← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

الصيام. وأمّا النذر؛ فهو التزام في الذمة بمنزلة الدَّين، فيُقبل قضاء الوليّ له كما يقضي دَيْنه، وهذا محض الفقه. وطرد هذا أنه لا يُحَجُّ عنه، ولا يُزَكَّى عنه؛ إِلا إِذا كان معذوراً بالتأخير؛ كما يطعم الوليّ عمّن أفطر في رمضان لعذر. فأما المُفرّط من غير عذر أصلاً فلا ينفعه أداء غيره لفرائض الله التي فرّط فيها، وكان هو المأمور بها ابتلاءً وامتحاناً دون الوليّ، فلا تنفع توبة أحد عن أحد، ولا إِسلامه عنه، ولا أداء الصلاة عنه؛ ولا غيرها من فرائض الله -تعالى- التي فرّط فيها حتى مات". قال شيخنا ﵀: "وقد زاد ابن القيم ﵀ هذا البحث توضيحاً وتحقيقاً في "تهذيب السنن" (٣/ ٢٧٩ - ٢٨٢)، فليراجع؛ فإِنّه مهم. ثالثاً: قضاء الدّين عنه من أيّ شخص؛ وليّاً كان أو غيره، وفيه أحاديث كثيرة وقد سبق ذِكر الكثير منها. رابعاً: ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة؛ فإِنّ لوالديه مثلَ أجره، دون أن ينقص من أجره شيء؛ لأن الولد من سعْيهما وكسْبهما، والله يقوله: ﴿وأنْ ليس للإِنسان إِلا ما سعى﴾ (١). وعن عمّة عمارة بن عمير: أنّها سألت عائشة ﵂: في حجري يتيم؛ أفآكل من ماله؟ فقالت: قال رسول الله ﷺ : "إِنّ من أطيب ما أكل

стр. 1402

الرجل من كسْبه، وولدهُ من كسْبه" (١). ويؤيد ما دلّت عليه الآية والحديث أحاديثُ خاصة وردت في انتفاع الوالد بعمل ولده الصالح؛ كالصدقة والصيام والعتق ونحوه، وهي هذه: الأول: عن عائشة ﵂: "أنّ رجلاً قال للنّبيّ ﷺ : إِنّ أميّ افتُلِتَت نفسها (٢)، وأراها لو تكلّمت تصدّقت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، تصدّق عنها" (٣). الثاني: عن ابن عباس ﵄: أنّ سعد بن عبادة ﵁ أخا بني ساعدة -تُوفِّيت أُمه وهو غائب، فأتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله!

стр. 1403

إِنّ أمي توفِّيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إِن تصدَّقت به عنها؟ قال: نعم. قال: إِني أُشهِدك أنّ حائطى المِخْرَافَ (١) صدقة عليها" (٢). الثالث: عن أبي هريرة ﵁: "أنّ رجلاً قال للنّبيّ ﷺ : إِنّ أبي مات وترك مالاً ولم يُوصِ، فهل يُكفّر عنه أن أتصدّق عنه؟ قال: نعم" (٣). الرابع: عن عبد الله بن عمرو: "أنّ العاص بن وائل السَّهْمِي أوصى أن يُعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، فأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية. قال: حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فأتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! إِنّ أبي أوصى بعتق مئة رقبة، وإنّ هشاماً أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون، أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله ﷺ : إِنه لو كان مسلماً فأعتقتم عنه أو تصدّقتم عنه، أو حججتم عنه؛ بلغه ذلك (وفي رواية: فلو كان أقرّ بالتوحيد فصمت وتصدّقت عنه؛ نفعه ذلك) " (٤). قال شيخنا ﵀ (ص ٢١٩): "قال الشوكاني في "نيل الأوطار" (٤/ ٧٩): "وأحاديث الباب تدّل على أنّ الصدقة من الولد تلحق الوالدين

стр. 1404

بعد موتهما بدون وصيّة منهما، ويصل إِليهما ثوابها، فيخصّص بهذه الأحاديثِ عمومُ قوله -تعالى-: ﴿وأنْ ليس للإِنسان إِلا ما سعى﴾، ولكن ليس في أحاديث الباب إِلا لحوق الصدقة من الولد، وقد ثبت أنّ ولد الإِنسان من سعيه، فلا حاجة إِلى دعوى التّخصيص، وأمّا من غير الولد؛ فالظاهر من العموميّات القرآنية أنه لا يصل ثوابه إِلى الميت، فيوقف عليها، حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها". قلت أي: شيخنا ﵀: "وهذا هو الحق الذي تقضيه القواعد العلمية: أنّ الآية على عمومها، وأن ثواب الصدقة وغيرها يصل من الولد إِلى الوالد؛ لأنّه من سعيه؛ بخلاف غير الولد". وقال ﵀ (ص ٢٢٢): "وإذا كان من المسلَّم به عند أهل العلم: أنّ لكلّ عقيدة أو رأي يتبناه أحد في هذه الحياة أثراً في سلوكه -إِن خيراً فخير؛ وإن شرّاً فشّر-؛ فإِن من المُسَلّم به أيضاً: أنّ الأثر يدلُّ على المُؤثّر، وأنّ أحدهما مرتبط بالآخر -خيراً أو شراً كما ذكرنا-، وعلى هذا؛ فلسنا نشكُّ أنّ لهذا القول أثراً سيئاً في من يحمله أو يتبناه، من ذلك مثلاً: أنّ صاحبه يتّكل في تحصيل الثواب والدرجات العاليات على غيره؛ لعلمه أنّ الناس يُهدون الحسنات مئات المرّات في اليوم الواحد إِلى جميع المسلمين: الأحياء منهم والأموات، وهو واحد منهم، فلماذا لا يستغني حينئذ بعمل غيره عن سعيه وكسْبه؟! ألست ترى -مثلاً- أنّ بعض المشايخ الذين يعيشون على كسْب تلامذتهم لا يَسْعَوْن بأنفسهم ليَحْصُلوا على قوت يومهم بعرق جبينهم وكَدِّ يمينهم؟!

стр. 1405

وما السبب في ذلك؛ إِلا أنهم استغنوا عن ذلك بكسب غيرهم، فاعتمدوا عليه وتركوا العمل!! هذا أمر مشاهد في المادِّيّات، معقول في المعنويات، كما هو الشأن في هذه المسألة. وليت أنّ ذلك وقف عندها ولم يتعدّها إِلى ما هو أخطر منها، فهناك قول بجواز الحجّ عن الغير؛ ولو كان غير معذور؛ كأكثر الأغنياء التاركين للواجبات! فهذا القول يحملهم على التساهل في الحجّ والتقاعس عنه؛ لأنّه يتعلّل به ويقول في باطنه: يحجّون عنّي بعد موتي! بل إِنّ ثمّة ما هو أضرُّ من ذلك، وهو قول بوجوب إِسقاط الصلاة عن الميت التارك لها! فإِنّه من العوامل الكبيرة على ترك بعض المسلمين للصلاة؛ لأنّه يتعلل أيضاً بأنّ النّاس يُسقطونها عنه بعد وفاته! إِلى غير ذلك من الأقوال التي لا يخفى سوء أثرها على المجتمع! فمن الواجب على العالم الذي يُريد الإِصلاح: أن ينبذ هذه الأقوال؛ لمُخالفتها نصوص الشريعة ومقاصدها الحسنة. وقابِل أثر هذه الأقوال بأثر قول الواقفين عند النّصوص -لا يخرجون عنها بتأويل أو قياس-: تجد - الفرق كالشمس؛ فإِنّ من لم يأخذ بمثل الأقوال المشار إِليها؛ لا يُعقل أن يتّكل على غيره في العمل والثواب؛ لأنه يرى أنه لا يُنجّيه إِلا عمله، ولا ثواب له إِلا ما سعى إِليه هو بنفسه، بل المفروض فيه أن يسعى - ما أمكنه- إِلى أنْ يُخلِّف من بعده أثراً حسناً يأتيه أجره، وهو وحيد في قبره، بدل تلك الحسنات الموهومة، وهذا من الأسباب الكثيرة في تقدّم السلف وتأخُّرنا، ونَصْر الله إِيّاهم وخِذْلانه إِيّانا، نسأل الله -تعالى- أن يهدينا كما هداهم، وينصرنا كما نصرهم (١)!

