← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر ... " (١). ويستفاد من الحديثين المتقدِّمين: عدم وجوب الغُسل على من احتلَمَ ولم يجد منيّاً؛ من ذكر أو أنثى. فقد سألتْ زوجُ أبي طلحة رسولَ الله ﷺ : "هل على المرأة من غُسل إِذا هي احتلمتْ؟ ". فقال رسول الله ﷺ : "نعم؛ إِذا رأتِ الماء". فقيَّد ﷺ الاغتسال برؤيتها الماء، فإِنْ لم ترَ؛ فلا اغتسال عليها. وفي حديث عليّ ﵁: "إِذا فَضَخْتَ الماء؛ فاغْتَسلْ". فإِذا لم تفضخ الماء؛ فلا اغتسال إِذن. كما يُستفاد من ذلك وجوب الاغتسال، ولو لم يذكر الاحتلام؛ لأنَّ تعليق الاغتسال في الحديثين السابقين كان برؤية الماء وفضْخه؛ كما هو بيِّن. وقد جاء هذا صريحاً في حديث عائشة ﵂ قالت: سُئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البَلَل ولا يذكر احتلاماً؟ قال: "يغتسل". وعن الرجل يرى أنَّه قد احتلم ولا يجد البلل؟ قال: "لا غُسل عليه". فقالت أمُّ سُليم: المرأة ترى ذلك؛ أعليها غُسل؟ قال: "نعم: إِنَّما النِّساء شقائق الرِّجال" (٢).

стр. 177

خُلاصة لما سبق: ١ - إِذا احتلم ولم يجد منيّاً؛ فلا غُسل عليه. ٢ - إِذا استيقظ من نومه، ووجد بللاً، ولم يذكر احتلاماً؛ فعليه، الغُسل. ٣ - إِذا جامع فعليه الاغتسال؛ أنزَل أو لم يُنْزِل. ٤ - الرجل والمرأة في كل ذلك سواء. ثانياً: التقاء الختانين: عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "إِذا جلسَ بين شُعَبِها (١) الأربع، ثمَّ جَهَدَها (٢)؛ فقد وجب الغُسل" (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِذا جَلَسَ بين

стр. 178

شُعَبها الأربع، ومسَّ الخِتانُ الخِتان (١)؛ فقد وجب الغُسل" (٢). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا التقى الختانان، وتوارت الحَشَفة (٣)؛ فقد وجب الغُسل" (٤) وعن حبيب بن شهاب عن أبيه؛ قال: "سألتُ أبا هريرة: ما يوجب الغُسل؟ فقال: إِذا غابَتِ المُدَّورة" (٥). قال النَّوويُّ في "المجموع" (٢/ ١٣٣): "وجوب الغُسل وجميع الأحكام المتعلِّقة بالجماع يُشتَرَط فيها تغييب الحشفة بكمالها في الفرج، ولا يُشترَط زيادة على الحشفة، ولا يتعلَّق ببعض الحشفة وحده شيء من الأحكام". انتهى. وهذا لأنَّه بأقلَّ من الحشفة لا يمسُّ الخِتان الخِتان.

стр. 179

وجاء في "سبل السلام" (١/ ١٥١): "قال الشافعي: إِنَّ كلام العرب يقتضي أنَّ الجنابة تُطلق بالحقيقة على الجماع، وإِن لم يكن فيه إِنزال؛ فإِنَّ كلَّ من خوطب بأنَّ فلاناً أجنبَ عن فلانة؛ عَقَلَ أنَّه أصابها، وإِن لم يُنْزِل. ولم يُخْتَلَف أنَّ الزِّنى الذي يجب به الجلد هو الجماع، ولو لم يكن منه إِنزال". ثمَّ قال ﵀ بعد ذلك: "فتعاضد الكتاب والسنَّة على إِيجاب الغسل من الإِيلاج". وكان جماعة من الصحابة ﵃ يرون أنَّ الغُسل لا يجب إلاَّ من إِنزال؛ لحديث أبي سعيد الخُدري ﵁ قال: خرجتُ مع رسول الله ﷺ يوم الاثنين إِلى قُباء، حتى إِذا كنَّا في بني سالم؛ وقف رسول الله ﷺ على باب عِتبان فصرخ به، فخرج يجرُّ إِزاره، فقال رسول الله ﷺ : "أعْجَلْنا (١) الرجل". فقال عِتبان: يا رسول الله! أرأيت الرَّجل يُعْجَل عن امرأته ولم يُمْنِ؛ ماذا عليه؟ قال رسول الله ﷺ : "إِنَّما الماء من الماء" (٢). غير أنَّ هذا الحديث نُسخ؛ لما نصَّ عليه أهل العلم. فعن أُبيّ بن كعب ﵁ قال: "إِنَّ الفُتيا التي كانوا يُفتون أنَّ

стр. 180

الماء من الماء؛ كانت رخصة رخَّصها رسول الله ﷺ في بدء الإِسلام، ثمَّ أمر بالاغتسال بعد" (١). قال النَّووي ﵀ في "شرحه" (٤/ ٣٦): "اعلم أنَّ الأمَّة مجتمعة الآن على وجوب الغُسل بالجماع، وإِن لم يكن معه إِنزال، وعلى وجوبه بالإِنزال، وكان جماعة من الصحابة على أنَّه لا يجب إلاَّ بالإِنزال، ثمَّ رجعَ بعضهم، وانعقد الإِجماع بعدُ بآخرين". ثالثاً: انقطاع الحيض والنِّفاس: لقول الله تعالى: ﴿ويَسْألونَكَ عن المحيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فاعْتَزِلوا النِّساءَ في المحيضِ ولا تَقرَبوهُنَّ حتَّى يَطْهُرْنَ فإِذا تَطَهَّرْنَ فأتُوهُنَّ من حيثُ أَمَرَكُمُ الله إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابينَ ويُحبُّ المُتَطَهِّرينَ﴾ (٢). ولحديث فاطمة بنت أبي حُبيش ﵂: كانت تُستحاض، فسأَلَت النبيّ ﷺ ؛ فقال: "ذلك عِرق وليست بالحيضة، فإِذا أقبَلت الحيضةُ؛ فدعي الصَّلاة، وإِذا أدبرتْ؛ فاغتسلي وصلِّي" (٣). وقد سمَّى رسول الله ﷺ الحيض نفاساً؛ كما في حديث عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكرُ إلاَّ الحجَّ، حتى جِئْنا

