أجلها أن نترك ما واظب عليه ﷺ طيلة حياته المباركة، لا سيّما والقضية المذكورة لم تَرِد بإِسناد صحيح تقوم به الحُجّة، وإن كانت رويت من طُرقٍ يقوّي بعضها بعضاً؛ فإِنْ أمكن الجمع بينها وبين ما ذكرنا من هديه ﷺ في التجميع في الجنازة فبها؛ وإِلا فهديه هو المُقَدَّم؛ لأنه أثبت وأهدى.
فإِنْ صلَّوا عليها فُرادى سقط الفرض، وأثموا بترك الجماعة. والله أعلم.
وقال النّووي في "المجموع" (٥/ ٣١٤): "تجوز صلاة الجنازة فرادى بلا خلاف، والسنة أن تصلّى جماعةً؛ للأحاديث المشهورة في "الصحيح" في ذلك؛ مع إِجماع المسلمين".
أقل ما ورَد في انعقاد الجماعة:
وأقلّ ما ورَد في انعقاد الجماعة فيها ثلاثة؛ فعن عبد الله بن أبي طلحة: "أنّ أبا طلحة دعا رسول الله ﷺ إِلى عُمير بن أبي طلحة حين توفّي، فأتاه رسول الله ﷺ ، فصلّى عليه في منزلهم، فتقدّم رسول الله ﷺ ، وكان أبو طلحة وراءه، وأمّ سليم وراء أبي طلحة، ولم يكن معهم غيرهم" (١).
انتفاع الميت بكثرة المصلين إِذا كانوا موحِّدين حقّاً:
وكُلَّما كثر الجمع كان أفضل للميت وأنفع، فعن عائشة ﵂ عن النّبيّ ﷺ قال: "ما من ميت يُصلّي عليه أُمّة من المسلمين -يبلغون مائةً- كُلهم يشْفعون له؛ إِلا شُفِّعوا فيه" (٢).
стр. 1332
وقد يُغفر للميت ولو كان العدد أقلّ من مائة؛ إِذا كانوا مسلمين، لم يخالط توحيدَهم شيءٌ من الشرك.
فعن عبد الله بن عباس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً؛ إِلا شفَّعهم الله فيه" (١).
صلاة النساء على الجنازة:
للمرأة أن تصلّي على الجنازة كالرجل؛ لعموم النصوص الواردة في ذلك.
عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير: "أنّ عائشة أمرت أن يُمَرَّ بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد، فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها، فقالت: ما أسرع ما نسِي الناس! ما صلّى رسول الله ﷺ على سهيل ابن البيضاء إِلا في المسجد" (٢).
تسوية الصفوف في صلاة الجنازة:
ويجب تسوية الصفوف حين يُصلّى على الجنائز؛ كما تسوّى في صلاة الفريضة، بل وفي كل صلاة جماعة؛ لعموم الأدلة الواردة في ذلك؛ ولا دليل على التفريق.
قال شيخنا ﵀ (ص ١٢٨): "وإذا لم يوجد مع الإِمام غير رجل واحد، فإِنه لا يقف حِذاءه كما هو السنّة في سائر الصلوات، بل يقف خلف
стр. 1333
الإِمام، للحديث المتقدّم: " .. فتقدّم رسول الله ﷺ ، وكان أبو طلحة وراءه، وأمّ سُلَيْمٍ وراء أبي طلحة، ولم يكن معهم غيرهم".
من هو الأحقّ بالإمامة ؟
والوالي أو نائبه أحقُّ بالإِمامة فيها من الوليّ.
عن أبي حازم قال: "إِني لشاهد يوم مات الحسن بن علي؛ فرأيت الحسين ابن عليّ يقول لسعيد بن العاص -ويطعن في عنقه ويقول-: تقدّم؛ فلولا أنّها سنّة ما قدّمتك (وسعيد أمير على المدينة يومئذ، وكان بينهم شيءٌ) " (١) انتهى.
وقال الحسن: أدركت الناس، وأَحقُّهم على جنائزهم مَن رَضوهم لفرائضهم (٢).
وجاء في "المحلّى" (٥/ ٢١٣ - تحت المسألة: ٥٨٤): "ومن طريق وكيع عن الربيع عن الحسن: كانوا يُقَدِّمُون الأئمة على جنائزهم، فإِن تدارؤا (٣)؛ فالوليّ ثم الزوج (٤).
стр. 1334
فإِنْ لم يحضر الوالي أو نائبه؛ فالأحقُّ بالإِمامة أقرؤُهم لكتاب الله، ثمّ على الترتيب الذي ورد ذكره في حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤم القوم أقرؤُهم لكتاب الله، فإِن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسُّنّة، فإِن كانوا في السّنة سواءً؛ فأقدمهم هجرة، فإِن كانوا في الهجرة سواء؛ فأقدمهم سِلْماً (١)، ولا يُؤَمَّنَ الرّجلُ في سلطانه، ولا يُقْعَدْ في بيته على تكْرِمَتِهِ (٢) إِلا بإِذنه" (٣).
ويؤمهم الأقرأ ولو كان غُلاماً لم يبلغ الحلم؛ لحديث عمرو بن سَلِمَةَ: "أنهم (٤) وفدوا إِلى النّبيّ ﷺ ، فلمّا أرادوا أن ينصرفوا قالوا: يا رسول الله! من يؤمنا؟ قال: أكثركم جمعاً للقرآن -أو أخذاً للقرآن-، قال: فلم يكن أحد من القوم جمع ما جمعته.
قال: فقدَّموني وأنا غلام، وعليّ شَمْلة لي، فما شهدت مَجْمعاً من جَرْمٍ إلاَّ كنت إِمامهم، وكنت أصلي على جنائزهم إِلى يومي هذا" (٥).
стр. 1335
هذا؛ وقد وجَدْت ابن المنذر يقول بقول شيخنا -رحمهما الله تعالى-.
جاء في "الأوسط" (٥/ ٣٩٨) تحت باب (ذِكر الوالي والولي يحضران الصلاة على الجنازة): "اختلف أهل العلم في صلاة الأمير أو الإِمام على الجنازة ووليُّها حاضر:
فقال أكثر أهل العلم: الإِمام أحقّ بالصلاة عليها من الولي؛ رُوِّينا عن علي ابن أبي طالب أنّه قال: الإِمام أحقّ مَن صلّى على الجنازة، وليس بثابت عنه.
وهذا قول علقمة والأسود وسُوَيْدِ بن غَفَلَةَ والحسن البصري وبه قال جماعة من المتقدمين، وقال مالك: الولي أحق، وكذلك قال أحمد وإسحاق.
وقال أصحاب الرأى: إمام الحي أحق بالصلاة عليه".
وفيه قول ثانٍ قاله الشافعي، قال: "الولي أحق بالصلاة من الوالي".
وقد رُوِّينا عن الضحاك أنه قال لأخيه عند موته: لا يصلين عليّ غيرك، ولا تَدَعَنَّ الأمير يصلّي عليّ، واذكر منّي ما علمت.
قال ابن المنذر ﵀: النظر يحتمل ما قاله الشافعي؛ غير أن مذهبه ومذهب عوام أهل العلم القول بالأخبار إِذا جاءت، وترْك حمْل الشيء على الظن عند وجود الأخبار.