стр. 1406

خامساً: ما خلّفه من بعده من آثارٍ صالحة وصدقات جارية، لقوله ﵎: ﴿ونكتب ما قدّموا وآثارَهم﴾، وفيه أحاديث: ١ - عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا مات الإِنسان؛ انقطع عنه عمله إِلا من ثلاثة: إِلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (١). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنّ ممّا يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علّمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومُصْحفاً ورّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته؛ يلحقه من بعد موته" (٢). ٣ - عن جرير بن عبد الله قال: "كنّا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حُفاةً عُراةً مُجتابي (٣) النِّمار (٤) أو العباء (٥) مُتقلِّدي السيوف،

стр. 1407

عامَّتهم من مُضَرَ -بل كلّهم من مضر- فتمعّر (١) وجه رسول الله ﷺ ، لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثمّ خرج؛ فأمر بلالاً؛ فأذّن وأقام فصلّى؛ ثمّ خطب فقال: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ... ﴾ إِلى آخر الآية: ﴿إِنّ الله كان عليكم رقيباً﴾، والآية التي في الحشر: ﴿اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدّمت لغدٍ واتقوا الله﴾؛ تصدّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّهِ، من صاع تمره (حتى قال)، ولو بشقِّ تمرة. قال: فجاء رجل من الأنصار بصُرّة كادت كفّه تَعْجِزُ عنها، بل قد عَجَزت. قال: ثمّ تتابع الناس، حتى رأيت كومين عن طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلَّل (٢)؛ كأنّه مُذْهَبَة (٣)، فقال رسول الله ﷺ : من سنّ في الإِسلام سُنّة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها بعده؛ من غير أن ينقص من أُجورهم شيء. ومن سنّ في الإِسلام سنّة سيئةً؛ كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده؛ من غير أن ينقُص من أوزارهم شيء" (٤).

стр. 1408

زيارة القبور مشروعيّتها: وتُشرع زيارة القبور؛ للاتعاظ بها وتذكُّر الآخرة؛ شريطة أن لا يقول عندها ما يُغْضِبُْ الرَّبَّ كدعاء المقبور والاستغاثة به من دون الله -تعالى- أو تزكيته والقطع له بالجنّة، ونحو ذلك، وفيه أحاديث: ١ - عن بُرَيْدَةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" (١). وفي زيادة: "فمن أراد أن يزور؛ فليزُر ولا تقولوا هُجْراً (٢) " (٣). قال شيخنا ﵀: "ولا يخفى أنّ ما يفعله العامّة وغيرهم عند الزيارة -من دعاء الميت، والاستغاثة به، وسؤال الله بحقِّه-: لهو من أكبر الهُجْرِ والقول الباطل، فعلى العلماء أن يبيّنوا لهم حُكم الله في ذلك، ويُفهِّموهم الزيارة المشروعة والغاية منها. وقد قال الصنعاني في "سبل السلام" (٢/ ١٦٢) -عقب أحاديثَ في الزيارة والحكمة منها-: "الكُلُّ دالٌّ على مشروعية زيارة القبور، وبيان الحكمة فيها، وأنّها للاعتبار، فإِذا خلت من هذه؛ لم تكن مُرادةً شرعاً". ٢ - وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنّي نهيتكم عن

стр. 1409

زيارة القُبور؛ فزوروها، فإِنّ فيها عبرة، [ولا تقولوا ما يُسْخِطُ الربّ] " (١). ما يقول إِذا زار القبور أو مرّ بها (٢): عن بريدة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يُعلّمهم إِذا خرجوا إِلى المقابر، فكان قائلهم يقول: السّلام على أهل الدّيار، السّلام عليكم أهل الديّار؛ من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إِن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية" (٣). عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ ؛ يخرج من آخر الليل إِلى البقيع، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين! وأتاكم ما توعدون؛ غداً مؤجّلون، وإنّا إِن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد (٤) " (٥). جواز زيارةِ النساءِ القبورَ: والنّساء كالرجال في استحباب زيارة القبور؛ لوجوه:

стр. 1410

١ - عُموم قوله ﷺ : " .. فزوروا القبور"؛ فيدخل فيه النساء، وبيانه: أنّ النّبيّ ﷺ لما نهى عن زيارة القبور في أوّل الأمر؛ فلا شك أنّ النهي كان شاملاً للرجال والنساء معاً، فلمّا قال: "كُنتُ نهيتكم عن زيارة القبور"؛ كان مفهوماً أنّه كان يعني الجنسين؛ ضرورةَ أنّه يخبرهم عمّا كان في أول الأمر من نهي الجنسين. فإِذا كان الأمر كذلك؛ كان لزاماً أنّ الخطاب في الجملة الثانية من الحديث - وهو قوله: "فزوروها"-؛ إِنّما أراد به الجنسين أيضاً. ويؤيده أنّ الخطاب في بقية الأفعال المذكورة في زيادة مسلم في حديث بُريدة المتقدّم آنفاً: "ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث؛ فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النّبيذ إِلا في سقاءٍ؛ فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكراً". أقول [أي: شيخنا ﵀]: فالخطاب في جميع هذه الأفعال موجّه إِلى الجنسين قطعاً، كما هو الشأن في الخطاب الأوّل: "كنت نهيتكم"؛ فإِذا قيل بأنّ الخطاب في قوله: "فزوروها" خاصٌّ بالرجال؛ اختل نظام الكلام وذهبت طراوته! الأمر الذي لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم. ويزيده تأييداً الوجوه الآتية: ٢ - مُشاركتهنّ الرجالَ في العلّة التي من أجلها شُرعت زيارة القبور: "فإِنها تُرِقُّ القلبِ وتدمع العين، وتُذكّر الآخرة" (١). ٣ - أنّ النّبيّ ﷺ قد رخص لهن في زيارة القبور في حديثين حَفِظْتهما لنا

стр. 1411

أُمُّ المؤمنين عائشة ﵂: عن عبد الله بن أبي مُليكة: "أنّ عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقُلت لها: يا أمَّ المؤمنين! من أين أقبلتِ؟ قالت: مِنْ قَبْرِ عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟! قالت: نعم، ثمّ أمر بزيارتها" (١). عن محمد بن قيس بن مَخْرَمَةَ بن المطلب أنّه قال يوماً: ألا أحدثكم عني وعن أمّي؟! قال: فظننا أنه يريد أمّه التي ولدته، قال: قالت عائشة: ألا أُحدّثكمَ عنيّ وعن رسول الله ﷺ ؟! قلنا: بلى. قال: قالت: لمّا كانت ليلتي التي كان النّبيّ ﷺ فيها عندى؛ انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إِزاره على فراشه، فاضطجع -فذكرت الحديث إِلى أن قالت-: فقال [أي: جبريل لرسول الله ﷺ ]: إنّ ربّك يأمُرك أنْ تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم. قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟! قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المُستقدمين منّا والمُستأخرين، وإنا إِن شاء الله بكم للاحقون" (٢). ٤ - إِقرار النّبيّ ﷺ المرأة التي رآها عند القبور في حديث أنس ﵁: "مرّ النّبيّ ﷺ بامرأةٍ تبكي عند قبرٍ، فقال: اتّقي الله واصبري ... " (٣).

