← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

أين الذي سأل عن العمرة؟ فأُتي برجلٍ فقال: اغسل الطّيب الذي بك ثلاث مراتٍ، وانزع عنك الجُبة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك" (١). وفي رواية: "اغسل عنك أثر الصُّفرة -أو قال: أثر الخلوق (٢) -" (٣). وإذا مات المحرم؛ فإِنّه لا يوضع الطيب في غسْله ولا في كفنه. عن ابن عباس ﵄: أنّ رجلاً وقَصه (٤) بعيره -ونحن مع النّبيّ ﷺ - وهو محرم، فقال النّبيّ ﷺ : "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تُمسوه طيباً، ولا تخمروا (٥) رأسه؛ فإِن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً" (٦). وتقدّم جواز شم الريحان ونحوه للمحرم. ٨ - لبس الثوب الذي مسّه ورس أو زعفران أو نحو ذلك. للحديث المتقدّم: "ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسّه زعفران أو ورس". التعرض للصيد (٧): يجوز للمحرم أن يصيد صيد البحر، وأن يتعرض له، وأن يشير إِليه، وأن

стр. 1542

يأكل منه. ويحرم التعرّض لصيد البرِّ بالقتل أو الذبح، أو الإِشارة إِليه، وإنْ كان مرئيّاً، أو الدلالة عليه؛ إِنْ كان غير مرئي، أو تنفيره. والدليل على هذا قول الله -تعالى-: ﴿أُحلّ لكم صيد البحر وطعامه (١) متاعاً لكم وللسيارة (٢) وحُرّم عليكم صيد البَرّ ما دمتم حُرُماً﴾ (٣). الأكل من الصيد (٤): يحرُم على المحرم الأكل من صيدَ البر الذي صيد من أجله، أو صيد بإِشارته إِليه، أو بإِعانته عليه. عن أبي قتادة: "أنّ رسول الله ﷺ خرج حاجّاً فخرجوا معه، فصرَف طائفة منهم فيهم أبو قتادة فقال: خُذوا ساحل البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلمّا انصرفوا أحرموا كُلُهم إِلا أبا قتادة (٥) لم يُحرم، فبينما هم يسيرون؛ إِذ رأوا حُمُر وحش، فحمل أبو قتادة على الحُمُر فعقر منها أتاناً (٦)، فنزلوا

стр. 1543

فأكلوا من لحمها، وقالوا: أنأكل لحم صيدٍ ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحم الأتان، فلمّا أتوا رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله! إِنّا كنّا أحرمنا، وقد كان أبو قتادة لم يحرم، فرأينا حُمُر وحَش، فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتاناً، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثمّ قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، قال: منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها، أو أشار إِليها؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي من لحمها" (١). ويجوز له أن يأكل من لحم الصيد الذي لم يَصِدْه هو، أو لم يُصَدْ من أجله أو لم يُشر إِليه، أو يُعِنْ عليه للحديث السابق: " ... منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها أو أشار إِليها؟ قالوا: لا قال: فكلوا ما بقي من لحمها". وعن عثمان التيميّ قال: كنّا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حُرُم، فأُهدي له طير وطلحة راقد؛ فمنّا من أكل، ومنّا من تورع، فلمّا استيقظ طلحة وفَّقَ (٢) من أكله، وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ " (٣). قال الترمذي ﵀: "والعمل على هذا عند أهل العلم؛ لا يَرون بأكل الصيد للمحرم بأساً، إِذا لم يصده أو يُصَد من أجله". وما جاء في الأحاديث المانعة مِن أكل لحم الصّيد؛ فهي محمولة على ما صادَه الحلال من أجل المحرم؛ جمعاً بين الأحاديث، كحديث الصعب بن جَثّامة

стр. 1544

الليثي: أنه أهدى لرسول الله ﷺ حماراً وحشيّاً وهو بالأبواء (١) -أو بودَان (٢) - فردّه عليه، فلمّا رأى ما في وجهه قال: إِن لم نردّه عليك إِلا أنّا حُرُم (٣) " (٣). جواز حلق الرأس للمحرم إِذا كان به أذى، ووجوب الفدية عليه (٤): عن كعب بن عُجرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: "لعلك آذاك هوامُّك (٥)؟ قال: نعم يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسُك بشاة" (٦). وفي رواية: "وقف عَليَّ رسول الله ﷺ بالحديبية؛ ورأسي يتهافت قملاً (٧). فقال: يُؤذيك هوامّك؟ قلت: نعم. قال: فاحلق رأسك -أو قال: احلق- قال: فيّ نزلت هذه الآية: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ... ﴾ إِلى آخرها، فقال النّبيّ ﷺ : صم ثلاثة أيام، أو تصدّق بفرق (٨) بين ستةٍ، أو انسُك