ثمّ ساق بإِسناده إِلى سالم عن أبي حازم قال: شهدت حسيناً حين مات الحسن، وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص وهو يقول: تقدّم؛ فلولا السُّنّة ما قدّمتك، وسعيد أمير المدينة.
قال ابن المنذر: "وقد كان بحضرته في ذلك الوقت خلْق من المهاجرين
стр. 1336
والأنصار، فلمّا لم يُنكر أحد منهم ما قال؛ دلّ على أن ذلك كان عندهم حقّاً والله أعلم.
وليس في هذا الباب أعلى من هذا لأنّ جنازة الحسن بن علي حضَرها عوامّ الناس من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم على ما يرى. والله أعلم.
قال ابن المنذر: ودل حديث عمرو بن سلمة على ذلك [وفيه:] .. ثم سألوا النّبيّ ﷺ : من يصلّي بنا، أو من يصلّي لنا؟ قال: يصلّي بكم -أو يصلّي لكم -أكثركم أخذاً -أو أكثرهم جمعاً- للقرآن" انتهى.
قال ابن المنذر: "وهذا الحديث موافق لحديث أبي مسعود الأنصاري: "يؤم القوم أقرؤهم"، فلو لم يكن حديث الحسن بن علي موجوداً في هذا الباب، ثمّ قال قائل: يدخل في قوله: "يؤم القوم أقرأُهم" الصلوات المكتوبات، وعلى الجنائز؛ ما كان بعيداً -والله أعلم- لأن اسم الصلاة يقع على الصلاة على الميت، قال الله جل ذكره: ﴿ولا تُصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقُم على قبره ... ﴾ (١) الآية.
وثبتت الأخبار عن النّبيّ ﷺ أنه قال: "صلّوا على صاحبكم" (٢)، وصلّى رسول الله ﷺ على النجاشي (٣)، والأخبار تكثر في هذا الباب، والله أعلم".
ماذا إِذا اجتمعت جنائز مُتعدِّدة من الرجال والنساء ؟
وإذا اجتمعت جنائز مُتعدِّدة من الرّجال والنساء؛ صُلّي عليها صلاة واحدة،
стр. 1337
وجُعلت الذكور -ولو كانوا صِغاراً- ممّا يلي الإِمام، وجنائز الإِناث مما يلي القبلة، وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن نافع عن ابن عمر: "أنه صلّى على تسع جنائز جميعاً، فجعل الرجال يلون الإِمام، والنساء يلين القبلة، فصفّهنَّ صفاً واحداً، ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر بن الخطاب، وابن لها -يقال له: زيد- وُضعا جميعاً، والإِمام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة.
فوضع الغلام ممّا يلي الإِمام، فقال رجل: فأنَكرتُ ذلك، فنظرت إِلى ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة، فقلت: ما هذا؟ قالوا: هي السُّنّة" (١).
الثاني: عنّ عمّار مولى الحارث بن نوفل: "أنّه شهد جنازة أم كلثوم وابنها، فجُعِلَ الغلامُ ممّا يلي الإِمام [ووضِعَتِ المرأةُ وراءه، فصلّى عليها]، فأنكرت ذلك، وفي القوم ابن عباس وأبو سعيد الخُدري وأبو قتادة وأبو هريرة، [فسألتهم عن ذلك]؟ فقالوا: هذه السنّة" (٢).
جواز الصلاة على كل جنازة على حِدَة:
ويجوز أن يُصَلِّيَ على كلّ واحدة من الجنائز صلاة؛ لأنّه الأصل، ولأنّ النّبيّ
стр. 1338
- ﷺ فَعَل ذلك في شهداء أُحد.
فعن ابن عباس ﵄ قال: "لما وقف رسول الله ﷺ على حمزة .. أمر به فهيِّىء إِلى القبلة، ثمّ كبّر عليه تسعاً، ثمّ جمع إِليه الشهداء، كُلّما أُتي بشهيد وضع إِلى حمزة، فصلّى عليه، وعلى الشهداء معه، حتى صلّى عليه، وعلى الشهداء اثنتين وسبعين صلاة" (١).
قال النووي في "المجموع" (٥/ ٢٢٥): "واتّفقوا على أنّ الأفضل أنْ يفرد كلَّ واحد بصلاة إِلا صاحب "التتمة" فجزم بأنّ الأفضل أن يُصلّيَ عليهم دفعة واحدة، لأنّ فيه تعجيل الدفن وهو مأمور به، والمذهب الأول، لأنّه أكثر عملاً، وأرجى للقبول، وليس هو تأخيراً كثيراً". والله أعلم.
جواز الصلاة على الجنازة في المسجد:
وتجوز الصلاة على الجنازة في المسجد؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: "لما توفّي سعد بن أبي وقاص؛ أرسل أزواج النّبيّ ﷺ أن يمروا بجنازته في المسجد، فيصلّين عليه، ففعلوا، فَوَقِفَ به على حُجرهُنّ يُصلّين عليه، أُخرج به من باب الجنائز الذي كان إِلى المقاعد (٢)؛ فبلغهنّ أنّ الناس عابوا ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يُدخل بها المسجد!
فبلغ ذلك عائشة فقالت: ما أسرعَ النّاسَ إِلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به!
стр. 1339
عابوا علينا أن يمرّ بجنازة في المسجد؛ وما صلّى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إِلاّ في جوف المسجد" (١).
تفضيل الصلاة على الجنازة خارج المسجد:
لكنّ الأفضل الصلاة عليها خارج المسجد في مكانٍ مُعَدّ للصلاة على الجنائز؛ كما كان الأمر على عهد النّبيّ ﷺ ، وهو الغالب على هديه فيها، وفي ذلك أحاديث.
منها: عن ابن عمر ﵁: "أنّ اليهود جاؤوا إِلى النّبيّ ﷺ برجل منهم وامرأة زنيا، فأمر بهما فرجما قريباً من موضع الجنائز عند المسجد" (٢).
ومنها: عن أبي هريرة ﵁: "أنّ رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه؛ خرج إِلى المصلّى، فصَفّ بهم وكبّر أربعاً" (٣).
تحريم الصلاة على الجنازة بين القبور:
ولا يجوز الصلاة عليها بين القبور؛ لحديث أنس بن مالك ﵁: "أنّ النّبيّ ﷺ نهى أن يصلّى على الجنائز بين القبور" (٤).
стр. 1340
وسألت شيخنا عن الصلاة بين القبور؟ فقال: لا يجوز؛ ما الذي أدْخَله في جُحر الضَّبِّ؟!
يقف الإِمام وراء رأس الرجل، وَوَسَطِ المرأة:
ويقف الإِمام وراء رأس الرجل ووسَطِ المرأة.
عن أبي غالب الخيّاط قال: "صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل، فقام حِيَالَ رأسه (١)، ثمّ جاءوا بجنازة امرأة من قريش، فقالوا: يا أبا حمزة صلِّ عليها.
فقام حِيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت رسول الله ﷺ قام على الجنازة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم، فلمّا فرغ قال: احفظوا" (٢).
وعن سَمُرة بن جُنْدُب قال: "صلّيت خلف النّبيّ ﷺ ، وصلّى على أمّ كعب؛ ماتت وهي نُفَساء، فقام رسول الله ﷺ للصلاة عليها وسطها (٣) " (٤).