стр. 181

سَرِفَ (١)، فطَمِثْتُ (٢)، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: "ما يُبكيِكِ؟ ". فقلتُ: واللهِ؛ لودِدْتُ أنِّي لم أكن خرَجْتُ العام. قال: "ما لكِ؟ لعلَّكِ نَفسْتِ؟ ". قلتُ: نعم (٣) .. وقالَ ابن حزم: "والنُّفساء والحائض شيء واحد"، وأشار إِلى الحديث السابق وغيره (٤). رابعاً: الموت (٥): لحديث ابن عبَّاس ﵄ قال: "بينما رجل واقف بعرفة، إِذ وقعَ عن راحلته، فوَقَصَتْهُ (٦)، أو قال: فأقعَصَتْهُ (٧)، فقال النّبيّ ﷺ : اغسلوه بماء وسدْر ... " (٨). ولحديث أمِّ عطيَّة ﵂ قالت: دَخَلَ علينا رسول الله ﷺ حين تُوُفِّيت ابنتُه، فقال: "اغْسِلْنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك -إِن

стр. 182

رأيتنَّ- بماءٍ وسِدْر ... " (١). قال ابن المنذر: "وأجمعوا أنَّ الميِّت يُغسَّل غُسْل الجنابة" (٢). خامساً: الكافر إِذا أسلم: لحديث قيس بن عاصم: "أنَّه أسلم، فأمره النّبيّ ﷺ أن يغتسلَ بماء وسدر" (٣). وفي حديث أبي هريرة ﵁ في قصَّة ثمامة بن أُثال عندما أسلم: "أنَّ النّبيّ ﷺ أمَره أن يغتسل" (٤). سادساً: غُسل الجُمُعة: عن أبي سعيد الخُدري ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "غُسْل يوم الجُمُعة واجبٌ على كلِّ محتلم" (٥). قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٣٥٧): "وهو بمعنى اللزوم قطعاً".

стр. 183

وفي رواية (١): "قال عمرو (٢): أما الغُسل؛ فأشهد أنَّه واجب، وأمَّا الاستنان والطيب؛ فالله أعلم ... ". وفي الحديث: " ... إِذا جاء أحدُكم الجمعة؛ فليغتسل" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "لله تعالى على كلِّ مسللِ حقٌّ أن يغتسل في كلِّ سبعة أيام يوماً" (٤). وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر ﵄: "أنَّ عمر ابن الخطاب بينما هو قائمٌ في الخطبة يوم الجمعة؛ إِذ دخل رجلٌ من المهاجرين الأوَّلين من أصحاب النّبيّ ﷺ ، فناداه عمر: أيَّةُ ساعةٍ هذه؟! قال: إِنِّي شُغِلْتُ، فلم أنْقَلِبْ إِلى أهلي حتى سمِعْتُ التَّأذين، فلم أزِدْ أن توضّأت. فقال: والوضوء أيضاً! وقد عَلِمْتَ أنَّ رسول الله ﷺ كان يأمُرُ بالغُسْل" (٥). "وحكى ابن المنذر عن إِسحاق بن راهويه أنَّ قصَّة عمر وعثمان تدلُّ على وجوب الغسل، لا عدم وجوبه، من جهة تَرْك عمر الخطبة، واشتغاله بمعاتبة عثمان، وتوبيخ مِثله على رؤوس الناس، فلو كان ترْك الغسل مباحاً؛ لما فعل

стр. 184

عمر ذلك، وإِنَّما لم يرجع عثمان للغسل لضيق الوقت، إِذ لو فعل؛ لفاتته الجمعة، أو لكونه كان اغتسل كما تقدَّم" (١). قال في "نيل الأوطار" (١/ ٢٩٢): "ولعلَّ النَّووي ومن معه ظنّوا أنَّه لو كان الاغتسال واجباً؛ لنزل عمر عن منبره، وأخذ بيد ذلك الصَّحابي، وذهب به إِلى المغتسل، أو لقال له: لا تقِفْ في هذا الجمع، أو: اذهب فاغتسل فإِننا سننظرك ... ، أو ما أشبه ذلك، ومِثل هذا لا يجب على من رأى الإِخلال بواجب من واجبات الشريعة، وغاية ما كُلِّفنا به في الإِنكار على من ترك واجباً هو ما فعَله عمر في هذه الواقعة، على أنَّه يُحتمل أن يكون قد اغتسل في أوَّل النَّهار، كما قال الحافظ في "الفتح"". ثمَّ ذكر ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (٢/ ٢١) حديث مسلم (٢٣١) عن حُمران بن أبان؛ قال: "كنت أضع لعثمان طهوره، فما آتي عليه يومٌ؛ إلاَّ وهو يُفيض، عليه نُطفة (٢) ". ثمَّ قال: "فقد ثبت بأصحِّ إِسناد أنَّ عثمان كان يغتسل كلَّ يوم، فيوم الجمعة يوم من الأيَّام بلا شكٍّ ... ". وجاء في "نيل الأوطار" (١/ ٢٩٠): " ... قال النَّووي: فحُكي وجوبه عن طائفة من السلف، حكوه عن بعض الصحابة، وبه قال أهل الظاهر. وحكاه ابن المنذر عن مالك، وحكاه الخطَّابي عن الحسن البصري

стр. 185

ومالك، وحكاه ابن المنذر أيضاً عن أبي هريرة وعمَّار وغيرهما. وحكاه ابن حزم عن عمر وجمع من الصحابة ومن بعدهم، وحُكي عن ابن خزيمة، وحكاه شارح الغنية لابن سريج قَوْلاً للشافعي ... ". وقال: "وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار إِلى أنَه مستحبٌّ" (١). وعن عبد الله بن أبي قتادة؛ قال دخل عليَّ أبي وأنا أغتسل يوم الجمعة، فقال: غُسلك هذا من جنابة أو للجمعة؛ قلت: من جنابة. قال: أعِد غُسلاً آخر؛ إِنّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من اغتسل يوم الجمعة؛ كان في طهارة إِلى الجمعة الأخرى" (٢). واحتجَّ من رأى عدم وجوب الغسل بحديث مسلم (٨٥٧): "من توضّأ فأحسن الوضوء، ثمَّ أتى الجمعة، فاستمع، وأنصت؛ غُفِر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيَّام، ومن مسَّ الحصى؛ فقد لغا". وعدُّوه من أقوى الأدلة على الاستحباب؛ كما في "التَّلخيص الحبير"

