموتى كُفّاراً وفيهم رجل من المسلمين؛ لم يصلِّ عليهم، وإن كانوا مسلمين فيهم الكافر أو الاثنين؛ استحسنَّا الصلاة عليهم. وبقول الشافعي نقول. وقد اعتل الشافعي لقوله؛ فقال: لئن جازت الصلاة على مائة مسلم فيهم مشرك؛ لَتَجُوزَنَّ على مائة مشرك فيهم مسلم. وصدَق الشافعي؛ لأنّ الإِمام والمأموم في الحالين إِنما ينوون المسلم والمسلمين" انتهى. قلت: وممّا يقوّي قول الإِمام الشافعي ﵀: أن للنيّة اعتباراً؛ إِذ هي شرط من شروط الصلاة؛ فإِن عدم نيّة الصلاة على المشرك تجعلنا نقول: إِنّه لم يُصلِّ عليه وإنْ جعَله أمامه؛ ولا سبيل إِلا هذا، والله -تعالى- أعلم. وجوب الجماعة في صلاة الجنازة: وتجب الجماعة في صلاة الجنازة، كما تجب في الصلوات المكتوبة؛ بدليلين: الأول: مداومة النّبيّ ﷺ عليها. الآخر: قوله ﷺ : "صلّوا كما رأيتموني أُصلّي" (١). ولا يُعَكِّر على ما ذكرنا صلاةُ الصحابة ﵃ على النّبيّ ﷺ فُرادى لم يؤمّهم أحدٌ؛ لأنها قضية خاصّة، لا يُدْرَى وجهها، فلا يجوز من

стр. 1331

أجلها أن نترك ما واظب عليه ﷺ طيلة حياته المباركة، لا سيّما والقضية المذكورة لم تَرِد بإِسناد صحيح تقوم به الحُجّة، وإن كانت رويت من طُرقٍ يقوّي بعضها بعضاً؛ فإِنْ أمكن الجمع بينها وبين ما ذكرنا من هديه ﷺ في التجميع في الجنازة فبها؛ وإِلا فهديه هو المُقَدَّم؛ لأنه أثبت وأهدى. فإِنْ صلَّوا عليها فُرادى سقط الفرض، وأثموا بترك الجماعة. والله أعلم. وقال النّووي في "المجموع" (٥/ ٣١٤): "تجوز صلاة الجنازة فرادى بلا خلاف، والسنة أن تصلّى جماعةً؛ للأحاديث المشهورة في "الصحيح" في ذلك؛ مع إِجماع المسلمين". أقل ما ورَد في انعقاد الجماعة: وأقلّ ما ورَد في انعقاد الجماعة فيها ثلاثة؛ فعن عبد الله بن أبي طلحة: "أنّ أبا طلحة دعا رسول الله ﷺ إِلى عُمير بن أبي طلحة حين توفّي، فأتاه رسول الله ﷺ ، فصلّى عليه في منزلهم، فتقدّم رسول الله ﷺ ، وكان أبو طلحة وراءه، وأمّ سليم وراء أبي طلحة، ولم يكن معهم غيرهم" (١). انتفاع الميت بكثرة المصلين إِذا كانوا موحِّدين حقّاً: وكُلَّما كثر الجمع كان أفضل للميت وأنفع، فعن عائشة ﵂ عن النّبيّ ﷺ قال: "ما من ميت يُصلّي عليه أُمّة من المسلمين -يبلغون مائةً- كُلهم يشْفعون له؛ إِلا شُفِّعوا فيه" (٢).

стр. 1332

وقد يُغفر للميت ولو كان العدد أقلّ من مائة؛ إِذا كانوا مسلمين، لم يخالط توحيدَهم شيءٌ من الشرك. فعن عبد الله بن عباس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً؛ إِلا شفَّعهم الله فيه" (١). صلاة النساء على الجنازة: للمرأة أن تصلّي على الجنازة كالرجل؛ لعموم النصوص الواردة في ذلك. عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير: "أنّ عائشة أمرت أن يُمَرَّ بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد، فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها، فقالت: ما أسرع ما نسِي الناس! ما صلّى رسول الله ﷺ على سهيل ابن البيضاء إِلا في المسجد" (٢). تسوية الصفوف في صلاة الجنازة: ويجب تسوية الصفوف حين يُصلّى على الجنائز؛ كما تسوّى في صلاة الفريضة، بل وفي كل صلاة جماعة؛ لعموم الأدلة الواردة في ذلك؛ ولا دليل على التفريق. قال شيخنا ﵀ (ص ١٢٨): "وإذا لم يوجد مع الإِمام غير رجل واحد، فإِنه لا يقف حِذاءه كما هو السنّة في سائر الصلوات، بل يقف خلف

