← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

-﵊ وكثرتهم واجتماعهم - ما لا يكون في أيّ عبادة أُخرى، لا في جمعة، ولا جماعة، ولا صلاة عيد، ولا جهاد في سبيل الله -تعالى-. والصحابة ﵃ قد نقلوا أحكام الوضوء والصلاة بدقّة بلغت الغاية. فماذا يعني عدم ورود حديث مرفوع، أو نقولات مستفيضة من الصحابة ﵃ في هذا الأمر، مع ما سبق بيانه من النصوص البيّنة المتعلّقة بالدماء؟! والذبح مُكْلِفٌ كما لا يخفى؛ أو الصيام -على التفصيل المعلوم-؛ وهو يحتاج إِلى صبرٍ ومجاهدة. فهذا يجعلنا نقدّم الآيات والنصوص -التي بيّنت متى يهراق الدم- على أثر ابن عباس ﵄؛ لعدم علمنا مَن وافقه من الصحابة ﵃؛ كما أشار شيخنا ﵀ في تحديد المواطن التي تجب فيها الدماء؛ مع احترامنا لمن يأخذ بهذا الأثر. والله -تعالى- أعلم. الإِحصار الإِحصار: هو المنع والحبس. والمراد: المنع عن الطواف في العمرة أو أداء الأركان أو بعضها، كالوقوف بعرفة وطواف الإِفاضة. قال الله -تعالى-: ﴿فإِن أُحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ (١).

стр. 1507

جاء في "تفسير ابن كثير": "ذكروا أنّ هذه الآية نزلت في سنة ست؛ أي: عام الحديبية، حين حال المشركون بين رسول الله ﷺ وبين الوصول إِلى البيت ... ". *واختلف العلماء هل يختصّ الحصر بالعدوّ، دون المرض أو غيره؟ وذكروا عن طاوس عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا حصر إِلا حصر العدوّ، فأمّا من أصابه مرض أو وجع أو ضلال؛ فليس عليه شيء؛ إِنما قال الله: ﴿فإذا أمِنتم﴾، فليس الأمن حصراً. القول الثاني: أنّ الحصر أعمّ من أن يكون بعدوّ أو مرض أو ضلال عن الطريق أو نحو ذلك. عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: "من كُسِرَ أو عَرِج؛ فقد حلّ، وعليه حجة أخرى. فحدثت به ابن عباس، وأبا هريرة فقالا: صدق" (١). وفي رواية عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة قال: "سألت الحجاج بن عمرو عن حبس المُحرم؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : من كُسرَ أو مرض أو عرِج فقد حل، وعليه الحجُّ من قابل. قال عكرمة: فحدثت به ابن عباس وأبا هريرة فقالا: صدق" (٢).

стр. 1508

وأفتى ابن مسعود ﵁ رجُلاً لُدغ بأنه مُحْصَرٌ (١). القول الثاني هو الراجح -والله أعلم- لذلك جاء تبويبه في "سنن أبي داود" تحت (باب في الإِحصار)، وفي "سنن ابن ماجه" تحت (باب المحصر)، وفي "المشكاة" (٢/ ٨٢٨): (باب الإِحصار وفوت الحج). والحديث صريح فيمن مُنع وحُبس في غير العدّو، والثمرة هي الحبس؛ سواءٌ أكان من عدوٍ أم مرض أم ضلال طريق. وبالله -تعالى- التوفيق. وجاء في "الاختيارات" (ص ١١٩): "والمحصر بمرض أو ذهاب نفقة: كالمحصر بعدّو، وهو إِحدى الروايتين عن أحمد". يذبح المحصر ما استيسر من الهدي: قال الله -تعالى-: ﴿فإِن أُحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ (٢). عن ابن عباس ﵄ قال: "قد أُحصر رسول الله ﷺ ، فحلق رأسه، وجامع نساءه، ونحر هديه، حتى اعتمر عاماً قابلاً" (٣). وذهب الجمهور إِلى إِجزاء الشاة في الإِحصار. قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": "والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إِليه من إِجزاء ذبح الشاة في الإِحصار: أنّ الله أوجب ذبح

стр. 1509

ما استيسر من الهدي؛ أي: مهما تيسر مما يسمى هدياً، والهدي من بهيمة الأنعام، وهي الإِبل والبقر والغنم، كما قاله الحَبْر البحر ترجمان القرآن وابن عم رسول الله ﷺ ، وقد ثبت في "الصحيحين" عن عائشة أمّ المؤمنين ﵂ قالت: "أهدى النّبيّ ﷺ مرة غنماً" (١). مكان ذبْحها: اختلف العلماء في موضع ذبح هدي الإِحصار: فقال الجمهور: يَذبَحُ هديَه حيث يحل في الحرم أو الحل. وقال بعضهم: لا ينحره إلاَّ في الحرم. وقيل غير ذلك. والراجح: ما قاله الجمهور: أنه يذبح حيث هو؛ لأنّ هذا ظاهر النص، وهو الشيء الممكن. والله أعلم. وسألت شيخنا ﵀ عن ذلك. فقال: "يذبحه حيث هو". إِذا أخطأ العِدّة في الحج ولم يقم ببعض الأركان؛ فإِنه يُحلّ بعمرة وعليه الحج من قابل: عن سليمان بن يسار: "أنّ هَبَّار بن الأسود جاء يوم النحر، وعمر بن الخطاب ينحر هديه، فقال: يا أمير المؤمنين! أخطأنا العِدّة، كنّا نُرى أن هذا اليوم يوم عرفة، فقال عمر: اذهب إِلى مكة، فطُف أنت ومن معك، وانحروا

стр. 1510

هدياً إِن كان معكم، ثمّ احلقوا أو اقصروا وارجعوا، فإِذا كان عام قابل فحُجّوا وأَهدوا! فمن لم يجد؛ فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إِذا رجع" (١). وفي رواية: "أن أبا أيوب الأنصاري خرج حاجاً، حتى إِذا كان بالنازية من طريق مكة؛ أضل رواحله، وأنه قدم على عمر بن الخطاب يوم النحر، فذكر ذلك له؟ فقال عمر: اصنع كما يصنع المعتمر، ثمّ قد حللت، فإِذا أدركك الحج قابلاً؛ فاحجج، وأهد ما تيسر من الهدي" (٢). ما يُفعَل بالمحرم إِذا مات (٣): عن ابن عباس ﵁ قال: "بينما رجل واقف بعرفة؛ إِذ وقع عن راحلته فوقصته (٤) -أو قال: فأوقصته-؟ قال النّبيّ ﷺ : اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه (٥)، ولا تخمِّروا (٦) رأسه؛ فإِنَّه يُبعث يوم القيامة مُلبياً" (٧).

