← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وسألته: هل يستثنى الزوجان؟ فقال ﵀: "نعم". بِدْعِيَّةُ الدفن الجماعي: وما تقدّم من قول -حول جواز دفن الاثنين والثلاثة في قبر للحال المعروف- من باب رفْع الحرَج، وما يفعله كثير من الناس اليوم من الدفن الجماعي لعائلات معيّنة أو أُسَر محدّدة- وفيما يسمى في بعض البلاد (الفُسْتُقِيّة) (١) -فإِنه مخالِفٌ للسّنّة ومنهج سلف الأمّة. جاء في "الإِرواء" (تحت حديث ٧٤٩) بتصرّف يسير: حديث: "أنّ النّبيّ ﷺ كان يدفِن كل ميت في قبر". لا أعرفه، وإنْ كان معناه صحيحاً معلوماً بالتتبع والاستقراء، والمؤلف أخَذ ذلك من قول الرافعي: "الاختيار أن يدفن كل ميت في قبر، كذلك فعَل ﷺ . فقال الحافظ في "تخريجه" (١٦٧): "لم أره هكذا، لكنه معروف بالاستقراء". وممّا يدل لصحة معناه: حديث هشام بن عامر [المتقدّم]: "لمّا كان يوم أُحد؛ شكَوا إِلى رسول الله ﷺ القرح .. قال: " .. وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر". الحديث [المتقدّم أيضاً]: "أنّ النّبيّ ﷺ لما كثر القتلى يوم أحد؛ كان

стр. 1367

يجمع بين الرجلين في القبر الواحد ... ". وسألت شيخنا ﵀ عن ذلك- أي: الدفن بما يسمّى "الفستقيّة"-؟ فقال: "عادة فرعونية". الرجال هم الذين يتولّون إِنزال الميت: ويتولى إِنزالَ الميت -ولو كان أنثى- الرجالُ دون النساء؛ لأنّه المعهود في عهد النّبيّ ﷺ ، وجرى عليه عمل المسلمين حتّى اليوم. عن عبد الرحمن بن أَبْزَى قال: "صلّيت مع عمر بن الخطاب على زينب بنت جحش بالمدينة، فكبّر أربعاً، ثمّ أرسل إِلى أزواج النّبيّ ﷺ : من يأمرن أن يُدخلها القبر؟ قال: وكان يُعجبه أن يكون هو الذي يلي ذلك، فأرسلْن إِليه: انظر من كان يراها في حال حياتها؛ فليكن هو الذي يُدخلها القبر، فقال عمر: صدقتُنّ" (١). يجوز للزوج أن يتولى بنفسه دفْن زوجته: ويجوز للزوج أن يتولى بنفسه دفن زوجته. فعن عائشة ﵂ قالت: "دخل عَلَيّ رسول الله ﷺ في اليوم الذي بُدئ فيه، فقلت: وارأساه! فقال: ودِدْتُ أنّ ذلك كان وأنا حيٌّ، فهيأتُك ودفنتك! قالت: فقلت -غَيْرَى-: كأنّي بك في ذلك اليوم عروساً ببعض نسائك!

стр. 1368

قال: وأنا وارأساه! ادْعي لي أباك وأخاك. حتى أكتب لأبي بكر كتاباً؛ فإِنّي أخاف أن يقول قائل، ويتمنى متمنّ: أنا أولى! ويأبى الله والمؤمنون إلاَّ أبا بكر" (١). قال شيخنا ﵀ (ص ١٨٨): "وقد ذهب إِلى جواز دفن الرجل لزوجته الشافعيةُ، بل قالوا: إِنه أحقُّ بذلك من أوليائها الذين ذكرنا، وعكَس ذلك ابن حزم، فجعله بعدهم في الأحقّية، ولعله الأقرب؛ لما سبق من عموم الآية". لا يجوز لمن وطئ أهله تلك الليلة أن يتولّى الدفن: لكنّ ذلك مشروط بما إِذا كان لم يطأ تلك الليلة؛ وإلاَّ لم يشرع له دفنها، وكان غيره هو الأولى بدفنها -ولو أجنبيّاً- بالشّرط المذكور. فعن أنس ﵁ قال: "شهدنا بنت رسول الله ﷺ -ورسول الله ﷺ جالس على القبر- فرأيت عينيه تدمعان، فقال: هل فيكم من أحد لم يُقارف (٢) الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا. قال: فأنزل في قبرها، فنزل في قَبْرها فَقَبَرَها" (٣). وفي رواية عنه: "أن رُقية ﵂ لما ماتت؛ قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل القبرَ رجلٌ قارف [الليلة] أهله؛ فلم يدخل عثمان بن عفان -رضي

стр. 1369

الله عنه- القبر" (١). قال شيخنا ﵀: "قال النووي في "المجموع" (٥/ ٢٨٩): "هذا الحديث من الأحاديث التي يُحْتَجُّ بها في كون الرجال هم الذين يتولّون الدفن وإن كان الميت امرأة. قال: ومعلوم أن أبا طلحة ﵁ أجنبي عن بنات النّبيّ ﷺ ، ولكنّه كان من صالحي الحاضرين، ولم يكن هناك رجل مَحْرَمٌ إِلا النّبيّ ﷺ ، فلعلّه كان له عذر في نُزول قبرها، وكذا زوجها، ومعلوم أنها كانت أختها فاطمة وغيرها من محارمها وغيرهنّ هناك؛ فدّل على أنه لا مدخل للنساء في إِدخال القبر والدفن" انتهى. وجاء في "المحلّى" (٥/ ٢١٤ - تحت المسألة: ٥٨٥): "وأحقُّ الناس بإِنزال المرأة في قبرها: من لم يطأ تلك الليلة، وإِن كان أجنبيّاً؛ حضر زوجها أو أولياؤها أو لم يحضروا، وأحقهم بإِنزال الرجل أولياؤه. أمّا الرجل؛ فلقول الله -تعالى-: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾؛ وهذا عموم؛ لا يجوز تخصيصه إلاَّ بنص. وأمّا المرأة؛ فإِنّ عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد حدثنا قال: ثنا إِبراهيم بن أحمد: ثنا الفربري: ثنا البخاري ... " ثمّ ذكر حديث أنس ﵁. أولياء الميت أحقّ بإِنزاله: أولياء الميت أحقّ بإِنزاله؛ لعموم قوله -تعالى-: ﴿وأولوا الأرحام (٢) بعضهم

стр. 1370

أولى ببعض في كتاب الله﴾ (١)، ولحديث علي ﵁ قال: غسَّلت رسول الله ﷺ ، فذهبت أنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئاً وكان طيّباً حياً وميتاً، وولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: عليّ والعباس، والفضل، وصالح، مولى رسول الله ﷺ ، ولحدَ لرسول الله لحداً، ونصب عليه اللَّبِن نصباً" (٢). إِدخال الميت من مؤخّر القبر: والسّنّة إِدخال الميت من مؤخر القبر؛ لحديث أبي إِسحاق قال: "أوصى الحارث أن يُصلّي عليه عبد الله بن يزيد، فصلى عليه، ثمّ أدخله القبر من قبل رجلي القبر، وقال: هذا من السّنّة" (٣). وعن ابن سيرين قال: "كنتُ مع أنس في جنازة، فأمَرَ بالميت، فسُلَّ من قِبَل رجل القبر" (٤). يوضع الميت على جنبه الأيمن ووجهه قُبالةَ القِبْلَة: قال شيخنا ﵀: "ويُجْعل الميت في قبره على جنبه اليمين، ووجهه قُبالةَ القبلة، ورأسه ورجلاه إِلى يمين القبلة ويسارها؛ على هذا جرى عمل أهل