стр. 1341
كم يكبّر على الجنائز ؟
قال شيخنا ﵀: "ويُكبّر عليها أربعاً أو خمساً، إِلى تسع تكبيرات، كُلّ ذلك ثبت عن النّبيّ ﷺ فأيّها فعل أجزأه، والأَوْلى التنويع، فيفعل هذا تارة، وهذا تارة، كما هو الشأن في أمثاله؛ مثل أدعية الاستفتاح، وصيغ التشهد والصلوات الإِبراهيمية ونحوها". اهـ
قال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (٢٢/ ٧٠) -في معرض توجيهه المسلمين الأخذَ بجميع سنن النّبيّ ﷺ في العبادات-:
"ومنها التكبير على الجنائز؛ يجوز -على المشهور- التربيع والتخميس والتسبيع؛ وإِن اختار التربيع. وأمّا بقية الفقهاء فيختارون بعض ذلك، ويكرهون بعضه".
قال شيخنا ﵀ (ص ١٤١): "وإِن كان لا بُدّ من التزام نوع واحدٍ منها؛ فهو الأربع؛ لأنّ الأحاديث فيها [أقوى و] أكثر [والمقتدي يكبّر ما كبّر الإِمام] " (١). وإِليك بيان ذلك:
أمّا الأربع، ففيها أحاديث:
١ - عن أبي هريرة ﵁: "أنّ رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه؛ خرج إِلى المصلّى، فصفّ بهم وكبّر أربعاً" (٢).
стр. 1342
٢ - عن أبي أمامة (١) أنّه قال: "السنّة في الصلاة على الجنازة: أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مُخَافَتَةً، ثمّ يكبر ثلاثاً؛ والتسليم عند الآخرة" (٢).
٣ - عن عبد الله بن أبي أوفى قال: "إِنّ رسول الله ﷺ كان يكبر أربعاً" (٣).
وأما الخمس؛ فلحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "كان زيد يكبّر على جنائزنا أربعاً، وإِنّه كبّر على جنازة خمساً، فسألته؟ فقال: كان رسول الله ﷺ يكبّرها" (٤)
قال الترمذي: "وقد ذهب بعض أهل العلم إِلى هذا من أصحاب النّبيّ ﷺ وغيرهم-: رأوا التكبير على الجنازة خمساً. وقال أحمد وإسحاق: إِذا كبّر الإِمام على الجنازة خمساً؛ فإِنّه يُتَّبَع الإِمام".
وأما الست والسبع، ففيها بعض الآثار الموقوفة، ولكنّها في حُكم الأحاديث المرفوعة؛ لأنّ بعض كبار الصحابة أتى بها على مشهد من الصحابة دون أن يعترض عليه أحد منهم.
الأول: عن عبد الله بن مُغفَّل: "أنّ علي بن أبي طالب صلّى على سهل بن
стр. 1343
حنيف، فكبّر عليه ستّاً، ثمّ التفت إِلينا، فقال: إِنه بدريٌّ".
قال الشعبي: "وقدِمَ علقمة من الشام فقال لابن مسعود: إِنّ إِخوانك بالشام يُكبّرون على جنائزهم خمساً، فلو وقّتّم (١) لنا وقتاً نُتابعكم عليه! فأطرق عبد الله ساعة ثمّ قال: انظروا جنائزكم، فكبّروا عليها ما كبّر أئمّتكم، لا وقت ولا عدد" (٢).
الثاني: عن عَبْدِ خَيْرٍ قال: "كان عليّ ﵁ يُكبّر على أهل بدر سِتّاً، وعلى أصحابِ النّبيّ ﷺ خمساً، وعلى سائر الناس أربعا" (٣).
الثالث: عن موسى بن عبد الله بن يزيد: "أنّ عليّاً صلّى على أبي قتادة، فكبّر عليه سبعاً، وكان بدْريّاً" (٤).
стр. 1344
قال شيخنا ﵀: "فهذه آثار صحيحة عن الصحابة، تدلّ على أن العمل بالخمس والستّ تكبيرات استمر إِلى ما بعد النّبيّ ﷺ ؛ خلافاً لمن ادّعى الإِجماع على الأربع فقط! وقد حقق القولَ في بطلان هذه الدعوى ابن حزم في "المحلى" (٥/ ١٢٤ - ١٢٥) ".
وأما التسع؛ فلحديث عبد الله بن الزبير: "أنّ النّبيّ ﷺ صلّى على حمزة، فكّبّر عليه تسع تكبيرات ... " (١).
قال شيخنا ﵀ (ص ١٤٥): "وهذا العدد هو أكثر ما وقفنا عليه في التكبير على الجنازة، فيوقف عنده ولا يُزاد عليه، وله أن ينقص منه إِلى الأربع وهو أقل ما ورد.
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في "زاد المعاد" -بعد أن ذكر بعض ما أوردنا من الآثار والأخبار-: "وهذه آثار صحيحة، فلا مُوجِبَ للمنع منها، والنّبيّ ﷺ لم يمنع ممّا زاد على الأربع، بل فعله هو وأصحابه من بعده ... ".
هل يرفع يديه بعد التكبيرة الأولى ؟
ويُشرع له أن يرفع يديه في التكبيرة الأولى، فعن أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ كبّر على جنازة، فرفع يديه في أوّل تكبيرة، ووضع اليمنى على اليسرى" (٢).
стр. 1345
وفي "المجموع" للنووي (٥/ ٢٣٢): "قال ابن المنذر في كتابيه "الإِشراف" و"الإِجماع": أجمعوا على أنّه يرفع في أول تكبيرة، واختلفوا في سائرها".
قال شيخنا ﵀ (ص ١٤٨): "ولم نجد في السّنّة ما يدلُّ على مشروعية الرفع في غير التكبيرة الأولى؛ فلا نرى مشروعية ذلك، وهو مذهب الحنفية وغيرهم، واختاره الشوكاني وغيره من المحقّقين.
وإليه ذهب ابن حزم فقال (٥/ ١٢٨): "وأمّا رفع الأيدي؛ فإِنّه لم يأتِ عن النّبيّ ﷺ أنّه رفع في شيء من تكبيرة الجنازة إِلا في أول تكبيرة فقط، فلا يجوز فعل ذلك؛ لأنّه عمل في الصلاة لم يأْتِ به نص، وإنما جاء عنه ﵇ أنّه كبّر ورفع يديه في كُلِّ خفض ورفع، وليس فيها رفع وخفض.
والعجب من قول أبي حنيفة برفع الأيدي في كُلّ تكبيرة في صلاة الجنازة، ولم يأت قطُّ عن النّبيّ ﷺ ، ومنعه من رفع الأيدي في كلّ خفض ورفع في سائر الصلوات، وقد صح عن النّبيّ ﷺ " ... " انتهى.
وجاء في "المحلّى" كذلك (٥/ ٢٦٠ - مسألة: ٦١٩) -بحذف-: "ولا ترفع اليدان في الصلاة على الجنازة إِلا في أول تكبيرة فقط؛ لأنّه لم يأت برفع الأيدي فيما عدا ذلك نص.