стр. 1545

بما تيسّر" (١). وفي رواية: "تجد شاة؟ فقلت: لا. فقال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مِسكين نصف صاع" (٢). قال شيخنا ﵀ في "الإِرواء" (٤/ ٢٣١) -بحذف-: " .. لكن رواه الدارقطني (٢٨٨) بلفظ: "أمعك نسك؟ قال: لا. قال: فإِن شئت فصم ... " الحديث. وهو رواية لأبي داود (١٨٥٨). فهذا يدل على أن التخيير إِنما كان بعد أمره ﷺ إِياه بالنسيكة، واعتذر كعب بأنّه لا يجدها، ويشهد له ما يأتي: ١ - عن عبد الله بن معقل قال: "قعدت إِلى كعب ﵁ وهو في المسجد، فسألته عن هذه الآية: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾؟ فقال كعب ﵁: نزلت فيَّ؛ كان بي أذى من رأسي، فحُملت إِلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى! أتجد شاة؟ فقلت: لا. فنزلت هذه الآية: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾. قال: صوم (وفي رواية: فصم) ثلاثة أيام، أو إِطعام (وفي الرواية الأخرى: أو أطعم) ستة مساكين نصف صاع طعاماً لكل مسكين. قال: فنزلت فيّ خاصة، وهي لكم عامّة".

стр. 1546

أخرجه البخاري (١/ ٤٥٤) ومسلم (٤/ ٢١ - ٢٢) والسياق له والترمذي ... ٢ - عن محمد بن كعب القُرَظي عن كعب بن عجرة قال: "أمَرني رسول الله ﷺ حين آذاني القمل أن أحلق رأسي، ثمّ أصوم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، وقد علم أنه ليس عندي ما أنسك به". أخرجه الشافعي (١٠١٧) وابن ماجه (٣٠٨٠). وإسناده حسن. أمر النّبيّ ﷺ بالتمتع: إِذا أراد المرء الإِحرام: فإِن كان قارناً قد ساق الهدي؟ قال: "لبيك اللهم! بحجة وعمرة". وإِن لم يسُق الهدي -وهو الأفضل-؛ لبّى بالعمرة وحدَها ولا بد، فقال: "لبيك اللهم! بعمرة". فإِن كان لبّى بالحج وحده؛ فسخه وجعلَه عمرة؛ لأمر النّبيّ ﷺ بذلك، وقوله: "دخلت العمرة في الحج إِلى يوم القيامة"؛ وشبك بين أصابعه" (١). وقوله: "يا آل محمد! من حج منكم؛ فليهل بعمرة في حَجّة" (٢)، وهذا هو التمتع بالعمرة إِلى الحج".

стр. 1547

الاشتراط: وإن أحبّ قَرَن مع تلبيته الاشتراط على ربه -تعالى- خوفاً من العارض من مرض أو خوف، فيقول كما جاء في تعليم الرسول ﷺ : "اللهمّ! محِلّي حيث حبستني" (١)؛ فإِنه إِن فعل ذلك، فحبس أو مرض؛ جاء له التحلّل من حجه أو عمرته، وليس عليه دم ولاحج من قابل؛ إِلا إِذا كانت حجة الإِسلام، فلا بُدّ من قضائها. يشير شيخنا ﵀ بهذا الحديث إِلى حديث عائشة ﵂ قالت: "دخل رسول الله ﷺ على ضُبَاعة بنت الزبير فقال لها: لعلك أردت الحج؟! قالت: والله لا أجدني إِلا وجعة، فقال لها: حُجي واشترطي، قولي: اللهم! محِلّي حيث حبستني؛ وكانت تحت المقداد بن الأسود" (٢). جاء في "شرح النووي" (٨/ ١٣١): " .. فيه دلالة لمن قال: يجوز أنْ يشترط الحاج والمعتمر في إِحرامه؛ أنه إِن مرض تحلّل؛ وهو قول عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وآخرين من الصحابة ﵃ وجماعة من التابعين وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وهو الصحيح من مذهب الإِمام الشافعي؛ وحجّتهم هذا الحديث الصحيح الصريح. وقال أبو حنيفة ومالك وبعض التابعين: لا يصحّ الاشتراط، وحملوا الحديث على أنها قضية عين، وأنّه مخصوص بضُبَاعة.