стр. 1412

عدم جواز إِكثار النساء من زيارة القبور: لا يجوز للنساء الإِكثار من زيارة القبور والتردد عليها؛ لأنّ ذلك قد يُفضي بهنّ إلى مخالفة الشريعة، من مثل الصّياح، والتبرّج، واتخاذ القبور مجالس للنزهة، وتضييع الوقت في الكلام الفارغ، كما هو مشاهد اليوم في بعض البلاد الإِسلامية، وهذا هو المراد -إِن شاء الله- بحديث أبي هريرة: "أنّ رسول الله ﷺ لعن زوّارات القبور" (١). قال شيخنا ﵀: "فهذا اللفظ: "زوّارات" إِنما يدلُّ على لعن النساء اللاتي يكثرن الزيارة؛ بخلاف غيرهنّ؛ فلا يشملُهنّ اللعن ... قال القرطبي: "اللعن المذكور في الحديث إِنما هو للمكثرات من الزيارة؛ لِما تقتضيه الصّيغة من المبالغة، ولعلّ السبب ما يُفضي إِليه ذلك من تضييع حقّ الزوج والتبرج، وما ينشأ من الصّياح ونحو ذلك، وقد يُقال: إِذا أُمِنَ جميع ذلك فلا مانع من الإِذن لهنّ؛ لأنّ تذكُّر الموت يحتاج إِليه الرجال والنساء". جواز زيارة من مات على غير الإِسلام للعبرة: ويجوز زيارة قبر من مات على غير الإِسلام للعبرة فقط. فعن أبي هريرة ﵁ قال: "زار النّبيّ ﷺ قبر أمه؛ فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنْتُ ربي في أن استغفر لها؛ فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها؛ فأذِن لي، فزوروا القبور؛ فإِنها تُذكّر الموت" (٢).

стр. 1413

وقال ابن حزم ﵀: "ونستحب زيارة القبور، وهو فرض ولو مرةً؛ ولا بأس بأن يزور المسلم قبر حميمه المشرك، الرجال والنساء سواءٌ. لما روينا من طريق مسلم ثمّ ساق إِسناده إِلى بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها". ومن طريق مسلم وساق إِسناده إِلى أبي هريرة ﵁ أنّه قال: زار النّبيّ ﷺ قبر أمه؛ فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي أن أستغفر لها؛ فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها؛ فأذن لي؛ فزوروا القبور؛ فإِنها تذكر الموت". قال: وقد صح عن أم المؤمنين وابن عمر وغيرهما زيارة القبور. وروي عن عمر النهي عن ذلك، ولم يصح". انتهى. قلت: يزور للعبرة فقط؛ فيتعظ ويعتبر ويبكي؛ خوفاً من أن يموت مُشركاً. المقصود من زيارة القبور: المقصود من زيارة القبور شيئان: ١ - انتفاع الزائر بذِكر الموت والموتى، وأنّ مآلهم إِمّا إِلى جنة وإمّا إِلى نار، وهو الغرض الأول من الزيارة، كما يدلّ عليه ما سبَق من الأحاديث. ٢ - نفع الميت والإِحسان إِليه: بالسلام عليه، والدعاء، والاستغفار له، وهذا خاصٌّ بالمسلم. فعن عائشة ﵂ أيضاً أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ ؛ يخرج من آخر الليل إِلى البقيع فيقول: السلام

стр. 1414

عليكم دار قومٍ مؤمنين! وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجّلون، وإنا إِن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" (١). وعنها أيضاً في حديثها الطويل قالت: "كيف أقول لهم يا رسول الله؟! قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنّا إِنْ شاء الله بكم للاحقون" (٢). وعن بريدة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يعلّمهم إِذا خرجوا إِلى المقابر، فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإِنّا إِن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية" (٣). عدم مشروعية قراءة القرآن عند زيارة القبور: وأمّا قراءة القرآن عند زيارتها؛ فمما لا أصل له في السُّنّة، بل الأحاديث المذكورة في المسألة السابقة تُشعر بعدم مشروعيتها؛ إِذ لو كانت مشروعة؛ لفَعلها رسول الله ﷺ وعلّمها أصحابه، لا سيّما وقد سألته عائشة ﵂ وهي من أحبِّ الناس إليه ﷺ عمّا تقول إِذا زارت القبور؟ فعلّمها السلام والدعاء، ولم يُعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن، فلو أن القراءة كانت مشروعة لما كتم ذلك عنها، كيف وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرّر في علم الأصول، فكيف بالكتمان، ولو أنّه ﷺ علّمهم شيئاً من ذلك لنُقل إِلينا، فإِذا لم يُنقل بالسّند الثابت دلّ على أنه لم يقع.

стр. 1415

ومّما يُقويّ عدم المشروعية حديث أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر؛ إِنّ الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة" (١). فقد أشار ﷺ إِلى أنّ القُبور ليست موضعاً للقراءة شرعاً، فلذلك حضّ على قراءة القرآن في البيوت، ونهى عن جعلها كالمقابر التي لا يُقرأ فيها، كما أشار في الحديث الآخر إِلى أنّها ليست موضعاً للصلاة أيضاً. فعن ابن عمر ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبوراً" (٢). جواز رفع اليدين عند الدعاء: ويجوز رفع اليدين في الدّعاء لها؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: "خرج رسول الله ﷺ ذات ليلة، فأرسلتُ بَرِيرَة في إِثَرِهِ لتنظر أين ذهب؟ قالت: فسلك نحو بقيع الغرقد، فوقف في أدنى البقيع، ثمّ رفع يديه، ثمّ انصرف، فرجعت إِليّ بريرة، فأخبرتني، فلمّا أصبَحْتُ سألْته، فقلت: يا رسول الله! أين خرجت الليلة؟ قال: بُعثت إِلى أهل البقيع لأُصلّي عليهم" (٣).