وصحّ عن ابن عمر رفع الأيدي لكل تكبيرة، ولقد كان يلزم من قال بالقياس أن يرفعها في كل تكبيرة قياساً على التكبيرة الأولى".
قال شيخنا ﵀: "نعم؛ روى البيهقي (٤/ ٤٤) بسند صحيح عن ابن عمر: أنّه كان يرفع يديه على كل تكبيرة من تكبيرات الجنازة. فمن كان
стр. 1346
يظنُّ أنه لا يفعل ذلك إِلا بتوقيف من النّبيّ ﷺ ؛ فله أن يرفع، وقد ذكر السَّرَخْسِي عن ابن عمر خلاف هذا، وذلك ممّا لا نعرف له أصلاً في كتب الحديث" انتهى.
قلت: وهو أحد أقوال الإِمام مالك ﵀؛ كما روى ابن القاسم عنه (١).
وبه يقول الشوكاني كما أشار شيخنا -رحمهما الله- فقد قال في "نيل الأوطار" (٤/ ١٠٥): " .. والحاصل أنّه لم يثبت في غير التكبيرة الأولى شيء يصلح للاحتجاج به عن النّبيّ- صلّى الله عليه واممه وسلم- وأفعال الصحابة وأقوالهم لا حجة فيها (٢)؛ فينبغي أن يقتصر على الرفع عند تكبيرة الإِحرام؛ لأنه لم يشرع في غيرها إِلا عند الانتقال من ركن إِلى ركن كما في سائر الصلوات، ولا انتقال في صلاة الجنازة".
أين وكيف يضع يَدَيْهِ ؟
ثمّ يضع يده اليمنى على ظهر كفّه اليُسرى والرُّسغ والساعد، ثمّ يشد بهما على صدره.
عدم مشروعية دعاء الاستفتاح:
وليس في صلاة الجنازة دعاء استفتاح لعدم ورود ذلك عن النّبيّ ﷺ .
стр. 1347
قراءة الفاتحة وسورة عقب التكبيرة الأولى:
ثمّ يقرأ عقب التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب وسورة؛ لحديث طلحة بن عبد الله بن عوف قال: "صليّت خلف ابن عباس ﵄ على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب [وسورة، وجهر حتى أسمَعَنا، فلمّا فرغ أخذْتُ بيده، فسألته؟ فـ] قال: [إِنما جهرت] ليعلموا أنّها سنة [وحقّ] " (١).
وجاء في "الروضة الندية" (١/ ٤١٩): "والحاصل: أن الموطن موطن دعاء لا موطن قراءة قرآن، فيتوجه الاقتصار على ما ورد وهو الفاتحة وسورة، ويكون ذلك بعد التكبيرة الأولى، ويشتغل فيما بعدها بمحض الدعاء".
الإِسرار في القراءة:
ويقرأُ سرّاً؛ لحديث أبي أُمامة بن سهل قال: "السنة في الصلاة على الجنازة: أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأمّ القرآن مخافتةً، ثمّ يكبّر ثلاثاً، والتسليم عند الآخرة" (٢).
الصلاة على النّبيّ ﷺ بعد التكبيرة الثانية:
ثمّ يكبّر التكبيرة الثانية، ويُصلّي على النّبيّ ﷺ .
стр. 1348
فعن أبي أُمامة أنه أخبره رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ : أنّ السنّة في الصلاة على الجنازة أن يُكبّر الإِمام، ثمّ يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرّاً في نفسه، ثمّ يُصلّي على النّبيّ ﷺ ، ويُخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات (الثلاث)، لا يقرأ في شيء منهنّ، ثمّ يُسلّم سرّاً في نفسه [حين ينصرف [عن يمينه]، والسنّة أن يفعل من وراءه مثلما فعَل إِمامه] " (١).
قال شيخنا ﵀: "وأما صيغة الصلاة على النّبيّ ﷺ في الجنازة؛ فلم أقف عليها في شيء من الأحاديث الصحيحة، فالظاهر أنّ الجنازة ليس لها صيغة خاصة، بل يُؤتى فيها بصيغة من الصيغ الثابتة في التشهد في المكتوبة".
يأتي ببقية التكبيرات ويخلص الدعاء للميت ؛
ثمّ يأتي ببقية التكبيرات، ويخلص الدعاء فيها للميت، لحديث أبى أُمامة المتقدّم، وقوله ﷺ : "إِذا صليتم على الميت؛ فأخلصوا له الدعاء" (٢).
الدعاء بالثابت عن النّبيّ ﷺ من الأدعية:
ويدعو فيها بما ثبت عنه ﷺ من الأدعية، وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن عوف بن مالك قال: صلّى رسول الله ﷺ على جنازة، فحفظتُ من دعائه وهو يقول: "اللهم اغفر له وارحمه، وعافِهِ واعفُ عنه، وأكرِم نُزُلَهُ
стр. 1349
ووسِّعْ مُدْخَلَهُ، واغسله بالماء والثلجِ والبَرَدِ، ونقِّه من الخطايا كما نقَّيْتَ الثوب الأبيض من الدنس وأَبدِلْه داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأَدخِله الجنة، وأَعذه من عذاب القبر (أو من عذاب النّار).
قال: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت" (١).
الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إِذا صلّى على جنازة يقول: "اللهم اغفر لحيّنا وميّتنا، وشاهِدِنا وغَائبِنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييتَه منّا فأحْيهِ على الإِسلام، ومن توفّيته منّا فتوفَّه على الإِيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تُضِلَّنا بعده" (٢).
الثالث: عن واثلة بن الأسقع قال: "صلّى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: "اللهمّ إِنّ فلان بن فلان، في ذمّتك، فَقِهِ فِتنة القبر - قال عبد الرحمن: في ذمتك وحَبْلِ جوارك فَقِهِ من فتنة القبر- وعذاب النّار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللهم فاغفر له وارحمه، إِنّك أنت الغفور الرحيم" (٣).
الرابع: عن يزيد بن رُكانة بن المطَّلب قال: كان رسول الله ﷺ إِذا قام للجنازة ليُصلّي عليها قال: "اللهم عبدُك وابنُ أَمَتِكِ، احتاج إِلى رحمتك،
стр. 1350
وأنت غني عن عذابه، إِن كان مُحسناً فزد في حسناته، وإن كان مُسيئاً فتجاوز عنه [ثمّ يدعو ما شاء الله أن يدعو] " (١).
قال شيخنا ﵀: "إِيثار ما تقدّم من أدعيته ﷺ على ما استحسنه بعض الناس: ممّا لا ينبغي أن يتردّد فيه مسلم؛ فإِنّ خير الهدى هدى محمد ﷺ ! ولذلك قال الشوكاني (٤/ ٥٥): "واعلم أنّه قد وقع في كتب الفقه ذِكر أدعيةٍ غير المأثورة عنه ﷺ ؛ والتمسك بالثابت عنه أولى".
قلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: "بل أعتقد أنّه واجب على من كان على علم بما ورد عنه ﷺ ، فالعدولُ عنه حينئذٍ يُخشى أن يحقّ فيه قول الله ﵎: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾؟! ".
بماذا يُدعى للطّفل ؟
قال الحسن: "يقرأ على الطفل بفاتحة الكتاب ويقول: اللهم اجعله لنا فرطاً (٢) وسلفاً (٣) وأجراً" (٤).