стр. 1511

جزاء قتْل الصّيد قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا (١) الصيد وأنتم حُرُم ومن قَتَله منكم مُتعمداً فجزاءٌ مِثلُ ما قَتَلَ من النَّعَم يحكُم به ذَوَا عدلٍ منكم هدياً بالغَ الكعبة أو كفّارةٌ طَعَامُ مساكينَ أو عَدْلُ ذلك صِياماً ليذوقَ وبال أمره عفا الله عمّا سلف ومن عادَ فينتقمُ الله منه والله عزيزٌ ذو انتقام﴾ (٢). قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره" -بحذف- بعد أن ذكر بعض أقوال السلف في المتعمدّ والنّاسي: " ﴿هدياً بالغ الكعبة﴾؛ أي: واصلاً إِلى الكعبة، والمراد وصوله إِلى الحرم بأن يذبح هناك، ويُفرّق لحمه على مساكين الحرم، وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة. ... والذي عليه الجمهور (٣) أن العامد والناسي سواءٌ في وجوب الجزاء عليه. قال الزهري: دل الكتاب على العامد، وجرَت السّنّة على الناسي. ومعنى هذا: أن القرآن دل على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه بقوله: ﴿ليذوق وبال أمره عفا الله عمّا سلف ومن عاد فينتقم الله منه﴾، وجاءت السُّنّة من أحكام النّبيّ ﷺ وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ، كما دل

стр. 1512

الكتاب عليه في العمد. وأيضاً؛ فإِنَّ قتل الصيد إِتلاف، والإِتلاف مضمون في العمد وفي النسيان، لكن المتعمد مأثوم، والمخطئ غير ملوم. وقوله: ﴿فجزاءٌ مِثل ما قَتَل من النَّعَم﴾، قرأ بعضهم بالإِضافة، وقرأ آخرون بعطفها: (فجزاءٌ مثلُ ما قتل من النَّعَم﴾، وحكى ابن جرير: أن ابن مسعود قرأها: "فجزاؤه مثل ما قتل من النعم". وفي قوله: ﴿فجزاءٌ مِثلُ ما قَتَل من النَّعَم﴾ -على كل من القراءتين- دليل لما ذهب إِليه مالك والشافعي وأحمد والجمهور من وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم، إِذا كان له مثل من الحيوان الإِنسي، خلافاً لأبي حنيفة ﵀؛ حيث أوجب القيمة، سواءً كان الصيد المقتول مثليّاً أو غير مثليّ، قال: وهو مخير؛ إن شاء تصدق بثمنه، وإن شاء اشترى به هدياً. والذي حكم به الصحابة في المِثْل أولى بالاتباع، فإِنهم حكموا في النعامة ببدنة، وفي بقرة الوحش ببقرة، وفي الغزال بعنز. وذِكْرُ قضايا الصحابة وأسانيدها مقررٌ في كتاب "الأحكام". وأمّا إِذا لم يكن الصيد مثليّاً؛ فقد حكم ابن عباس فيه بثمنه يحمل إِلى مكة. رواه البيهقي. وقوله: ﴿يحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾؛ يعني: أنه يحكم بالجزاء -في المثل -أو بالقيمة - في غير المثل-: عدلان من المسلمين. وقوله: ﴿أو كفارةٌ طعام مساكين أو عدْل ذلك صياماً﴾، أي: إِذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم، أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال، أو قلنا بالتخيير في هذا المقام بين الجزاء والإِطعام والصيام ... لظاهر "أو"؛ فإِنها

стр. 1513

للتخيير، والقول الآخر: أنها على الترتيب. فصورة ذلك: أن يعدل إِلى القيمة، فيقوم الصيد المقتول عند مالك، وأبي حنيفة وأصحابه، وحماد وإبراهيم. وقال الشافعي: يقوم مثله من النَّعم لو كان ْموجوداً، ثمّ يشتري به طعام ويتصدّق به، فيُصرف لكل مسكين مُد منه عند الشافعي، ومالك وفقهاء الحجاز، واختاره ابن جرير. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يُطعَم كل مسكين مُدّين. وهو قول مجاهد. وقال أحمد: مُدٌّ من حنطة، أو مُدان من غيره، فإِن لم يجد، أو قلنا بالتخيير؛ صام عن إِطعام كل مسكين يوماً. وقال ابن جرير: وقال آخرون: يصوم مكان كل صاع يوماً، كما في جزاء المترفَّه بالحلق ونحوه؛ فإِنّ الشارع أمر كَعْبَ بن عُجْرَةَ أن يقسم فَرْقاً بين ستة، أو يصوم ثلاثة أيام، والفرق ثلاثة آصُعِ". انتهى. ما قضى به النّبيّ ﷺ والسلف في هذا المقام: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "سألت رسول الله ﷺ عن الضَّبُع؟ فقال: "هو صيدٌ، ويُجعل فيه كَبش إِذا صاده المُحرِم" (١). وفي رواية: قال أبو عمّار: "قلت لجابر بن عبد الله: الضَّبُعُ أصيدٌ هي؟ قال: نعم. قلت: آكلها؟ قال: نعم. قال: قلت: أقاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم" (٢).