стр. 1416

عدم استقبال القبور حين الدعاء: ولكنه لا يستقبل القبور حين الدعاء لها، بل الكعبة؛ لنهيه ﷺ عن الصلاة إِلى القبور؛ كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى- والدعاء مخُّ الصلاة ولبُّها كما هو معروف؛ فله حُكمها، وقد قال ﷺ : "الدعاء هو العبادة" وقرأ: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ إِلى قوله: ﴿داخرين﴾ " (١). قال شيخنا ﵀ (ص ٢٤٧): "فإِذا كان الدعاء من أعظم العبادة؛ فكيف يُتَوَجَّهُ به إِلى غير الجهة التي أمر باستقبالها في الصلاة؟! ولذلك كان من المُقرّر عند العلماء المُحققين أنه "لا يُستقبل بالدّعاء إِلا ما يستقبل بالصلاة". قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" (ص ١٧٥): "وهذا أصل مستمرٌّ: أنه لا يستحبُّ للداعي أن يستقبل إِلا ما يُستحبُّ أن يُصلّي إِليه، ألا ترى أنّ الرجل لما نُهي عن الصلاة إِلى جهة المشرق وغيرها؛ فإِنّه يُنهى أن يتحرّى استقبالها وقت الدعاء؟! ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها الرجل الصالح، سواءً كانت في المشرق أو غيره، وهذا ضلال بيّن، وشرٌّ واضح، كما أنّ بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها بعض الصالحين، وهو يستدبر الجهة التي فيها بيت الله، وقبر رسول الله ﷺ ! وكلُّ هذه الأشياء من البدع التي تُضارع دين النصارى".

стр. 1417

قال شيخنا ﵀: "وذكر قبل ذلك بسطور عن الإِمام أحمد وأصحاب مالك: أنّ المشروع استقبال القبلة بالدّعاء؛ حتى عند قبر النبيّ ﷺ بعد السلام عليه. ... قال شيخ الإِسلام في "القاعدة الجليلة في التوسّل والوسيلة" (ص ١٢٥): "ومذهب الأئمة الأربعة: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة الإِسلام: أنّ الرجل إِذا سلم على النّبيّ ﷺ ، وأراد أن يدعو لنفسه؛ فإِنّه يستقبل القبلة ... ". عدم دخول مقابر الظالمين إِلا وهو يبكي: عن ابن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين؛ إِلا أن تكونوا باكين، فإِن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم؛ لا يصيبُكم ما أصابهم" (١). وذلك لما أرادوا دخول الحِجر مساكن ثمود. قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٥٣١): "ووجه هذه الخشية؛ أنّ البكاء يبعثه على التفكر والاعتبار، فكأنه أمَرهم بالتفكر في أحوالٍ توجب البكاء من تقدير الله -تعالى- على أولئك بالكفر؛ مع تمكينه لهم في الأرض وإمهالهم مدة طويلة، ثمّ إِيقاع نقمته بهم وشدّة عذابه، وهو -سبحانه- مقلب القلوب؛ فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إِلى مِثل ذلك. والتفكر أيضاً في مقابلة أولئك نعمة الله بالكفر وإِهمالهم إِعمال عقولهم فيما يوجب الإِيمان به والطاعة له، فمن مرّ عليهم ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتباراً بأحوالهم؛ فقد شابههم

стр. 1418

في الإِهمال، ودل على قساوة قلبه وعدم خشوعه؛ فلا يأمن أن يجرّه ذلك إِلى العمل بمِثل أعمالهم فيصيبه ما أصابهم. وبهذا يندفع اعتراض من قال: كيف يصيب عذاب الظالمين من ليس بظالم؟ لأنّه بهذا التقرير لا يأمن أن يصير ظالماً؛ فيُعذَّب بظلمه". لا يمشي منتعلاً بين قبور المسلمين: ولا يمشي بين قبور المسلمين في نعليه؛ لحديث بشير بن الخصاصية قال: "بينما أُماشي رسول الله ﷺ .. أتى على قبور المسلمين ... فبينما هو يمشي؛ إِذ حانت منه نظرة؛ فإِذا هو برجلٍ يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: يا صاحبَ السِّبْتيَّتيْن (١) ألقِ سِبتيّتيْك. فنظر، فلمّا عرف الرجل رسول الله ﷺ خلع نعليه، فرمى بهما" (٢). قال الحافظ في "الفتح" (٣/ ١٦٠): "والحديث يدلُّ على كراهية المشي بين القبور بالنّعال، وأغرب ابن حزم فقال: يحرم المشي بين القبور بالنّعال السّبّتية دون غيرها! وهو جمود شديد. قال شيخنا ﵀ (ص ٢٥٣): "وقد ثبت أن الإِمام أحمد كان يعمل بهذا الحديث، فقال أبو داود في "مسائله" (ص ١٥٨): "ورأيت أحمد إِذا تبع الجنازة فقرُب من المقابر؛ خلع نعليه". (وكذا في "العلل" (٣٠٩١) - طبع بيروت).

стр. 1419

فرحمه الله، ما كان أتبعه للسّنة! ". تحريم وضع الرياحين والورود على القبور: ولا يُشرع وضع الآس ونحوها من الرياحين والورود على القبور؛ لأنّه لم يكن من فعل السّلف، ولو كان خيراً لسبقونا إِليه، وقد قال ابن عمر ﵄: "كلّ بدعةٍ ضلالة وإنْ رآها النّاس حسنة" (١). عدم وضع الجريدة على القبر: ورأى ابن عمر ﵄ فُسْطاطاً (٢) على قبر عبد الرحمن، فقال: انزعه يا غلام! فإِنّما يُظلّه عمله" (٣). نقْل الميت: لا يجوز نقْل الميت من بلد إلى بلد -ولو أوصى بذلك-؛ لأنّه ينافي الإِسراع الذي أمر به ﷺ : "أسرعوا بالجنازة؛ فإِن تكُ صالحة؛ فخير تقدمونها ... " (٤). وسألت شيخنا ﵀ عن قول بعض العلماء: "يحرم نقل الميت من بلد إِلى بلد؛ إِلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فإِنّه يجوز النقل إِلى إِحدى هذه البلاد لشرفها وفضلها"؟

стр. 1420

فأجاب: "نحن مع النصوص"؛ يشير ﵀ إِلى عدم الجواز؛ لمنافاة الإِسراع الذي أَمَر به النّبيّ ﷺ . والله أعلم. ما يحرم عند القبور ويحرم عند القبور ما يأتي: ١ - الذبح والنّحر؛ لقوله ﷺ : "لا عَقْرَ في الإِسلام". قال عبد الرزّاق بن همام: "كانوا يَعْقِرون (١) عند القبر بقرة أو شاة" (٢). قال شيخنا ﵀: "قال النووي في "المجموع" (٥/ ٣٢٠): "وأمّا الذبح والعقر عند القبر؛ فمذموم؛ لحديث أنس هذا، رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح". قلت [أي: شيخنا ﵀]: "وهذا إِذا كان الذبح هناك لله -تعالى- وأمّا إِذا كان لصاحب القبر -كما يفعله بعض الجهال- فهو شرك صريح (٣)، وأكله حرام وفسق ... ". ٢ - رفْعها زيادة على التراب الخارج منها.