стр. 1548

قال أبو عيسى ﵀ عقب حديث ضباعة ﵂: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم؛ يرون الاشتراط في الحج ويقولون: إِن اشترط فعرض لى مرض أو عذر؛ فله أن يحل ويخرج من إِحرامه. وهو قول الشافعي، وأحمد، وإِسحاق. ولم ير بعض أهل العلم الاشتراط في الحج، وقالوا: إِن اشترط؛ فليس له أن يخرج من إِحرامه، ويرونه كمن لم يشترط". فقولهم: (إِن اشترط فعرض له مرض) بيّنٌ في جوازه لمن لم يكن به مرض من قبل، وأنّ الاشتراط عام. والله -تعالى- أعلم. وليس للإِحرام صلاة تخصّه، لكن إِن أدركته الصلاة قبل إِحرامه، فصلّى ثمّ أحرم عَقب صلاته؛ كان له أسوة برسول الله ﷺ ، حيث أحرم بعد صلاة الظهر (١). الصلاة بوادي العقيق: لكن من كان ميقاته ذا الحليفة؛ استُحبّ له أن يصلّيَ فيها، لا لخصوص الإِحرام، وإنما لخصوص المكان وبركته. فعن عمر ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ بوادي العقيق يقول: أتاني الليلة آتٍ من ربي، فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةٌ في حَجّة" (٢).

стр. 1549

وفي رواية: "عمرةٌ وحجة" (١). وعن ابن عمر عن النّبيّ ﷺ : "أنّه رُئي (وفي رواية: أُرِيَ) (٢) وهو مُعَرِّسُ (٣) بذي الحليفة ببطن الوادي، قيل له: إِنك ببطحاء مباركة" (٤). وفي رواية: "كان رسول الله ﷺ يركع بذي الحُليفة ركعتين" (٥). استقبال القبلة قائماً: ثمّ يستقبل القبلة قائماً؛ عن نافع قال: "كان ابن عمر ﵄ إِذا صلّى بالغداة بذي الحليفة؛ أمر براحلته فرُحلَتْ، ثمّ ركب، فإِذا استوت به؛ استقبل القبلة قائماً، ثمّ يلبّي حتى يبلغ المحرَم، ثمّ يمسك، حتى إِذا جاء ذا طوى (٦)؛ بات به حتى يصبح، فإِذا صلّى الغداة اغتسل، وزعم أنّ رسول الله ﷺ فعل ذلك" (٧).

стр. 1550

التلبية (١): ثمّ يلبّي بالعمرة أو الحج والعمرة، ويقول: اللهمّ! هذه حجة؛ لا رياء فيها ولا سمعة (٢). مشروعيتها: عن أم سلمة ﵂ قالت: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: يا آل محمد! من حج منكم فليهلَّ بعمرة في حجة" (٣).

стр. 1551

حكمها: والتلبية واجبة؛ للحديث المتقدّم: "فليهل بعمرة في حجة"؛ ولام الأمر للوجوب، ولم يرد -فيما علمت- عن أحد من الصحابة ﵃ ترْك التلبية. لفظها: عن نافع عن ابن عمر ﵁: أن تلبية رسول الله ﷺ : "لبيك اللهم! لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إِن الحمد والنِّعمة لك والملك، لا شريك لك؛ لا يزيد على هؤلاء الكلمات" (١). قال نافع: وكان عبد الله بن عمر ﵄ يزيد فيها: "لبيك لبيك وسعديك (٢) والخير بيديك لبيك، والرغباء (٣) إِليك والعمل" (٤). وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "أهلّ رسول الله ﷺ -فذكر التلبية مثل حديث ابن عمر-؟ قال: والناس يزيدون: "ذا المعارج! " (٥)، ونحوه من الكلام والنّبيّ ﷺ يسمع، فلا يقول لهم شيئاً" (٦).

