← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

فأجاز (١) رسول الله ﷺ ، حتى أتى عرفة (٢)؛ فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها. ٥٩ - حتى إِذا زاغت الشمس؛ أمر بالقصواء فرُحِلت له، فـ[ركب، حتى] أتى بطن الوادي (٣). ٦٠ - فخطب الناس وقال: "إِنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا [إِن] كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميّ [هاتين] موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإنّ أول دم أضع من دمائنا: دم ابن ربيعة بن الحارث [بن المطلب]-كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل-، وربا الجاهلية موضوع، وأوّل ربا أضع ربانا: ربا عباس ابن عبد المطلب؛ فإِنّه موضوع كلّه؛ فاتقوا الله في النساء، فإِنكم أخذتموهن بأمانـ[ـة:] الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله (٤)، و [إِن] لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإِن فعلن ذلك؛ فاضربوهن ضرباً غير مبرِّح (٥)، ولهن عليكم رَزْقُهُنَّ وكسوتهن بالمعروف، و [إِني] قد تركت فيكم ما لن

стр. 1472

تضلوا بعده إِن اعتصمتم به: كتاب الله؛ وأنتم تسألون (وفي لفظ: مسؤولون) عنّي، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت [رسالات ربك] وأدّيت، ونصحْتَ [لأمّتك، وقضيت الذي عليك]، فقال بأصبعه السبابة -يرفعها إِلى السماء ويَنْكُتُها إِلى الناس-: اللهم! اشهد، اللهم! اشهد " ثلاث مرات. ٦١ - ثمّ أذّن [بلال] [بنداء واحد]. ٦٢ - ثمّ أقام؛ فصلّى الظهر، ثمّ أقام؛ فصلّى العصر. ٦٣ - ولم يُصلّ بينهما شيئاً. ٦٤ - ثمّ رَكِب رسول الله ﷺ [القصواء]، حتى أتى الموقف، فجعَل بَطن ناقته القصواء إِلى الصخرات (١)، وجعل حَبْلَ المشاة (٢) بين يديه، واستقبل القبلة (٣). ٦٥ - فلم يزل واقفاً، حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص. ٦٦ - [وقال: "وقفت هاهنا؛ وعرفة كلها موقف"]. ٦٧ - وأردف أسامة [بن زيد] خلفه.

стр. 1473

٦٨ - ودفَع رسول الله ﷺ (وفي رواية: أفاض وعليه السكينة) (١)؛ وقد شنق (٢) للقصواء الزِّمام، حتى إِنّ رأسها ليصيب مَورِك (٣) رَحْله، ويقول بيده اليمنى [هكذا -وأشار بباطن كفه إِلى السماء]-: "أيها الناس! السكينة السكينةَ". ٦٩ - كلما أتى حبلاً (٤) من الحبال: أرخى لها قليلاً حتى تصعد. ٧٠ - حتى أتى المزدلفة؛ فصلّى بها، [فجمع بين] المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين. ٧١ - ولم يُسبِّح (٥) بينهما شيئاً. ٧٢ - ثمّ اضطجع رسول الله ﷺ ؛ حتى طلع الفجر. ٧٣ - وصلّى الفجر -حين تبيّن له الفجر- بأذان وإقامة. ٧٤ - ثمّ ركب القصواء؛ حتى أتى المشعر الحرام (٦) [فَرَقِيَ عليه].

стр. 1474

٧٥ - فاستقبل القبلة، فدعاه (وفي لفظ: فحمد الله) وكبّره وهلّله ووحّده. ٧٦ - فلم يزل واقفاً حتى أسفر جدّاً. ٧٧ - وقال: "وقفت هاهنا، والمزدلفة كلها موقف"]. ٧٨ - فدفع [من جَمْعٍ] قبل أن تطلع الشمس [وعليه السكينة]. ٧٩ - وأردف الفضل بن عباس -وكان رجلاً حسن الشعر أبيضَ وسيماً-. ٨٥ - فلما دفَع رسول الله ﷺ مَرَّتْ به ظُعُنٌ (١) تَجْرِينَ، فطفِقَ الفضل ينظر إِليهن، فوضع رسول الله ﷺ يدَه على وجه الفضل، فحوّل الفضلُ وجهه إِلى الشقّ الآخر، فحوّل رسول الله ﷺ يده من الشقّ الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر! ٨١ - حتى أتى بطن مُحَسِّر (٢)، فحرّك قليلاً (٣) [وقال: "عليكم السكينةَ"]. ٨٢ - ثمّ سلَك الطريق الوسطى (٤) التي تخرج على الجمرة الكبرى [حتى

стр. 1475

أتى الجمرة التي] عند الشجرة. ٨٣ - فرماها [ضحى] بسبع حصيات (١). ٨٤ - يُكبّر مع كل حصاة منها، مِثل حصى الخَذْف (٢). ٨٥ - [فـ] رمى من بطن الوادي [وهو على راحلته [وهو] يقول: "لتأخذوا مناسككم؛ فإِني لا أدري لعلي لا أحج بعد حَجّتي هذه"]. ٨٦ - [قال: ورمى بعد يوم النحر [في سائر أيام التشريق] إِذا زالت الشمس]. ٨٧ - [ولقيه سُراقة وهو يرمي جمرة العقبة، فقال: يا رسول الله! ألنا هذه خاصة؟ قال: "لا، بل لأبد"]. ٨٨ - ثمّ انصرف إِلى المنحر، فنَحَر ثلاثاً وستين [بَدَنةً] بيده. ٨٩ - ثمّ أعطى عليّاً، فنحَر ما غَبَرَ [يقول: ما بقي]، وأشركه في هديه. ٩٠ - ثمّ أمر من كل بدنة ببَضْعة (٣)؛ فجُعِلت في قِدر فطُبخت، فأكلا من

стр. 1476

لحمها، وشربا من مرقها. ٩١ - (وفي رواية قال: نحَر رسول الله ﷺ عن نسائه بقرة). ٩٢ - (وفي أخرى قال: فنحَرنا البعير (وفي أخرى: نحر البعير) عن سبعة، والبقرة عن سبعة) (وفي رواية خامسة عنه قال: فاشتركنا في الجزور سبعة، فقال له رجل: أرأيت البقرة؛ أيشترك؟ فقال: ما هي إِلا من البُدْنِ). ٩٣ - (وفي رواية: قال جابر: كنا لا نأكل من البدن إِلا ثلاث منى، فأرخص لنا رسول الله ﷺ قال: "كلوا وتزوّدوا") [قال: فأكَلْنا وتزوّدنا] [حتى بلَغنا بها المدينة] (١). ٩٤ - (وفي رواية: نحر رسول الله ﷺ [فحلق] (٢)). ٩٥ - وجلس [بمنى يوم النحر] للناس، فما سئل [يومئذ] عن شيء [قُدِّمَ قبل شيء] إِلا قال: لا حرج، لا حرج (٣) حتى جاءه رجل فقال: حلْقتُ قبل أن