стр. 1421

قال شيخنا ﵀ (ص ٢٦١): " .. [قال] ابن حزم في "المحلَّى" (٥/ ٣٣): "ولا يحلُّ أن يُبنى القبر، ولا أن يُجصّص، ولا أن يُزادَ على ترابه شيء، ويُهدمُ كلُّ ذلك". وقال الإِمام محمد في "الآثار" (ص ٤٥): "أخبرنا أبو حنيفة عن حمّاد عن إِبراهيم قال: كان يُقال: ارفعوا القبر حتى يُعرف أنه قبر فلا يُوطأ. قال محمد: وبه نأخذ، ولا نرى أن يزاد على ما خرج منه، ونكره أن يُجصّص، أو يُطيّن، أو يجعل عنده مسجداً أو علَماً، أو يكتب عليه، ويكره الآجُرُّ أن يبنى به، أو يدخله القبر، ولا نرى برش الماء عليه بأساً، وهو قول أبي حنيفة". قال شيخنا ﵀ بتصرّف: "ويدّل الحديث بمفهومه على جواز رفع القبر بقدْر ما يساعد عليه التراب الخارج منه، وذلك يكون نحو شبر. ولعلّ النهي عن التجصيص -المراد الطلي به- من أجل أنه نوع زينة؛ كما قال بعض المتقدمين، وعليه فما حُكم تطيين القبر؟ ". للعلماء فيه قولان: الأول: الكراهة. والآخر: أنّه لا بأس به. قال شيخنا ﵀ (ص ٢٦٢): "ولعلّ الصواب التفصيل على نحو ما يأتي: إِن كان المقصود من التطيّين المحافظة على القبر وبقائه مرفوعاً قدر ما سَمحَ به الشرع، وأنْ لا تنسفه الرياح ولا تبعثره الأمطار؛ فهو جائز بدون شكّ لأنّه يحقّق غاية مشروعة، ولعلّ هذا هو وجه من قال من الحنابلة: إِنه يُستحبُّ، وإن كان المقصود الزينة ونحوها ممّا لا فائدة فيه؛ فلا يجوز؛ لأنّه مُحدَث.

стр. 1422

٣ - طَلْيُها بالكلس ونحوه. ٤ - الكتابة عليها. قال شيخنا ﵀: "وأمّا الكتابة، فظاهر الحديث تحريمها، وهو ظاهر كلام الإِمام محمد، وصرّح الشافعية والحنابلة بالكراهة فقط! وقال النووي (٥/ ٢٩٨): "قال أصحابنا: وسواءٌ كان المكتوب على القبر في لوح عند رأسه -كما جرت عادة بعض الناس- أم في غيره؛ فكلّه مكروه؛ لعموم الحديث". واستثنى بعض العلماء كتابة اسم الميت لا على وجه الزخرفة، بل للتعرف؛ قياساً على وضع النّبيّ ﷺ الحجر على قبر عثمان بن مظعون كما تقدّم. والذي أراه (١) -والله أعلم-: أنّ القول بصحة هذا القياس على إِطلاقه بعيد، والصواب تقييده بما إِذا كان الحجر لا يُحقّق الغاية التي من أجلها وضع رسول الله ﷺ الحجر، ألا وهي التعرّف عليه، وذلك بسبب كثرة القبور مثلاً، وكثرة الأحجار المُعرّفة؛ فحينئذ يجوز كتابة الاسم بقدر ما تتحقق به الغاية المذكورة". ٥ - البناء عليها. ٦ - القعود عليها. وفي ذلك أحاديث: الأول: عن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن

стр. 1423

يُجصّص (١) القبر، وأنْ يُقْعَدَ عليه، وأن يُبْنَى عليه، [أو يُزَاد عليه]، [أو يُكْتَبَ عليه] " (٢). الثاني: عن أبي سعيد الخدري ﵁: "أنّ النّبيّ ﷺ نهى أن يبنى على القبر" (٣). الثالث: عن أبي الهيّاج الأسَدي قال: "قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟! أن لا تدع تمثالاً إِلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إِلا سوّيته (٤) ". وفي رواية: "ولا صورة إِلا طمستها" (٥). قال الشوكاني ﵀ (٤/ ٧٢) في شرح هذا الحديث: "فيه أنّ السّنة أنّ القبرَ لا يُرفع رفعاً كبيراً؛ من غير فرْق بين من كان فاضلاً ومن كان غير فاضل، والظاهر أنّ رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرّم، وقد صرّح بذلك أصحاب أحمد، وجماعة، والشافعيّ، ومالك". قال: "ومن رفع القبور -الداخل تحت الحديث دُخولاً أوّليّاً-: القُبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضاً هو من اتّخاذ القبور مساجد، وقد لعن النّبيّ ﷺ فاعل ذلك ... وكم قد نشأ عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من

стр. 1424

مفاسد يبكي لها الإِسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكُفّار للأصنام، وعَظُم ذلك، فظنّوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر، فجعلوها مقصداً لطلب قضاء الحوائج، وملجأً لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربّهم، وشدُّوا إِليها الرحال وتمسحوا واستغاثوا. وبالجملة: إِنّهم لم يَدَعُوا شيئاً ممّا كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إِلا فعلوه! فإِنّا لله وإنا إِليه راجعون! ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع؛ لا نجد من يغضب لله، ويغار حميّة للدين الحنيف، لا عالماً ولا مُتعلماً، ولا أميراً ولا وزيراً ولا ملكاً، وقد توارد إِلينا من الأخبار ما لا يُشّك معه أنّ كثيراً من هؤلاء القُبوريين أو أكثرهم -إِذا توجّهت عليه يمين من جهة خصْمِه- حلف بالله فاجراً، فإِذا قيل له بعد ذلك: احلِف بشيخك ومعتقدك الوليّ الفلاني! تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحقّ! وهذا من أبين الأدلة الدالة على أنّ شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إِنّه -تعالى- ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة (١). فيا عُلماء الدين! ويا ملوك المسلمين! أيُّ رُزْءٍ للإِسلام أشدُّ من الكفر؟! وأيُّ بلاء لهذا الدين أضرُّ عليه من عبادة غير الله؟! وأيّ مصيبة يُصاب بها

стр. 1425

المسلمون تعدل هذه المصيبة؟! وأيّ منكرٍ يجب إِنكاره إِنْ لم يكن إِنكار هذا الشرك واجباً؟! لقد أسمعتَ لو ناديت حيّاً ... ولكن لا حياةَ لمن تُنادي ولو ناراً نَفَخْتَ بها أضاءَتْ ... ولكن أنت تنفخ في رَمادِ". الرابع: عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لأَنْ يجلس أحدكم على جمرة فتُحرِقَ ثيابه، فتَخْلُصَ إِلى جلده: خير له من أن يجلس (وفي رواية: يطأ) على قبر" (١). الخامس: عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن أمشي على جمرة أو سيف، أو أخصف نعلي برجلي (٢): أحبُّ إِليّ من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السّوق (٣) " (٤). السادس: عن أبي مَرْثَد الغَنَويّ قال: سمعت رسول الله ﷺ : "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلّوا إِليها" (٥).

стр. 1426

٧ - الصلاة إِلى القبور؛ للحديث المتقدّم آنفاً: "لا تجلسوا على القبور، ولا تُصلّوا إِليها". قال شيخنا ﵀ (ص ٢٦٩): "وفيه دليل على تحريم الصلاة إِلى القبر؛ لظاهر النهي". انتهى. وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٤/ ٣٢١): "وأمّا التمسُّح بالقبر، أو الصلاة عنده، أو قصْده لأجل الدعاء عنده، مُعتقِداً أنّ الدعاء هناك من الدعاء في غيره، أو النذر له ونحو ذلك؛ فليس هذا من دين المسلمين؛ بل هو مما أُحدث من البدع القبيحة، التي هي من شُعب الشرك، والله أعلم وأحكم". ٨ - الصلاة عندها ولو بدون استقبال، وفيه أحاديث: الأوّل: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : "الأرض كلها مسجد؛ إِلا المقبرة والحمام" (١). الثاني: عن أنس ﵁ " أنّ النبيّ ﷺ نهى عن الصلاة بين القبور" (٢). الثالث: عن ابن عمر ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبوراً" (٣).