стр. 1514

وعن جابر ﵁ أيضاً: "أنّ عمر بن الخطاب قضى في الضّبُع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعَناق (١)، وفي اليربوع (٢) بجَفْرة" (٣). وفي رواية: "قال أبو عبيد: قال أبو زيد: الجَفْر من أولاد المعز: ما بلَغ أربعة أشهر، وفُصل عن أمه (٤) " (٥). وعن ابن عباس ﵄: أنه جعل في حَمام الحرم على المحرم والحلال في كل حمامةٍ شَاة" (٦). وفي روايهَ: "ما كان سوى حمام الحرم؛ ففيه ثمنه إِذا أصابه المحرم" (٧). صيد الحرم وقطْع شجره، وهل في ذلك جزاءٌ أو قيمة ؟ يحرُم على المُحرم والحلال -وهو غير المحرم- صيد الحرم، وتنفيره، وقطْع شجرِهِ وشوكِهِ ورَطْبِ نباتِهِ؛ إلاَّ الإِذخِرَ. عن ابن عباس ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "إِنّ الله حرَّم مكة، فلم

стр. 1515

تحلّ لأحد قبلي، ولا تحلّ لأحد بعدي، وإنما أُحلّت لي ساعةً من نهار، لا يُختلى (١) خلاها (٢)، ولا يُعضد (٣) شجرها، ولا يُنفّر صيدها، ولا تُلتقط لُقطتها إِلا لمعرّف. وقال العباس: يا رسول الله! إلاَّ الإِذخِر لِصاغتنا (٤) وقُبورنا؟ فقال: إِلا الإِذخِر" (٥). وفي رواية: "فقال العباس: إِلا الإِذخِر يا رسول الله! فإِنّه لا بُدّ منه للقَين (٦) والبيوت؟ فسكَت، ثمّ قال: إِلا الإِذخِر؛ فإِنه حلال" (٧). وجاء في "الروضة الندية" (١/ ٦١٤) في مناقشة الجزاء والقيمة: "أقول: عندي أنه لا يجب على من قتل صيداً، أو قطع شجراً من حرم المدينة لا جزاءٌ ولا قيمة؛ بل يأثم فقط، ويكون لمن وجده يفعل ذلك أخذ سَلَبِهِ؛ ولا يجب على الحلال في صيد حرم مكة ولا شجره شيء إِلا مجرد الإِثم؛ وأما من كان محرماً؛ فعليه الجزاء الذي ذكَره الله إِذا قتل صيداً، وليس عليه شيء

стр. 1516

في شجر مكة؛ لعدم ورود دليل تقوم به الحجة، وما يروى عنه ﷺ -أنه قال في الدوحة الكبيرة إِذا قطعت من أصلها بقرة- لم يصح، وما يروى عن بعض السلف لا حجة فيه. والحاصل: أنه لا ملازمة بين النهي عن قتل الصيد وقطع الشجر، وبين وجوب الجزاء أو القيمة، بل النهي يفيد بحقيقته التحريم، والجزاء والقيمة لا يجبان إِلا بدليل، ولم يرد دليل إِلا قول الله -تعالى-: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرم﴾ الآية، وليس فيها إِلا ذكر الجزاء فقط؛ فلا يجب غيره". وعن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: "في بيض النّعام ثمنه" (١). وفي طريق أخرى: "أنه جعل في كلّ بيضتين من بيض حمام الحرم درهماً" (٢). عن القاسم قال: "كنت جالساً عند ابن عباس، فسأله رجل عن جرادة قتلها وهو محرم؟ فقال ابن عباس: فيها قبضة من طعام، ولتأخذن بقبضة جرادات، ولكن ولو". قال الشافعي: "قوله: ولتأخذن بقبضة جرادات؛ إِنما فيها القيمة، وقوله (ولو) يقول: تحتاط، فتخرج أكثر مما عليك بعدما أعلمتك أنه أكثر مما

стр. 1517

عليك" (١). تحريم صيد حرم المدينة وقطع شجره: وما مضى في تحريم صيد حرم مكة وشجره ... إِلى غير ذلك؛ فإِنه ماضٍ في حرم المدينة. عن جابر ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : "إِنّ إِبراهيم حرّم مكة، وإنيّ حرّمت المدينة ما بين لابتيها (٢)، لا يقطع عِضاهُهَا (٣) ولا يُصاد صيدها" (٤). وعن علي ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "لا يُختلى خلاها، ولا يُنفّر صيدها، ولا تُلتقط لُقطتها؛ إلاَّ لمن أشاد بها، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن يقطع منها شجرة؛ إِلا أن يعلف رجل بعيره" (٥). وعن علي بن أبي طالب ﵁ أيضاً قال: قال النّبيّ ﷺ : "المدينة حرم ما بين عَيْرٍ إِلى ثَوْرِ" (٦). وعن أبي هريرة ﵁ قال: "حرّم رسول الله ﷺ ما بين لابَتَيِ

стр. 1518

المدينة، قال أبو هريرة: فلو وجدتُ الظّبَاءَ ما بين لابتيها ما ذَعَرْتُها (١)، وجعل اثني عشر ميلاً حول المدينة حِمى" (٢). وفي رواية عن أبي هريرة أنه كان يقول: "لو رأيت الظباء ترتع (٣) بالمدينة ما ذَعَرْتها، قال رسول الله ﷺ : ما بين لابتيها حرام" (٤). ليس في قتْل صيد الحرم المدني ولا قطع شجره جزاء: مَن قتَل صيد الحرم المدني أو قطع شجره؛ فإِنه آثم، ولا جزاء عليه؛ لعدم ورود الدليل في ذلك. عن أنس ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "المدينة حرم من كذا إِلى كذا، لا يُقطع شجرها، ولا يُحْدَثُ فيها حدث (٥)، من أحدث حَدَثاً؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" (٦). مَن وجد أحداً يقطع شجر المدينة فَلْيَسْلَبْهُ: وعن عامر بن سعد: أنّ سعداً ركب إِلى قصره بالعقيق، فوجد عبداً يقطع

стр. 1519

شجراً أو يخبطه؛ فسَلَبَه (١)، فلمّا رجع سعد جاءه أهل العبد؛ فكلّموه أن يردّ على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أنْ أرُدَّ شيئاً نفّلنيه رسول الله ﷺ ! وأبى أنْ يَرُدّ عليهم" (٢). وفي رواية عن سليمان بن أبي عبد الله قال: رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلاً يصيد في حرم المدينة -الذي حرّم رسول الله ﷺ -، فسلبه ثيابه، فجاء مواليه فكلّموه فيه، فقال: إِن رسول الله ﷺ حرّم هذا الحرم وقال: "من وجد أحداً يصيد فيه؛ فليسلبه، فلا أرد عليكم طُعْمَةً أطعَمنيها رسول الله ﷺ ، ولكن إِن شئتم دفعت إِليكم ثمنه (٣) " (٤). وفي رواية: "سمعت رسول الله ﷺ ينهى أن يُقطَع من شجر المدينة شيء، وقال: ن قطع منه شيئاً؛ فلمن أخذه سَلَبُه" (٥). مكّة أحب أرض الله إلى الله -تعالى -: عن عبد الله بن عدي بن حمراء ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفاً على الحَزْوَرَة (٦)، فقال: والله إِنك لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إِلى الله،