стр. 1351
وقال شيخنا ﵀ (ص١٦٠): "قال الشوكاني في "نيل الأوطار" (٤/ ٥٥): "إِذا كان المُصلَّى عليه طفلاً؛ استُحبّ أن يقول المصلي: اللهم اجعله لنا سلفاً وفَرَطاً وأجراً". روى ذلك البيهقيُّ من حديث أبي هريرة، وروى مثله سفيان في "جامعه" عن الحسن.
قلت [أي: شيخنا ﵀]: حديث أبي هريرة عند البيهقي إِسناده حسن، ولا بأس في العمل به في مثل هذا الموضع -وإِن كان موقوفاً- إِذا لم يُتّخذ سُنّة، بحيث يؤدي ذلك إِلى الظنّ أنه عن النّبيّ ﷺ . والذي أختاره: أن يدعو في الصلاة على الطفل بالنوع (الثاني) [اللهم اغفر لحيّنا وميّتنا]؛ لقوله فيه: "وصغيرنا .. اللهمّ لا تحرمنا أجره، ولا تُضِلَّنا بعده" ... ".
والدُّعاء بين التكبيرة الأخيرة والتسليم مشروع؛ لحديث أبي يعفور عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: "شهدته وكبر على جنازة أربعاً، ثمّ قام ساعةً -يعني- يدعو، ثمّ قال: أَتَرَوْنِي كنت أكبِّر خمساً؟ قالوا: لا. قال: إِنّ رسول الله ﷺ كان يُكبّر أربعاً" (١).
كم تسليمةً يسلّم الإِمام ؟
ثمّ يسلّم تسليمتين مثل تسليمه في الصلاة المكتوبة؛ إِحداهما عن يمينه والأخرى عن يساره.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "ثلاث خلالٍ كان رسول الله ﷺ يفعلُهُنّ -تركهُنّ الناس-: إِحداهنّ التسليم على الجنازة مثل التسليم في
стр. 1352
الصلاة" (١).
قال شيخنا ﵀: "وقد ثبت في "صحيح مسلم" (٢) وغيره عن ابن مسعود: أنّ النّبيّ ﷺ كان يسلّم تسليمتين في الصلاة.
فهذا يُبيّن أنّ المراد بقوله في الحديث الأول: مثل التسليم في الصلاة؛ أي: التسليمتين المعهودتين".
جواز الاقتصار على التسليمة الأولى:
ويجوز الاقتصار على التسليمة الأولى فقط.
فعن أبي هريرة ﵁: "أنّ رسول الله ﷺ صلّى على جنازة، فكبّر عليها أربعاً، وسلّم تسليمة واحدة" (٣).
الإِسرار في التسليم وإِسماع من يليه:
والسّنة أن يُسلّم في الجنازة سرّاً: الإِمام ومن وراءه في ذلك سواءٌ.
فعن أبي أُمامة: "أنّه أخبرَه رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ .. وفيه: .. ثمّ يسلّم سرّاً في نفسه حين ينصرف" (٤)، والسّنة أن يفعل من وراءه مثلما فعل
стр. 1353
إِمامه" (١).
وله شاهد موقوف عن ابن عباس ﵄: أنّه: "كان يسلّم في الجنازة تسليمة خفيّة" (٢).
وعن عبد الله بن عمر: أنّه "كان إِذا صلّى على الجنائز؛ يسلم حتى يُسمع من يليه" (٣).
وعن عقبة بن عامر الجُهَنِيِّ قال: "ثلاث ساعاتٍ كان رسول الله ﷺ ينْهانا أنْ نصلّيَ فيهنّ، أو أنْ نقبر فيهنّ موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضَّيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب" (٤).
وزاد البيهقي: "قال: قلت لعقبة: أَيُدْفَنُ بالليل؟ قال: نعم؟ قد دُفن أبو بكر بالليل" (٥).
قال شيخنا -رحمه الله تعالى- (ص١٦٥): "الحديث -بعمومه- يشمل الصلاة على الجنازة، وهو الذي فهمه الصحابة، فروى مالك في "الموطأ"
стр. 1354
(١/ ٢٢٨) ومن طريقه البيهقي عن محمد بن أبي حرملة: أن زينب بنت أبي سلمة توفّيت؛ وطارقٌ أمير المدينة، فأُتي بجنازتها بعد صلاة الصبح، فوضعت بالبقيع قال: وكان طارق يغلِّس بالصبح.
قال ابن أبي حرملة: فسمعت عبد الله ابن عمر يقول لأهلها: إِمّا أن تُصلّوا على جنازتكم الآن، وإِما أن تتركوها حتى ترتفع الشمس.
وسنده صحيح على شرط الشيخين.
ثمّ روى مالك عن ابن عمر قال: يُصلّى على الجنارة بعد العصر وبعد الصبح إِذا صُلّيتا لوقتهما.
وسنده صحيح أيضاً.
وروى البيهقيُّ بسند جيد عن ابن جُريج: أخبرني زياد: أنّ عليّاً أخبره: أن جنازة وُضعت في مقبرة أهل البصرة حين اصفرّت الشمس، فلم يُصلَّ عليها حتى غربت الشمس، فأمر أبو برزة المناديَ ينادي بالصلاة، ثمّ أقامها، فتقدّم أبو برزة، فصلّى بهم المغرب؛ وفي الناس أنس بن مالك وأبو برزة من الأنصار من أصحاب النّبيّ ﷺ ؛ ثمّ صلّوا على الجنازة".
المسبوق في صلاة الجنازة:
مسبوق صلاة الجنازة كمسبوق الصلاة؛ لقوله ﷺ : " .. فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتموا" (١).
قال الحسن: "إِذا انتهى إِلى الجنازة وهم يُصلّون؛ يدخل معهم
стр. 1355
بتكبيرة" (١).
وقال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (٥/ ٢٦٣ - مسألة: ٦٢٣): "ومن فاته بعض التكبيرات على الجنازة؛ كَبَّر ساعة يأتي، ولا ينتظر تكبيرة الإِمام، فإِذا سلم الإِمام أتم هو ما بقي من التكبير، يدعو بين تكبيرة وتكبيرة كما كان يفعل مع الإِمام؛ لقول رسول الله ﷺ فيمن أتى إِلى الصلاة أن يصلّي ما أدرك، ويتم ما فاته؛ وهذه صلاة".
التيمُّم للصلاة على الجنازة:
قال الحسن ﵀: "إِذا أحدث يوم العيد أو عند الجنازة؛ يَطْلُبُ الماء ولا يتيمّم" (٢).
وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٣/ ١٧١): " .. وابن عباس جوّز التيمم للجنازة عند عدم الماء. وهذا قول كثير من العلماء، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إِحدى الروايتين، فدل على أن الطهارة تشترط لها عنده".
وسألت شيخنا ﵀ هل يتيمّم من خشي أن تفوته صلاة الجنازة مع الجماعة؟
فأجاب: نعم؛ يتيمّم.
стр. 1356
الدفن وتوابعه
ويجب دفن الميت -أي: مواراة جيفته- في حفرة؛ بحيث لا تنبشه السباع، ولا تخرجه السيول المعتادة، ولا خلاف في ذلك، وهو ثابت في الشريعة ثبوتاً ضروريّاً" (١).