стр. 1552

وفي رواية: "لبيك ذا المعارج! لبيّك ذا الفواضل! (١) " (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: "كان من تلبية النّبيّ ﷺ : لبيّك إِله الحق! " (٣). وعن ابن عباس ﵄: "أنّ رسول الله ﷺ خطب بعرفات، فلمّا قال: لبيّك اللهم! لبيك؟ قال: إِنما الخير خير الآخرة" (٤). والتزام تلبيته ﷺ أفضل، وإنْ كانت الزيادة عليها جائزة؛ لإِقرار النّبيّ ﷺ على ذلك. رفع الصوت في التلبية: ويؤمر المُلبي بأن يرفع صوته بالتلبية؛ لقوله ﷺ : "أتاني جبريل ﷺ ، فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية" (٥)، وقوله ﷺ :

стр. 1553

"أفضل الحج: العجُّ (١) والثج (٢) " (٣)، ولذلك كان أصحاب النن ﷺ في حجته يصرخون بها صُراخاً. وقال أبو حازم: كان أصحاب النّبيّ ﷺ إِذا أحرموا؛ لم يبلغوا (الروحاء) حتى تبحّ أصواتهم وقوله ﷺ : "كأني أنظر إِلى موسى ﵇ هابطاً من الثّنية، وله جُؤَارٌ (٤) إِلى الله بالتلبية" (٥). تلبية النساء: والنساء في التلبية كالرجال، لعموم الحديثين السابقين؛ فيرفعن أصواتهنّ؛ ما لم تُخْش الفتنة، ولأنّ عائشة كانت ترفع صوتها حتى يسمعها الرجال، فقال أبو عطية: سمعت عائشة تقول: إِني لأعلم كيف كانت تلبية رسول الله ﷺ ، ثمّ سمعْتها تلبّي بعد ذلك: "لبيّك اللهم! لبيّك ... " (٦) إِلخ. وقال القاسم بن محمد: خرج معاوية ليلة النفر، فسمع صوت تلبية، فقال: من هذا؟ قيل: عائشة أم المؤمنين؛ اعتمرت من التنعيم؛ فذكر ذلك لعائشة؟ فقالت: لو سألني لأخبرْتُه (٧).

стр. 1554

ويلتزم التلبية؛ لأنها "من شعائر الحج" (١)، ولقوله ﷺ : "ما من مُلبٍّ يلبي إِلا ولبّى ما عن يمينه وعن شماله من شجر وحجر، حتى تنقطع الأرض من هنا وهنا -يعني- عن يمينه وشماله" (٢)؛ وبخاصة كلما علا شرفاً، أو هبط وادياً؛ للحديث المتقدّم قريباً: "كأني انظر إِلى موسى ﵇ هابطاً من الثّنية، له جُؤار إِلى الله تعالى بالتلبية"، وفي حديث آخر: "كأني أنظر إِليه إِذا انحدر في الوادي يلبي" (٣). وله أن يخلطها بالتكبير والتهليل؛ لقول ابن مسعود ﵁: "خرجت مع رسول الله ﷺ ؛ فما ترَك التلبية حتى رمى جمرة العقبة؛ إلاَّ أن يخلطها بتكبير أو تهليل" (٤). ماذا إِذا أطلق الإِحرام ولم يعيّنه ؟ من أحرم إِحراماً مطلقاً من غير تعيين؛ فإِنّه يحوّل إِلى عمرة الحج؛ وهو التمتّع، وبه يقول شيخنا ﵀ في بعض إِجاباته لي.

стр. 1555

وسأله أحد الإِخوة عن ذلك؟ فقال شيخنا ﵀: "متى تذكّر؟ فأجاب السائل: في مكة وقد اعتمر. فقال ﵀: يتحلّل ويَعدّ هذا تمتُّعاً، وإذا أنهى الحج؛ فلا حرج عليه بالذي أتى به". فإِذا بلغ الحرم المكي، ورأى بيوت مكة؛ أمسك عن التلبية (١)؛ ليتفرغ للانشغال بغيرها مما يأتي (٢). الاغتسال لدخول مكة: ومن تيسَّر له الاغتسال قبل الدخول؛ فليغتسل، وليدخل نهاراً؛ أسوة برسول الله ﷺ (٣).