стр. 1520

ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت" (١). عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لمكة: "ما أَطيَبَكِ من بلد، وأَحَبَّكِ إِليّ! ولولا أنّ قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك" (٢). جواز دخول مكّة بغير إِحرام عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أنّ رسول الله ﷺ "دخل مكّة وعليه عمامة سوداء بغير إِحرام" (٣). وقال البخاري ﵀: "باب دخول الحرم ومكّة بغير إِحرام". ودخل ابن عمر، وإنما أمر النبيّ ﷺ بالإِهلال لمن أراد الحج والعمرة (٤). ثمّ ذكر برقم (١٨٤٥) حديث ابن عباس ﵄: أنّ النّبيّ ﷺ وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هنّ لهنّ ولكلِّ آتٍ أتى عليهنّ من غيرهم؛ ممنّ أراد الحجّ والعمرة، فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة" (٥).

стр. 1521

ثمّ ذكر برقم (١٨٤٦) حديث أنس بن مالك ﵁ "أنّ رسول الله ﷺ دخل عام الفتح وعلى رأسه مِغفَر (١)، فلمّا نزعه جاء رجل فقال: إنّ ابن خَطَلٍ متعلّق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه" (٢). قال الحافظ في "الفتح" (٤/ ٥٩) في قول البخاري -رحمهما الله-: "ودخل ابن عمر": ووصله مالك في "الموطا" عن نافع قال: "أقبل عبد الله بن عمر من مكة، حتى إِذا كان بقُديد -يعني: بضم القاف-؛ جاءه خبر عن الفتنة، فرجع فدخل مكة بغير إِحرام" (٣). ولعلّ مراد الإِمام البخاري ﵀: أن دخول النّبيّ ﷺ وعلى رأسه المغفر؛ يدلّ على جواز دخول مكّة بغير إِحرام؛ لأنّ المحرم لا يغطيّ رأسه. والله أعلم. وفي حديث ابن عباس ﵄: "هُنّ لهنّ ولكلّ آتٍ أتى عليهنّ من غيرهم، ممن أراد الحجّ والعمرة": دليل على تخصيص الإِحرام بمن أراد الحج والعمرة، ومفهومه: أن التردّد إِلى مكة لغير قصد الحج والعمرة لا يلزمه الإِحرام (٤).

стр. 1522

بين يدي الإِحرام (١): يستحب لمن عزم على الحج أو العمرة المفردة؛ أن يغتسل للإِحرام، ولو كانت حائضاً أو نُفَساءَ. عن ابن عباس ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "الحائض والنفساء إِذا أتتا على الوقت؛ تغتسلان وتحرمان، وتقضيان المناسك كلها؛ غيرَ الطواف بالبيت" (٢). ثمّ يلبس الرجل ما شاء من الألبسة التي لم تفصّل على قدر الأعضاء، وهي المسماة عند الفقهاء بـ (غير المخيط)، فيلبس الإِزار فيلفُّ به النصف الأسفل من البدن، والرداء يلف به النصف الأعلى منه، ونحوهما، والنعلين؛ وهما كل ما يلبس على الرجلين لوقايتهما مما لا يستر الكعبين. ولا يلبس القلنسوة والعمامة ونحوهما مما يستر الرأس مباشرة (٣). هذا للرجل. وأما المرأة؛ فلا تنزع شيئاً من لباسها المشروع؛ إلاَّ أنها لا تشد على وجهها النقاب (٤) والبرقع أو اللثام أو المنديل ولا تلبس القُفَّازين (٥) وقد قال ﷺ : "لا

стр. 1523

يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا البُرنُس (١)، ولا السراويل، ولا ثوباً مسّه ورس ولا زعفران، ولا الخفين؛ إِلا أن لا يجد نعلين [فيلبس الخُفّين] " (٢). "لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين" (٣). ويجوز للمرأة أن تستر وجهها بشيء؛ كالخمار أو الجلباب؛ تلقيه على رأسها وتسدله على وجهها، وإِن كان يمس الوجه على الصحيح، ولكنها لا تشدّه عليها؛ كما قال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-. وله أن يلبس الإِحرام قبل الميقات ولو في بيته، كما فعله رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃؛ وفي هذا تيسير على الذين يحجّون بالطائرة، ولا يمكنهم لبس ملابس الإِحرام عند الميقات، فيجوز لهم أن يصعدوا الطائرة في لباس الإِحرام، ولكنهم لا يُحرمون إِلا قبل الميقات بيسير حتى لا يفوتهم الميقات وهم غير محرمين. وأن يدّهن ويتطيب في بدنه بأي طيب شاء؛ له رائحة ولا لون له؛ إِلا النساء؛ فطيبهنّ ما له لون ولا رائحة له.

стр. 1524

عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "انطلق النّبيّ ﷺ من المدينة بعد ما ترجّل وادّهن ولبس إِزاره ورداءه هو وأصحابه" (١). عن عائشة ﵂ قالت: "كأني انظر إِلى وَبِيص (٢) الطّيب في مفارق (٣) رسول الله ﷺ وهو محرم" (٤). وعنها ﵂ قالت: "كنت أُطيِّب رسول الله ﷺ لإِحرامه حين يحرم، ولِحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت" (٥). وعنها ﵂ قالت: "كنّا نخرج مع النّبيّ ﷺ إِلى مكة؛ فنُضمّد جباهنا بالسُّكِّ (٦) المطيَّب عند الإِحرام، فإِذا عرقت إحدانا سال على وجهها، فيراه النّبيّ ﷺ ؛ فلا ينهاها" (٧). وهذا كلّه قبل أن ينوي الإِحرام عند الميقات ويلبّي به. وأمّا بعده فحرام. الإِحرام ونيّته: فإِذا جاء ميقاته؛ وجب عليه أن يُحرم، ولا يكون ذلك بمجرد ما في قلبه