стр. 1371

الإِسلام من عهد رسول الله ﷺ إِلى يومنا هذا، وهكذا كلُّ مقبرة على ظهر الأرض، كذا في "المحلّى" (٥/ ١٧٣) وغيره" انتهى. وجاء في "الروضة الندية" (١/ ٤٤١): "ويوضَع على جنبه الأيمن مستقبِلاً؛ وهو ممّا لا أعلم فيه خلافاً". ويقول الذي يضعه في لَحْده: (بسم الله، وعلى سنّة رسول الله -أو ملّة رسول الله ﷺ -). فعن ابن عمر ﵁: "أنّ النّبيّ ﷺ كان إِذا وضع الميت في القبر قال: بسم الله، وعلى سُنة رسول الله" (١). وعن البياضي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: "الميت إِذا وضع في قبره؛ فليقل الذين يضعونه حين يُوضع في اللّحد: بسم الله، وبالله، وعلى ملّة رسول الله ﷺ " (٢). هل تحلُّ عقد الكفن (٣)؟ هناك العديد من الآثار ساقها ابن أبي شيبة عن بعض التابعين لا تخلو من ضعف، لكن مجموعها يلقي الاطمئنان في النفس أن حل عقد كفن الميت في القبر كان معروفاً عند السلف، فلعله لذلك قال به الحنابلة تبعاً للإِمام أحمد، فقد قال أبو داود في "مسائله" (١٥٨): "قلت لأحمد (أو سئل)

стр. 1372

عن العقد تحل في القبر؟ قال: نعم". وقال ابنه عبد الله في "مسائله" (١٤٤ - ٥٣٨): "مات أخ لي صغير، فلما وضعته في القبر، وأبي قائم على شفير القبر، قال لي: يا عبد الله! حل العقد، فحللتها" (١). فائدة: سألت شيخنا ﵀ عن وضْع الطين في القبر بين اللبنات لمنع تسرُّب التراب على الميت؟ فقال: "يبدو أنّه صحيح؛ لأنّ اللحد فُضّل على الشِّق". استحباب حَثْوِ ثلاث حَثَوات من التراب بعد سدّ اللحد: ويُستحبّ لمن عند القبر أن يحثو من التراب ثلاث حثوات بيديه جميعاً بعد الفراغ من سدّ اللحد. فعن أبي هريرة ﵁: "أنّ رسول الله ﷺ صلّى على جنازة، ثمّ أتى قبر الميت، فحثا (٢) عليه من قِبَل رأسه ثلاثاً" (٣). ويُسنّ بعد الفراغ من دفنه أمور: الأوّل: أن يُرفَع القبر عن الأرض قليلاً نحو شبرٍ، ولا يسوّى بالأرض، وذلك ليتميّز فيُصان ولا يُهان. فعن جابر ﵁: "أنّ النّبيّ ﷺ أُلْحِد له لحد، ونُصِب عليه اللَّبْن

стр. 1373

نصباً، ورُفع قبره من الأرض نحواً من شبر" (١). قال شيخنا ﵀: "قال الشافعي في "الأم" (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦) ما مختصره: "وأحبّ أن لا يُزاد في القبر تراب من غيره؛ لأنّه إِذا زيد ارتفع جداً، وإِنما أُحِبّ أن يُشْخَصَ على وجه الأرض شبراً أو نحوه". ونقل النووي في "المجموع" (٥/ ٢٩٦) اتفاق أصحاب الشافعي على استحباب الرفع بالقدر المذكور". الثاني: أن يجعل مُسنّماً (٢). فعن سفيان التمّار: "أنّه رأى قبر النّبيّ ﷺ مُسنّماً" (٣). الثالث: أنْ يُعَلّمه بحجرٍ أو نحوه؛ ليدفن إليه من يموت من أهله؛ لحديث المُطّلب -وهو ابن عبد الله بن المطلب بن حَنْطَبِ ﵁ قال: "لمّا مات عثمان بن مظعون؛ أُخرج بجنازته فدُفن؛ أمر النّبيّ ﷺ رجلاً أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إِليها رسول الله ﷺ وحسَر عن ذراعيه. قال كثير: قال المُطلب: قال الذي يُخبرني [ذلك] عن رسول الله ﷺ ؛ كأنّي أنظر إِلى بياض ذراعي رسول الله ﷺ حين حسر عنهما، ثمّ حملها

стр. 1374

فوضعها عند رأسه، وقال: أتعلّم بها قبر أخي (١)، وأدفن إِليه من مات من أهلي" (٢). ولا يشرع تلقينُ الميت التلقينَ المعروفَ اليوم (٣)؛ لأنّ الحديث الوارد فيه لا يصح. الاستغفار للميت والدعاء له بالتثبيت: وينبغي للحاضرين حين يفرغون من دفْن الميت، أن يقفوا على القبر ويدعوا له بالتثبيت، وأن يستغفروا له، وكان النّبيّ ﷺ يأمر الحاضرين بذلك؛ لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال: "كان النّبيّ ﷺ إِذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت؛ فإِنّه الآن يُسأل" (٤). الموعظة عند القبر عن البراء بن عازب ﵁ قال: خرجنا مع النّبيّ ﷺ في جنازة

стр. 1375

رجل من الأنصار، فانتهينا إِلى القبر؛ ولمّا يُلحد (١)، فجلس رسول الله ﷺ [مستقبل القبلة]، وجلسنا حوله، وكأنّ على روؤسنا الطّير، وفي يده عودٌ ينكت (٢) في الأرض، [فجعل ينظر إِلى السماء، وينظر إِلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه، ثلاثاً]، فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً، [ثمّ قال: اللهم إِنّي أعوذ بك من عذاب القبر] [ثلاثاً]، ثمّ قال: إِنّ العبد المؤمن إِذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة؛ نزل إِليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأنّ وجوههم الشمس، معهم كفنٌ من أكفان الجنة، وحَنُوطٌ (٣) من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مَدَّ البصر، ثمّ يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيّتها النفس الطيبة (وفي رواية: المطمئنة)! اخرجي إِلى مغفرة من الله ورضوان. قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السِّقَاءِ، فيأخذها (وفي رواية: حتى إِذا خرجت روحه؛ صلّى عليه كلُّ ملكٍ بين السماء والأرض، وكلّ ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهلِ باب إلاَّ وهم يدْعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم)، فإِذا أخذها؛ لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، [فذلك قوله - تعالى-: ﴿توفّته رُسُلنا وهم لا يفرِّطون﴾، ويخرج منها كأطيب نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدت على وجه الأرض.

стр. 1376

قال: فيصعدون بها؛ فلا يمرّون -يعني- بها على ملإٍ من الملائكة إلاَّ قالوا: ما هذا الروح الطيّب؟! فيقولون: فلان بن فلان -بأحسن أسمائه التي كانوا يُسمُّونه بها في الدنيا- حتى ينتهوا بها إِلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيّعه من كلّ سماء مُقرّبوها إِلى السماء التي تليها، حتى يَنتهيَ به إِلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في علّيّين، ﴿وما أدراك ما عِلِّيُّون كتاب مرقوم * يشهده المُقرّبون﴾، فيكتب كتابه في عِلِّيِّين، ثمّ يقال]: أعيدوه إِلى الأرض؛ فإِنّي [وعدتهم أنّي] منها خلقتهم وفيها أُعيدهم ومنها أُخرجهم تارةً أخرى. قال: فـ[يُردّ إِلى الأرض، و] تُعاد روحه في جسده، [قال: فإِنّه يسمع خفق نعال أصحابه إِذا ولّوا عنه] [مدبرين]. فيأتيه ملكان [شديدا الانتهار]، فـ[ينتهرانه و] يُجلسانه، فيقولان له: من ربّك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؛ فيقول: ديني الإِسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ . فيقولان له: ما عَمَلُك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدّقت، فينتهره فيقول: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيُّك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن. فذلك حين يقول الله : ﴿يُثَبِّتُ الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا﴾، فيقول: ربي الله، وديني الإِسلام، ونبيّ محمد ﷺ ، فينادي منادٍ في السماء: أنْ صدق عبدي، فأفرِشوه من الجنة، وألبِسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إِلى الجنّة، قال: فيأتيه من رَوْحِها وطِيبها، ويفسح له في قبره مدّ بصره.