стр. 186

لابن حجر. قال في "الفتح" (٢/ ٣٦٢): "ليس فيه نفي الغُسل، وقد ورد من وجه آخر في "الصحيحين" بلفظ: "من اغتسل"؛ فيحتمل أن يكون ذِكر الوضوء لمن تقدَّم غُسله على الذّهاب، فاحتاج إِلى إِعادة الوضوء". قلت: وفي المعنى الذي أشار إِليه الحافظ أحاديث: ١ - ما رواه البخاري (٩١٠) من حديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة، وتطهَّرَ بما استطاع من طُهرٍ، ثمَّ ادَّهن أو مسَّ من طيب، ثمَّ راح، فلم يفرِّق بين اثنين، فصلَّى ما كُتبَ له، ثمَّ إِذا خرج الإِمام أنصت؛ غُفِرَ له ما بينه وبين الجُمُعة الأخرى". ٢ - ما رواه مسلم في "صحيحه" (٨٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ ؛ قال: "من اغتسل، ثمَّ أتى الجُمُعة، فصلَّى ما قُدِّر له، ثمَّ أنصتَ حتى يفرُغ من خُطبته، ثمَّ يصلِّي معه؛ غفِرَ له ما بينه وبين الجُمُعة الأخرى، وفَضْل ثلاثة أيام". ٣ - ما رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (١٧٦٣) من حديث أبي ذرّ ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة، فأحسن الغسل، ثمَّ لَبِس من صالح ثيابه، ثمَّ مسَّ من دهن بيته ما كتبَ الله له، أو من طيبه، ثمَّ لم يفرِّق بين اثنين؛ كفَّر الله عنه ما بينه وبين الجمعة قبلها". قال سعيدٌ (١): "فذكرتُها لعمارة بن عمرو بن حزم؛ قال: صدق، وزيادة

стр. 187

ثلاثة أيّام" (١). ٤ - ما رواه أبو داود (٢) وغيره، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة، ولَبِس من أحسن ثيابه، ومسَّ من طيب إِنْ كان عنده، ثمَّ أتى الجمعة، فلم يتخطَّ أعناق النَّاس، ثمَّ صلَّى ما كتَب الله له، ثمَّ أنصتَ إِذا خرج إِمامُه حتى يفرغَ من صلاته؛ كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها". قال ويقول أبو هريرة: "وزيادة ثلاثة أيّام"، ويقول: "إِنَّ الحسنة بعشر أمثالها". واحتجُّوا أيضاً باستحبابه بما ثبت عن عكرمة: أنَّ أُناساً من أهل العراق جاؤوا فقالوا: يا ابن عبّاس! أترى الغُسل يوم الجمعة واجباً؛ قال: لا، ولكنّه أطهر وخيرٌ لمن اغتسل، ومن لم يغتسل؛ فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدأ الغُسل: كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيِّقاً، مقاربَ السقف، وِإنما هو عريش، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حارّ، وعَرَق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضاً، فلما وجد رسول الله تلك الريح؛ قال: "أيّها الناس! إِذا كان هذا اليوم؛ فاغتسلوا، وليمسَّ أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه".

стр. 188

قال ابن عباس: ثمَّ جاء الله بالخير، ولَبِسوا غير الصوف، وكُفُوا العمل، ووُسِّعَ مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضاً من العرق" (١). قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٣٦٢): "وعلى تقدير الصحَّة؛ فالمرفوع منه وردَ بصيغة الأمر الدالَّة على الوجوب، وأمّا نفي الوجوب؛ فهو موقوف؛ لأنَّه من استنباط ابن عباس، وفيه نظر، إِذ لا يلزم من زوال السَّبب زوال المسبِّب". وتُشعرنا الحال التي ذكرها ابن عباس ﵄ (٢)؛ أنَّ هذا كان قبل أحاديث الإِيجاب، والله أعلم، فتأمَّل قوله: "ثمَّ جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصُّوف، وكُفوا العمل، ووُسّع مسجدهم ... ". فهذا يدلُّ على التَّقادم الزَّمني كما هو ظاهر. "ويُجاب أيضاً عن ربط الغُسل بالعِلَّة بأنَّه يقتضي سقوط الغُسل أصلاً، فلا يعدُّ فرضاً ولا مندوباً" (٣). واحتجُّوا أيضاً بما ثبت عن عائشة ﵂: أنها قالت: كان النَّاس ينتابون (٤) يوم الجمعة من منازلهم، والعوالي (٥)، فيأتون في الغبار،

стр. 189

ويصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسولَ الله ﷺ إِنسانٌ منهم -وهو عندي- فقال النّبيّ ﷺ : "لو أنَّكم تطهَّرتم ليومكُم هذا" (١). واحتجُّوا بقولها أيضاً: "كان الناس مَهَنَةَ أنفسهم، وكانوا إِذا راحوا إِلى الجمعة، راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم" (٢) قال الحافظ: "وأجيب بأنَّه ليس فيه نفيُ الوجوب، وبأنَّه سابقٌ على الأمر به والإِعلام بوجوبه ... " (٣). قلت: وهذا الحال الذي ذَكَرَته عائشة ﵂ والأمر الذي وصفت يؤكِّد الوجوب؛ كما هو بيِّن؛ فليس هذان النصّان فقط ممّا يُقتصر على الاستدلال بهما على الوجوب؛ ليعلَّل بإِزالة الغبار والعرق. وإِذا كانت كلمة (لو) هي الدالَّة على الاستحباب في نظر البعض في قوله ﷺ : "لو أنّكم تطهّرتم ليومكم هذا"، فهي كما في قوله ﷺ : "لو أنَّكم تتوكَّلون على الله حقَّ توكُّله؛ لرزَقَكُمْ كما يرزُقُ الطَّير؛ تغدو خماصاً، وتروح بطاناً" (٤).