стр. 1427

الرابع: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بُيوتكم مقابر؛ إِنّ الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة" (١). قال شيخنا ﵀ (ص ٢٧١): "وقد ترجم البخاري للحديث الثالث بقوله: "باب كراهية الصلاة في المقابر". وقال شيخنا ﵀ (ص ٢٧٤): " [و] كراهة الصلاة في المقبرة تشمل كلّ مكان منها؛ سواءً كان القبر أمام المُصلّي، أو خلفه، أو عن يمينه، أو عن يساره؛ لأنّ النهي مُطلق، ومن المقرّر في علم الأصول أن المطلق يجري على إِطلاقه حتى يأتي ما يُقيّده، ولم يَرِد هنا شيء من ذلك. وقد صرح بما ذكرنا بعض فقهاء الحنفية وغيرهم كما يأتي، فقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "الاختيارات العلمية" (ص ٢٥): "ولا تصحُّ الصلاة في المقبرة ولا إِليها، والنهي عن ذلك إِنما هو سدّ لذريعة الشّرك، وذكر طائفة من أصحابنا أنّ القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة؛ لأنّه لا يتناوله اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعداً! وليس في كلام أحمد وعامّة أصحابه هذا الفرق؛ بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب، والمقبرة كلّ ما قُبر فيه، لا أنّه جمع قبر. وقال أصحابنا: وكلُّ ما دخل في اسم المقبرة ممّا حول القبور لا يُصلّى فيه، فهذا يعيَّن أنّ المنع يكون مُتناولاً لحرمة القبر المنفرد وفِنائه المضاف إِليه. وذكر الآمديّ وغيره: أنه لا تجوز الصلاة فيه -أي: المسجد الذي قبلته إِلى

стр. 1428

القبر- حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر، وذكر بعضهم: هذا منصوص أحمد". ٩ - بناء المساجد عليها؛ وفيه أحاديث: الأوّل: عن عائشة وابن عباس ﵃ قالا: "لما نُزِل برسول الله ﷺ ؛ طفِق (١) يَطرَحُ خَمِيصةً (٢) على وجهه، فإِذا اغتمّ كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ يحذّرُ ما صنعوا" (٣). الثاني: عن عائشة ﵂ عن النّبيّ ﷺ : قال في مرضه الذي مات فيه: "لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مسجداً؟ قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره؛ غير أنّي أخشى أنْ يُتَّخَذَ مسجداً" (٤). الثالث: عن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثَناً، لعَن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٥). الرابع: عن عائشة ﵂: أنّ أمّ حبيبة وأمّ سَلَمة ذكرتا كنيسةً

стр. 1429

رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنّبيّ ﷺ ، فقال: "إِنّ أولئك إِذا كان فيهم الرجل الصالح فمات؛ بنوا على قبره مسجداً، وصوّروا فيه تلك الصّور، فأولئك شِرار الخلق عند الله يوم القيامة" (١). قال شيخنا ﵀ (ص ٢٧٩): "وهي تدلّ دلالة قاطعة على أنّ اتّخاذ القبور مساجد حرام؛ لما فيها من لعن المتّخذين، ولذلك قال الفقيه الهيتمي في "الزواجر" (١/ ١٢٠ - ١٢١): "الكبيرة الثالثة والتّسعون: اتخاذ القبور مساجد"؛ ثمّ ساق بعض الأحاديث المتقدّمة -وغيرها مما ليس على شرطنا- ثمّ قال: "وعدُّ هذه من الكبائر؛ وقع في كلام بعض الشافعية، وكأنّه أخذ ذلك ممّا ذكره من هذه الأحاديث، ووجهه واضح؛ لأنّه لعن من فعل ذلك بقبور أنبيائه، وجعل من فعل ذلك بقبور صُلحائه شرّ الخلق عند الله يوم القيامة، ففيه تحذير لنا كما في رواية: "يحذّر ما صنعوا"، أي: يُحذّر أمّته -بقوله لهم ذلك- من أنْ يصنعوا كصنع أولئك، فيُلعَنُوا كما لُعِنُوا .. قال بعض الحنابلة: قَصْدُ الرّجل الصلاةَ عند القبر متبركاً بها: عين المُحادَّة لله ورسوله، وإيداع دين لم يأذن به الله؛ للنهي عنها، ثمّ إِجماعاً؛ فإِنّ أعظم المحرمات وأسباب الشرك: الصلاة عندها، واتّخاذها مساجد، أو بناؤها عليها، والقول بالكراهة محمول على غير ذلك؛ إِذ لا يظنُّ بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النّبيّ ﷺ لعن فاعله، وتجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور؛ إِذ هي أضر من مسجد الضّرار لأنها أسست على معصية رسول الله ﷺ ؛ لأنّه نهى عن ذلك، وأمر بهدم القبور المشرفة، وتجب إِزالة كلّ قنديل أو

стр. 1430

سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره". انتهى كلام شيخنا ﵀. وجاء في "مجموع الفتاوى" (١٧/ ٤٦٣): " .. كذلك قال العلماء: يحرم بناء المساجد على القبور، ويجب هدم كل مسجد بني على قبر، وإن كان الميت قد قُبِر في مسجدٍ وقد طال مكثه؛ سُوَّيَ القبر حتى لا تظهر صورته؛ فإِن الشرك إِنما يحصل إِذا ظهرت صورته، ولهذا كان مسجد النّبيّ ﷺ أولا مقبرة للمشركين، وفيها نخل وخَرِبٌ، فأمر بالقبور فنبشت، وبالنخل فقطع، وبالخرب فسويت، فخرج عن أن يكون مقبرة، فصار مسجداً". قال شيخنا -رحمه الله تعالى-: "هذا .. والاتخاذ المذكور في الأحاديث المتقدّمة يشمل عدّة أمور: الأول: الصلاة إِلى القبور مُستقبلاً لها. الثاني: السّجود على القبور. الثالث: بناء المساجد عليها. والمعنى الثاني ظاهر من الاتّخاذ، والآخران -مع دخولهما فيه- فقد جاء النصُّ عليهما في بعض الأحاديث المتقدّمة". ١٠ - اتخاذها عيداً، تُقصد في أوقات معينة، ومواسم معروفة للتعبد عندها أو لغيرها؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا تجعلوا بيوتكم قُبوراً، وحيثما كنتم فصلّوا عليّ؛ فإِنّ صلاتكم تبلغني" (١).