стр. 1477

أنحر؟ قال: لا حرج. ٩٦ - ثمّ جاءه آخر فقال: حلْقتُ قبل أن أرمي؟ قال: لا حرج. ٩٧ - [ثمّ جاءه آخر فقال: طُفت قبل أن أرمي؟ قال: لا حرج]. ٩٨ - [قال آخر: طُفت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج]. ٩٩ - ثمّ جاءه آخر فقال: إِنّي نحرْتُ قبل أن أرمي؟ قال: [ارْمِ و] لا حرج]. ١٠٠ - [ثمّ قال نبي الله ﷺ : قد نحرْتُ هاهنا، ومنى كلّها مَنحر]. ١٠١ - [وكُلّ فِجاج (١) مكة طريق ومَنحَر] (٢). ١٠٢ - [فانحروا من رحالكم]. ١٠٣ - [وقال جابر ﵁: خطَبنا ﷺ يوم النحر فقال: أيُّ يوم أعظم حرمة؟ فقالوا: يومنا هذا، قال: فأيُّ شهر أعظم حُرمة؟ قالوا: شهرنا هذا. قال: أي بلد أعظم حُرمة؟ قالوا: بلدنا هذا، قال: فإِنّ دماءَكم وأموالكم

стр. 1478

عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، هل بلّغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهَدْ]. ١٠٤ - ثمّ ركب رسول الله ﷺ ، فأفاض إِلى البيت [فطافوا (١). ١٠٥ - ولم يطوفوا بين الصفا المروة] (٢). ١٠٦ - فصلّى بمكة الظهر. ١٠٧ - فأتى بني عبد المطلب [وهم] يسقُون على زمزم (٣)، فقال: انْزِعوا (٤) بني عبد المطلب! فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم؛ لنزعت معكم (٥). ١٠٨ - فناولوه دلواً، فشرب منه". ١٠٩ - [وقال جابر ﵁: وإنّ عائشة حاضت، فنسَكَت المناسك كلها؛ غير أنها لم تطف بالبيت]. ١١٠ - [قال: حتى إِذا طهُرت؛ طافت بالكعبة (٦) والصفا والمروة، ثمّ قال:

стр. 1479

قد حلَلْتِ من حجك وعُمرتك جميعاً]. ١١١ - [قالت: يا رسول الله! أتنطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج؟!] [قال: إِن لك مثل ما لَهُم]. ١١٢ - [فقالت: إِني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حجَجت]! ١١٣ - [قال: وكان رسول الله ﷺ رجلاً سهلاً، إِذا هوِيَتِ الشيء تابعَها عليه] (١). ١١٤ - [قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن! فأعمِرها من التنعيم. ١٥٠ - [فاعتمرت بعد الحج]، [ثمّ أقبلت] وذلك ليلة الحَصْبة (٢)]. ١١٦ - [وقال جابر: طاف رسول الله ﷺ بالبيت في حَجّة الوَداع على راحلته، يستلم الحجر بمحجنه لأن يراه الناس، وليَشْرُفَ وليسألوه؛ فإِنّ الناس غَشُوه]. ١١٧ - [وقال: رفعَت امرأة صبيّاً لها إِلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! ألهذا حجٌّ؟ قال: نعم، ولكِ أجر].

стр. 1480

المواقيت المواقيت: جمع ميقات؛ كمواعيد وميعاد، وأصل التوقيت: أن يُجعل للشيء وقت يختصّ به، ثمّ اتسع فيه؛ فأطلق على المكان أيضاً (١). وبهذا؛ فالمواقيت نوعان: زمانية ومكانية. المواقيت الزمانيّة: قال الله -تعالى-: ﴿يسألونك عن الأهلة (٢) قل هي مواقيتُ للنّاس والحج﴾ (٣). وقال الله -تعالى-: ﴿الحجّ أشهر معلومات﴾ (٤). فلا يصح الحجّ إلاَّ في أشهر الحجّ. قلت: وأيّ مدلول لكلمة ﴿معلومات﴾ المذكورة في الآية الكريمة إِذا أهلّ بالحجّ وأحرم قبل وقته؟! وهي على الراجح -والله أعلم-: شَوَّالٌ وذو القَعْدَةِ وصدر ذي الحِجَّةِ. جاء في "المحلّى" (٧/ ٦٢): "ورُوِّينا عن الحسن: شوال وذو القعدة وصدر

стр. 1481

ذي الحجة" (١). عن ابن عمر ﵁ قال: "أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة" (٢). وقال ابن عباس ﵁: "من السّنّة: أن لا يحرم بالحج إِلا في أشهر الحج" (٣). المواقيت المكانية (٤): هي الأماكن التي يحرم منها من يريد الحج أو العمرة، ولا يجوز لحاج أو معتمر أن يتجاوزها، دون أن يحرم، وقد بيّنها رسول الله ﷺ : فجعل ميقات أهل المدينة "ذا الحليفة": موضع يقع في شمال مكّة. ووقت لأهل الشام "الجُحْفَةَ": موضع في الشمال الغربي من مكة، وهي قريبة من "رابغ"، وقد صارت "رابغ" ميقات أهل مصر والشام ومن يمر عليها بعد ذهاب معالم "الجحفة". وميقات أهل نجد "قرن منازل": جبل شرقيّ مكة، يطلُّ على عرفات.

стр. 1482

وميقات أهل اليمن "يَلَمْلَم": جبل يقع جنوب مكة. وميقات أهل العراق "ذاتَ عِرْقٍ": موضع في الشمال الشرقي لمكة. عن ابن عباس ﵄: "أنّ النّبيّ ﷺ وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجُحفة (١)، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم" (٢). وعن ابن عمر ﵁ قال: "لما فُتح هذان المصران؛ أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين! إِنّ رسول الله ﷺ حدّ لأهل نجد قرْناً؛ وهو جَوْرٌ (٣) عن طريقنا، وإِنا إِن أردنا قرْناً شَقّ علينا؟! قال: فانظروا حذْوَها من طريقكم، فحدّ لهم ذات عرق" (٤). وقد نظمها بعضهم فقال: عِرْقُ العراقِ يَلَمْلَمُ اليَمَنِ ... وبذِي الحُلَيفةِ يُحرمُ المدَنِي والشامُ جحفةُ إِنْ مَرَرْتَ بها ... ولأهلِ نَجْد قَرْنُ فاسْتَبِنِ هذه هي المواقيت التي عيّنها رسول الله ﷺ ، وهي مواقيت لأهل البلاد