стр. 1377

قال: ويأتيه [وفي رواية: يُمَثَّلُ له] رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيّب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسُرُّك، [أبشر برضوانٍ من الله، وجنّاتٍ فيها نعيم مقيم]، هذا يومك الذي كُنت تُوعد، فيقول له: [وأنت -فبشّرك الله بخير]- من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير! فيقول: أنا عملك الصالح؛ [فوالله ما عَلِمْتُك إِلا كنت سريعاً في طاعة الله، بطيئاً في معصية الله، فجزاك الله خيراً]. ثمّ يُفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا، فإِذا رأى ما في الجنة قال: ربِّ! عجّل قيام الساعة؛ كيما أرجع إِلى أهلي ومالي! [فيقال له: اسكن]. قال: وإِنّ العبد الكافر (وفي رواية: الفاجر) إِذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة؛ نزل إِليه من السماء ملائكة [غلاظ شداد]، سُود الوجوه، معهم المُسُوح (١) [من النار]، فيجلسون منه مدّ البصر (٢)، ثمّ يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة! أخرجي إِلى سَخَطٍ من الله وغضب، قال: فتفرَّق في جسده، فينتزعها كما يُنتزع السُّفُّود (٣) [الكثير الشُّعب] من الصّوف المبلول، [فتَقطَّعُ معها العروق والعصب]، [فيلعنه كلُّ ملك بين السماء والأرض، وكلُّ ملك في السماء، وتغلَق أبواب السماء، ليس من أهل باب إِلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من

стр. 1378

قِبلهم]، فيأخذها، فإِذا أخذها لم يدَعوها في يده طرفة، عين حتى يجعلوها في تلك المُسوح، ويخرج منها كأنتن ريحٍ جيفةٍ وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرّون بها على ملأ من الملائكة إِلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟! فيقولون: فلان ابن فلان -بأقبح أسمائه التي كان يُسمّى بها في الدنيا، حتى يُنتَهى به إِلى السماء الدنيا، فيُستفتح له، فلا يُفتح له، ثمّ قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لا تُفَتَّحُ لهم أبواب السماء ولا يدْخلون الجنة حتى يَلِجَ الجَمَلُ في سمِّ الخِياط (١)﴾ (٢) فيقول الله : اكتبوا كتابه في سِجين (٣)؛ في الأرض السُّفلى، [ثمّ يقال: أعيدوا عبدي إِلى الأرض، فإِنّي وعدتهم أنّي منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أُخرجهم تارةً أخرى)، فتُطرح روحه [من السماء] طرحاً [حتى تقع في جسده] ثمّ قرأ: ﴿ومن يشرك بالله فكأنّما خرَّ من السماء فَتَخْطَفُهُ الطير أو تهوي به الريح في مكان سَحِيق﴾، فتعاد روحه في جسده، [قال: فإِنّه ليسمع خفق نعال أصحابه إِذا

стр. 1379

ولّوا عنه]. ويأتيه ملكان [شديدا الانتهار، فينتهرانه و] يُجلسانه، فيقولان له: من ربُّك؟ [فيقول: هاهْ هاهْ (١)! لا أدري! فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاهْ هاهْ! لا أدري]! فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيُقال: محمد! فيقول: هاه هاه! لا أدري! [سمعت الناس يقولون ذاك! قال: فيقال: لا دَرَيْتَ]، ولا تلوت]، فينادي مُنادٍ من السماء: أنْ كذب، فأفرشوا له من النار، وافتحوا له باباً إِلى النار، فيأتيه من حرّها وسَمُومها (٢)، ويُضيَّق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه (وفي رواية: ويُمثل له) رجلٌ قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومُك الذي كنت توعد، فيقول: [وأنت فبشّرك الله بالشرِّ] من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشّر! فيقول. أنا عملك الخبيث؛ [فوالله ما علمت إِلا كنت بطيئاً عن طاعة الله، سريعاً إِلى معصية الله]، [فجزاك الله شرّاً! ثمّ يُقيّض له أعمى أصمُّ أبكم في يده مِرْزبَة (٣) لو ضُرِبَ بها جبل كان تراباً، فيضربه ضربة حتى يصير بها تراباً، ثمّ يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعه كلّ شيء إِلا الثقلين، ثمّ يفتح له

стр. 1380

باب من النار، ويُمهَّد من فُرُش النار]، فيقول: ربِّ! لا تُقم الساعة" (١). استحباب جمع الموتى الأقارب في أماكن متجاورة (٢): ويستحب جمع الموتى الأقارب في أماكن متجاورة؛ لأنّه أيسر لزيارتهم وأكثر للترحُّم عليهم، كما ذكَر بعض أهل العلم؛ لحديث المطلب ﵁ قال: "لما مات عثمان بن مظعون؛ أُخرج بجنازته فدفن؛ أمر النّبيّ ﷺ رجلاً أنْ يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إِليها رسول الله ﷺ وحسر عن ذراعيه -قال المطلب: قال الذي يُخبرني [ذلك] عن رسول الله ﷺ -؛ كأني أنظر إِلى بياض ذراعي رسول الله ﷺ حين حسر عنهما، ثمّ حملها فوضعها عند رأسه، وقال: أتعلّم بها قبر أخي، وأدفن إِليه من مات من أهلي" (٣). ضَمَّة القبر: عن ابن عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "هذا (٤) الذي تحرَّك له العرش، وفُتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة، لقد ضُمّ ضمة، ثمّ فُرِّج عنه" (٥).

стр. 1381

سؤال القبر وعذابه ونعيمه (١): وقد تقدّم في سؤال القبر عذابه ونعيمه: حديثُ البراء بن عازب ﵁ الطويل. وعن البراء بن عازب ﵁ أيضاً عن النّبيّ ﷺ قال: "إِذا أُقعد المؤمن في قبره؛ أُتي ثمّ شهِدَ أن لا إِله إِلا الله وأنّ محمّداً رسول الله، فذلك قوله: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾، وفي رواية: نزلت في عذاب القبر" (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ أنّه حدّثهم أنّ رسول الله ﷺ قال: "إِنّ العبد إذا وضع في قبره وتولّى عنه أصحابه -وإنه ليسمع قرع نعالهم-؛ أتاه ملكان فيُقعِدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذ الرجل -لمحمد ﷺ -؟ فأمّا المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، فيراهما جميعًا. قال قتادة: وذُكِر لنا أنّه يُفسح له في قبره. ثمّ رجع إِلى حديث أنس قال: وأمّا المنافق والكافر فيُقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري! كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غيرَ الثقلين" (٣).