стр. 1333

الإِمام، للحديث المتقدّم: " .. فتقدّم رسول الله ﷺ ، وكان أبو طلحة وراءه، وأمّ سُلَيْمٍ وراء أبي طلحة، ولم يكن معهم غيرهم". من هو الأحقّ بالإمامة ؟ والوالي أو نائبه أحقُّ بالإِمامة فيها من الوليّ. عن أبي حازم قال: "إِني لشاهد يوم مات الحسن بن علي؛ فرأيت الحسين ابن عليّ يقول لسعيد بن العاص -ويطعن في عنقه ويقول-: تقدّم؛ فلولا أنّها سنّة ما قدّمتك (وسعيد أمير على المدينة يومئذ، وكان بينهم شيءٌ) " (١) انتهى. وقال الحسن: أدركت الناس، وأَحقُّهم على جنائزهم مَن رَضوهم لفرائضهم (٢). وجاء في "المحلّى" (٥/ ٢١٣ - تحت المسألة: ٥٨٤): "ومن طريق وكيع عن الربيع عن الحسن: كانوا يُقَدِّمُون الأئمة على جنائزهم، فإِن تدارؤا (٣)؛ فالوليّ ثم الزوج (٤).

стр. 1334

فإِنْ لم يحضر الوالي أو نائبه؛ فالأحقُّ بالإِمامة أقرؤُهم لكتاب الله، ثمّ على الترتيب الذي ورد ذكره في حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤم القوم أقرؤُهم لكتاب الله، فإِن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسُّنّة، فإِن كانوا في السّنة سواءً؛ فأقدمهم هجرة، فإِن كانوا في الهجرة سواء؛ فأقدمهم سِلْماً (١)، ولا يُؤَمَّنَ الرّجلُ في سلطانه، ولا يُقْعَدْ في بيته على تكْرِمَتِهِ (٢) إِلا بإِذنه" (٣). ويؤمهم الأقرأ ولو كان غُلاماً لم يبلغ الحلم؛ لحديث عمرو بن سَلِمَةَ: "أنهم (٤) وفدوا إِلى النّبيّ ﷺ ، فلمّا أرادوا أن ينصرفوا قالوا: يا رسول الله! من يؤمنا؟ قال: أكثركم جمعاً للقرآن -أو أخذاً للقرآن-، قال: فلم يكن أحد من القوم جمع ما جمعته. قال: فقدَّموني وأنا غلام، وعليّ شَمْلة لي، فما شهدت مَجْمعاً من جَرْمٍ إلاَّ كنت إِمامهم، وكنت أصلي على جنائزهم إِلى يومي هذا" (٥).

стр. 1335

هذا؛ وقد وجَدْت ابن المنذر يقول بقول شيخنا -رحمهما الله تعالى-. جاء في "الأوسط" (٥/ ٣٩٨) تحت باب (ذِكر الوالي والولي يحضران الصلاة على الجنازة): "اختلف أهل العلم في صلاة الأمير أو الإِمام على الجنازة ووليُّها حاضر: فقال أكثر أهل العلم: الإِمام أحقّ بالصلاة عليها من الولي؛ رُوِّينا عن علي ابن أبي طالب أنّه قال: الإِمام أحقّ مَن صلّى على الجنازة، وليس بثابت عنه. وهذا قول علقمة والأسود وسُوَيْدِ بن غَفَلَةَ والحسن البصري وبه قال جماعة من المتقدمين، وقال مالك: الولي أحق، وكذلك قال أحمد وإسحاق. وقال أصحاب الرأى: إمام الحي أحق بالصلاة عليه". وفيه قول ثانٍ قاله الشافعي، قال: "الولي أحق بالصلاة من الوالي". وقد رُوِّينا عن الضحاك أنه قال لأخيه عند موته: لا يصلين عليّ غيرك، ولا تَدَعَنَّ الأمير يصلّي عليّ، واذكر منّي ما علمت. قال ابن المنذر ﵀: النظر يحتمل ما قاله الشافعي؛ غير أن مذهبه ومذهب عوام أهل العلم القول بالأخبار إِذا جاءت، وترْك حمْل الشيء على الظن عند وجود الأخبار. ثمّ ساق بإِسناده إِلى سالم عن أبي حازم قال: شهدت حسيناً حين مات الحسن، وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص وهو يقول: تقدّم؛ فلولا السُّنّة ما قدّمتك، وسعيد أمير المدينة. قال ابن المنذر: "وقد كان بحضرته في ذلك الوقت خلْق من المهاجرين
следующие страницы →