стр. 190

واحتجُّوا أيضاً بحديث سمرة بن جندب؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضّأ يوم الجمعة؛ فبها ونعمت، ومن اغتسل؛ فالغُسْل أفضل" (١). قال ابن حزم -رحمه الله تعالى- في "المحلَّى" (٢/ ٢٥): " ... فسقَطَتْ هذه الآثار كلّها، ثمَّ لو صحَّت؛ لم يكن فيها نصٌّ ولا دليل على أنّ غسل الجمعة ليس بواجب، وإِنَّما فيها أنَّ الوضوء نعم العمل، وأنَّ الغُسل أفضلِ، وهذا لا شكَّ فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿ولوْ آمنَ أَهْلُ الكتابِ لكانَ خَيراَ لَهمْ﴾ (٢)؛ فهل دلَّ هذا اللفظ على أنَّ الإِيمان والتقوى ليس فرضاً؟! حاشا لله من هذا". وقال -رحمه الله تعالى (٣) -: "وكلُّ ما أخبرَ ﵇ أنَّه واجب على كلِّ مسلم وحقُّ الله تعالى على كلِّ محتلم؛ فلا يحلُّ ترْكه، ولا القول بأنَّه منسوخ، أو أنَّه ندبٌ؛ إلاَّ بنصٍّ جليٍّ بذلك مقطوع؛ على أنَّه وارد بعده مبيِّن أنَّه ندْب، أو أنَّه قد نُسِخ؛ لا بالظُّنون الكاذبة المتروك لها اليقين". وقال ابن دقيق العيد ﵀: "وأقوى ما عارضوا به حديث: "من توضّأ يوم الجمعة؛ فبها ونِعْمَت، ومن اغتسل؛ فالغسل أفضل"، ولا يُقاوم

стр. 191

سنده سندَ هذا الحديث (١) ... " (٢). وقوله ﷺ : "ومن اغتسل؛ فالغسل أفضل": لا ينفي الوجوب، فالأفضليَّة تجامع الوجوب ولا شكَّ، وهي في القول بالوجوب آكد من القول بسنِّيَّتها (٣). وقال الصنعاني ﵀: "وإِن كان حديث الإِيجاب أصحَّ؛ فإِنَّه أخرجه السبعة (٤)؛ بخلاف حديث سمُرة، فلم يُخْرِجه الشيخان، فالأحوط للمؤمن أن لا يترك غُسل الجمعة" (٥). وذكر الصنعاني ﵀ أيضاً في "سبل السلام" (١/ ١٥٦) أنَّ وجوب غسل يوم الجمعة أقوى من وجوب عدد من المسائل الفقهيَّة المختلف فيها. وقال شيخنا -حفظه الله- في "تمام المنَّة" (١٢): "وجملة القول أنَّ الأحاديث المصرِّحة بوجوب غُسل الجمعة فيها حُكم زائد على الأحاديث المفيدة لاستحبابه، فلا تعارُض بينهما، والواجب الأخذ بما تضمَّن الزيادة فيها".

стр. 192

وقال في "نيل الأوطار" (١/ ٢٩٢): " ... وبهذا يتبيَّن لك عدم انتهاض ما جاء به الجمهور من الأدلَّة على عدم الوجوب، وعدم إِمكان الجمع بينها وبين أحاديث الوجوب؛ لأنَّه وإِن أمكن بالنِّسبة إِلى الأوامر؛ لم يُمْكن بالنسبة إِلى لفظ (واجب) و (حقّ)؛ إلاَّ بتعسُّف لا يُلجئ طلبُ الجمع إِلى مِثله. ولا يشكُّ من له أدنى إِلمام بهذا الشَّأن أنَّ أحاديث الوجوب أرجح من الأحاديث القاضية بعدمه ... ". قال الحازمي في "الاعتبار" (١): "الوجه الرابع والأربعون في ترجيح أحد الحديثين على الآخر: أن يكون في أحدهما احتياطٌ للفرض وبراءة الذمَّة بيقين، ولا يكون الآخر ذلك؛ فتقديم ما فيه الاحتياط للفرض وبراءة الذمَّة بيقين أولى". وقال ابن دقيق العيد في "إِحكام الأحكام" (١/ ٣٣٢): " ... وأمَّا غير هذا الحديث (٢) من المعارَضات المذكورة لما ذكرناه من دلائل الوجوب؛ فلا تقوى دلالته على عدم الوجوب؛ لقوَّة دلائل الوجوب عليه، وقد نصَّ مالك على الوجوب، فحمله المخالفون -ممَّن لم يمارس مذهبه- على ظاهره، وحُكي عنه أنَّه يروي الوجوب، ولم يرَ ذلك أصحابه على ظاهره". قال الشيخ أحمد محمد شاكر: "الحقُّ الذي نذهب إِليه ونرضاه: أنَّ غُسل يوم الجمعة واجبٌ حتْم، وأنَّه واجب لليوم وللاجتماع، فمن تركه؛ فقد قصَّر فيما وجب عليه، ولكن صلاته صحيحة إِذا كان طاهراً.

стр. 193

وأيضاً؛ فإنَّ الأصل في الأمر أنَّه للوجوب، ولا يُصرف عنه إِلى النَّدب إلاَّ بدليل، وقد ورد الأمر بالغُسل صريحاً، ثمَّ تأيَّد في معنى الوجوب بورود النص الصريح الصحيح بأنَّ غُسل يوم الجمعة واجب، ومثل هذا الذي هو قطعيُّ الدّلالة، والذي لا يحتمل التَّأويل؛ لا يجوز أن يؤوَّل لأدلَّة أخرى، بل تؤوَّل الأدلَّة الأخرى إِنْ كان في ظاهرها المعارضة له، وهذا بيِّن لا يحتاج إِلى بيان" (١).