стр. 1556

وليدخل من الناحية العليا التي فيها اليوم باب المعلاة؛ فإِنه ﷺ دخلها من الثنية العليا؛ ثنية (كَدَاءَ)، المشرفة على المقبرة، ودخل المسجد من باب بني شيبة؛ فإِن هذا أقرب الطرق إِلى الحجر الأسود. فعن ابن عمر ﵄: "أنّ النّبيّ ﷺ دخل مكة من كداء من الثنية العليا التي بالبطحاء، ويخرج من الثنية السفلى" (١). وله أن يدخلها من أي طريق شاء؛ لقوله ﷺ : "كل فجاج مكة طريق ومنحر" (٢). وفي حديث آخر: "مكة كلها طريق: يدخل من هاهنا، ويخرج من هاهنا" (٣). فإِذا دخلت المسجد؛ فلا تنس أن تقدّم رجلك اليمنى (٤)، وتقول: "اللهم! صلّ على محمد وسلم، اللهمّ! افتح لي أبواب رحمتك" (٥). أو: "أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان

стр. 1557

الرجيم" (١). فإِذا رأى الكعبة؛ رفع يديه إِن شاء؛ لثبوته عن ابن عباس ﵄ (٢). ولم يثبت عن النّبيّ ﷺ هنا دعاء خاص، فيدعو بما تيسير له، وإن دعا بدعاء عمر: "اللهم! أنت السلام، ومنك السلام فحيّنا ربّنا بالسلام" فحسن؛ لثبوته عنه ﵁ (٣). تحريم المرور أمام المصلّي في الحرمين: *احذر يا أخي! مِن أنْ تمرّ بين يدي أحد من المصلّين في المسجد الحرام وفي غيره من المساجد؛ لقوله ﷺ : "لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه؛ لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه". قال الراوى: لا أدري قال: أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنة؟! رواه الشيخان في "صحيحيهما"، وكما لا يجوز لك هذا؛ فلا يجوز لك أيضاً أن تصلّي إِلى غير سترة؛ بل عليك أن تصلي إِلى أي شيء يمنع الناس من المرور بين يديك، فإِن أراد أحد أن يجتاز بينك وبين سترتك؛ فعليك أن تمنعه، وفي ذلك أحاديث وآثار، أذكر منها:

стр. 1558

١ - "إِذا وَضَع أحدكم بين يديه مثل مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ ولا يبالي من مرَّ وراء ذلك" (١). ٢ - إِذا صلّى أحدكم إِلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه؛ فليدفع في نحره، وليدرأ ما استطاع، فإِن أبى فليقاتله؛ فإِنما هو شيطان" (٢). ٣ - قال يحيى بن أبي كثير: "رأيت أنس بن مالك دخل المسجد؛ فركز شيئاً أو هيّأ شيئاً يصلّي إِليه". رواه ابن سعد (٧/ ١٨) بسند صحيح. ٤ - عن صالح بن كيسان قال: "رأيت ابن عمر يصلّي في الكعبة ولا يدع أحداً يمر بين يديه". رواه أبو زرعة الدمشقي في "تاريخ دمشق"، وكذا ابن عساكر في "تاريخ دمشق" بسند صحيح. ففي الحديث الأول: إِيجاب اتخاذ السترة، وأنه إِذا فعل ذلك فلا يضره من مرّ من ورائها. وفي الحديث الثاني: إِيجاب دفع المار بين يدي المصلي إِذا كان يصلّي إِلى سترة، وتحريم المرور عمداً؛ وأن فاعل ذلك شيطان. وليت شعري ما هو الكسب الذي يعود به الحاج إِذا رجع وقد استحق هذا الاسم: "الشيطان"؟!

стр. 1559

والحديثان وما في معناهما مطلقان لا يختصان بمسجد دون مسجد، ولا بمكان دون مكان، فهما يشملان المسجد الحرام والمسجد النبوي من باب أولى؛ لأن هذه الأحاديث إِنما قالها ﷺ في مسجده، فهو المراد بها أصالةً، والمساجد الأخرى تبعاً. والأثران المذكوران نصان صريحان على أن المسجد الحرام داخل في تلك الأحاديث، فما يقال من بعض المطوفين وغيرهم؛ أن المسجد المكي والمسجد النبوي مستثنيان من النهي؛ لا أصل له في السنة، ولا عن أحد من الصحابة، اللهم! سوى حديث واحد، روي في المسجد المكي لا يصح إِسناده، ولا دلالة فيه على الدعوى ... ".* (١) أمّا ما روُي عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وِدَاعَةَ، عن بعض أهله عن جده: "أنه رأى النّبيّ ﷺ يُصلّي ممّا يلي باب بني سَهْمٍ، والناس يمرُّون بين يديه، وليس بينهما سُترة". قال سفيان: ليس بينه وبين الكعبة سترة! فإِنّه ضعيف (٢). وعلى أي حال؛ فالكلام يطول في هذا الموضوع؛ فأقول مختصراً: إِنّ ممّا يُؤْسَفُ له: أن لا تعظَّم حُرمات الحرمين من قِبَل الكثير الكثير في حالات عديدة يستطيعون أن يتفادوا المرور بين يدي المصلّي، حتى إِنهم فيما