стр. 1382

وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: بينما النّبيّ ﷺ في حائط لبني النجار على بغْلة له ونحن معه؛ إِذ حادَتْ به فكادت تلقيه، وإذا أَقْبُرٌ ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: "من يعرف أصحاب هذه الأَقْبُر؟ فقال رجل: أنا. قال: فمتى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإِشراك، فقال: إِن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن يُسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه؛ ثمّ أقبل علينا بوجهه، فقال: تعوّذوا بالله من عذاب النّار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النّار، فقال: تعوّذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر! قال: تعوّذوا بالله من الفتن: ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن: ما ظهر منها وما بطن! قال: تعوّذوا بالله من فتنة الدّجال. قالوا: نعوذ بالله من فنتة الدّجال! " (١). وعن سمرة بن جندب قال: "كان النّبيّ ﷺ إِذا صلّى صلاة؛ أقبل علينا بوجهه فقال: من رأى منكم الليلة رؤيا؟ قال: فإِن رأى أحد قصّها، فيقول ما شاء الله، فسألَنا يوماً فقال: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قلنا: لا، قال: لكنّي رأيت الليلة رجلين؛ أتياني فأخذا بيدي، فأخرجاني إِلى الأرض المقدّسة؛ فإِذا رجل جالس، ورجل قائم بيده كَلُّوب من حديد -قال بعض أصحابنا عن موسى أنه- يدخل ذلك الكلوب في شِدْقِهِ حتى يبلغ قفاه، ثمّ يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويَلْتَئِمُ شدقه هذا، فيعود فيصنع مثله، قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا حتى أتينا على رجل مُضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه

стр. 1383

بفِهْرٍ (١) أو صخرة، فَيَشْدَخُ به رأسه، فإِذا ضربه تَدَهْدَه (٢) الحجر، فانطلق إِليه ليأخذه؛ فلا يرجع إِلى هذا حتى يلتئم رأسه؛ وعاد رأسه كما هو، فعاد إِليه فضربه، قلت: من هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا إِلى ثُقْبٍ مثل التّنّور؛ أعلاه ضيّق وأسفله واسع، يتوقّد تحته ناراً؛ فإِذا اقترب ارتفعوا حتى كاد أن يخرجوا، فإِذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة، فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة -قال يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم: وعلى شطّ النهر رجل-؛ فأقبل الرجل الذي في النهر، فإِذا أراد أن يخرج؛ رمى الرجل بحجر في فيهِ؛ فردَّه حيث كان، فجعل كلّما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر، فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى انتهينا إِلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصِبيان، وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعِدا بي في الشجرة، وأدخلاني داراً لم أرَ قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان، ثمّ أخرجاني منها، فصعدا بي الشجرة؛ فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل، فيها شيوخ وشباب، قلت: طوّفتماني الليلة فأخبِراني عمّا رأيت؟ قالا: نعم. أمّا الذي رأيته يُشق شِدقه؛ فكذاب يحدِّث بالكذبة، فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به إِلى يوم القيامة. والذي رأيته يُشدخ رأسه؛ فرجل علّمه

стр. 1384

الله القرآن، فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار، يُفعل به إِلى يوم القيامة، والذي رأيته في الثَّقب؛ فهم الزناة، والذي رأيته في النهر؛ آكِلُو الربا. والشيخ في أصل الشجرة؛ إِبراهيم ﵇، والصبيان حوله؛ فأولاد الناس. والذي يوقد النار؛ مالك خازن النار. والدار الأولى التي دخلت؛ دار عامّة المؤمنين. وأمّا هذه؛ الدار فدار الشهداء، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك، فرفعت رأسي فإِذا فوقي مثل السّحاب، قالا: ذاك منزلك، قلت: دَعَاني أدخلْ منزلي! قالا: إِنه بقي لك عُمُر لم تستكمله، فلو استكملت أتيت منزلك" (١). هل يجوز نبش القبر ؟ لا يجوز نبش القبر إِلا لغرض صحيح. قال شيخنا ﵀ (ص ٢٠٣) -بتصرّف يسير-: "ويجوز إِخراج الميت من القبر لغرض صحيح، كما لو دفن قبل غسله وتكفينه ونحو ذلك. فعن جابر بن عبد الله قال: "أتى النّبيّ ﷺ عبد الله بن أُبي بعدما دفن، فأخرجه؛ فَنفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه" (٢). والظاهر: أنّ هذا كان قبل نزول قوله -تعالى-: ﴿ولا تُصلِّ على أحدٍ منهم مات أبداً ولا تقُم على قبره﴾ ". انتهى كلام شيخنا ﵀. وقال البخاري ﵀ في "صحيحه" (٣): "باب هل يخرج الميت من

стр. 1385

القبر واللحد لعلّة؟ ثمّ ذكر (برقم: ١٣٥١) حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "لما حضر أُحد دعاني أبي من الليل فقال: ما أُراني إِلا مقتولاً في أول من يُقتل من أصحاب النّبيّ ﷺ ، وإني لا أترك بعدي أعزّ عليّ منك؛ غير نفس رسول الله ﷺ ، وإنّ عليّ ديناً، فاقض واستوص بأخواتك خيراً. فأصبحنا، فكان أوّل قتيل، ودفن معه آخر في قبر، ثمّ لم تَطِبْ نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر؛ فإِذا هو كَيَوْمَ وضَعْتُه هُنيَّة (١)؛ غيرَ أُذُنه". وجاء في "الأوسط" (٥/ ٣٤٣): "واختلفوا في النبش عمن دفن ولم يغسل: فقال أكثر أهل العلم: يخرج فيغسل. هكذا قال مالك والثوري والشافعي، إِلا أن مالكاً قال: ما لم يتغير. وقال أصحاب الرأي: إِذا وضع في اللحد ولم يغسل، ولم يُهَلْ عليه التراب؛ أخرج فغسل وصلّي عليه، وإن كانوا نصبوا اللبن، وأهالوا عليه التراب؛ لم يَنْبَغ لهم أن ينبشوا الميت من قبره". قال أبو بكر [وهو ابن المنذر ﵀]: يُخرج ويغسل ما لم يتغير، كما قال مالك" انتهى. ولقول مالك وأبي بكر -رحمهما الله- تطمئن نفسي. قال ابن حزم ﵀ (٥/ ١٦٩ - تحت المسألة: ٥٥٩): "ومن لم يُغَسل ولا كُفِّن حتى دُفِن؛ وجب إِخراجه حتى يغسّل ويكفّن؛ ولا بُدّ".

стр. 1386

وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٤/ ٣٠٤): "وسئل ﵀ عن قوم لهم تربة، وهي في مكان منقطع، وقتل فيها قتيل، وقد بنوا لهم تربة أخرى؛ هل يجوز نقل موتاهم إِلى التربة المُسْتَجَدَّةِ أم لا؟ فأجاب: لا يُنبش الميت لأجل ما ذُكِر. والله أعلم" انتهى. وسألت شيخنا ﵀ عن قول بعض العلماء: "ولو حُفر القبر فوُجَد فيه عظام الميت باقية؛ لا يُتمّ الحافر حفره"؟ فقال: "به أقول". وسألته ﵀: هل يجوز نبش القبر لإِخراج مالٍ تُرك في القبر؟ فقال: "نعم". وسألته ﵀: إذا صار جسم الميت تراباً؛ فهل ينتفع من المكان بزرعٍ أو نحوه؟ فأجاب: هذا يُتصوّر في أرضٍ قَفْرٍ؛ دُفن فيها ميت، ثمّ أصَبَح هذا الميت تراباً ورميماً، فبهذا التصوّر الضيّق؛ نعم، كما يروى عن أبي العلاء المعرّي أنه قال: صَاحِ هذي قبورُنا تملأ الرَّحب (١) ... فأين القبور من عهد عادِ خفَف الوطء (٢) ما أظنّ ... أديم الأرض إلاَّ من هذه الأجساد