стр. 194

الأغْسالُ المُسْتَحَبَّة أولاً: غُسل العيدين: ولم يرِد في هذا حديث صحيح. قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: "وأحسن ما يُستدلّ به على استحباب الاغتسال للعيدين ما رَوى البيهقيّ من طريق الشافعي عن زاذان؛ قال: سأل رجلٌ عليّاً ﵁ عن الغسل؟ قال: "اغتسل كلّ يوم إِن شئت". فقال: لا؛ الغسل الذي هو الغسل؟ قال: "يوم الجُمعة، ويوم عرفة (١)، ويوم النَّحر، ويوم الفطر" (٢). وقال -حفظه الله تعالى-: "روى الفريابي (١٢٧/ ١ و٢) عن سعيد بن المسيّب أنَّه قال: "سنّة الفطر ثلاث: المشي إِلى المصلَّى، والأكل قبل الخروج، والاغتسال"، وإِسناده صحيح" (٣). ثانياً: غُسل يوم عرفة: لأثر عليٍّ السابق. ثالثاً: غُسل الإِحرام: لحديث زيد بن ثابت ﵁: "أنَّه رأى النّبيّ ﷺ تجرَّد

стр. 195

لإِهلاله (١) واغتسل" (٢). ومن شواهده أيضاً قول ابن عمر ﵄: "إِنَّ من السُّنَّة أن يغتسل إِذا أراد أن يُحْرِم، وإذا أراد أن يدخُلَ مكَّة" (٣). قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: "وهذا وإِن كان موقوفاً؛ فإِنَّ قوله: "من السُّنَّة"؛ إِنَّما يعني سنَّته ﷺ ؛ كما هو مقرَّر في علم أصول الفقه" (٤). رابعاً: الاغتسال عند دخول مكَّة: لِما ثبت عن نافع: أنَّه قال: "كان ابنُ عمر ﵄ إِذا دخل أدنى الحرم؛ أمسك عن التَّلبية، ثمَّ يبيت بذي طُوى (٥)، ثمَّ يُصلِّي به الصُّبح ويغتسل، ويحدِّث أنَّ النّبيّ ﷺ كان يفعل ذلك" (٦).

стр. 196

ولأثر ابن عمر السابق: "إِنَّ من السُّنَّة أن يغتسل إِذا أراد أن يُحرم، وإذا أراد أن يدخُلَ مكَّة". قال الحافظ: "قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكَّة مستحبٌّ عند جميع العلماء، وليس في ترْكه عندهم فديةٌ، وقال أكثرهم: يجزئ عنه الوضوء" (١). خامساً: غُسل من غَسََّل ميِّتاً . لقوله ﷺ : "من غَسَّل مَيِّتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضّأ" (٢). قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في "أحكام الجنائز" (ص ٥٣ و٥٤): "وظاهر الأمر يفيد الوجوب، وإِنَّما لم نَقُلْ به لحديثين: الأوَّل: قوله ﷺ : "ليس عليكم في غسل مَيِّتكم غُسْل إِذا غَسَّلْتموه؛ فإِنَّ ميِّتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديَكم" (٣). الثاني: قول ابن عمر ﵄: "كنَّا نغسل الميِّت، فمنَّا من يغتسل، ومنَّا من لا يغتسل" (٤). قال في "الدراري" (١/ ٧٧): "وذهب الجمهور إِلى أنَّه مستحبٌّ" ... ".

стр. 197

سادساً: الاغتسال عند كلِّ جماع: لحديث أبي رافع أنَّ النّبيّ ﷺ طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه. قال: فقلتُ: يا رسول الله! ألا تجعله واحداً؟ قال: "هذا أزكى وأطيب وأطهر" (١). سابعاً: اغتسال المستحاضة لكلِّ صلاة، أو للظُّهر والعصر جميعاً غُسلاً، وللمغرب والعشاء جميعاً غُسلاً، وللفجر غُسلاً: لحديث عائشة ﵂ قالت: "إنَّ أمَّ حبيبة استُحيضت في عهد رسول الله ﷺ ، فأمَرها بالغسل لكلِّ صلاة ... " الحديث (٢). وفي رواية عنها: "استُحيضت امرأة على عهد رسول الله ﷺ ، فأُمِرَت أن تعجِّل العصر وتؤخِّر الظُّهر، وتغتسل لهما غُسلاً واحداً، وتؤخِّر المغرب وتعجِّل العشاء وتغتسل لهما غُسلاً، وتغتسل لصلاة الصبح غُسلاً" (٣). ثامناً: الاغتسال من دفن المشرك: عن علي ﵁: أنه أتى النّبيّ ﷺ ، فقال: إنَّ أبا طالب مات. فقال: "اذهب فوارِه". قال: إِنَّه مات مشركاً. قال: "اذهب فوارِه". فلمّا

стр. 198

واريته؛ رجعْت إِليه، فقال لي: "اغتسل" (١). تاسعاً: الاغتسال من الإِغماء: عن عبد الله بن عُتبة؛ قال: "دخلتُ على عائشة، فقلتُ: ألا تحدِّثيني عن مرض رسول الله ﷺ ؟ قالت: بلى؛ ثَقُل النّبيّ ﷺ ، فقال: "أصلَّى الناس؟ ". قلنا: لا هم ينتظرونك. قال: "ضعوا لي ماءً في المِخْضَب (٢) ". قالت: فَفَعلْنا، فاغتسل، فذهب لينوءَ (٣)، فأُغْمِيَ عليه، ثمَّ أفاقَ، فقال ﷺ : "أصلَّى الناس؟ ". قُلنا: لا؛ هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: "ضعوا لي ماءً في المِخْضَب". قالت: فقعد، فاغتسل (٤) ... " (٥). قال الشوكاني بعد هذا الحديث: "وقد ساقه المصنِّف ها هنا للاستدلال به على استحباب الاغتسال للمُغمى عليه، وقد فعله النّبيّ ﵌ ثلاث مرَّات وهو مُثقلٌ بالمرض، فدلَّ ذلك على تأكُّد استحبابه" (٦).