стр. 1483

المذكورة، ولمن مرّ بها. عن ابن عباس ﵄: "أنّ رسول الله ﷺ وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرناً؛ فهنّ لهنّ، ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ، ممنّ كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهنّ؛ فمن أهله؛ حتى إِنّ أهل مكة يهلّون منها" (١). وإن لم يكن من أهل تلك الآفاق المعينة؛ فإِنه يحرم منها إِذا أتى مكة قاصداً النسك. ومن كان بمكة وأراد الحج، فميقاته منازل مكة. ومن كان بين الميقات وبين مكة، فميقاته من منزله. قال ابن حزم -رحمه الله تعالى-- في "المحلّى" (٧/ ٦٤): "ومن كان طريقه لا تمرّ بشيء من هذه المواقيت؛ فليحرم من حيث شاء، برّاً أو بحراً". الإِحرام قبل الميقات: إِذا أحرم المرء قبل الميقات فإِنّه يجزئ، لكنه مخالف للسُّنّة. قال شيخنا ﵀: "وقد روى البيهقي كراهة الإِحرام قبل الميقات عن عمر وعثمان ﵄، وهو الموافق لحكمة تشريع المواقيت. وما أحسن ما ذكر الشاطبي ﵀ في "الاعتصام" (١/ ١٦٧)، ومن قبله الهروي في "ذم الكلام" (٣/ ٥٤/١) عن الزُّبيْرِ بن بَكَّارٍ قال: حدثني سفيان بن عيينة قال: "سمعت مالك بن أنس، وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد

стр. 1484

الله! من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله ﷺ . فقال: إِني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر؟! قال: لا تفعل؛ فإِني أخشى عليك الفتنة! قال: وأي فتنة في هذه؟ إِنما هي أميال أزيدها! قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إِلى فضيلة قصّر عنها رسول الله ﷺ ؟! إِني سمعت الله يقول: ﴿فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم (١)﴾ (٢). أنواع الإِحرام (٣) الإِحرام ثلاثة أنواع: *١ - تمتُّع: وهو أن يحرم الآفاقي (٤) بالعمرة وحدها في أشهر الحج من الميقات، ويقول عند التلبية: "لبيك اللهم بعمرة". ثمّ يدخل مكة ويتم عمرته، فيطوف ويسعى ويقصّر، ويخرج من إِحرامه، ثمّ يبقى حلالاً حتى يحج، وعليه أن يذبح ما استيسر من الهدي. وسمّي بالتمتُّع؛ لأنّه يتمتّع بعد

стр. 1485

التحلُّل من إِحرامه بما يتمتع به غير المحرم من لُبس الثياب والطيب وغير ذلك. ٢ - قِران: وهو أن يحرم الآفاقي بالحج والعمرة معاً، ويقول عند التلبية: "لبيك اللهمّ بحجّ وعمرة"، ثمّ يدخل مكة، ويبقى على إِحرامه حتى يفرغ من أفعال الحج والعمرة، ثمّ يذبح ما استيسر من الهدي، فإِذا أراد أن ينفر من مكة طاف للوداع. وقد ذهب الجمهور من العلماء إِلى أنّه يكفيه عمل الحجّ؛ فيطوف طوافاً واحداً -وهو طواف الإِفاضة- بعد الوقوف بعرفة، ويسعى سعياً واحداً للحج والعمرة. ٣ - الإِفراد: أن يُحرم -من يريد الحجّ- من الميقات بالحجّ وحده، ويقول في التلبية: "لبيك اللهمّ بحجّ"؛ ويبقى مُحرماً حتى تنتهي أعمال الحج. وعمل القارِن كعمل المفرد سواءً؛ إِلا أن القارن عليه الهدي، والمفرد لا هدي عليه*. عن عائشة ﵂ قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ للحج على أنواع ثلاثة: فمنا من أهَلَّ بحج وعمرة معاً، ومنّا من أهل بحج مفرد، ومنّا من أهل بعمرة مفردة، فمن كان أهل بحج وعمرة معاً؛ لم يَحْلِل من شيء مما حرم منه حتى يقضي مناسك الحج، ومن أهل بالحج مفرداً؛ لم يَحْلل من شيء مما حرُم منه، حتى يقضي مناسك الحج، ومن أهل بعمرة مفردة فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة؛ حل ما حرم عنه حتى يستقبل حجّاً" (١).

стр. 1486

أيّ أنواع النُّسك أفضل ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب، والراجح فيها نسك التمتع، كما هو مذهب الإِمام أحمد وغيره، بل ذهب بعض العلماء المحققين إِلى وجوبه إِذا لم يَسق معه الهدي، منهم ابن حزم وابن القيم؛ تبعاً لابن عباس وغيره من السلف (١). قال شيخنا ﵀ في "حجّة النّبيّ ﷺ " (ص ١١): "لا شّك أنّ الحجّ كان -في أول استئنافه ﷺ إِياه- جائزاً بأنواعه الثلاثة المتقدّمة، وكذلك كان أصحابه ﷺ ؛ منهم المتمتع، ومنهم القارن، ومنهم المفرد؛ لأنّه ﷺ خيّرهم في ذلك كما في حديث عائشة ﵂: "خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: من أراد منكم أن يهلّ بحجّ وعُمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهلّ ... " الحديث؛ رواه مسلم (٢). وكان هذا التخيير في أول إِحرامهم عند الشجرة (٣)؛ كما في رواية لأحمد (٦/ ٢٤٥)، ولكن النّبيّ ﷺ لم يستمر على هذا التخيير، بل نَقَلهم إِلى ما هو أفضل؛ وهو التمتع، دون أن يعزم بذلك عليهم أو يأمرهم به، وذلك في مناسبات شتّى في طريقهم إِلى مكة. فمن ذلك: حينما وصلوا إِلى (سَرِف)، وهو موضع قريب من التنعيم، وهو من مكة على نحو عشرة أميال، فقالت عائشة ﵂ في رواية

стр. 1487

عنها: " .. فنزلنا سَرِف، قالت: فخرج إِلى أصحابه فقال: من لم يكن منكم أهدى، فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا. قالت: فالآخذ بها والتارك لها من أصحابه [ممن لم يكن معه هدي] ... " الحديث؛ متفق عليه، والزيادة لمسلم. ومن ذلك لما وصل ﷺ إِلى (ذي طُوى)، وهو موضع قريب من مكة، وبات بها، فلمّا صلّى الصّبح قال لهم: "من شاء أن يجعلها عمرة؛ فليجعلها عمرة" أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس. ولكنّا رأيناه ﷺ لما دخل مكّة وطاف هو وأصحابه طواف القدوم؛ لم يدَعْهم على الحكم السابق وهو الأفضلية؛ بل نقَلهم إِلى حُكم جديد وهو الوجوب؛ فإِنّه أمَر من كان لم يَسُق الهدي منهم أن يفسخ الحج إِلى عمرة ويتحلل، فقالت عائشة ﵂: "خرجنا مع رسول الله ﷺ ولا نرى إِلا أنّه الحج، فلما قدمنا مكة تطوَّفنا بالبيت، فأَمَر رسول الله ﷺ من لم يكن ساق الهدي أن يحل، قالت: فحل من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يسقن الهدي، فأحللن (١)." الحديث، متفق عليه. وعن ابن عباس نحوه بلفظ:

стр. 1488

"فأَمَرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله! أيّ الحلّ؟ قال: الحلّ كلّه"؛ متفق عليه. وفي حديث جابر نحوه وأوضح منه؛ كما يأتي فقرة (٣٣ - ٤٥) (١). قلت [أي: شيخنا]: فمن تأملّ في هذه الأحاديث الصحيحة؛ تبيّن له - بياناً لا يشوبه ريب- أن التخيير الوارد فيها إِنما كان منه ﷺ لإِعداد النفوس وتهيئتها؛ لتقبُّل حُكمٍ جديدٍ، قد يصعب ولو على البعض تقبّله بسهولة لأول وَهْلَةٍ، ألا وهو الأمر بفسخ الحج إِلى العمرة، لا سيّما وقد كانوا في الجاهلية كما هو ثابت في "الصحيحين" - يرون أن العمرة لا تجوز في أشهر الحج، وهذا الرأي -وإن كان رسول الله ﷺ قد أبطله باعتماره ﷺ ثلاث مرات في ثلاث سنوات كلها في شهر ذي القعدة-؛ فهذا وحده وإن كان كافياً في إِبطال تلك البدعة الجاهلية؛ فإِنه لا يكفي -والله أعلم- لإِعداد النفوس لتقبل الحكم الجديد، فلذلك مهّد له ﷺ بتخييرهم بين الحج والعمرة مع بيان ما هو الأفضل لهم، ثمّ أتبع ذلك بالأمر الجازم بفسخ الحج والعمرة. فإِذا عرفنا ذلك؛ فهذا الأمر للوجوب قطعاً، ويدل على ذلك الأمور الآتية: الأول: أن الأصل فيه الوجوب إِلا لقرينة، ولا قرينة هنا، بل والقرينة هنا تؤكده، وهي الأمر التالي وهو: الثاني: أنه ﷺ لما أمرهم تعاظم ذلك عندهم، كما تقدّم آنفاً، ولو لم يكن للوجوب لم يتعاظموه، ألم تر أنه ﷺ قد أمرهم من قَبْلُ ثلاث مرات أَمْرَ تخيير، ومع ذلك لم يتعاظموه، فدل على أنهم فهموا من الأمر الوجوب، وهو

стр. 1489

المقصود. الثالث: أن في رواية في حديث عائشة ﵂ قالت: " .. فدخل عليّ وهو غضبان، فقلت: من أغضبك يا رسول الله! أدخله الله النار! قال: أوما شعرت أني أمرت الناس بأمر؛ فإِذا هم يترددون؟! ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي معي حتى أشتريه، ثمّ أحل كما حلوا". رواه مسلم والبيهقي وأحمد (٦/ ١٧٥). ففي غضبه ﷺ دليل واضح على أن أمره كان للوجوب، لا سيّما وأن غضبه ﷺ إِنما كان لترددهم، لا من أجل امتناعهم من تنفيذ الأمر، وحاشاهم من ذلك، ولذلك حلوا جميعاً؛ إِلا من كان معه هدي كما يأتي في الفقرة (٤٤) (١). الرابع: قوله ﷺ لما سألوه عن الفسخ الذي أمرهم به: ألعامنا هذا أم لأبد الأبد؟ فشبَّك ﷺ أصابعه واحدة في أخرى وقال: "دخَلَت العمرة في الحجّ إِلى يوم القيامة، لا بل لأبد أبد، لا بل لأبد أبد". فهذا نص صريح على أن العمرة أصبحت جزءاً من الحج لا يتجزأ، وأن هذا الحكم ليس خاصّاً بالصحابة كما يظنّ البعض، بل هو مستمر إِلى الأبد. [الخامس]: أن الأمر لو لم يكن للوجوب؛ لكفى أن ينفذه بعض الصحابة، فكيف وقد رأينا رسول الله ﷺ لا يكتفي بأمر الناس بالفسخ أمراً عامّاً، فهو تارة يأمر بذلك ابنته فاطمة ﵁ كما يأتي (فقرة ٤٨) (٢)، وتارة

стр. 1490

يأمر به أزواجه، كما في "الصحيحين" عن ابن عمر: أن النّبيّ ﷺ أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع، قالت حفصة: فقلت: ما يمنعك أن تحل؟ قال: "إِني لبَّدت رأسي ... " الحديث. ولما جاءه أبو موسى من اليمن حاجّاً، قال له ﷺ : "بم أهللت؟ ". قال: أهللت بإِهلال النّبيّ ﷺ . قال: هل سقت من هدي؟ قال: لا، قال: "فطُفْ بالبيت وبالصفا والمروة، ثمّ حِلّ ... " الحديث. فهل هذا الحرص الشديد من النّبيّ ﷺ على تبليغ أمره بالفسخ إِلى كل مكلف لا يدل على الوجوب؟ اللهم إِن الوجوب ليثبت بأدنى من هذا! انتهى. وجاء (ص ١٩) منه: "وخلاصة القول: أن على كل من أراد الحج أن يلبي عند إِحرامه بالعمرة، ثمّ يتحلل منها بعد فراغه من السعي بين الصفا والمروة؛ بقص شعره، وفي اليوم الثامن من ذي الحجة يحرم بالحج، فمن كان لبَّى بالقران أو الحج المفرد؛ فعليه أن يفسخ ذلك بالعمرة؛ إِطاعةً لنبيه ﷺ ؛ والله يقول: ﴿من يُطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (١)، وعلى المتمتع بعد ذلك أن يقدم هدياً يوم النحر، أو في أيام التشريق، وهو من تمام النسك، وهو دم شُكْران وليس دم جُبْران، وهو -كما قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- بمنزلة الأضحية للمقيم، وهو من تمام عبادة هذا اليوم، فالنسك المشتمل على الدم بمنزلة العيد المشتمل على الأضحية، وهو من أفضل الأعمال، فقد جاء من طرق أن النّبيّ سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: العجُّ (٢) والثجّ (٣)؛ وصححه