وقال شيخنا ﵀ في وجوب دفنه: " .. ولو كان كافراً"، وفي ذلك حديثان:
الأول: عن جماعة من أصحاب النّبيّ ﷺ -منهم أبو طلحة الأنصاري، والسياق له-: "أن نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش (٢)، فقُذفوا في طَوِيٍّ (٣) -من أطواء بدر- خبيث مُخِبث" (٤).
الثاني: عن علي ﵁ قال: قلت للنّبيّ ﷺ : إِنّ عمّك الشيخ الضال قد مات، قال: "اذهب فوارِ أباك، ثمّ لا تحْدِثَنَّ شيئاً حتى تأتيني. فذهبت فواريته وجئته، فأمرني فاغتسلت، ودعا لي" (٥).
стр. 1357
قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (٥/ ١٧٤ - مسألة: ٥٦٤): "ودفْن الكافر الحربي وغيره فرض".
إِذا ماتت المرأة وفي بطنها ولد حيّ:
إِذا ماتت امرأة حامل والولد حيّ يتحرّك؛ فإِنّه يجب إِخراجه (١)، قال الله - تعالى-: ﴿ومَن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعاً﴾ (٢).
ومن تركه عمداً حتى يموت؛ فهو قاتل نفس.
لا يُدْفَنُ المسلم مع الكافر، ولا الكافر مع المسلم:
ولا يدفن مسلم مع كافر، ولا كافر مع مسلم، بل يُدفن المسلم في مقابر المسلمين، والكافر في مقابر المشركين، كذلك كان الأمر على عهد النّبيّ ﷺ ، واستمر إِلى عصرنا هذا. فعن بَشِيرِ ابن الخَصَاصِيَةَ؟ قال: بينما أنا أمشي مع رسول الله ﷺ فمرَّ على مقابر المسلمين، فقال: أدرك هؤلاء خيراً كثيراً، ثمّ مرّ على مقابر المشركين، فقال: سبق هؤلاء خيراً كثيراً، قال: فالتفت فرأى رجلاً يمشي بين المقابر في نعليه، فقال: يا صاحب السِّبتيّتين! ألْقهما" (٣).
стр. 1358
الدفن في المقبرة:
والسّنّة الدفن في المقبرة؛ لأنّ النّبيّ ﷺ كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع، كما تواترت الأخبار بذلك، وتقدّم بعضها في مناسبات شتى؛ أقربها حديث ابن الخصاصية، كما في المسألة السابقة، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه دُفِنَ في غير المقبرة؛ إِلا ما تواتر أيضاً أن النّبيّ ﷺ دُفِنَ في حجرته، وذلك من خصوصياته ﵊".
فعن عائشة ﵂ قالت: لما قُبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ شيئاً ما نسيته قال: "ما قبض الله نبيّاً إلاَّ في الموضع الذي يحبّ أن يدفن فيه"، فدفنوه في موضع فراشه" (١).
وجاء في "المغني" (٢/ ٣٨٨): "والدفن في مقابر المسلمين أعجب إِلى أبي عبد الله من الدفن في البيوت؛ لأنّه أقل ضرراً على الأحياء من ورثته، وأشبه بمساكن الآخرة، وأكثر للدعاء له والترحم عليه، ولم يزل الصحابة والتابعون ومن بعدهم يقبرون في الصحارى.
فإِن قيل: فالنّبيّ ﷺ قبر في بيته وقبر صاحباه معه؟ قلنا: قالت عائشة: إِنما فعل ذلك لئلا يتخذ قبره مسجداً: رواه البخاري. ولأنّ النّبيّ ﷺ كان يدفن أصحابه بالبقيع، وفعله أولى من فعل غيره، وإنما رأوا تخصيصه بذلك، ولأنّه روي: "يدفن الأنبياء حيث يموتون"، وصيانةً لهم عن كثرة الطُّرَّاق، وتمييزاً له عن غيره".
стр. 1359
يُدفن شهداء المعركة في مواطن استشهادهم:
ويستثنى ممّا سبق الشهداء في المعركة؛ فإِنهم يُدفنون في مواطن استشهادهم، ولا يُنقلون إِلى المقابر.
فعن جابر ﵁ قال: "خرج رسول الله ﷺ من المدينة إِلى المشركين ليُقاتلهم، وقال أبي -عبد الله-: يا جابر بن عبد الله! لا عليك أن تكون في نَِظاري أهل المدينة حتى تعْلَم إِلى ما يصير أمرنا؛ فإِنّي والله -لولا أنّي أترك بناتٍ لي بعدي؛ لأحببتُ أن تُقتل بين يديّ، قال: فبينما أنا في النِّظارين إِذ جاءت عمتي بأبي وخالي عَادِلَتَهُما (١) على ناضح، فدخلتْ بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا؛ إِذ لحِقَ رجل ينادي: ألا إِنّ رسول الله ﷺ يأمركم أنْ تَرْجِعُوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قُتلت، فرجعنا بهما، فدفنّاهما حيث قُتلا" (٢).
الأوقات التي لا يجوز فيها الدفن:
ولا يجوز الدفن في الأوقات الثلاثة الآتية أو الليل؛ إِلا لضرورة:
أ- أمّا الدفن في الأوقات الثلاثة المشار إِليها؛ فلحديث عقبة بن عامر بلفظ: "ثلاثُ ساعاتٍ كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلّي فيهن، أو أن نقبر فيهنّ موتانا: حين تطلع الشمس بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى
стр. 1360
تميل الشمس، وحين تَضَّيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب" (١).
قال شيخنا ﵀: "والحديث ظاهر الدلالة على ما ذكرنا، وقد ذهب إِلى ذلك ابن حزم في "المحلّى" (٥/ ١١٤ - ١١٥) وغيره من العلماء".
ب- وأمّا النهي عن الدفن في الليل؛ فلحديث جابر بن عبد الله: "أنّ النّبيّ ﷺ خطب يوماً، فذكر رجلاً من أصحابه قبض، فكُفّنَ في كفنٍ غير طائل (٢) وقُبر ليلاً، فزجر النّبيّ ﷺ أنْ يُقبر الرّجل بالليل حتى يُصَلِّى عليه (٣)؛، إِلا أن يُضطرّ إِنسان إِلى ذلك، وقال النّبيّ ﷺ : إِذا كفّن أحدكم أخاه؛ فليُحسّن كفَنُه" (٤).
قال شيخنا ﵀ (ص ١٧٧): "والحديث ظاهر الدلالة على ما ذكرنا، وهو مذهب أحمد ﵀ في رواية عنه، ذَكَرها في "الإِنصاف" (٢/ ٥٤٧)، قال: "لا يفعله إِلا لضرورة، وفي أخرى عنه: يُكْرَه".
قلت [أي: شيخنا ﵀]: والأوّل أقرب؛ لظاهر قوله: (زجر)؛ فإِنّه أبلغ في النهي من لفظ: (نهى) الذي يمكن حمْله على الكراهة، على أنّ الأصل فيه التحريم، ولا صارف له إِلى الكراهة.