стр. 1431

قال شيخنا ﵀ (ص ٢٨٤): "وممّا يدخل في ذلك دخولاً أوّلياً: ما هو مشاهد اليوم في الدينة [النبوية]، من قصد الناس -دُبُرَ كلّ صلاة مكتوبة- قبر- النّبيّ ﷺ للسلام عليه والدُّعاء عنده وبه، ويرفعون أصواتهم لديه، حتى ليضجّ المسجد بهم، ولا سيّما في موسم الحجّ، حتى لكأنّ ذلك من سنن الصلاة! بل إِنهم يحافظون عليه أكثر من محافظتهم على السّنن! وكلّ ذلك يقع على مرأىً ومسمعٍ من ولاة الأمر، ولا أحد منهم يُنكر، فإِنّا لله وإنّا إِليه راجعون! وأسفاً على غُربة الدين وأهله، وفي مسجد النّبيّ ﷺ الذي ينبغي أن يكون أبعد المساجد -بعد المسجد الحرام- عمّا يخالف شريعته ﵊". وقال شيخنا ﵀ (ص ٢٨٥): "ويجوز لمن بالمدينة إِتيان القبر الشريف للسلام عليه ﷺ أحياناً؛ لأنّ ذلك ليس من اتخاذه عيداً؛ كما هو ظاهر. والسلام عليه وعلى صاحبيه ﵄ مشروع بالأدلة العامة، فلا يجوز نفي المشروعية مطلقاً لنهيه ﷺ عن اتّخاذ قبره عيداً؛ لإِمكان الجمع بملاحظة الشّرط الذي ذكَرْنا. ولا يَخْدِجُ عليه أننا لا نعلم أنّ أحداً من السلف كان يفعل ذلك؛ لأنّ عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه كما يقول العلماء، ففي مثل هذا؛ يكفي لإِثبات مشروعيته الأدلة العامّة؛ ما دام أنّه لا يثبت ما يُعارضها فيما نحن فيه. على أنّ شيخ الإِسلام قد ذكر في "القاعدة الجليلة" (ص ٨٠ - طبع المنار) عن نافع أنه قال: كان ابن عمر يُسلم على القبر، رأيته -مائة مرة أو أكثر-

стр. 1432

يجيء إِلى القبر فيقول: السلام على النّبيّ ﷺ ، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، ثمّ ينصرف؛ فإِنّ ظاهره أنّه كان يفعل ذلك في حالة الإِقامة لا السفر؛ لأنّ قوله: "مائة مرة"؛ ممّا يُبعد حمل هذا الأثر على حالة السفر". ١١ - السفر إِليها؛ وفيه أحاديث: الأول: عن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ قال: "لا تُشدّ الرحال إِلا إِلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد الأقصى" (١). الثاني: عن أبي بَصْرَةَ الغِفَاري: أنه لقي أبا هريرة وهو جاءٍ من الطُّور، فقال: من أين أقبلْتَ؟ قال: أقبلت من الطُّور، صلّيت فيه. قال: أما إِنّي لو أدركتك لم تذهب إِنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تُشدُّ الرحال إِلا إِلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" (٢). قال شيخنا ﵀: "ومّما يَحْسُنُ التنبيه عليه ... أنّه لا يدخل في النهي السّفر للتجارة وطلب العلم؛ فإِنّ السّفر إِنّما هو لطلب تلك الحاجة حيث كانت، لا لخُصوص المكان، وكذلك السّفر لزيارة الأخ في الله؛ فإِنّه ليس هو المقصود، كما قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "الفتاوى" (٢/ ١٨٦) ". ١٢ - إِيقاد السُّرُجِ عندها؛ والدليل على ذلك عدّة أمور: أولاً: كونه بدعة محدثة لا يعرفها السلف الصالح، وقد قال ﷺ : "كل

стр. 1433

بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار" (١). ثانياً: أنّ فيه إِضاعة للمال، وهو منهيٌّ عنه، كما في حديث المغيرة بن شعبة عن النّبيّ ﷺ قال: "إنّ الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال" (٢). ثالثاً: أنّ فيه تشبهاً بالمجوس عُبّاد النار، قال ابن حجر الفقيه في "الزواجر" (١/ ١٣٤): "صرّح أصحابُنا بحرمة السّراج على القبر وإِنْ قلّ؛ حيث لم ينتفع به مقيم ولا زائر، وعلّلوه بالإِسراف، وإضاعة المال، والتشبه بالمجوس، فلا يبعد في هذا أن يكون كبيرة". قال شيخنا ﵀ (ص ٢٩٤): "ولم يورد -بالإِضافة إِلى ما ذكر من التعليل- دليلنا الأوّل، مع أنه دليل وارد، بل لعلّه أقوى الأدلة؛ لأنّ الذين يوقدون السّرج على القبور إِنما يقصدون بذلك التقرّب إِلى الله -تعالى زعموا! - ولا يقصدون الإِنارة على المقيم، بدليل إِيقادهم إِياها والشمس طالعة في رابعة النهار! فكان من أجل ذلك بدعة ضلالة". ١٣ - كسر عظامها: والدليل عليه قوله ﷺ : "إِنّ كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حيّاً" (٣).

стр. 1434

قال شيخنا ﵀ (ص ٢٩٦): "والحديت دليل على تحريم كسر عظم الميت المؤمن، ولهذا جاء في كتب الحنابلة: "ويحرم قطع شيء من أطراف الميت، وإِتلاف ذاته، وإحراقه، ولو أوصى به". كذا في "كشّاف القناع" (٢/ ١٢٧). ونحو ذلك في سائر المذاهب، بل جزم ابن حجر الفقيه في "الزّواجر" (١/ ١٣٤) بأنّه من الكبائر، قال: "لما علمت من الحديث أنه ككسر عظم الحيّ". قال شيخنا ﵀ (ص ٢٩٧): ويستفاد من الحديث السابق شيئان: الأول: حُرمة نبش قبر المسلم؛ لما فيه من تعريض عظامه للكسر، ولذلك كان بعض السلف يتحرّج من أن يُحفر له في مقبرة يكثر الدفن فيها، قال الإِمام الشافعي في "الأم" (١/ ٢٤٥): "أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ما أُحبُّ أن أُدفن بالبقيع! لأنْ أُدفن في غيره أحبُّ إِليّ؛ إِنّما هو أحد رجلين: إِمّا ظالم؛ فلا أُحبُّ أن أكون في جواره، وأمّا صالح؛ فلا أُحبُّ أن ينبش في عظامه، قال: وإِنْ أُخرجت عظام ميّت أحببت أن تعاد فتدفن". وقال النووي في "المجموع" (٥/ ٣٠٣) ما مختصره: "ولا يجوز نبش القبر لغير سبب شرعي باتفاق الأصحاب، ويجوز بالأسباب الشرعية كنحو ما سبق (في المسألة: ١٠٩)، ومختصره: "أنه يجوز نبش القبر إِذا بلي الميت وصار تُراباً، وحينئذ يجوز دفن غيره فيه، ويجوز زرع تلك الأرض وبناؤها، وسائر وجوه الانتفاع والتصرف فيها باتفاق الأصحاب، وهذا كلّه إِذا لم يَبْقَ للميت أثر من عظم وغيره، ويختلف ذلك باختلاف البلاد والأرض، ويعتمد فيه قول