стр. 1525

من قصد الحج ونيّته؛ فإِن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، بل لا بد من قول أو عمل يصير به محرماً، فإِذا لبّى قاصداً للإِحرام؛ انعقد إِحرامه اتفاقاً (١). ما يباح للمحرم (٢): ١ - الاغتسال لغير احتلام، ودلك الرأس. عن عبد الله بن حنين: أنّ عبد الله بن العباس والمِسْوَرَ بن مَخْرَمَةَ اختلفا بالأبواء، فقال عبد الله بن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسَلني عبد الله بن العباس إِلى أبي أيوب الأنصاري؛ فوجدته يغتسل بين القرنين؛ وهو يستتر بثوب، فسلّمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله ابن حنين، أرسلني إليك عبد الله بن العباس أسألك: كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب؛ فطأطأه حتى بدا لي رأسه؛ ثمّ قال لإِنسان يصُبُّ عليه: اصبُبْ؛ فَصَبَّ على رأسه، ثمّ حرّك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، وقال: هكذا رأيته ﷺ يفعل" (٣). وفي رواية: "فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبداً" (٤).

стр. 1526

وعن ابن عباس قال: "ربما قال لي عمر بن الخطاب ﵁ ونحن محُرمون بالجحفة: تعالَ أباقيك أيُّنا أطول نفساً في الماء" (١). وعن عبد الله بن عمر: أن عاصم بن عمر وعبد الرحمن بن زيد وقعا في البحر يتمالقان (٢)؛ يغيِّب أحدهما رأس صاحبه، وعمر ينظر إِليهما، فلم ينكر ذلك عليهما". ٢ - حكّ الرأس والجسد، ولو سقط منه بعض الشعر، وحديث أبي أيوب المتقدّم آنفاً دليل عليه. وعن أمّ علقمة بن أبي علقمة أنها قالت: سمعت عائشة زوج النّبيّ ﷺ تُسأل عن المحرم: أيحك جسده؟ فقالت: نعم؛ فليحكه وليشدُد، ولو رُبِطت يداي، ولم أجد إِلا رجلي لحككت (٣). ولم ير ابن عمر وعائشة ﵃ بالحكّ بأساً (٤). قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "المجموعة الكبرى" (٢/ ٣٦٨): "وله أن يحك بدنه إِذا حكَّه، وكذلك إِذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك؛ لم يضره".

стр. 1527

٣ - الاحتجام ولو بحلق الشعر مكان الحجم؛ لحديث ابن بُحينة ﵁ قال: "احتجم النّبيّ ﷺ وهو محرم بـ (لَحْيَيْ جمل) (١) في وسط رأسه" (٢). قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "مناسكه" (٢/ ٣٣٨): "وله أن يحك بدنه إِذا حكه، ويحتجم في رأسه وغير رأسه، وإِن احتاج أن يحلق شعر الذّكر جاز؛ فإِنّه قد ثبت في "الصحيح" ... " ثمّ ساق هذا الحديث، ثمّ قال: ولا يمكن ذلك إِلا مع حلق بعض الشعر، وكذلك إِذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك؛ لم يضره، وإن تيقن أنه انقطع بالغسل". وهذا مذهب الحنابلة؛ كما في "المغني" (٣/ ٣٠٦)، ولكنه قال: "وعليه الفدية". وبه قال مالك وغيره. ورده ابن حزم بقوله: (٧/ ٢٥٧) -عقب الحديث-: "لم يخبر ﵇ أن في ذلك غرامة ولا فدية، ولو وجبت لما أغفل ذلك، وكان ﵇ كثير الشعر أفرع (٣) وإنما نهينا عن حلق الرأس في الإِحرام". ٤ - شم الريحان وطرح الظفر إِذا انكسر. قال ابن عباس ﵁: والمحرم يدخل الحمام، وينزع ضرسه، ويشم الريحان، وإذا انكسر ظفره طرحه، ويقول: أميطوا عنكم الأذى، فإِن الله لا يصنع بأذاكم شيئاً (٤).

стр. 1528

إِلى هذا ذهب ابن حزم (٧/ ٢٤٦). وروى مالك عن محمد بن عبد الله ابن أبي مريم: أنه سأل سعيد بن المسيب عن ظفر له انكسر وهو محرم؟ فقال سعيد: اقطعه. ٥ - الاستظلال بالخيمة أو المظلة (١) (الشمسية) وفي السيارة. ورفع سقفها من بعض الطوائف تشدد، وتنطع في الدين، لم يأذن به رب العالمين، فقد صحّ أنّ النّبيّ ﷺ أمر بنصْب القُبَّة له بـ (نمرة)، ثمّ نزل بها (٢). وعن أمّ الحصين ﵂ قالت: "حججتُ مع رسول الله ﷺ حجّة الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً؛ وأحدهما آخذ بخطام ناقة النّبيّ ﷺ ، والآخر رافعٌ ثوبَه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة" (٣). ٦ - وله أن يشد المنطقة والحزام على إِزاره، وله أن يعقده عند الحاجة، وأن

стр. 1529

يتختم، وأن يلبس ساعة اليد، ويضع النظارة؛ لعدم النهي عن ذلك، وورود بعض الآثار بجواز شيء من ذلك. فعن عائشة ﵂: "أنها سُئلت عن الهِميان (١) للمحرم؟ فقالت: وما بأس؟ ليستوثق من نفقته" (٢). قال عطاء: يتختمّ ويلبس الهِميان" (٣). قال شيخنا ﵀: "ولا يخفى أن الساعة والنظارة في معنى الخاتم والمنطقة، مع عدم ورود ما ينهى عنهما، ﴿وما كان ربك نسيًّا﴾ (٤) ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولِتُكملوا العِدّةَ ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾ (٥). ٧ - تبديل الرداء والإِزار. قال إِبراهيم النَّخعِيُّ: "لا بأس أن يبدل ثيابه" (٦).