وقال ﵀ في الصفحة نفسها: .. فإِنْ جاز ليلاً لضرورةٍ جاز نهاراً
стр. 1361
من أجلها ولا فرق، فما فائدة التقييد بـ (الليل) حينئذ؟ لا شكّ أنّ الفائدة لا تظهر بصورة قويّةٍ إِلا إِذا رجّحنا ما استظهرناه أولاً من عدم جواز الدفن ليلاً.
وبيان ذلك: أنّ الدفن في الليل مَظِنَّةٌ قلّة المُصلّين على الميت، فنهى عن الدفن ليلاً حتى يُصلّى عليه نهاراً؛ لأنّ الناس في النهار أنشط في الصلاة عليه، وبذلك تحصل الكثرة من المصلّين عليه، هذه الكثرة التي هي من مقاصد الشريعة، وأرجى لقبول شفاعتهم في الميت" انتهى.
قلت: أمّا إِذا خِيف تغيُّر الميت؛ فإِنّه يُدفن في الأوقات التي تقدّم النهي عنها؛ كما ذكَر أهل العلم.
وسألتُ شيخنا ﵀: إِذا خيف تغيّر الميت؛ فهل ترون دفنْه في الأوقات المنهيّ عنها للضرورة؛ رعاية لحرمته وعدم إِيذاء حامله؟
فأجاب: "نعم؛ إِذا غَلَب الظنّ على ذلك".
جواز الدفن ليلاً عند الاضطرار
فإِن اضطُرُّوا لدفنه ليلاً؛ جاز ولو مع استعمال المصباح والنّزول به في القبر، لتسهيل عملية الدفن.
فعن ابن عباس ﵄: "أنّ رسول الله ﷺ أدخل رجلاً قبره ليلاً، وأسْرَج في قبره" (١).
стр. 1362
وجوب تعميق القبر وتوسيعه:
ويجب إِعماق القبر وتوسيعه وتحسينه؛ وفيه حديثان:
الأوّل: عن هشام بن عامر قال: جاءت الأنصار إِلى رسول الله ﷺ يوم أُحد؛ فقالوا: أصابنا قَرْحٌ وجَهْد، فكيف تأمرنا؟ قال: "احفروا وأوسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر. قيل: فأيُّهم يُقدّم؟ قال: أكثرهم قرآناً" (١).
الثاني: عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فرأيت رسول الله ﷺ وهو على القبر يوصي الحافر: "أوسع من قِبَل رجليه، أوسِعْ من قِبَل رأسه" (٢).
تفضيل اللحد على الشقّ:
ويجوز في القبر اللحد (٣) والشقّ (٤)؛ لجَرَيان العمل عليهما في عهد النّبيّ ﷺ ، ولكنّ الأوّل أفضل.
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: "لما توفي النّبيّ ﷺ ؛ كان بالمدينة
стр. 1363
رجل يَلْحد وآخر يَضْرح (١)، فقالوا: نستخير ونبعث إِليهما، فأيُّهما سُبِق تركناه، فأرسل إِليهما، فسبق صاحب اللحد؛ فلحدوا للنّبيّ ﷺ " (٢).
وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص: أن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي هلك فيه: "الحَدوا لي لحْداً، وانصِبُوا عليّ اللّبِنَ نَصْباً، كما صُنع برسول الله ﷺ " (٣).
وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اللّحْدُ لنا، والشِّقُّ لغيرنا" (٤).
جاء في "الروضة الندية" (١/ ٤٣٩): "ولا بأس بالضَّرح؛ واللحد أولى؛ لأنّ اللحد أقرب من إِكرام الميت. وإهالةُ التراب على وجهه من غير ضرورة سوءُ أدب".
وجاء في "الأوسط" (٥/ ٤٥١): "وكان الشافعيّ يقول: "إِذا كانوا بأرضٍ شديدة؛ لُحِد لهم، وإن كانوا ببلادٍ رقيقة؛ شُقّ لهم شقّاً".
قال ابن المنذر ﵀: "الذي قال الشافعي حسن".
стр. 1364
في الحفّار يجد العظم؛ هل يتنكّب ذلك المكان (١)؟
إِذا وجد الحفّار العظم؛ فيجب عليه أن يتنكبّ مكانه؛ لقوله ﷺ : "إِنّ كَسْرَ عظم المؤمن مَيْتاً؛ مِثل كسْره حيّاً" (٢).
جواز دفن أكثر من واحد في القبر عند الضرورة:
ولا بأس مِن أن يُدفَن فيه اثنان أو أكثر عند الضرورة، ويقدّم أفضلهم، وهدي السلف الذي جرى عليه العمل أن يدفن كل واحد في قبر، فإِنْ دفن أكثر من واحد كره ذلك؛ إِلا إِذا تعسر إِفراد كل ميت بقبر -لكثرة الموتى وقلّة الدافنين أو ضعفهم- فإِنه في هذه الحالة يجوز دفن أكثر من واحد في قبر واحد.
فعن هشام بن عامر قال: جاءت الأنصار إِلى رسول الله ﷺ يوم أُحُدٍ فقالوا: أصابنا قرح وجهد، فكيف تأمرنا؟ قال: احفروا وأوسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر قيل: فأيُّهم يُقدّم؟ قال: أكثرهم قرآناً" (٣).
وعن جابر بن عبد الله ﵄: "أنّ رسول الله ﷺ كان يجمع
стр. 1365
بين الرجلين من قتلى أُحد في ثوب واحدٍ ثمّ يقول: أيُّهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإِذا أشير له إِلى أحد قدّمه في اللحد، وقال: أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يُصلِّ عليهم، ولم يُغسَّلوا" (١).
وعن أبي قتادة: أنه حضر ذلك، قال: "أتى عمرو بن الجَمُوح إِلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت إِنْ قُتلت في سبيل الله حتى أقتل؛ أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟! وكانت رجله عرجاء، فقال رسول الله ﷺ : نعم.
فقتلوا يوم أُحد؛ هو وابن أخيه ومولى لهم، فمرّ عليه رسول الله ﷺ فقال: كأنّي أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحةً في الجنّة؛ فأمر رسول الله ﷺ بهما وبمولاهما، فجعلوا في قبر واحد" (٢).
قال شيخنا ﵀: "قال الشافعي في "الأم" (١/ ٢٤٥): "ويدفن - في موضع الضرورة من الضيق والعجلة- الميتان والثلاثة في القبر، ويكون الذي للقبلة منهم أفضلَهم وأسنّهم، ولا أحب أن تدفن المرأة مع الرجل على حال، وإن كانت ضرورة ولا سبيل إِلى غيرها؛ كان الرجل أمامها وهي خلفه، ويُجعل بين الرجل والمرأة في القبر حاجز من تراب" ... ".
فائدة: سألت شيخنا ﵀ عن دفْن الرجل مع المرأة؟ فقال: "إِذا فنيت".
стр. 1366
وسألته: هل يستثنى الزوجان؟ فقال ﵀: "نعم".
بِدْعِيَّةُ الدفن الجماعي:
وما تقدّم من قول -حول جواز دفن الاثنين والثلاثة في قبر للحال المعروف- من باب رفْع الحرَج، وما يفعله كثير من الناس اليوم من الدفن الجماعي لعائلات معيّنة أو أُسَر محدّدة- وفيما يسمى في بعض البلاد (الفُسْتُقِيّة) (١) -فإِنه مخالِفٌ للسّنّة ومنهج سلف الأمّة.