стр. 1387

فإِذا كان السؤال في ميِّت محدّد في هذا الوضْع الضّيق؛ فالجواب الجواز، ولكن إِذا كان القبر في مقبرة؛ فحينئذ يختلف الحُكم تماماً، وبهذا التحديد يجوز؛ وإلاَّ فلا. قلت: فإِذا كانت المقبرة كلها تراباً؛ هل يمكن الانتفاع بذلك؟ فقال ﵀: المسألة تأخذ طوراً آخر، فالمقابر بشكل عام موقوفة لموتى المسلمين، بمعنى أن أرض المقبرة لا يملكها أحد، فلا يستطيع أحد أن يشتريها؛ لأنّه لا مالك لها، فمن الأخطاء الشائعة أن تباع القبور! ومن هو المالك؟ والانتفاع بأرض المقبرة بعد أن صار أهلها رميماً؛ لا يرِدُ جوازه من هذه الحيثية، وعلى العكس من ذلك. لو قيل: هذه مقبرة عائلة؛ فهذه الأرض ملْك لهم؛ فإِذا أصبحَ الموتى تراباً؛ فباستطاعتهم استثمارها في بناية دار أو حديقة؛ لأنها ملْك لهم. فهنا شرطان: أن يتحول الموتى رميماً، وأن تكون الأرض مملوكة. وسألت شيخنا ﵀ عن حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "أتى النّبيّ ﷺ عبد الله بن أُبي بعد ما أُدخل قبره، فأمر به فأُخرج ووضع على رُكبتيه، ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه، فالله أعلم" (١)؛ هل يفيدنا في جواز إِخراج الميّت؟ فقال ﵀: وهو لا يزال سليماً؟ قلت: حديث عهد بدفن؟

стр. 1388

فقال: نعم، يجوز. قلت: أهذا متعلّق بفناء الجسم أو عدمه؟ قال: نعم. قال أحد الإِخوة: هل يجوز النبش لمِثل هذا السبب؟ قال ﵀: يجوز إِذا غلب على ظنّه بقاء الجسم. وسألت شيخنا ﵀: هل يَسُوغ وضْع العظام جانباً لدْفن ميت آخر؟ فقال: يمكن ذلك إِذا ضاقت المقبرة. هل يُستحبّ للرجل حفْر قبره قبل موته ؟ ولا يُستحبّ للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت، فإِنّ النّبيّ ﷺ لم يفعل ذلك هو ولا أصحابه، والعبد لا يدري أين يموت، وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت، فهذا يكون من العمل الصالح. كذا في "الاختيارات العلمية " لشيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-. عدم مشروعية تلقين المقبور: ولا يشرع تلقين المقبور بأي صيغة من الصّيغ، أو عبارة من العبارات؛ لعدم وروده عن النّبيّ ﷺ أو الصحابة ﵃. أما حديث: "لقنّوا موتاكم: لا إِله إِلا الله؛ من كان آخر كلامه لا إِله إِلا الله عند الموت دخل الجنة ... " (١). فقد تقدّم أنّ معناه تلقين المحتضر، ومن تأمّل

стр. 1389

لفظ الحديث؛ من كان آخر كلامه لا إِله إِلا الله عند الموت؛ أيقَن أنّ المراد بذلك المحتضر ليقولها. وأمّا حديث أبي أمامة الباهلي وقوله في النّزع: "إِذا أنا مِتُّ فاصنعوا بي كما أمر رسول الله ﷺ فقال: إِذا مات أحد من إِخوانكم، فسوَّيتم التراب عليه؛ فليقم أحدكم على رأس قبره ثمّ ليقل: يا فلان بن فلان! فإِنه يسمع ولا يجيب. ثمّ يقول: يا فلان بن فلانة! فإِنّه يستوي قاعداً ثمّ يقول: يا فلان بن فلانة! فإِنه يقول: أَرْشِدْنا رحمك الله! ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة: أن لا إِله إِلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربّاً، وبالإِيسلام ديناً، وبمحمد نبيّاً، وبالقرآن إِمامًا؛ فإِن منكراً ونكيراً يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا؛ ما نقعد عند من لُقِّنَ حجته؟! فيكون الله حجيجه دونهما. قال رجل: يا رسول الله! فإِن لم يعرف أمه؟ قال: فينسبه إِلى حواء: يا فلان بن حواء! ". فإِنه ضعيف؛ وانظره في "الإِرواء" (٧٥٣). وجاء فيه (٣/ ٢٠٥): "وقال الأثرم: قلت لأحمد: هذا الذي يصنعونه إِذا دفن الميت؛ يقف الرجل ويقول: يا فلان بن فلانة!؟ قال: ما رأيت أحداً يفعله إِلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة، يروى فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه، وكان إِسماعيل بن عياش يرويه، يشير إِلى حديث أبي أمامة". قال شيخنا ﵀: وليت شعري؛ كيف يمكن أن يكون مثل هذا

стр. 1390

الحديث صالحاً ثابتاً، ولا أحد من السلف الأول يعمل به؟! وقد قال النووي في "المجموع" (٥/ ٣٠٤)، والعراقي في "تخريج الإِحياء" (٤/ ٤٢٠): إِسناده ضعيف. وقال ابن القيم في "زاد المعاد" (١/ ٢٠٦): "حديث لا يصح". التعزية تعريفها: هي حمْل ذوي الميت على الصبر وفضْله، والابتلاء وأجره، والمصيبة وثوابها (١). مشروعية تعزية أهل الميت: وتشرع تعزية أهل الميت. فعن قُرَّةَ بن إيَاسٍ ﵁ قال: "كان نبي الله ﷺ . إِذا جلس؛ يجلس إِليه نفر من أصحابه، وفيهم رجل له ابن صغير، يأتيه من خلف ظهره، فيُقعده بين يديه، فهلك، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة (٢) لذكر ابنه. فحزن عليه، ففقده النّبيّ ﷺ فقال: ما لي لا أرى فُلاناً؟! قالوا: يا رسول الله! بُنيُّهُ الذي رأيته هلك، فلقيه النّبيّ ﷺ ، فسأله عن بُنَيِّه؟ فأخبره أنه هلك، فعزاه عليه ثمّ قال: يا فلان! أيُّما كان أحبَّ إليك: أنْ تمتّع به عُمُرك، أو لا تأتي غداً إِلى باب من أبواب الجنة؛ إِلا وجدته قد سبقك إِليه يفتحه لك.

стр. 1391

قال: يا نبي الله! بل يسبقني إِلى باب الجنة فيفتحها لي، لهو أحبّ إِليّ! قال: فذاك لك" (١). وعن عمرو بن حزم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مؤمن يُعزّي أخاه بمصيبة؛ إِلا كساه الله من حُلل الجنّة" (٢). ماذا يقول عند التعزية ؟ ويُعزّيهم بما يظنُّ أنه يُسلّيهم، ويكفّ من حزنهم، ويحملهم على الرّضا والصبر، ممّا يثبت عنه ﷺ -إِنْ كان يعلمه ويستحضره- وإلا فبما تيسرّ له من الكلام الحسن الذي يُحقق الغرض ولا يخالف الشرع، وفي ذلك أحاديث: الأول: عن أسامة بن زيد ﵄ قال: "أرسلت ابنة النّبيّ ﷺ إِليه: إِنّ ابناً لي قُبض، فأْتِنا، فأرسل يُقرئ السلام ويقول: إِنّ لله ما أخذ وله ما أعطى، وكلٌّ عنده بأجلٍ مسمًّى (٣)، فلتصبر ولتحتسب (٤) " (٥).