стр. 1560

استطاعوا اجتنابه في المساجد الأُخرى لا يجتنبونه في الحرمين؛ بزعم جواز المرور! ففهموا أنّ الأصل الجواز، وليتهم فهموا أنّ ذلك في حالة الاضطرار التي لا محيص عنها! والله المستعان. هل يلزم من يدخل البيت الحرام الطوافُ ؟ ليس هناك من دليل على هذا. أما حديث: "تحية المسجد الطواف": فقد قال شيخنا ﵀ في شأنه في "السلسلة الضعيفة" (١٠١٢): "لا أعلم له أصلاً، وإن اشتهر على الألسنة، وأورده صاحب "الهداية" من الحنفية بلفظ: "من أتى البيت فليُحيِّه بالطواف". وقد أشار الحافظ الزيلعي في تخريجه إِلى أنه لا أصل له بقوله (٢/ ٥١): "غريب جدّاً". وأفصح عن ذلك الحافظ ابن حجر فقال في "الدراية" (ص ١٩٢): "لم أجده". قلت [أي: شيخنا ﵀]: ولا أعلم في السنة القولية أو العملية ما يشهد لمعناه، بل إِن عموم الأدلة الواردة في الصلاة قبل الجلوس في المسجد تشمل المسجد الحرام أيضاً، والقول بأن تحيته الطواف مخالف للعموم المشار إليه، فلا يقبل إِلا بعد ثبوته؛ وهيهات! لاسيما وقد ثبت بالتجربة أنه لا يمكن للداخل إِلى المسجد الحرام الطواف كلما دخل المسجد في أيام المواسم، فالحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾. وإنّ مما ينبغي التنبيه له: أن هذا الحكم إِنما هو بالنسبة لغير المحرم؛ وإلا فالسُّنّة في حقّه أن يبدأ بالطواف، ثمّ بالركعتين بعده".

стр. 1561

فضل الطواف: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: من طاف بالبيت وصلّى ركعتين؛ كان كَعتق رقَبة" (١). شروط الطواف (٢) ١ - الطهارة من الحَدَثين والنجاسة: عن ابن عباس ﵄: أن النّبيّ ﷺ قال: "الطواف حول البيت مثل الصلاة؛ إِلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إِلا بخير" (٣). وفي طريق أُخرى عن ابن عباس ﵄ قال: "قال الله لنبيّه ﷺ ﴿طَهِّرْ بَيْتِيَ للطائفين والعاكفين والرّكع السجود﴾؛ فالطواف قبل الصلاة، وقد قال رسول الله ﷺ : الطواف بالبيت بمنزلة الصلاة؛ إِلا أن الله قد أحل فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق إِلا بخير" (٤).

стр. 1562

وعن عائشة ﵂ قالت: "خرجنا لا نُرَى إلاَّ الحج، فلمّا كنا بِسَرِفَ حِضتُ، فدخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قال: أَنَفِسْتِ؟ قلت: نعم. قال: إِنّ هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاجُّ؛ غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي" (١). وعنها- أيضاً: "أنّ أوّل شيء بدأ به حين قدم النّبيّ ﷺ ؛ أنه توضأ ثمّ طاف" (٢). وجاء في "المغني" (٣/ ٣٩٠): مسألة (ويكون طاهراً في ثياب طاهرة): "يعني: في الطواف؛ وذلك لأنّ الطهارة من الحدث والنجاسة والستارة شرائط لصحة الطواف في المشهور عن أحمد، وهو قول مالك والشافعي. وعن أحمد أن الطهارة ليست شرطاً للزيارة غير متطهر أعاد ما كان بمكة، فإِن خرج إِلى بلده جبره بدم. وكذلك يخرج في الطهارة من النجس والستارة. وعنه فيمن طاف للزيارة وهو ناسٍ الطهارةَ: لا شيء عليه. وقال أبو حنيفة: ليس شيء من ذلك شرطاً. واختلف أصحابه، فقال بعضهم: هو واجب. وقال بعضهم: هو سنة؛ لأنّ الطواف ركن الحج، فلم يشترط له الطهارة كالوقوف. ولنا ما روى ابن عباس أنّ النّبيّ ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة؛ إِلا أنكم تتكلمون فيه"؛ رواه الترمذي والأثرم. وعن أبي هريرة: أن أبا بكر الصديق بعثه في الحَجّة التي أمَّرَه عليها رسول الله ﷺ قبل حَجّة الوداع يوم النحر في رهطٍ يؤذِّن في الناس: ألا لا يَحُجُّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت

стр. 1563

عُريان (١). ولأنها عبادة متعلقة بالبيت؛ فكانت الطهارة والستارة فيها شرطاً كالصلاة. وعكس ذلك الوقوف". ٢ - سَتْر العورة: قال الله تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كلّ مسجد﴾ (٢). عن ابن عباس ﵄ قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عُريانة، فتقول: من يُعيرُني تِطوافاً (٣) تجعله على فَرْجها، وتقول: اليومَ يبدو بعضُهُ أوكلُّهُ ... فما بدا منه فلا أحِلُّهُ فنزلت هذه الآية: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾. ولحديث أبي بكر ﵁ المتقدّم؛ وفيه: "ولا يطوف بالبيت عُريان". ٣ - أن يكون سبعة أشواط كاملة: ويجب أن يطوف الطائف سبعة أشواط كاملة؛ فإِنْ ترَك شيئاً من السبع -ولو قليلاً- لم يُجزئه. عن ابن عباس ﵄ قال: "قَدِم النّبيّ ﷺ مكة، فطاف وسعى بين الصفا والمروة، ولم يقرَب الكعبة بعد طوافه بها، حتى رجع من عرفة" (٤).

стр. 1564

فمن شكّ في العدد؛ فليطرح الشكّ وليتحرَّ الصواب، وإن لم يمكنه؛ فَلْيَبْنِ على الأقلّ. جاء في "الروضة الندية" (١/ ٦١٦): "الأقرب -والله أعلم-: أنّ الطواف يوافق الصلاة، فمن شكّ هل طاف ستة أشواط أو سبعة؛ فليطرح الشك وليتحر الصواب، فإِن أمكنه ذلك عمل عليه، وإن لم يمكنه فَلْيَبْنِ على الأقل، كما ورد بذلك الدليل الصحيح". ٤ - أن يبدأ الطواف من الحجر الأسود، وينتهي إِليه، ويجعل البيت عن يساره: عن جابر بن عبد الله ﵁: "أنّ رسول الله ﷺ لما قدم مكة؛ أتى الحجر فاستلمه، ثمّ مشى على يمينه؛ فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً" (١). وعن سفيان عن عمرو قال: "سألْنا ابن عمر ﵄: أيقع الرجل على امرأته في العمرة قبل أن يطوف بين الصفا والمروة؟ قال: قدم رسول الله ﷺ ؛ فطاف بالبيت سبعاً، ثمّ صلّى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفّا والمروة، وقال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (٢) " (٣). ٥ - أن يكون الطواف خارج البيت ، وقد قال الله تعالى: ﴿وليطَوَّفوا بالبيت العتيق﴾، فالله تعالى أمر بالطواف بالبيت؛ لا في البيت". فلو طاف في الحِجْرِ لا يصحّ طوافه؛ إِذ الحِجْرُ من البيت.

стр. 1565

عن عائشة ﵂ قالت: "سألت رسول الله ﷺ عن الجَدْر (١): أمِن البيت هو؟ قال: نعم. قلت: فَلِمَ لَمْ يدخلوه في البيت؟ قال: إِنّ قومك قصُرت بهم النفقة. قلت: فما شأنُ بابه مرتفعاً؟ قال: فعل ذلك قومك لِيدخِلُوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أنّ قومك حديثٌ عهدُهم في الجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم؛ لنظرت أن أدخل الجدار في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض" (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: "قلت: يا رسول الله! ألا أدخل البيت؟! قال: ادخلي الحِجر؛ فإِنه من البيت" (٣). ٦ - الموالاة: لأنّ رسول الله ﷺ طاف كذلك، وقد قال: "لتأخذوا مناسككم" (٤). وجاء في "صحيح البخاري" (٥): (باب إِذا وقف في الطواف)، قال عطاء فيمن يطوف فتقام الصلاة، أو يدفع عن مكانه: "إِذا سلّم يرجع إِلى حيث قُطع عليه، فيبني (٦).