стр. 199

أركان الغُسل وواجباته ١ - النيَّة وهي ركن أو شرط: ومحلُّها القلب، والتلفُّظ بها بدعة كما تقدَّم في الوضوء. ٢ - التَّسمية: وحُكمها حكم التسمية في الوضوء، وتقدَّم. ٣ - غَسل جميع الأعضاء وهو رُكن: قال الله تعالى: ﴿وإِنْ كنْتُمْ جُنُباً فاطَّهَّروا﴾ (١)؛ أي: اغتسلوا (٢). وقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَذينَ آمنوا لا تقْرَبوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكارى حتَّى تَعْلَموا ما تقولونَ ولا جُنباً إِلاَّ عابري سبيلٍ حتَّى تَغْتَسِلوا﴾ (٣). قال الحافظ: " ... فيها تصريحٌ بالاغتسال، وبيانٌ للتَّطهير المذكور (٤) " (٥) اهـ. وقال تعالى: ﴿ويَسْألونَكَ عن المَحيضِ قُلْ هوَ أذىً فاعْتَزِلوا النِّساءَ في المحيضِ ولا تقْرَبوهنَّ حتَّى يَطْهُرْنَ فإِذا تَطَهَّرْنَ فأتُوهُنَّ من حيثُ أَمَرَكم الله﴾ (٦).

стр. 200

قال الحافظ ابن حجر: "أي: اغتَسَلْن اتفاقاً" (١). وقال البغوي في "تفسيره": "فإِذا تطهَّرْنَ؛ يعني: اغتسلْنَ". وجاء في "السيل الجرَّار" (١/ ١١٣): "أمَّا تعميم البدن؛ فلا يتمُّ مفهوم الغُسل إلاَّ به". سُنَن الغُسْل مُراعاة فِعل الرسول - صلى الله عليه وأله وسلَم- في البدء والترتيب والانتهاء وغير ذلك، وسيأتي تفصيله بإِذن الله في تضاعيف الكتاب. ما يَحْرُم على الجُنُب ١ - الصلاة: سواء كانت فريضة أو نافلة. لقوله ﷺ : "لا تُقبل صلاةٌ بغير طُهور" (٢). ٢ - الطَّواف: وتقدّمت الأدلَّة في بحث الوضوء. مسائل في غُسل المرأة لا فرقَ بين غُسل المرأة وغُسل الرجل؛ غير أنَّه:

стр. 201

١ - ليس على المرأة أن تنقض ضفيرتها (١) لغُسل الجنابة: لحديث أمّ سلمة ﵂ قالت: قُلتُ: يا رسول الله! إِنِّي امرأةٌ أشدُّ ضَفْرَ (٢) رأسي، أفأنقُضُه لغُسل الجنابة؟ قال: "لا؛ إِنَّما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حَثَيات (٣)، ثمَّ تُفيضين عليك الماء فتطهُرين" (٤). وفي رواية: "واغمِزي قُرونَك عند كلِّ حَفْنة" (٥). وعن عُبيد بن عُمير؛ قال: بَلَغَ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النِّساء إذا اغتسلْنَ أن ينقُضْنَ رؤوسهنَّ، فقالت: يا عجباً لابن عمرو هذا! يأمرُ النِّساء إِذا اغتسلْنَ أن ينقضْنَ رؤوسَهُنَّ؟! أفلا يأمُرُهنَّ أن يحلقنَ رؤوسهنَّ؟! لقد كنتُ أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إِناء واحد، ولا أزيد على أن أُفرغَ على رأسي ثلاث إِفراغات" (٦). ٢ - يجب عليها نقض ضفيرتها في غُسْل الحيض: ومن الأدلَّة على ذلك حديث عائشة ﵂ وفيه تقول: " ... فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوتُ إِلى النّبيّ ﷺ ، فقال: "دَعي

стр. 202

عُمْرَتَك، وانقضي رأسكِ، وامتشطي، واهلِّي بحجٍّ ... " (١). قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٤١٨): "وظاهر الحديث الوجوب، وبه قال الحسن وطاووس في الحائض دون الجُنُب، وبه قال أحمد، ورجَّح جماعة من أصحابه أنَّه للاستحباب فيهما ... ". قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في "تمام المنَّة" (١٢٥): "وقد ذهب إِلى التفصيل المذكور: الإِمام أحمد، وصححه ابن القيِّم في "تهذيب السنن" فراجِعه (١/ ١٦٥ - ١٦٨)، وهو مذهب ابن حزم (٢/ ٣٧ - ٤٠) ". ومن الأدلَّة على ذلك حديث أسماء بنت شَكَل في النقطة الآتية. ٣ - استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فِرصة من مسك في موضع الدَّم (٢): عن عائشة ﵂: أنّ أسماء (٣) سألت النّبيّ ﷺ عن غُسل المحيض؟ فقال: "تأخذ إِحداكنَّ ماءَها وسدْرتها (٤)، فتطهَّر، فتحسن الطُّهور، ثمَّ تصبُّ على رأسها، فتدلُكه دلكاً شديداً (٥) حتى تبلُغ شؤون

стр. 203

رأسها (١)، ثمَّ تصبُّ عليها الماء، ثمَّ تأخذ فِرصة (٢) ممسَّكة فتطهَّرُ بها". فقالت أسماء: وكيف تطهَّرُ بها؟ فقال: "سبحانْ الله! تطهَّرينَ بها". فقالت عائشة -كأنها تُخفي ذلك-: تتّبعين أثر الدَّم. وسألته عن غُسل الجنابة؟ فقال: "تأخذُ ماءً، فتطهَّرُ، فتحْسن الطُّهور، أو تُبْلغُ الطُّهور، ثمَّ تصبُّ على رأسها، فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثمَّ تفيض عليها الماء". فقالت عائشة: نِعْم النِّساء نساء الأنصار، لم يكنْ يمنعُهُنَّ الحياءُ أن يتفقَّهْنَ في الدِّين (٣). ٤ - "لا يجب على المرأة إِذا اغتسلتْ من جنابة أو حيض غَسْل داخل الفَرْج في أصحِّ القولين، والله أعلم" (٤). صِفةُ غُسل الجنابة عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إِذا اغتسل من

стр. 204

الجنابة يبدأ، فيغسل يديه، ثمَّ يُفرغُ بيمينه على شماله، فيغسلُ فرجه، ثمَّ يتوضّأ وُضوءه للصَّلاة، ثمَّ يأخذ الماء، فيُدخل أصابعه في أصول الشَّعر، حتَّى إِذا رأى أن قد استبرأ (١)؛ حفَنَ على رأسه ثلاث حفَنات، ثمَّ أفاض على سائر جسده، ثمَّ غسَل رجليه" (٢). مسح اليد بالتُّراب أو غسلها بالصابون ونحوه: ومن الأدلَّة على ذلك حديث ميمونة: " ... ثمَّ قال بيده الأرض (٣)، فمسَحها بالتُّراب، ثمَّ غسَلها" (٤). وفي رواية مسلم (٥): "ثمَّ ضرب بشماله الأرض، فدلَكَها دَلْكاً شديداً ... ". غسْل اليدين قبل إدخالهما في الإِناء: لحديث عائشة ﵂: "بدأ فغسل يديه قبل أن يُدخل يده في الإِناء ... " (٦).