стр. 1530

٨ - نقض الشعر وتمشيطه. عن عائشة ﵂ قالت: "قدمت مكة وأنا حائض، لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إِلى رسول الله ﷺ فقال: انقُضي رأسك وامتشطي" (١). ٩ - لُبس الخُفّين للمحرم إذا لم يجد النعلين، والسراويل لمن لم يجد الإِزار. عن ابن عباس ﵄ قال: "سمعت النّبيّ ﷺ يخطب بعرفات: مَن لم يجد النعلين؛ فليلبس الخُفّين، ومن لم يجد إِزاراً؛ فليلبس سراويلَ؛ للمُحرم" (٢). وفي رواية: " .. وإن لم يجد نعلين فليلبس الخفّين، وليقطعْهما حتى يكونا أسفل من الكعبين" (٣). جاء في "مناسك الحج والعمرة" (ص ١٣): "قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "منسكه": "وليس عليه أن يقطعهما دون الكعبين؛ فإِن النّبيّ ﷺ أمر بالقطع أولاً؛ ثمّ رخص بعد ذلك في عرفات في لبس السراويل لمن لم يجد إِزاراً، ورخص في لبس الخفين لمن لم يجد نعلين، هذا أصح قولي العلماء". ١٠ - قتل القمل. عن عبد الله بن عمر ﵄: "أنّ رجلاً أتاه فقال: إِني قتلت

стр. 1531

قملة وأنا محرم؟ فقال ابن عمر ﵁: أهون قتيل" (١). وعن ميمون بن مهران قال: كنت عند ابن عباس ﵄ وسأله رجل فقال: أخذْتُ قملةً فألقيتها، ثمّ طلبتُها، فلم أجدها، فقال له ابن عباس ﵄: تلك ضالة لا تبتغى" (٢). وعن ابن عباس ﵄ في قتل القملة: " .. وما نُهيتُم إِلا عن قتل الصيد" (٣). ١١ - قتْل الفواسق الخمس ونحوها. عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "خمس من الدواب كلهنّ فاسق (٤) يُقْتَلْن في الحرم: الغراب والحِدَأة (٥) والعقرب والفأرة والكلب

стр. 1532

العَقور (١) " (٢). وفي لفظ: "الحية" (٣). ١٢ - دفْع الصائل من الآدمييّن. يجوز للمحرم أن يدفع عن نفسه أذى الآدمييّن؛ سواءً كان هذا الإِيذاء في العرض أو المال أو النفس. عن سعيد بن زيد عن النّبيّ ﷺ قال: "من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله أو دون دمه، أو دون دينه فهو شهيد" (٤). *١٣ - ولا بأس من المجادلة بالتي هي أحسن حين الحاجة؛ فإِنّ الجدال المحظور في الحجّ؛ إِنما هو الجدال بالباطل المنهي عنه في غير الحج أيضاً؛ كالفسق المنهي عنه في الحج أيضاً؛ فهو غير الجدال المأمور به في مثل قوله -تعالى-: ﴿ادع إِلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي

стр. 1533

أحسن﴾، ومع ذلك فإِنه ينبغي على الداعية أن يلاحظ أنه إذا تبين له أنه لا جدوى من المجادلة مع المخالف -لتعصبه لمذهبه أو رأيه- وأنه إِذا صابره في الجدال؛ فلربما ترتب عليه ما لا يجوز أنه من الخير له حينئذ؛ أن يدَع الجدال معه؛ لقوله ﷺ : "أنا زعيم ببيت في رَبَض الجنة (١) لمن ترك المراء وإن كان مُحقّاً ... " الحديث (٢) * (٣). محظورات الإِحرام (٤): ١ - لباس المخيط، وهو ما كان على قدْر العضو؛ كالقميص والبرنس (٥) والسراويل والعمامة ونحوها. وكذلك يحرم لُبس الثوب الذي مسّه ورس -وهو نبت أصفر يُصبغ به- أو زعفران. فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "يا رسول الله! ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ : لا يلبس القُمُصَ ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانِس ولا الخفاف؛ إِلا أحد لا يجد نعلين؛ فليلبس خفين وليقطعهما

стр. 1534

أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسّه زعفران أو ورس" (١). أمّا المرأة؛ فإِنها تلبس جميع ذلك، ولكن يَحْرم عليها الثوب -الذي مسّه الطيب- والنقاب والقفازان. قال شيخنا ﵀ في التعليق على "الروضة الندية": "وأما سدْلها على وجهها فجائز، وهو غير التنقيب، والتسوية بينهما خطأ، كما بيّنه ابن القيم في "إِعلام الموقّعين" (١/ ٢٦٩) ". فعن ابن عمر ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "لا تنتقب (٢) المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين (٣) " (٤). وعنه ﵁: أنّه سمع رسول الله ﷺ نهى النساء في إِحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب؛ مُعَصفراً أو خزّاً (٥)، أو حلياً أو سراويل أو قميصاً أو خفاً" (٦).

стр. 1535

ولبست عائشة ﵂ الثياب المعصفرة (١) وهي محرمة، وقالت: لا تَلَثَّمْ ولا تتبرقعْ (٢)، ولا تلبس ثوباً بورس ولا زعفران. وقال جابر: لا أرى المعصفر طيباً. ولم تر عائشة بأساً بالحُلي والثوب الأسود والمورّد والخُفّ للمرأة (٣). ومن لم يجد الإِزار والرداء؛ فله أن يلبس السراويل. ولا يلبس الخُفّين؛ إِلا إِذا لم يجد النعلين؛ فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، وتقدّم دليل هذا في حديث ابن عمر ﵄. جاء في "مناسك الحج والعمرة" (ص ١٢): "قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "منسكه": وليس عليه أن يقطعهما دون الكعبين؛ فإِن النّبيّ ﷺ أمر بالقطع أولاً، ثمّ رخصّ بعد ذلك في عرفات في لبس السراويل لمن لم يجد إِزاراً، ورخص في لبس الخفين لمن لم يجد نعلين، هذا أصح قولي العلماء" ... ". انتهى. وتقدّم. قلت: يشير ﵀ إِلى حديث ابن عباس ﵄ قال: خطبنا النّبيّ ﷺ بعرفات فقال: "من لم يجد الإِزار فليلبس السراويل، ومن لم يجد النّعلين فليلبس الخُفين" (٤).