стр. 1491

ابن خزيمة وحسّنه المنذري". باب ما جاء في التمتع: عن سالم بن عبد الله؛ أنه سمع رجلاً من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إِلى الحج؟ فقال عبد الله بن عمر: هي حلال، فقال الشامي: إِن أباك قد نهى عنها! فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إِن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله ﷺ ؛ أَمْرُ أبي يُتبع، أم أمر رسول الله ﷺ ؟ فقال الرجل: بل أَمْرُ رسول الله ﷺ . فقال: لقد صنعها رسول الله ﷺ " (١). قال أبو عيسى: "واختار قوم من أهل العلم، من أصحاب النّبيّ ﷺ وغيرهم: التمتع بالعمرة. والتمتع: أن يدخل الرجل بعمرة في أشهر الحج، ثمّ يقيم حتى يحج، فهو متمتع، وعليه دم ما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إِذا رجع إِلى أهله، ويستحب للمتمتع إِذا صام ثلاثة أيام في الحج أن يصوم في العشر، ويكون آخرها يوم عرفة، فإِن لم يصم في العشر؛ صام أيام التشريق في قول بعض أهل العلم من أصحاب النّبيّ ﷺ ، منهم: ابن عمر، وعائشة. وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال بعضهم: لا يصوم أيام التشريق، وهو قول أهل الكوفة. قال أبو عيسى: وأهل الحديث يختارون التمتع بالعمرة في الحج. وهو قول

стр. 1492

الشافعي وأحمد وإسحاق" (١). من اعتمر بعد الحجّ بغير هدي (٢): فيه قصة عائشة ﵂ المعروفة حين نفست في حجّها، وفيه: "فأهلّت بعمرة مكان عمرتها، فقضى الله حجّها وعُمرتها. [ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم] " (٣). وليس هذا على إِطلاقه، وإنما في أحوال ضيّقة وأمّا فِعله للتهرب من الهدي فلا يجوز. ليس لحاضري المسجد الحرام إِلاّ الإِفراد: عن ابن عباس ﵄: أنه سُئل عن متعة الحجّ؟ فقال: أهلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النّبيّ ﷺ في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة؟ قال رسول الله ﷺ : اجعلوا إِهلالَكم بالحجّ عمرة؛ إِلا من قلّد الهدي (٤). فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: من قلّد الهدي؛ فإِنه لا يحلّ له حتى يبلغ الهدي محِلَّه (٥). ثمّ أمرنا عشية التّروية أن

стр. 1493

نهل بالحجّ، فإِذا فرغنا من المناسك؛ جئنا فطفنا بالبيت وبالصّفا والمروة، وقد تمَّ حجُّنا وعلينا الهدي كما قال الله -تعالى-: ﴿فما استيسر (١) من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحجِّ وسبعة إِذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦] إِلى أمصاركم، الشاة تجزي، فجمعوا نُسكين في عام بين الحجّ والعمرة؛ فإِنّ الله -تعالى- أنزله في كتابه وسنّة نبيّه ﷺ ، وأباحه للناس؛ غير أهل مكة، قال الله: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾، وأشهر الحجّ التي ذكر الله -تعالى-؛ "شوال وذو القعدة وذو الحجة، فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم" (٢). من هم حاضرو المسجد الحرام ؟ جاء في "تفسير ابن كثير" ﵀ بحذف: "في قوله -تعالى-: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن عنى بقوله: ﴿لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ بعد إجماع جميعهم على أنّ أهل الحرم معنيّون به، وأنه لا متعة لهم: فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصّة دون غيرهم. ثمّ ساق بإِسناده إِلى سفيان الثوري قال: قال ابن عباس ومجاهد: هم أهل الحرم. وقال عبد الرزاق: حدثنا معْمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: المتعة للناس -لا

стр. 1494

لأهل مكة- من لم يكن أهله من الحرم. وذلك قول الله : ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾. قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس. وقال آخرون: هم أهلُ الحرم ومن بينه وبين المواقيت، كما قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن رجل عن عطاء قال: من كان أهل دون المواقيت؛ فهو كأهل مكة، لا يتمتع. وقال عبد الله بن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن مكحول في قوله: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ قال: من كان دون الميقات. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر: سمعت الزهري يقول: من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع. وفي رواية عنه: اليوم واليومين. واختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي: أنهم أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ لأنّ من كان كذلك يعد حاضراً لا مسافراً، والله أعلم". وهذا الذي يترجّح -والله أعلم-؛ لأنّ الذين ذُكروا في تفسير الآية هم: أهل الحرم، وأَهل مكة، ودون الميقات، ومن كان أهله على يوم ويومين، ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة. فأهل الحرم وأهل مكة ومن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ قد

стр. 1495

دخلوا في المعنى المراد. وبقي من كان على مسيرة يوم أو يومين أو يوم وبعض يوم؛ فهذا ارتباطه بالسفر نفياً وإثباتاً. وبقي كذلك من كان دون الميقات، وهذا قول ليس بالقوي؛ لأنّ المواقيت متفاوتة في بعدها وقُربها من المسجد الحرام، وأبعدها ذو الحليفة فهل من كان منزله بعد هذا الميقات بشيء يسير يقال: إِنه من حاضري المسجد الحرام؟! والحاصل أن حاضري المسجد الحرام هم أهل الحرم، ومن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة. والله -تعالى- أعلم. أَيُّما أفضل للمكي؛ العمرة أم الطواف ؟ جاء في "مجموع الفتاوى" (٢٦/ ٢٤٨): "وسئل أبو العباس: أيما أفضل لمن كان بمكة: الطواف بالبيت أو الخروج إِلى الحل ليعتمر منه ويعود؟ وهل يستحب لمن كان بمكة كثرة الاعتمار في رمضان أو في غيره، أو الطواف بدل ذلك؟ وكذلك كثرة الاعتمار لغير المكي: هل هو مستحب؟ وهل في اعتمار النّبيّ ﷺ من الجعرانة وفي عمرة الحديبية مستند لمن يعتمر من مكة، كما في أمره لعائشة أن تعتمر من التنعيم؟ وقول النّبيّ ﷺ : "عمرة في رمضان تعدل حجة"؛ هل هي عمرة الأفقي؟ أو تتناول المكي الذي يخرج إِلى الحل ليعتمر في رمضان؟ فأجاب: أمّا من كان بمكة من مستوطن، ومجاور وقادم وغيرهم؛ فإِنّ طوافه بالبيت أفضل له من العمرة، وسواء خرج في ذلك إِلى أدنى الحل -وهو التنعيم الذي أحدث فيه المساجد التي تسمى: مساجد عائشة -أو أقصى الحل من أي