стр. 205

الوضوء قبل الغُسل: عن عائشة ﵂: "أنَّ النّبيّ ﷺ كان إِذا اغتسل من الجنابة؛ بدأ فغسل يديه، ثمَّ يتوضّأ كما يتوضّأ للصَّلاة (١)، ثمَّ يُدخِل أصابعه في الماء، فيخلِّل بها أصول شعره (٢)، ثمَّ يصبُّ على رأسه ثلاث غرَف بيديه، ثمَّ يُفيضُ على جلده كلِّه" (٣). المضمضة والاستنشاق: قال ابن عبَّاس؛ قال: حدَّثتنا ميمونة؛ قالت: "صَبَبْتُ للنّبيّ ﷺ غُسلاً، فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثمَّ غَسل فرجه، ثمَّ قال بيده الأرض، فمسحها بالتُّراب، ثمَّ غسلها، ثمَّ تمضمضَ واستنشق ... " (٤). إِفاضة الماء على الرأس ثلاثاً وتخليل الشعر: لحديث عائشة ﵂: " ... ثمَّ يُدخلُ أصابعه في الماء، فيخلِّل بها أصول شعره، ثمَّ يصبُّ على رأسه ثلاث غُرف بيديه" (٥). وعنها ﵂ أيضاً: " ... ثمَّ يخلِّل بيده شعره، حتى إذا ظنَّ

стр. 206

أنَّه قد أروى (١) بشَرتهُ (٢)؛ أفاض عليه الماء ثلاث مرَّات، ثمَّ غسل سائر جسده" (٣). وفي الحديث: "أمَّا أنا؛ فأفيض على رأسي ثلاثاً" (٤). وأشار بيديه كلتيهما (٥). البدء بشقِّ أيمن الرَّأس ثمَّ أيسره: لحديث عائشة ﵂: " ... فأخَذ بكَفِّهِ، فبدأ بشقِّ رأسه الأيمن، ثمَّ الأيسر، فقال بهما على رأسه" (٦). وعن عائشة ﵂ قالت: "كنَّا إِذا أصابت إِحدانا جنابة؛ أخذت بيديها ثلاثاً فوق رأسها، ثمَّ تأخذ بيدها على شقِّها الأيمن، وبيدها الأخرى على شقِّها الأيسر" (٧).

стр. 207

تأخير غَسل الرجلين: عن ميمونة زوج النّبيّ ﷺ ؛ قالت: "توضّأ رسول الله ﷺ للصَّلاة غير رجليه، وغسَل فرجه وما أصابه من الأذى، ثمَّ أفاض عليه الماء، ثمَّ نحَّى رجليه فغسلهما" (١). قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٣٦٢): "واختلف نظر العلماء، فذهب الجمهور إِلى استحباب تأخير غَسْل الرجلين في الغُسْل، وعن مالك: إنْ كان المكان غير نظيف؛ فالمستحبُّ تأخيرهما، وإِلاَّ؛ فالتقديم". وقال شيخنا في "الإِرواء" (١/ ١٧٠) عقب حديث ميمونة ﵂: "وهذا نصٌّ على جواز تأخير غَسْل الرجلين في الغسل، بخلاف حديث عاثشة، ولعلَّه ﷺ كان يفعل الأمرين: تارة يغسل رجليه مع الوضوء فيه، وتارة يؤخِّر غسلهما إِلى آخر الغُسل، والله أعلم" اهـ. وراجعتُ شيخنا -حفظه الله- في ذلك، ففهمتُ منه أنَّ الأمر يتبع الحال والوضع الذي فيه المغتسل؛ فيتصرّف حسبما يقتضيه حاله. عدم الوضوء بعد الغُسل (٢): عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يغتسل ويصلِّي الركعتين وصلاة الغداة، ولا أراه يُحدث وضوءاً بعد الغُسل" (٣).

стр. 208

عدم استعمال المنديل: ودليل ذلك حديث ميمونة بنت الحارث ﵂ وفيه: "فناولْتُه خِرْقَةً، فقال بيده هكذا، ولم يُرِدْها" (١). وفي رواية لها: "ثمَّ أتيتُه بالمنديل، فردَّه" (٢). التيمُّن في الغُسل: عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يحبُّ التيمُّن (٣) في شأنه كلِّه: في نعليه، وترجُّله، وطَهوره" (٤). إِفاضة الماء على الجلد كلِّه: كما في حديث عائشة: " ... ثمَّ غَسل سائر جسده" (٥).

стр. 209

وفي رواية لها: " ... ثمَّ يفيض على جلده كلِّه" (١). الغُسل بالصَّاع ونحوه: عن أبي جعفر (٢): "أنَّه كان عند جابر بن عبد الله هو وأبوه وعنده قومٌ، فسألوه عن الغُسل؟ فقال: يكفيك صاعٌ. فقال رجلٌ: ما يكفيني. فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى (٣) منك شعراً وخيرٌ منك، ثمَّ أمَّنا في ثوبٍ" (٤). وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يغتسل في القَدَح، وهو الفَرَق، وكنتُ أغتسل أنا وهو في الإِناء الواحد". قال قتيبة: قال سفيان: "والفَرَق: ثلاثة آصُع" (٥). وعن أنس ﵁ قال: "كان النّبيّ ﷺ يغسل (٦) (أو كان