стр. 1536

قال الحافظ ﵀: "وجزم المصنف بالحكم في هذه المسألة دون التي قبلها؛ لقوة دليلها، وتصريح المخالف بأن الحديث لم يبلغه، فيتعين على من بلغه العمل به". ٢ - الجماع ودواعيه؛ كالتقبيل، واللمس بشهوة، وخطاب الرجل المرأة فيما يتعلّق بالوطء. ٣ - اقتراف المعاصي والمنكرات. ٤ - المخاصمة والمجادلة مع الرفقاء والخدم وغيرهم. والأصل تحريم هذه الأمور في غير الحجّ؛ وهي ها هنا آكد، ولبيان خطرها في الحجّ. ودليل ما تقدّم قوله -تعالى- ﴿فمن فرَض فيهنّ الحجّ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ (١). وعن ابن عباس ﵄: "الرفث: الإِعرابة (٢) والتعريض للنساء بالجماع. والفسوق: المعاصي كلّها. والجدال: جدال الرجل صاحبه" (٣). *وقال عطاء بن أبي رباح: الرفث: الجماع وما دونه من قول الفحش.

стр. 1537

وقال طاوس: هو أن تقول للمرأة: إِذا حلَلْت أصبتك. وقال ابن عباس وابن عمر ﵃: الرفث: غشيان النساء.* (١) وسألت شيخنا ﵀: هل ترون أنّ لمس الزوجة بشهوة من محظورات الإِحرام؟ فأجاب: "إِنه محظورٌ لغيره، من باب سدّ الذريعة". وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ حُجّاجاً، حتى إِذا كنا بالعرْج؛ نزل رسول الله ﷺ ونزلنا، فجلست عائشة إِلى جنب رسول الله ﷺ ، وجلست إِلى جنب أبي، وكانت زِمالة (٢) أبي بكر وزمالة رسول الله ﷺ واحدة مع غلام لأبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه، فطلع وليس معه بعيره، قال: أين بعيرك؟ قال: أضللته البارحة. قال: فقال أبو بكر: بعير واحد تُضله؟ قال: فطفق يضربه ورسول الله ﷺ يتبسم، ويقول: انظروا إِلى هذا المحرم ما يصنع! قال ابن أبي رِزْمَةَ: فما يزيد رسول الله ﷺ على أن يقول: انظروا إِلى هذا المحرم ما يصنع! ويتبسم" (٣). وهذا ليس فيه إِقرار؛ بل هو كهيئة الإِنكار اللطيف، كما قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره. لذلك جاء في "سنن ابن ماجه" تحت (باب التوقّي في الإِحرام).

стр. 1538

وسألت شيخنا ﵀: هل يفهم من الحديث السابق جواز تأديب الخادم ونحوه، كما قال بعضهم؟ فقال: "لا بل هو للإِنكار". ٥ - عقْد النّكاح لنفسه أو لغيره، بولايةٍ أو وكالة. عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَنِكحُ المحرم ولا يُنكَح ولا يخطُب" (١). وأمّا ما ورد عن ابن عباس ﵄: "أنّ النّبيّ ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم" (٢). فهو معارض بما ورد عن يزيد بن الأصمّ ﵄: حدثتني ميمونة بنت الحارث ﵂: "أنّ رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال" (٣)! قال شيخنا ﵀ في "مختصر مسلم" (ص ٢١٢): "والحديث [أي: تزوج ميمونة وهو مُحْرِم] شاذ عند المحقّقين؛ لمخالفته للحديث الذي بعده [أي: حديث يزيد بن الأصمّ] انظر مقدّمة "آداب الزفاف" ... وقد أشار الإِمام الشافعي في "الأم" (٥/ ١٦٠) إِلى شذوذه فراجعه؛ فإِنّه مهمّ". وسألت شيخنا ﵀ هل ترون بطلان عقْد نكاح المحرم؟

стр. 1539

فقال: "نعم؛ نكاحه باطل". ويرى صديق خان صاحب "الروضة" عدم بطلان الحج بالجماع قبل وقوف عرفة. وردّ عليه شيخنا ﵀ متعقباً: "قلت: قد نقل الحافظ في "الفتح" (٤/ ٤٢) الإِجماع على إِفساد الحج والعمرة بالجماع، وسبقه إِلى ذلك ابن حزم في "مراتب الإِجماع" (ص ٤٢)، وقيده بأن يكون ذاكراً؛ ما لم يَقْدم المعتمر مكة، ولم يأت وقت الوقوف بعرفة للحاج. ولم يتعقبه شيخ الإِسلام بشيء؛ فالظاهر صحة هذا الإِجماع، فإِذا صحّ؛ فهو الدليل على الفساد، والله أعلم". ثمّ أشار شيخنا إِلى ما ذكره شيخ الإِسلام -رحمهما الله تعالى- في "رسالة الصيام" حول ذلك. وسألت شيخنا ﵀: هل ترون إِبطال حج أو عمرة من جامع أهله (١)؟ فأجاب ﵀: "نعم". ٦ - تقليم الأظفار وإِزالة الشعر أو غيره بالحلق أو القصّ أو بأي طريقة. قال الله -تعالى-: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي مَحِلَّهُ﴾ (٢). قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أنّ المحرم ممنوع من ... أخْذ الشعر وتقليم

стр. 1540

الأظفار" (١). وتقدّم جواز طرح الظفر إِذا انكسر. ويجوز إِزالة الشعر إِذا تأذّى ببقائه، مع وجوب الفدية؛ لقول الله -تعالى-: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نُسُك﴾ (٢). وسيأتي التفصيل بإِذن الله -تعالى-. ٧ - التطيّب في الثوب أو البدن سواءً أكان رجلاً أم امرأة. عن صفوان بن يعلى: أنّ يعلى قال لعمر ﵁: "أرني النّبيّ ﷺ حين يوحى إِليه، قال: فبينما النّبيُّ ﷺ بالجعرانة -ومعه نفر من أصحابه-؛ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو مُتَضَمِّخٌ بطيب؟ فسكت النّبيّ ﷺ ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمر ﵁ إِلى يعلى، فجاء يعلى؛ وعلى رسول الله ﷺ ثوب قد أُظِلّ (٣) به، فأدخل رأسه؛ فإِذا رسول الله ﷺ مُحْمَرُّ الوجه وهو يَغِطُّ (٤)، ثمّ سُرًّي (٥) عنه فقال:

стр. 1541

أين الذي سأل عن العمرة؟ فأُتي برجلٍ فقال: اغسل الطّيب الذي بك ثلاث مراتٍ، وانزع عنك الجُبة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك" (١). وفي رواية: "اغسل عنك أثر الصُّفرة -أو قال: أثر الخلوق (٢) -" (٣). وإذا مات المحرم؛ فإِنّه لا يوضع الطيب في غسْله ولا في كفنه. عن ابن عباس ﵄: أنّ رجلاً وقَصه (٤) بعيره -ونحن مع النّبيّ ﷺ - وهو محرم، فقال النّبيّ ﷺ : "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تُمسوه طيباً، ولا تخمروا (٥) رأسه؛ فإِن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً" (٦). وتقدّم جواز شم الريحان ونحوه للمحرم. ٨ - لبس الثوب الذي مسّه ورس أو زعفران أو نحو ذلك. للحديث المتقدّم: "ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسّه زعفران أو ورس". التعرض للصيد (٧): يجوز للمحرم أن يصيد صيد البحر، وأن يتعرض له، وأن يشير إِليه، وأن

стр. 1542

يأكل منه. ويحرم التعرّض لصيد البرِّ بالقتل أو الذبح، أو الإِشارة إِليه، وإنْ كان مرئيّاً، أو الدلالة عليه؛ إِنْ كان غير مرئي، أو تنفيره. والدليل على هذا قول الله -تعالى-: ﴿أُحلّ لكم صيد البحر وطعامه (١) متاعاً لكم وللسيارة (٢) وحُرّم عليكم صيد البَرّ ما دمتم حُرُماً﴾ (٣). الأكل من الصيد (٤): يحرُم على المحرم الأكل من صيدَ البر الذي صيد من أجله، أو صيد بإِشارته إِليه، أو بإِعانته عليه. عن أبي قتادة: "أنّ رسول الله ﷺ خرج حاجّاً فخرجوا معه، فصرَف طائفة منهم فيهم أبو قتادة فقال: خُذوا ساحل البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلمّا انصرفوا أحرموا كُلُهم إِلا أبا قتادة (٥) لم يُحرم، فبينما هم يسيرون؛ إِذ رأوا حُمُر وحش، فحمل أبو قتادة على الحُمُر فعقر منها أتاناً (٦)، فنزلوا

стр. 1543

فأكلوا من لحمها، وقالوا: أنأكل لحم صيدٍ ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحم الأتان، فلمّا أتوا رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله! إِنّا كنّا أحرمنا، وقد كان أبو قتادة لم يحرم، فرأينا حُمُر وحَش، فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتاناً، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثمّ قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، قال: منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها، أو أشار إِليها؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي من لحمها" (١). ويجوز له أن يأكل من لحم الصيد الذي لم يَصِدْه هو، أو لم يُصَدْ من أجله أو لم يُشر إِليه، أو يُعِنْ عليه للحديث السابق: " ... منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها أو أشار إِليها؟ قالوا: لا قال: فكلوا ما بقي من لحمها". وعن عثمان التيميّ قال: كنّا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حُرُم، فأُهدي له طير وطلحة راقد؛ فمنّا من أكل، ومنّا من تورع، فلمّا استيقظ طلحة وفَّقَ (٢) من أكله، وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ " (٣). قال الترمذي ﵀: "والعمل على هذا عند أهل العلم؛ لا يَرون بأكل الصيد للمحرم بأساً، إِذا لم يصده أو يُصَد من أجله". وما جاء في الأحاديث المانعة مِن أكل لحم الصّيد؛ فهي محمولة على ما صادَه الحلال من أجل المحرم؛ جمعاً بين الأحاديث، كحديث الصعب بن جَثّامة

стр. 1544

الليثي: أنه أهدى لرسول الله ﷺ حماراً وحشيّاً وهو بالأبواء (١) -أو بودَان (٢) - فردّه عليه، فلمّا رأى ما في وجهه قال: إِن لم نردّه عليك إِلا أنّا حُرُم (٣) " (٣). جواز حلق الرأس للمحرم إِذا كان به أذى، ووجوب الفدية عليه (٤): عن كعب بن عُجرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: "لعلك آذاك هوامُّك (٥)؟ قال: نعم يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسُك بشاة" (٦). وفي رواية: "وقف عَليَّ رسول الله ﷺ بالحديبية؛ ورأسي يتهافت قملاً (٧). فقال: يُؤذيك هوامّك؟ قلت: نعم. قال: فاحلق رأسك -أو قال: احلق- قال: فيّ نزلت هذه الآية: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ... ﴾ إِلى آخرها، فقال النّبيّ ﷺ : صم ثلاثة أيام، أو تصدّق بفرق (٨) بين ستةٍ، أو انسُك

стр. 1545

بما تيسّر" (١). وفي رواية: "تجد شاة؟ فقلت: لا. فقال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مِسكين نصف صاع" (٢). قال شيخنا ﵀ في "الإِرواء" (٤/ ٢٣١) -بحذف-: " .. لكن رواه الدارقطني (٢٨٨) بلفظ: "أمعك نسك؟ قال: لا. قال: فإِن شئت فصم ... " الحديث. وهو رواية لأبي داود (١٨٥٨). فهذا يدل على أن التخيير إِنما كان بعد أمره ﷺ إِياه بالنسيكة، واعتذر كعب بأنّه لا يجدها، ويشهد له ما يأتي: ١ - عن عبد الله بن معقل قال: "قعدت إِلى كعب ﵁ وهو في المسجد، فسألته عن هذه الآية: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾؟ فقال كعب ﵁: نزلت فيَّ؛ كان بي أذى من رأسي، فحُملت إِلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى! أتجد شاة؟ فقلت: لا. فنزلت هذه الآية: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾. قال: صوم (وفي رواية: فصم) ثلاثة أيام، أو إِطعام (وفي الرواية الأخرى: أو أطعم) ستة مساكين نصف صاع طعاماً لكل مسكين. قال: فنزلت فيّ خاصة، وهي لكم عامّة".
следующие страницы →