стр. 1496

جوانب الحرم، سواء كان من جهة "الجعرانة" أو "الحديبية" أو غير ذلك، وهذا المتفق عليه بين سلف الأمة، وما أعلم فيه مخالفاً من أئمة الإِسلام في العمرة المكية. وأمّا العمرة من الميقات: بأن يذهب إِلى الميقات فيُحرم منه، أو يرجع إِلى بلده، ثمّ يُنِشئ السفر منه للعمرة؛ فهذه ليست عمرة مكية بل هذه عمرة تامة، وليس الكلام هنا فيها. وهذه فيها نزاع: هل المقام بمكة أفضل منها، أم الرجوع إِلى بلده أو الميقات أفضل؟ وسيأتي كلام بعض من رجح المقام بمكة للطواف على الرجوع للعمرة من الميقات. وإِنما النزاع في أنه هل يكره للمكي الخروج للاعتمار من الحل أم لا؟ وهل يكره أن يعتمر مَنْ تشرع له العمرة -كالأفقي- في العام أكثر من عمرة أم لا؟ وهل يستحب كثرة الاعتمار أم لا؟ فأما كون الطواف بالبيت أفضل من العمرة لمن كان بمكة؛ فهذا مما لا يستريب فيه من كان عالماً بسنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه، وآثار الصحابة، وسلف الأمة وأئمتها، وذلك أن الطواف بالبيت من أفضل العبادات والقربات التي شرعها الله في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ ، وهو من أعظم عبادة أهل مكة؛ أعني: من كان بمكة مستوطناً أو غير مستوطن، ومن عباداتهم الدائمة الراتبة التي امتازوا بها على سائر أهل الأمصار، وما زال أهل مكة على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه وأصحابه ﵃ يطوفون بالبيت في كل وقت ويُكْثِرون ذلك ... ".

стр. 1497

وقال ﵀ (ص ٢٥٢): "وأمّا الاعتمار للمكي بخروجه إِلى الحل؛ فهذا لم يفعله أحد على عهد رسول الله ﷺ ؛ إِلا عائشة في حجة الوداع، مع أنّ النّبيّ ﷺ لم يأمرها به، بل أذن فيه بعد مراجعتها إِياه ... فأمّا أصحابه الذين حجوا معه حجة الوداع كلهم من أولهم إِلى آخرهم؛ فلم يخرج أحد منهم؛ لا قبل الحجة ولا بعدها؛ لا إِلى التنعيم ولا إِلى الحديبية ولا إِلى الجعرانة، ولا غير ذلك لأجل العمرة، وكذلك أهل مكة [المستوطنون]؛ لم يخرج أحد منهم، إِلى الحل لعمرة، وهذا متفق عليه، معلوم لجميع العلماء الذين يعلمون سنته وشريعته. وكذلك أيضاً أصحابه الذين كانوا مقيمين بمكة من حين فَتْحِهِ مكة من شهر رمضان سنة ثمان، وإلى أن توفي؛ لم يعتمر أحد منهم من مكة، ولم يخرج أحد منهم إِلى الحل ويهل منه، ولم يعتمر النّبيّ ﷺ وهو بمكة قط، لا من الحديبية، ولا من الجعرانة، ولا من غيرهما، بل قد اعتمر أربع عمر: ثلاث منفردة، وواحدة مع حجته، وجميع عمره كان يكون فيها قادماً إِلى مكة، لا خارجاً منها إِلى الحل. فأمّا عمرة الحديبية؛ فإِنه اعتمر من ذي الحليفة -ميقات أهل المدينة- هو وأصحابه الذين بايعوه في تلك العمرة تحت الشجرة، ثمّ إِنهم لما صدهم المشركون عن البيت، وقاضاهم النّبيّ ﷺ على العمرة من العام القابل، وصالحهم الصلح المشهور؛ حل هو وأصحابه من العمرة بالحديبية، ولم يدخلوا مكة ذلك العام ... ". وجاء في "الاختيارات" (ص ١١٥): "والقول بوجوب العمرة على أهل

стр. 1498

مكة: قول ضعيف جدّاً، مخالف للسنة الثابتة، ولهذا كان أصح الطريقين عن أحمد: أن أهل مكة لا عمرة عليهم، رواية واحدة، وفي غيرهم روايتان، وهي طريقة أبي محمد المقدسي. وطريقة المجد أبي البركات في العمرة ثلاث روايات، ثالثها: تجب على غير أهل مكة". القارن يطوف طوافاً واحداً ويسعى سعياً واحداً: عن عائشة ﵂: أنها حاضت بِسَرِف، فتطهّرت بعرفة، فقال لها رسول الله ﷺ : "يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك (١) " (٢). عن جابر ﵁: "أنّ رسول الله ﷺ قرن الحج والعمرة، فطاف لهما طوافاً واحداً" (٣). وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحرم بالحج والعمرة؛ أجزأه طواف واحد وسعْي واحد منهما؛ حتى يحلّ منهما جميعاً" (٤).

стр. 1499

من لم يجد هدْياً: من لم يجد هدْياً؛ فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إِذا رجع إِلى أهله، قال الله -تعالى-: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١). متى يصوم الأيام الثلاثة ؟ قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره" -بحذف-: "يقول -تعالى-: فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحجّ؛ أي: في أيام المناسك. قال العلماء: والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر؛ قاله عطاء، أو من حين يحرم؛ قاله ابن عباس وغيره؛ لقوله: ﴿في الحجّ﴾. ومنهم من يُجوِّز صيامها من أول شوال، قاله طاوس ومجاهد وغير واحد. وجوّز الشعبي صيام يوم عرفة وقبله يومين، وكذ اقال مجاهد، وسعيد بن جبير، والسدي، وعطاء، وطاوس، والحكم، والحسن وحماد، وإبراهيم، وأبو جعفر الباقر، والربيع، ومقاتل بن حيّان. وقال العوفي عن ابن عباس: إِذا لم يجد هدْياً؛ فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإِذا كان يوم عرفة الثالث؛ فقد تمّ صومه، وسبعة إِذا رجع

стр. 1500

إِلى أهله وكذا روى أبو إِسحاق عن وبرة عن ابن عمر قال: يصوم يوماً قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة. وكذا روي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أيضاً. فلو لم يصمها أو بعضها قبل يوم العيد؛ فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق؟ فيه قولان للعلماء؛ هما للإِمام الشافعي - أيضاً: القديم منهما: أنه يجوز له صيامها؛ لقول عائشة وابن عمر ﵃ في "صحيح البخاري": لم يرخّص في أيام التشريق أن يُصمن إِلا لمن لم يجد الهدي (١). وكذا رواه مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة وعن سالم عن ابن عمر، وإِنما قالوا ذلك لعموم، قوله: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة﴾ وقد روي من غير وجه عنهما. ورواه سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه. وبهذا يقول عبيد بن عمير الليثي، وعكرمة، والحسن البصري، وعروة بن الزبير، وإنما قالوا ذلك لعموم قوله: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ ... ". اهـ وعن هشام قال: أخبرني أبي: "كانت عائشة ﵂ تصوم أيّام منى، وكان أبوهُ (٢) يصومها" (٣). وعن ابن عمر ﵄ قال: "الصيام لمن تمتّع بالعمرة إِلى الحجّ