стр. 1435

أهل الخبرة بها". قلت [أي: شيخنا ﵀]: ومنه تعلم تحريم ما ترتكبه بعض الحكومات الإِسلامية من درس بعض المقابر الإِسلامية ونبشها؛ من أجل التنظيم العمراني، دون أي مبالاة بحرمتها، أو اهتمام بالنهي عن وطئها وكسر عظامها ونحو ذلك! ولا يتوهّمنّ أحد أنّ التنظيم المشار إِليه يُسوغّ مثل هذه المُخالفات! كلا؛ فإِنّه ليس من الضّروريّات، وإنما من الكماليات التي لا يجوز بمثلها الاعتداء على الأموات، فعلى الأحياء أن يُنظِّموا أمورهم، دون أن يؤذوا موتاهم. ومن العجائب التي تلفت النّظر: أن ترى هذه الحكومات تحترم الأحجار والأبنية القائمة على بعض الموتى أكثر من احترامها للأموات أنفسهم؛ فإِنّه لو وقف في طريق التنظيم المزعوم بعض هذه الأبنية -من القباب أو الكنائس ونحوها-؛ تركتها على حالها، وعدّلت من أجلها خارطة التنظيم؛ إِبقاءً عليها؛ لأنّهم يعتبرونها من الآثار القديمة! وأمّا قبور الموتى أنفسهم؛ فلا تستحق عندهم ذلك التعديل! بل إِنّ بعض تلك الحكومات لتسعى -فيما علمنا- إِلى جعل القبور خارج البلدة، والمنع من الدفن في القبور القديمة؛ وهذه مخالفة أخرى في نظري؛ لأنها تُفوِّت على المسلمين سُنّة زيارة القبور؛ لأنّه ليس من السّهل على عامّة الناس أن يقطع المسافات الطويلة حتى يتمكن من الوصول إِليها، ويقوم بزيارتها والدّعاء لها! والحامل على هذه المُخالفات -فيما أعتقد-: إِنّما هو التقليد الأعمى لأوروبّا الماديّة الكافرة، التي تريد أن تقضي على كلّ مظهر من مظاهر الإِيمان

стр. 1436

بالآخرة، وكلّ ما يذكّر بها، وليس هو مراعاةَ القواعد الصِّحّيّة كما يزعمون! ولو كان ذلك صحيحاً؛ لبادروا إِلى مُحاربة الأسباب التي لا يشكُّ عاقل في ضررها، مثل بيع الخمور وشربها، والفسق والفجور؛ على اختلاف أشكاله وأسمائه، فعدم اهتمامهم بالقضاء على هذه المفاسد الظاهرة، وسعيُهم إِلى إِزالة كلّ ما يُذكّر بالآخرة وإِبعادها عن أعينهم: أكبر دليل على أنّ القصد خلاف ما يزعمون ويعلنون، وما تُكنّه صدورهم أكبر. الثاني: أنه لا حرمة لعظام غير المؤمنين؛ لإِضافة العظم إِلى المؤمن في قوله: "عظم المؤمن"، فأفاد أنّ عظم الكافر ليس كذلك، وقد أشار إِلى هذا المعنى الحافظ في "الفتح" بقوله: "يُستفاد منه أنّ حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته". ومن ذلك يُعرف الجواب عن السؤال الذي يتردّد على ألسنة كثيرٍ من الطُّلاّب في كلّيّات الطب، وهو: هل يجوز كسر العظام لفحصها وإِجراء التحرّيات الطبية فيها؟ والجواب: لا يجوز ذلك في عظام المؤمن، ويجوز في غيرها. ويؤيده ما يأتي في المسألة التالية: يجوز نبش قُبور الكفار؛ لأنّه لا حرمة لها؛ كما دلَّ عليه مفهوم الحديث السابق، ويشهد له حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "قدم النّبيّ ﷺ المدينة، فنزل أعلى المدينة في حيّ -يقال لهم: بنو عمرو بن عوف- فأقام النّبيّ ﷺ فيهم أربع عشرة ليلة، ثمّ أَرسل إِلى بني النجّار، فجاءوا متقلّدي السيوف، كأنّي أنظر إِلى النّبيّ ﷺ على راحلته وأبو بكر رِدْفَهُ وملأُ بني النجار

стр. 1437

حوله، حتى ألقى (١) بفِناء (٢) أبي أيوب، وكان يُحبّ أن يصلّي حيث أدركته الصلاة، ويُصلّي في مرابض الغنم (٣)، وإنّه أمر ببناء المسجد، فأرسل إِلى ملإٍ من بني النجار: ثامنوني (٤) بحائطكم هذا. قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إِلا إِلى الله. فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خَرِب (٥)، وفيه نخل، فأمر النّبيّ ﷺ بقبور المشركين فنُبِشَتْ، ثمّ بالخَرب فسُوِّيَتْ، وبالنخل فقُطِع، فصفّوا النخل قِبلة المسجد، وجعلوا عِضادتيه (٦) الحجارة، وجعلوا ينقلون الصّخر وهم يرتجزون، والنّبيّ ﷺ معهم وهو يقول: اللهم لا خيرَ إِلا خيرُ الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجِرَة" (٧). عن عائشة ﵂ أنّ رسول الله ﷺ قال: "كسر عظم الميت

стр. 1438

ككسره حيّاً" (١). قال شيخنا ﵀: "قال الحافظ في "الفتح": وفي الحديث جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع، وجواز نبش القبور الدارسة إِذا لم تكن محترمة، وجواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها؛ وإِخراج ما فيها؛ وجواز بناء المساجد في أماكنها". تحريم جعْل المصاحف عند القبور للقراءة: جاء في "مجموع الفتاوى" (ص ٣٠١): " .. وأما جعل المصاحف عند القبور لمن يقصد قراءة القرآن هناك وتلاوته؛ فبدعة منكرة، لم يفعلها أحد من السلف، بل هي تدخل في معنى "اتخاذ المساجد على القبور" وقد استفاضت السنن عن النّبيّ ﷺ [في النهي] عن ذلك، حتى قال: "لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يُحَذِّرُ ما صنعوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً. وقال: "إِن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإِني أنهاكم عن ذلك"، ولا نزاع بين السلف والأئمة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد. ومعلوم أن المساجد بنيت للصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، فإِذا اتخذ القبر لبعض ذلك؛ كان داخلاً في النهي، فإِذا كان هذا مع كونهم يقرؤون فيها؛

стр. 1439

فكيف إِذا جعلت المصاحف بحيث لا يقرأ فيها، ولا ينتَفع بها لا حيٌّ ولا ميتٌ؟! فإِن هذا لا نزاع في النهي عنه. ولو كان الميت ينتفع بمثل ذلك؛ لفعله السلف؛ فإِنهم كانوا أعلم بما يحبه الله ويرضاه، وأسرع إِلى فعل ذلك وتَحرِّيهِ". وسألت شيخنا ﵀ عن قراءة القرآن عند القبر؟ فقال: لا أراها. فقلت له: من أيّ باب؟ فأجاب: لعدم وجود مصلحةٍ تستوجب هذا التكلّف.

стр. 1440

الحج تعريفه: الحج -لغةً-: القصد، قال الله -تعالى-: ﴿ولله على الناس حِجّ البيت﴾ (١). أي: قصد البيت. وفي الشرع: القصد إِلى أماكن مخصوصة للقيام بأعمال مخصوصة. فضله والترغيب فيه: عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "العمرة إِلى العمرة كفّارة لما بينهما، والحج المبرور (٢) ليس له جزاءٌ إلاَّ الجنة" (٣). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تابِعوا بين الحج والعمرة؛ فإِنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ (٤) الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة" (٥). وعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ سُئِل: أي العمل أفضل؟
следующие страницы →