стр. 1392

قال شيخنا ﵀ (ص ٢٠٧): "وهذه الصِّيغة من التعزية؛ وإنْ وردت فيمن شارف الموت؛ فالتعزية بها فيمن قد مات أولى بدلالة النّصّ، ولهذا قال النوويّ في "الأذكار" وغيره: "وهذا الحديث أحسن ما يعزّى به". الثاني: عن بُرَيْدَة بن الحُصَيْبِ قال: "كان رسول الله ﷺ يتعهّد الأنصار ويعودهم ويسأل عنهم، فبلغه عن امرأة من الأنصار مات ابنها وليس لها غيره، وأنها جزعت عليه جزعاً شديداً، فأتاها النّبيّ ﷺ [ومعه أصحابه، فلمّا بلغ باب المرأة قيل للمرأة: إِنّ نبيّ الله يريد أنْ يدخل يُعزِّيها. فدخل رسول الله ﷺ فقال: أما إِنّه بلغني أنّك جزعتِ على ابنك؛ فأمرها بتقوى الله وبالصّبر، فقالت: يا رسول الله! [ما لي لا أجزع]؛ وإنّي امرأة رَقُوبٌ لا ألد، ولم يكن لي غيره؟! فقال رسول الله ﷺ : الرقوب: الذي يبقى ولدها، ثمّ قال: ما من امرئٍ أو امرأةٍ مُسلمةٍ يموت لها ثلاثة أولاد [يحتسبهم]؛ إلاَّ أدخله الله بهم الجنّة. فقال عمر [وهو عن يمين النّبيّ ﷺ ]: بأبي أنت وأُمّي واثنين؟! قال: واثنين" (١). الثالث: قوله ﷺ حينما دخل على أمّ سلمة ﵂ عقب موت أبي سلمة: "اللهمّ اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديّين، واخلُفْه في عَقِبه في الغابرين (٢)، واغفِر لنا وله يا ربّ العالمين! وافسح له في قبره، ونوِّر له

стр. 1393

فيه" (١) وسألت شيخنا ﵀ عن تعزية الذّمي إِذا أَمِنَ المعزّي الفتنة؟ فقال: "نعم يجوز، ويضاف إِلى ذلك: أحسن التعزية". يريد شيخنا: يجوز للمرء أن يعزّي الذمّي إِذا أمِن الفتنة وأحسَن التعزية. لكن قرأت في "أحكام الجنائز" (ص ١٦٩) كلاماً له ﵀ يقول فيه -بعد حديث: "اذهب فواره"-: ومن الملاحظ في هذا الحديث أنّ النّبيّ ﷺ لم يُعزِّ علياً بوفاة أبيه المشرك، فلعله يصلح دليلاً لعدم شرعية تعزية المسلم بوفاة قريبه الكافر، فهو -من باب أولى- دليلٌ على عدم جواز تعزية الكفار بأمواتهم أصلاً". ثمّ ذكّرني أخي عمر الصادق -حفظه الله تعالى- بفائدة ذكَرها شيخنا ﵀ في "صحيح الأدب المفرد" (٨٤٧/ ١١١٢) وهو تقييده جواز تعزية الكافر بأن لا يكون حربياً عدواً للمسلمين، فقد قال ﵀ بعد إِيراد أثر عُقبة بن عامر الجُهني ﵁: "أنّه مرَّ برجل هيئته هيئة مسلم، فسلَّم فردَّ عليه: وعليك ورحمة الله وبركاته، فقال له الغلام: إِنّه نصراني! فقام عقبة فتبعه حتى أدركه فقال: إِنَّ رحمة الله وبركاته على المؤمنين، لكن أطال الله حياتك، وأكثر مالك وولدك" (٢).

стр. 1394

قال ﵀: في هذا الأثر إِشارةٌ من هذا الصحابي الجليل إِلى جواز الدعاء بطول العمر ولو للكافر، فللمسلم أولى، ولكن لا بُدّ أن يلاحظ الداعي أن لا يكون عدوًّا للمسلمين، ويترشّح منه جواز تعزية مِثله لما في هذا الأثر". والخلاصة جواز تعزية الكافر غير الحربيّ أو المعادي للمسلمين أحسن المعزّي عزاءَه وأمِن الفتنة، والله -تعالى- أعلم. وسألته ﵀: هل ترون الذهاب إِلى بيوت التعزية للنهي عن المنكر؛ مع ما قد عَلِمنا من حُكمه؟! فقال: يحضر وينصح ويُذكّر، أمّا للتعزية فقط فلا. لا تُحدّ التعزية بثلاثة أيام: ولا تُحدّ التعزية بثلاثة أيام لا يتجاوزها؛ فإِن حديث: "لا عزاء فوق ثلاث" لا يُعرف له أصْل؛ كما قال شيخنا ﵀. بل متى رأى الفائدة في التعزية أتى بها؛ فقد ثبت عنه ﷺ أنه عزى بعد الثلاثة في حديث عبد الله بن جعفر -رضي الله تعالى عنهما- قال: "بعث رسول الله ﷺ جيشاً استعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: فإِنْ قُتل زيد أو استشهد؛ فأميركم جعفر، فإِنْ قتل أو استشهد، فأميركم عبد الله بن رواحة؛ فلقوا العدوّ، فأخذ الراية زيد، فقاتل حتى قُتل، ثمّ أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قُتل، ثمّ أخذها عبد الله، فقاتل حتى قُتل، ثمّ أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه. وأتى خبرهم النّبيّ ﷺ ، فخرج إِلى الناس، فحمد الله وأثنى عليه وقال: إِنّ إِخوانكم لقوا العدوّ، وإِنّ زيداً أخذ الراية، فقاتل حتى قُتل واستشهد، ثمّ ..

стр. 1395

ثم .. ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله: خالد بن الوليد؛ ففتح الله عليه، فأُمِهْل؛ ثمّ أَمْهَل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثمّ أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي ابْنَيْ أخ. قال: فجيء بنا كأنّا أفْرُخٌ، فقال: ادعوا لي الحلاق، فجيءَ بالحلاق، فحلق رؤوسنا ثمّ قال: أمّا محمد؛ فشبيه عمِّنا أبي طالب، وأما عبد الله؛ فشبيه خلْقي وخُلُقي، ثمّ أخذ بيدي فأشالها فقال: اللهمّ اخلف جعفراً في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه، قالها ثلاث مرات. قال: فجاءت أُمنّا فذكرت له يُتْمَنا، وجعلت تُفْرِح (١) له، فقال: آلعَيْلَةَ تخافين عليهم؛ وأنا وليُّهم في الدنيا والآخرة؟! " (٢). قال شيخنا ﵀ (ص٢١٠): "وقد ذهب إِلى ما ذكرنا -من أنّ التعزية لا تُحدّ بحدّ-: جماعة من أصحاب الإِمام أحمد، كما في "الإِنصاف" (٢/ ٥٦٤)، وهو وجهٌ في المذهب الشافعي، قالوا: لأنّ الغرض الدعاء، والحمل على الصبر، والنهي عن الجزع، وذلك يحصل مع طول الزمان. حكاه إِمام الحرمين، وبه قطع أبو العباس ابن القاص من أئمتهم، وإن أنكره عليه بعضهم؛ فإِنما ذلك من طريق المعروف من المذهب لا الدليل، وانظر "المجموع" (٥/ ٣٠٦) ".