стр. 1501

إِلى يوم عرفة، فإِن لم يجد هدْياً ولم يصم؛ صام أيّام منى" (١). متى يبطل الحج بالجماع؟ وما جزاء الوطء ؟ إِذا وطئ المرء في الحجّ قبل التحلُّل الأوّل؛ يبطَل حجُّه وعليه بدنة. أمّا إِذا وطئ بعد التحلُّل الأول وقبل التحلُّل الثاني؛ فعليه شاة؛ ولا يبطل حجُّه. عن ابن عباس ﵄: "أنه سُئل عن رجل وقَع بأهله وهو بمنى؛ قبل أن يفيض؟ فأمره أن ينحر بدنة" (٢). وفي رواية: "الذي يصيب أهله قبل أن يفيض؛ يعتمر ويهدي" (٣). عن سعيد بن جبير: "أنّ رجلاً أهلّ هو وأمرأته جميعاً بعمرة، فقضت مناسكها إِلا التقصير، فغشيها قبل أن تقصر، فسئل ابن عباس عن ذلك؟ فقال: إِنها لشَبِقَةٌ (٤)، فقيل له: إِنها تسمع. فاستحيا من ذلك وقال: ألا أعلمتموني؟! وقال لها: أهريقي دماً، قالت: ماذا؟ قال: انحري ناقة أو بقرة أو شاة، قالت: أي ذلك أفضل؟ قال: ناقة" (٥).

стр. 1502

عن عمرو بن شعيب عن أبيه: "أنّ رجلاً أتى عبد الله بن عمرو يسأله عن مُحرِم وقع بامرأة، فأشار إِلى عبد الله بن عمر؟ فقال: اذهب إِلى ذلك فسله، قال: فلم يعرفه الرجل، فذهبت معه، فسأل ابن عمر، فقال: بطل حجك، فقال الرجل: فما أصنع؟ قال: اخرج مع الناس، واصنع ما يصنعون، فإِذا أدركت قابلاً؛ فَحُجَّ وأهْدِ فرجع إِلى عبد الله بن عمرو، وأنا معه، فأخبره، فقال: اذهب إِلى ابن عباس فسله، قال شعيب: فذهبت معه إِلى ابن عباس فسأله، فقال له كما قال ابن عمر: فرجع إِلى عبد الله بن عمرو وأنا معه، فأخبره بما قال ابن عباس، ثمّ قال: ما تقول أنت؟ فقال: قوْلي مثل ما قالا" (١). وإذا لم يجد الهدي؛ فإِنه يصوم ثلاثة أيام في الحجّ، وسبعة إِذا رجع إلى أهله (٢). الدماء في الحجّ لم يرد في دماء الحجّ إلاَّ خمس حالات: ١ - دم التمتع والقِران . قال -تعالى-: ﴿فَمَنْ تمتع بالعمرة إِلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعةٍ إِذا رجعتم﴾ (٣). ٢ - دم الفدية .

стр. 1503

وهو الدم الذي يجب على الحاج إِذا حلق شعره لمرض أو شيء يؤذيه. قال -تعالى-: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نُسُكٍ﴾ (١). وسألت شيخنا ﵀: هل صحّ معنى أو مبنى ما يُذكر عن عطاء أنه قال: إذا نتف المحرم ثلاث شعرات فصاعداً؛ فعليه دم؟ فأجاب ﵀: روايةً لا أدري، ودرايةً ندَعُه له. قلت: فلو صحّ سنداً فهل تقولون: ندعه له؟ فقال ﵀: نعم. ٣ - دم الجزاء . قال- تعالي-: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتُلوا الصيد وأنتم حُرُمٌ ومن قتَله منكم متعمداً فجزاءٌ مِتلُ ما قتَل من النَّعَم (٢) يحكم به ذَوَا عدلٍ منكم هدياً بالغَ الكعبة (٣) أو كفّارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً ليذوق وبال (٤) أمره عفا الله عمّا سلف ومن عاد فينتقمُ الله منه والله عزيزٌ ذو انتقام﴾ (٥).

стр. 1504

وهذا في صيد البّر. وأمّا صيد البحر؛ فجائز كما تقدّم، فليس فيه جزاء. ٤ - دم الوطء . وهو دمٌ يجب على الحاج إِذا جامع أهله أثناء حجّه. ٥ - دم الإِحصار . وهو الدم الذي يجب لانحباسه عن إِتمام المناسك، وعدم تمكُّنه من أدائها؛ لمرض أو عدوّ أو نحو ذلك، إِذا لم يكن قد اشترط عند إِحرامه بقوله: "اللهم! مَحِلِّي حيث حبستني". قال الله -تعالى-: ﴿فإِن أُحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ (١)؛ وسيأتي بعد قليل -إِن شاء الله تعالى-. قال شيخنا ﵀ لنا في بعض مجالسه: "ليس لموجبي الدماء أيّ مستند من الكتاب والسّنّة، اللهم إِلا أثر عبد الله بن عباس ﵄ يرويه الإِمام أبو بكر البيهقي في كتابه "السنن الكبرى" بالسند الصحيح عنه أنّه قال: "مَن نسي أو أخطأ في نُسك؛ فعليه دم" (٢). وقد روي هذا الأثر موقوفاً، وهو صحيح وروي مرفوعاً؛ ولا يصح؛ مع أنّ ابن عباس تفرّد في هذا الرأي، ولا نعلم من وافقه من أصحاب آخرين. فنحن نجد فيه توسعاً يخالف بعض الأحاديث الصحيحة، كمثل حديث

стр. 1505

ذلك الأعرابي الذي سمعه النّبيّ ﷺ يلبّي بالعمرة، وهو متضمّخ بالطيب وعليه جبّة؛ فأمره ﵊ بأن يخلع الجبّة أو القميص وأن يغسل عنه الطيب، وقال له: "اصنع في عمرتك ما تصنع في حجّك" (١)؛ ولم يأمره بدم، مع أنّ الذي فعَله يدخل في كلام ابن عباس ﵄ ولا نجد ما يوجب الدّم إِلا ما هو معلوم بالأدلّة الصحيحة من الكتاب والسنّة ... " انتهى. أثر ابن عباس ﵄: من نسي من نسكه شيئاً أو تركه؛ فليهرِق دماً " (٢). ولا بُد لنا من التأمّل في مسألة عظيمة كهذه - نسيان أو ترك مناسك مِن نسك الحج، لا يَرد فيها حديث مرفوع، والحاجة تقتضي ذلك؛ لكثرة وقوعها وملابستها من الناس، مع ما قد علمنا من أمر النّبيّ ﷺ بأخذ المناسك عنه؛ ومع ما لا يخفى من حِرص الصحابة ﵃ على التأسي والاقتداء به