стр. 210

يغتسل (١) بالصَّاع (٢) إِلى خمسة أمداد (٣)، ويتوضّأ بالمدِّ" (٤). وعن عائشة ﵂: "أنَّها كانت تغتسل هي والنّبيّ ﷺ في إِناء واحد؛ يتَّسع ثلاثة أمداد أو قريباً من ذلك" (٥). هل الدَّلك واجب ؟ قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٣٥٩): "وحقيقة الغسل: جريان الماء على الأعضاء. واختُلف في وجوب الدَّلك: فلم يوجبه الأكثر، ونُقل عن مالك والمزني وجوبه، واحتجَّ ابن بطَّال بالإِجماع على وجوب إِمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسْلها؛ قال: فيجب ذلك في الغسل قياساً؛ لعدم الفرق بينهما. وتُعُقِّبَ

стр. 211

بأنَّ جميع من لم يوجب الدَّلك أجازوا غَمْس اليد بالماء للمتوضئ من غير إِمرار، فبطلَ الإِجماع، وانتفت الملازمة". قال الصنعاني (١) -رحمه الله تعالى-: "وقولها: "ثمَّ أفاض الماء": الإِفاضة: الإِسالة. وقد استدلَّ به على عدم وجوب الدَّلك، وعلى أنَّ مُسمَّى (غُسل) لا يدخل فيه الدَّلك؛ لأنَّها عبَّرت ميمونة بالغسل، وعبَّرت عائشة بالإِفاضة، والمعنى واحد، والإِفاضة لا دلْك فيها، فكذلك الغَسل ... " (٢). قال في "المغني" (٣): "ولا يجب عليه إِمرار يده على جسده في الغُسل والوضوء إِذا تيقَّن أو غلب على ظنِّه وصول الماء إِلى جميع جسده، وهذا قول الحسن والنَّخعي والشَّعبي وحمَّاد والثَّوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ... " (٤). ويرى شيخنا -حفظه الله تعالى- وجوب الدَّلك لمن كان ذا شعر كثير، ويسمَّى (الشَّعرانيّ) في اللغة كما تقدَّم. وهذا كقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في مباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه؛ فقد قال: " ... ثمَّ هذا التَّخليل غير واجب اتِّفاقاً؛ إلاَّ إِنْ كان الشَّعر ملبَّداً بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إِلى أصوله، والله

стр. 212

أعلم" (١). مُراعاة غَسل المرافغ (٢) عند الاغتسال: عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إِذا أراد أن يغتسل من الجنابة؛ بدأ بكفَّيه، فغسلهما، ثمَّ غَسَل مرافِغَه، وأفاض عليه الماء، فإِذا أنقاهما؛ أهوى بهما إِلى حائط، ثمَّ يستقبل الوضوء، ويفيض الماء على رأسه" (٣).

стр. 213

مسائل في الاغتسال النَّهي عن البول في المستحمّ: عن عبد الله بن مغفَّل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يبولنَّ أحدُكم في مستحمِّه ثمَّ يغتسل فيه" (١). "قال علي بن محمد: إِنَّما هذا في الحفيرة، فأمَّا اليوم؛ فلا، فمغتسلاتهم الجِصُّ (٢) والصَّاروج (٣) والقيرُ (٤)، فإِذا بال، فأرسَل عليه الماء؛ فلا بأس به" (٥). وقال ابن المبارك: وقد وُسِّع في البول في المغتسل إِذا جرى فيه الماء" (٦). جواز الاغتسال عُرياناً بحيث لا يُرى: عن أبي هريرة ﵁ عن النّبي ﷺ ؛ قال: "بينا (٧) أيوب

стр. 214

يغتسل عُرياناً؛ خرَّ عليه رِجل جراد (١) من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فنادى ربُّه: يا أيُّوب! ألم أكنْ أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى يا ربِّ، ولكنْ لا غِنى لي عن برَكَتِكَ" (٢). وعنه أيضاً عن النّبيّ ﷺ قال: "كانت بنو إِسرائيل يغتسلون عُراة، ينظر بعضهم إِلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده ... " (٣). التَّستُّر في الغُسل: عن أمّ هانئ ﵂ قالت: "ذهبتُ إِلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدتُه يغتسل وفاطمة تسترُه، فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أمُّ هانئ" (٤). وعن ميمونة ﵂ قالت: "ستَرْتُ النّبيّ ﷺ وهو يغتسل من الجنابة، فغسَل يديه ... " (٥). وعن أبي السَّمح ﵁ قال: "كنتُ أخدُم النّبيّ ﷺ ، فكان إِذا أراد أن يغتسل؛ قال: وَلِّني! فأوَلِّيه قفايَ، وأنشرُ الثَّوب، فأسترهُ به" (٦).

стр. 215

وعن يعلى بن أمية ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلاً يغتسل بالبَراز (١) بلا إِزار، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال ﷺ : "إِنَّ الله حييٌّ سِتير، يُحبُّ الحياء والسَّتر، فإِذا اغتسل أحدكم؛ فليستتر" (٢). هل يجزئ غُسل عن غُسل إِذا كانا واجبين ؟ قال شيخنا: "الذي يتبيَّن لي أنَّه لا يجزئ ذلك، بل لا بدّ من الغسل لكلّ ما يجب الغُسل له غُسلاً على حِدة، فيغُتسل للحيض غسلاً، وللجنابة غُسلاً آخر، أو للجنابة غسلاً، وللجمعة غُسلاً آخر. لأنَّ هذه الأغسال قد قام الدليل على وجوب كل واحد منها على انفراده، فلا يجوز توحيدها في عمل واحد، ألا ترى أنَّه لوكان عليه قضاء شهر رمضان أنَّه لا يجوز له أن ينوي قضاءه مع صيامه لشهر رمضان أداءً! وهكذا يقال عن الصلاة ونحوها، والتفريق بين هذه العبادات وبين الغسل لا دليل عليه، ومن ادَّعاه؛ فليتفضَّل بالبيان" (٣). وقال -حفظه الله تعالى (٤) -: "وقد عكس ابن حزم، فاستدلَّ بالحديث على ما ذهَبنا إِليه، فقال بعد أن ذكَر أنَّ من أجنب يوم الجمعة فلا يجزيه إلاَّ
следующие страницы →