стр. 1396

ينبغي اجتناب أمرين، وإنْ تتابع الناس عليهما: ١ - الاجتماع للتعزية في مكانٍ خاصّ؛ كالدار أو المقبرة أو المسجد. ٢ - اتخاذ أهل الميت الطعام؛ لضيافة الواردين للعزاء. فعن جرير بن عبد الله البَجَلي ﵁ قال: "كنّا نعُدُّ (وفي رواية: نرى) الاجتماع إِلى أهل الميت، وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة" (١). قال شيخنا ﵀ (ص ٢١٠): "قال النووي في "المجموع" (٥/ ٣٠٦): وأمّا الجلوس للتعزية؛ فنصّ الشافعي -والمصنّف [أي: الشِّيرازيّ] وسائر الأصحاب على كراهته، قالوا: يعني بالجلوس لها: أن يجتمع أهل الميت في بيت، فيقصدهم من أراد التعزية. قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزّاهم، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها". ونصُّ الإِمام الشافعي الذي أشار إِليه النووي: هو في كتاب "الأم" (١/ ٢٤٨): "وأكره المآتم، وهي الجماعة، وإِنْ لم يكن لهم بكاءٌ؛ فإِنّ ذلك يُجدِّد الحزن، ويكلّف المُؤْنَة (٢)، مع ما مضى فيه من الأثر. كأنّه يُشير إِلى حديث جرير هذا [كنّا نعد الاجتماع إِلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النّياحة]، قال النووي: "واستدلّ له المصَنِّف وغيره بدليل آخر؛ وهو أنّه مُحدَث".

стр. 1397

وكذا نص ابن الهُمَام في "شرح الهداية" (١/ ٤٧٣) على كراهية اتِّخاذ الضيافة من الطعام من أهل الميت؛ وقال: "وهي بدعة قبيحة". وهو مذهب الحنابلة كما في "الإِنصاف" (٢/ ٥٦٥). وإنما السّنة أن يصنع أقرباء الميت وجيرانه لأهل الميت طعاماً يُشبعهم. فعن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: "لما جاء نَعِيُّ جعفر حين قُتل؛ قال النّبيّ ﷺ : اصنعوا لآل جعفر طعاماً؛ فقد أتاهم أمر يَشْغَلُهم -أو أتاهم ما يَشْغَلُهم-" (١). وقد كانت عائشة تأمر بالتلبينةِ للمريض، وللمحزون على الهالك، وتقول: إِني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنّ التلبينة (٢) مَجمَّة (٣) لفؤاد المريض؛ تذهب ببعض الحزن" (٤). قال الإِمام الشافعي في "الأم" (١/ ٢٤٧): "وأحبّ لجيران الميت أو ذوي القرابة: أن يعملوا لأهل الميت في يوم يموت وليلته طعاماً يُشبعهم؛ فإِنّ ذلك سُنّة، وذكر كريم، وهو من فعل أهل الخير قبلنا وبعدنا".

стр. 1398

ما ينتفع به الميِّت وينتفع الميت من عَمَل غيره بأمور: أولاً: دعاء المسلم واستغفاره له، إِذا توفّرت فيه شروط القبول؛ لقول الله ﵎: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا ربَّنا إِنّك رؤوف رحيم﴾ (١). وأما الأحاديث؛ فهي كثيرة جدّاً؛ منها حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة؛ عند رأسه مَلَك مُوكّل؛ كلّما دعا لأخيه بخير؛ قال الملك المُوكّل به: آمين؛ ولك بمثل" (٢). بل إِنّ صلاة الجنازة جلّها شاهد لذلك؛ لأنّ غالبها دعاء للميت، واستغفار له. ثانياً: قضاء وليّ الميت صومَ النّذر عنه؛ دون صوم رمضان (٣)، وفيه أحاديث: ١ - عن عائشة ﵂ أنّ رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام؛ صام عنه وليُّه" (٤).

стр. 1399

٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: "جاء رجل إِلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! إِنّ أمّي ماتت وعليها صوم شهر؛ أفأقضيه عنها، قال: نعم؛ فدين الله أحقُّ أن يقضى. وعنه أيضاً: قالت امرأة: إِنّ أختي ماتت" (١). ٣ - عن ابن عباس ﵄ أيضاً: أنّ سعد بن عبادة ﵁ استفتى رسول الله ﷺ فقال: "إِنّ أُمّي ماتت وعليها نَذْر؟ فقال: اقضِه عنها" (٢). قال شيخنا ﵀ (ص ٢١٥): "وهذه الأحاديث صريحة الدلالة في مشروعية صيام الوليّ عن الميت صومَ النذر؛ إِلا أنّ الحديث الأول يدلُّ - بإِطلاقه- على شيء زائد على ذلك، وهو أنه يصوم عنه صوم الفرض أيضاً، وقد قال به الشافعية، وهو مذهب ابن حزم (٧/ ٢، ٨) وغيرهم. وذهب إِلى الأول الحنابلة، بل هو نصُّ الإِمام أحمد، فقال أبو داود في "المسائل" (٩٦): "سمعت أحمد بن حنبل قال: لا يُصام عن الميت إِلا في النذر". وحمل أتباعه الحديث الأول على صوم النذر، بدليل ما روت عمرة: أنّ أمها ماتت وعليها من رمضان؛ فقالت لعائشة: أقضيه عنها؟ قالت: لا؛ بل تصدّقي عنها -مكان كل يوم- نصف صاع على كل مسكين" (٣).

стр. 1400

وبدليل ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: "إِذا مرض الرجل في رمضان، ثمّ مات ولم يصم؛ أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه" (١). قال شيخنا ﵀ (ص ٢١٥): "وهذا التفصيل الذي ذهبَت إِليه أم المؤمنين، وحَبْر الأمّة ابن عباس ﵄ وتابعهما إِمام السنّة أحمد ابن حنبل: هو الذي تطمئن إِليه النفس، وينشرح له الصدر، وهو أعدل الأقوال في هذه المسألة وأوسطها، وفيه إِعمال لجميع الأحاديث؛ دون ردٍّ لأيّ واحد منها، مع الفهم الصحيح لها؛ خاصة الحديث الأول منها، فلم تفهم منه أم المؤمنين ذلك الإِطلاق الشامل لصوم رمضان، وهي رَاوِيتُهُ، ومن المقرر أنّ راوي الحديث أدرى بمعنى ما روى، لا سيّما إِذا كان ما فَهِمَ هو الموافق لقواعد الشريعة وأصولها، كما هو الشأن هنا. وقد بيّن ذلك المُحقق ابن القيم -رحمه الله تعالى- فقال في "إِعلام الموقعين" (٣/ ٥٥٤) -بعد أن ذكر الحديث وصححه-: "فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه، وقالت: يُصام عنه النذر والفرض! وأبت طائفة ذلك، وقالت: لا يُصام عنه نذر ولا فرض! وفصّلت طائفة؛ فقالت: يُصام عنه النذر دون الفرض الأصلي. وهذا قول ابن عباس وأصحابه، وهو الصحيح؛ لأنّ فرض الصيام جارٍ مجرى الصلاة، فكما لا يُصلي أحد عن أحد، ولا يُسْلِمُ أحد عن أحد، فكذلك