стр. 1506

-﵊ وكثرتهم واجتماعهم - ما لا يكون في أيّ عبادة أُخرى، لا في جمعة، ولا جماعة، ولا صلاة عيد، ولا جهاد في سبيل الله -تعالى-. والصحابة ﵃ قد نقلوا أحكام الوضوء والصلاة بدقّة بلغت الغاية. فماذا يعني عدم ورود حديث مرفوع، أو نقولات مستفيضة من الصحابة ﵃ في هذا الأمر، مع ما سبق بيانه من النصوص البيّنة المتعلّقة بالدماء؟! والذبح مُكْلِفٌ كما لا يخفى؛ أو الصيام -على التفصيل المعلوم-؛ وهو يحتاج إِلى صبرٍ ومجاهدة. فهذا يجعلنا نقدّم الآيات والنصوص -التي بيّنت متى يهراق الدم- على أثر ابن عباس ﵄؛ لعدم علمنا مَن وافقه من الصحابة ﵃؛ كما أشار شيخنا ﵀ في تحديد المواطن التي تجب فيها الدماء؛ مع احترامنا لمن يأخذ بهذا الأثر. والله -تعالى- أعلم. الإِحصار الإِحصار: هو المنع والحبس. والمراد: المنع عن الطواف في العمرة أو أداء الأركان أو بعضها، كالوقوف بعرفة وطواف الإِفاضة. قال الله -تعالى-: ﴿فإِن أُحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ (١).

стр. 1507

جاء في "تفسير ابن كثير": "ذكروا أنّ هذه الآية نزلت في سنة ست؛ أي: عام الحديبية، حين حال المشركون بين رسول الله ﷺ وبين الوصول إِلى البيت ... ". *واختلف العلماء هل يختصّ الحصر بالعدوّ، دون المرض أو غيره؟ وذكروا عن طاوس عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا حصر إِلا حصر العدوّ، فأمّا من أصابه مرض أو وجع أو ضلال؛ فليس عليه شيء؛ إِنما قال الله: ﴿فإذا أمِنتم﴾، فليس الأمن حصراً. القول الثاني: أنّ الحصر أعمّ من أن يكون بعدوّ أو مرض أو ضلال عن الطريق أو نحو ذلك. عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: "من كُسِرَ أو عَرِج؛ فقد حلّ، وعليه حجة أخرى. فحدثت به ابن عباس، وأبا هريرة فقالا: صدق" (١). وفي رواية عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة قال: "سألت الحجاج بن عمرو عن حبس المُحرم؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : من كُسرَ أو مرض أو عرِج فقد حل، وعليه الحجُّ من قابل. قال عكرمة: فحدثت به ابن عباس وأبا هريرة فقالا: صدق" (٢).

стр. 1508

وأفتى ابن مسعود ﵁ رجُلاً لُدغ بأنه مُحْصَرٌ (١). القول الثاني هو الراجح -والله أعلم- لذلك جاء تبويبه في "سنن أبي داود" تحت (باب في الإِحصار)، وفي "سنن ابن ماجه" تحت (باب المحصر)، وفي "المشكاة" (٢/ ٨٢٨): (باب الإِحصار وفوت الحج). والحديث صريح فيمن مُنع وحُبس في غير العدّو، والثمرة هي الحبس؛ سواءٌ أكان من عدوٍ أم مرض أم ضلال طريق. وبالله -تعالى- التوفيق. وجاء في "الاختيارات" (ص ١١٩): "والمحصر بمرض أو ذهاب نفقة: كالمحصر بعدّو، وهو إِحدى الروايتين عن أحمد". يذبح المحصر ما استيسر من الهدي: قال الله -تعالى-: ﴿فإِن أُحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ (٢). عن ابن عباس ﵄ قال: "قد أُحصر رسول الله ﷺ ، فحلق رأسه، وجامع نساءه، ونحر هديه، حتى اعتمر عاماً قابلاً" (٣). وذهب الجمهور إِلى إِجزاء الشاة في الإِحصار. قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": "والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إِليه من إِجزاء ذبح الشاة في الإِحصار: أنّ الله أوجب ذبح

стр. 1509

ما استيسر من الهدي؛ أي: مهما تيسر مما يسمى هدياً، والهدي من بهيمة الأنعام، وهي الإِبل والبقر والغنم، كما قاله الحَبْر البحر ترجمان القرآن وابن عم رسول الله ﷺ ، وقد ثبت في "الصحيحين" عن عائشة أمّ المؤمنين ﵂ قالت: "أهدى النّبيّ ﷺ مرة غنماً" (١). مكان ذبْحها: اختلف العلماء في موضع ذبح هدي الإِحصار: فقال الجمهور: يَذبَحُ هديَه حيث يحل في الحرم أو الحل. وقال بعضهم: لا ينحره إلاَّ في الحرم. وقيل غير ذلك. والراجح: ما قاله الجمهور: أنه يذبح حيث هو؛ لأنّ هذا ظاهر النص، وهو الشيء الممكن. والله أعلم. وسألت شيخنا ﵀ عن ذلك. فقال: "يذبحه حيث هو". إِذا أخطأ العِدّة في الحج ولم يقم ببعض الأركان؛ فإِنه يُحلّ بعمرة وعليه الحج من قابل: عن سليمان بن يسار: "أنّ هَبَّار بن الأسود جاء يوم النحر، وعمر بن الخطاب ينحر هديه، فقال: يا أمير المؤمنين! أخطأنا العِدّة، كنّا نُرى أن هذا اليوم يوم عرفة، فقال عمر: اذهب إِلى مكة، فطُف أنت ومن معك، وانحروا

стр. 1510

هدياً إِن كان معكم، ثمّ احلقوا أو اقصروا وارجعوا، فإِذا كان عام قابل فحُجّوا وأَهدوا! فمن لم يجد؛ فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إِذا رجع" (١). وفي رواية: "أن أبا أيوب الأنصاري خرج حاجاً، حتى إِذا كان بالنازية من طريق مكة؛ أضل رواحله، وأنه قدم على عمر بن الخطاب يوم النحر، فذكر ذلك له؟ فقال عمر: اصنع كما يصنع المعتمر، ثمّ قد حللت، فإِذا أدركك الحج قابلاً؛ فاحجج، وأهد ما تيسر من الهدي" (٢). ما يُفعَل بالمحرم إِذا مات (٣): عن ابن عباس ﵁ قال: "بينما رجل واقف بعرفة؛ إِذ وقع عن راحلته فوقصته (٤) -أو قال: فأوقصته-؟ قال النّبيّ ﷺ : اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه (٥)، ولا تخمِّروا (٦) رأسه؛ فإِنَّه يُبعث يوم القيامة مُلبياً" (٧).
следующие страницы →