جاء في "الإِرواء" (تحت حديث ٧٤٩) بتصرّف يسير: حديث: "أنّ النّبيّ ﷺ كان يدفِن كل ميت في قبر".
لا أعرفه، وإنْ كان معناه صحيحاً معلوماً بالتتبع والاستقراء، والمؤلف أخَذ ذلك من قول الرافعي: "الاختيار أن يدفن كل ميت في قبر، كذلك فعَل ﷺ .
فقال الحافظ في "تخريجه" (١٦٧): "لم أره هكذا، لكنه معروف بالاستقراء".
وممّا يدل لصحة معناه: حديث هشام بن عامر [المتقدّم]: "لمّا كان يوم أُحد؛ شكَوا إِلى رسول الله ﷺ القرح .. قال: " .. وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر".
الحديث [المتقدّم أيضاً]: "أنّ النّبيّ ﷺ لما كثر القتلى يوم أحد؛ كان
стр. 1367
يجمع بين الرجلين في القبر الواحد ... ".
وسألت شيخنا ﵀ عن ذلك- أي: الدفن بما يسمّى "الفستقيّة"-؟ فقال: "عادة فرعونية".
الرجال هم الذين يتولّون إِنزال الميت:
ويتولى إِنزالَ الميت -ولو كان أنثى- الرجالُ دون النساء؛ لأنّه المعهود في عهد النّبيّ ﷺ ، وجرى عليه عمل المسلمين حتّى اليوم.
عن عبد الرحمن بن أَبْزَى قال: "صلّيت مع عمر بن الخطاب على زينب بنت جحش بالمدينة، فكبّر أربعاً، ثمّ أرسل إِلى أزواج النّبيّ ﷺ : من يأمرن أن يُدخلها القبر؟
قال: وكان يُعجبه أن يكون هو الذي يلي ذلك، فأرسلْن إِليه: انظر من كان يراها في حال حياتها؛ فليكن هو الذي يُدخلها القبر، فقال عمر: صدقتُنّ" (١).
يجوز للزوج أن يتولى بنفسه دفْن زوجته:
ويجوز للزوج أن يتولى بنفسه دفن زوجته.
فعن عائشة ﵂ قالت: "دخل عَلَيّ رسول الله ﷺ في اليوم
الذي بُدئ فيه، فقلت: وارأساه! فقال: ودِدْتُ أنّ ذلك كان وأنا حيٌّ، فهيأتُك ودفنتك! قالت: فقلت -غَيْرَى-: كأنّي بك في ذلك اليوم عروساً ببعض نسائك!
стр. 1368
قال: وأنا وارأساه! ادْعي لي أباك وأخاك. حتى أكتب لأبي بكر كتاباً؛ فإِنّي أخاف أن يقول قائل، ويتمنى متمنّ: أنا أولى! ويأبى الله والمؤمنون إلاَّ أبا بكر" (١).
قال شيخنا ﵀ (ص ١٨٨): "وقد ذهب إِلى جواز دفن الرجل لزوجته الشافعيةُ، بل قالوا: إِنه أحقُّ بذلك من أوليائها الذين ذكرنا، وعكَس ذلك ابن حزم، فجعله بعدهم في الأحقّية، ولعله الأقرب؛ لما سبق من عموم الآية".
لا يجوز لمن وطئ أهله تلك الليلة أن يتولّى الدفن:
لكنّ ذلك مشروط بما إِذا كان لم يطأ تلك الليلة؛ وإلاَّ لم يشرع له دفنها، وكان غيره هو الأولى بدفنها -ولو أجنبيّاً- بالشّرط المذكور.
فعن أنس ﵁ قال: "شهدنا بنت رسول الله ﷺ -ورسول الله ﷺ جالس على القبر- فرأيت عينيه تدمعان، فقال: هل فيكم من أحد لم يُقارف (٢) الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا. قال: فأنزل في قبرها، فنزل في قَبْرها فَقَبَرَها" (٣).
وفي رواية عنه: "أن رُقية ﵂ لما ماتت؛ قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل القبرَ رجلٌ قارف [الليلة] أهله؛ فلم يدخل عثمان بن عفان -رضي
стр. 1369
الله عنه- القبر" (١).
قال شيخنا ﵀: "قال النووي في "المجموع" (٥/ ٢٨٩): "هذا الحديث من الأحاديث التي يُحْتَجُّ بها في كون الرجال هم الذين يتولّون الدفن وإن كان الميت امرأة.
قال: ومعلوم أن أبا طلحة ﵁ أجنبي عن بنات النّبيّ ﷺ ، ولكنّه كان من صالحي الحاضرين، ولم يكن هناك رجل مَحْرَمٌ إِلا النّبيّ ﷺ ، فلعلّه كان له عذر في نُزول قبرها، وكذا زوجها، ومعلوم أنها كانت أختها فاطمة وغيرها من محارمها وغيرهنّ هناك؛ فدّل على أنه لا مدخل للنساء في إِدخال القبر والدفن" انتهى.
وجاء في "المحلّى" (٥/ ٢١٤ - تحت المسألة: ٥٨٥): "وأحقُّ الناس بإِنزال المرأة في قبرها: من لم يطأ تلك الليلة، وإِن كان أجنبيّاً؛ حضر زوجها أو أولياؤها أو لم يحضروا، وأحقهم بإِنزال الرجل أولياؤه.
أمّا الرجل؛ فلقول الله -تعالى-: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾؛ وهذا عموم؛ لا يجوز تخصيصه إلاَّ بنص.
وأمّا المرأة؛ فإِنّ عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد حدثنا قال: ثنا إِبراهيم بن أحمد: ثنا الفربري: ثنا البخاري ... " ثمّ ذكر حديث أنس ﵁.
أولياء الميت أحقّ بإِنزاله:
أولياء الميت أحقّ بإِنزاله؛ لعموم قوله -تعالى-: ﴿وأولوا الأرحام (٢) بعضهم
стр. 1370
أولى ببعض في كتاب الله﴾ (١)، ولحديث علي ﵁ قال: غسَّلت رسول الله ﷺ ، فذهبت أنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئاً وكان طيّباً حياً وميتاً، وولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: عليّ والعباس، والفضل، وصالح، مولى رسول الله ﷺ ، ولحدَ لرسول الله لحداً، ونصب عليه اللَّبِن نصباً" (٢).
إِدخال الميت من مؤخّر القبر:
والسّنّة إِدخال الميت من مؤخر القبر؛ لحديث أبي إِسحاق قال: "أوصى الحارث أن يُصلّي عليه عبد الله بن يزيد، فصلى عليه، ثمّ أدخله القبر من قبل رجلي القبر، وقال: هذا من السّنّة" (٣).
وعن ابن سيرين قال: "كنتُ مع أنس في جنازة، فأمَرَ بالميت، فسُلَّ من قِبَل رجل القبر" (٤).
يوضع الميت على جنبه الأيمن ووجهه قُبالةَ القِبْلَة:
قال شيخنا ﵀: "ويُجْعل الميت في قبره على جنبه اليمين، ووجهه قُبالةَ القبلة، ورأسه ورجلاه إِلى يمين القبلة ويسارها؛ على هذا جرى عمل أهل