стр. 1401

الصيام. وأمّا النذر؛ فهو التزام في الذمة بمنزلة الدَّين، فيُقبل قضاء الوليّ له كما يقضي دَيْنه، وهذا محض الفقه. وطرد هذا أنه لا يُحَجُّ عنه، ولا يُزَكَّى عنه؛ إِلا إِذا كان معذوراً بالتأخير؛ كما يطعم الوليّ عمّن أفطر في رمضان لعذر. فأما المُفرّط من غير عذر أصلاً فلا ينفعه أداء غيره لفرائض الله التي فرّط فيها، وكان هو المأمور بها ابتلاءً وامتحاناً دون الوليّ، فلا تنفع توبة أحد عن أحد، ولا إِسلامه عنه، ولا أداء الصلاة عنه؛ ولا غيرها من فرائض الله -تعالى- التي فرّط فيها حتى مات". قال شيخنا ﵀: "وقد زاد ابن القيم ﵀ هذا البحث توضيحاً وتحقيقاً في "تهذيب السنن" (٣/ ٢٧٩ - ٢٨٢)، فليراجع؛ فإِنّه مهم. ثالثاً: قضاء الدّين عنه من أيّ شخص؛ وليّاً كان أو غيره، وفيه أحاديث كثيرة وقد سبق ذِكر الكثير منها. رابعاً: ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة؛ فإِنّ لوالديه مثلَ أجره، دون أن ينقص من أجره شيء؛ لأن الولد من سعْيهما وكسْبهما، والله يقوله: ﴿وأنْ ليس للإِنسان إِلا ما سعى﴾ (١). وعن عمّة عمارة بن عمير: أنّها سألت عائشة ﵂: في حجري يتيم؛ أفآكل من ماله؟ فقالت: قال رسول الله ﷺ : "إِنّ من أطيب ما أكل

стр. 1402

الرجل من كسْبه، وولدهُ من كسْبه" (١). ويؤيد ما دلّت عليه الآية والحديث أحاديثُ خاصة وردت في انتفاع الوالد بعمل ولده الصالح؛ كالصدقة والصيام والعتق ونحوه، وهي هذه: الأول: عن عائشة ﵂: "أنّ رجلاً قال للنّبيّ ﷺ : إِنّ أميّ افتُلِتَت نفسها (٢)، وأراها لو تكلّمت تصدّقت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، تصدّق عنها" (٣). الثاني: عن ابن عباس ﵄: أنّ سعد بن عبادة ﵁ أخا بني ساعدة -تُوفِّيت أُمه وهو غائب، فأتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله!

стр. 1403

إِنّ أمي توفِّيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إِن تصدَّقت به عنها؟ قال: نعم. قال: إِني أُشهِدك أنّ حائطى المِخْرَافَ (١) صدقة عليها" (٢). الثالث: عن أبي هريرة ﵁: "أنّ رجلاً قال للنّبيّ ﷺ : إِنّ أبي مات وترك مالاً ولم يُوصِ، فهل يُكفّر عنه أن أتصدّق عنه؟ قال: نعم" (٣). الرابع: عن عبد الله بن عمرو: "أنّ العاص بن وائل السَّهْمِي أوصى أن يُعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، فأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية. قال: حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فأتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! إِنّ أبي أوصى بعتق مئة رقبة، وإنّ هشاماً أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون، أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله ﷺ : إِنه لو كان مسلماً فأعتقتم عنه أو تصدّقتم عنه، أو حججتم عنه؛ بلغه ذلك (وفي رواية: فلو كان أقرّ بالتوحيد فصمت وتصدّقت عنه؛ نفعه ذلك) " (٤). قال شيخنا ﵀ (ص ٢١٩): "قال الشوكاني في "نيل الأوطار" (٤/ ٧٩): "وأحاديث الباب تدّل على أنّ الصدقة من الولد تلحق الوالدين

стр. 1404

بعد موتهما بدون وصيّة منهما، ويصل إِليهما ثوابها، فيخصّص بهذه الأحاديثِ عمومُ قوله -تعالى-: ﴿وأنْ ليس للإِنسان إِلا ما سعى﴾، ولكن ليس في أحاديث الباب إِلا لحوق الصدقة من الولد، وقد ثبت أنّ ولد الإِنسان من سعيه، فلا حاجة إِلى دعوى التّخصيص، وأمّا من غير الولد؛ فالظاهر من العموميّات القرآنية أنه لا يصل ثوابه إِلى الميت، فيوقف عليها، حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها". قلت أي: شيخنا ﵀: "وهذا هو الحق الذي تقضيه القواعد العلمية: أنّ الآية على عمومها، وأن ثواب الصدقة وغيرها يصل من الولد إِلى الوالد؛ لأنّه من سعيه؛ بخلاف غير الولد". وقال ﵀ (ص ٢٢٢): "وإذا كان من المسلَّم به عند أهل العلم: أنّ لكلّ عقيدة أو رأي يتبناه أحد في هذه الحياة أثراً في سلوكه -إِن خيراً فخير؛ وإن شرّاً فشّر-؛ فإِن من المُسَلّم به أيضاً: أنّ الأثر يدلُّ على المُؤثّر، وأنّ أحدهما مرتبط بالآخر -خيراً أو شراً كما ذكرنا-، وعلى هذا؛ فلسنا نشكُّ أنّ لهذا القول أثراً سيئاً في من يحمله أو يتبناه، من ذلك مثلاً: أنّ صاحبه يتّكل في تحصيل الثواب والدرجات العاليات على غيره؛ لعلمه أنّ الناس يُهدون الحسنات مئات المرّات في اليوم الواحد إِلى جميع المسلمين: الأحياء منهم والأموات، وهو واحد منهم، فلماذا لا يستغني حينئذ بعمل غيره عن سعيه وكسْبه؟! ألست ترى -مثلاً- أنّ بعض المشايخ الذين يعيشون على كسْب تلامذتهم لا يَسْعَوْن بأنفسهم ليَحْصُلوا على قوت يومهم بعرق جبينهم وكَدِّ يمينهم؟!

стр. 1405

وما السبب في ذلك؛ إِلا أنهم استغنوا عن ذلك بكسب غيرهم، فاعتمدوا عليه وتركوا العمل!! هذا أمر مشاهد في المادِّيّات، معقول في المعنويات، كما هو الشأن في هذه المسألة. وليت أنّ ذلك وقف عندها ولم يتعدّها إِلى ما هو أخطر منها، فهناك قول بجواز الحجّ عن الغير؛ ولو كان غير معذور؛ كأكثر الأغنياء التاركين للواجبات! فهذا القول يحملهم على التساهل في الحجّ والتقاعس عنه؛ لأنّه يتعلّل به ويقول في باطنه: يحجّون عنّي بعد موتي! بل إِنّ ثمّة ما هو أضرُّ من ذلك، وهو قول بوجوب إِسقاط الصلاة عن الميت التارك لها! فإِنّه من العوامل الكبيرة على ترك بعض المسلمين للصلاة؛ لأنّه يتعلل أيضاً بأنّ النّاس يُسقطونها عنه بعد وفاته! إِلى غير ذلك من الأقوال التي لا يخفى سوء أثرها على المجتمع! فمن الواجب على العالم الذي يُريد الإِصلاح: أن ينبذ هذه الأقوال؛ لمُخالفتها نصوص الشريعة ومقاصدها الحسنة. وقابِل أثر هذه الأقوال بأثر قول الواقفين عند النّصوص -لا يخرجون عنها بتأويل أو قياس-: تجد - الفرق كالشمس؛ فإِنّ من لم يأخذ بمثل الأقوال المشار إِليها؛ لا يُعقل أن يتّكل على غيره في العمل والثواب؛ لأنه يرى أنه لا يُنجّيه إِلا عمله، ولا ثواب له إِلا ما سعى إِليه هو بنفسه، بل المفروض فيه أن يسعى - ما أمكنه- إِلى أنْ يُخلِّف من بعده أثراً حسناً يأتيه أجره، وهو وحيد في قبره، بدل تلك الحسنات الموهومة، وهذا من الأسباب الكثيرة في تقدّم السلف وتأخُّرنا، ونَصْر الله إِيّاهم وخِذْلانه إِيّانا، نسأل الله -تعالى- أن يهدينا كما هداهم، وينصرنا كما نصرهم (١)!
следующие страницы →