стр. 1566

ويُذْكَرُ نحوه عن ابن عمر (١)، وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵃ (٢) -. وإذا أعيا في الطواف؛ فلا بأس أن يستريح. قاله الإِمام أحمد ﵀". عدم مخالطة الرجال النساء في الطواف قال ابن جريج: أخبرني عطاء -إِذ مَنَعَ ابنُ هشام النساءَ الطوافَ مع الرجال- قال: كيف يمنعهنّ وقد طاف نساء النّبيّ ﷺ مع الرجال؟! قلت: أبعد الحجاب أو قبل؟ قال: إِي لعمري؛ لقد أدركته بعد الحجاب، قلت: كيف يُخالطن الرجال؟ قال: لم يَكْنَّ يخالطْنَ، كانت عائشة ﵁ تطوف حَجْرة (٣) من الرّجال لا تخالطهم. فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أمّ المؤمنين! قالت: عَنْكِ! وأبَتْ، يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال، ولكنهنّ كنّ إِذا دخلن البيت؟ قُمن حتى يدخلن وأُخرج الرجال" (٤). هل يركب الطائف ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة واستدلّ المجوّزون بحديث ابن عباس -

стр. 1567

رضي الله عنهما- قال: "طاف النّبيّ ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمِحجَن (١) " (٢). واستدلّوا كذلك بحديث جابر ﵁ قال: "طاف رسول الله ﷺ بالبيت في حجة الوداع على راحلته؛ يستلم الحجر بمحجنه؛ لأن يراه الناس وَلِيَشْرُفَ وليسألوه؛ فإِنّ الناس غَشُوه" (٣). ومنهم من منَع ذلك (٤) إِلا لمرض أو سبب؛ وهو الراجح -والله أعلم- لما يأتي: ١ - إِن حديث جابر وضّح سبب الركوب، وهو قوله ﵁: "لأن يراه الناس، وليشرف، وليسألوه؛ فإِن الناس غَشُوه". فماذا إِذا لم تكن حاجة لأن يُرى الطائف أو يشرف؟! وماذا إِذا لم يَغْشَهُ الناس؟! ٢ - إِن المتأمّل في النصوص الواردة في الركوب لا يراها تعدو وجود مرض أو سبب، وما أُجمل؛ فالروايات الأخرى تفصّله. ومن ذلك: حديث أم سلمة ﵂ قالت: "شكوت إِلى رسول

стр. 1568

الله ﷺ أنّي أشتكي؟ فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة ... " (١). لذلك ذكر الإِمام البخاري ﵀ حديث ابن عباس ﵄ السابق تحت (باب المريض يطوف راكباً)، قال الحافظ ﵀ تحت الحديث (١٦٣٣): " ... وقد تقدّم الكلام عليهما [أي: حديث ابن عباس وأم سلمة ﵃] في (باب إِدخال البعير المسجد للعلّة). وأنّ المصنّف حمل سبب طوافه ﷺ راكباً على أنّه كان عن شكوى". وجاء في "منار السبيل" (١/ ٢٥٣): " .. فلا يجزئ طواف الراكب لغير عُذر ... "؛ ونقل الأقوال المخالفة. استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره، والصلاة فيها، والدعاء في نواحيها كلها (٢) عن ابن عمر ﵄: "أنّ رسول الله ﷺ دخل الكعبة، هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة الحَجَبي (٣) فأغلقها عليه، ثمّ مكث فيها. قال ابن عمر: فسألت بلالاً حين خرج: ما صنع رسول الله ﷺ ؟ قال: جعل عمودين عن يساره، وعموداً عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثمّ صلّى" (٤).

стр. 1569

يبادر المرء إِلى الحجر الأسود، فيستقبله استقبالاً فيكبّر، والتسميةُ قبله صحت عن ابن عمر موقوفاً. ثمّ يستلمه بيده ويقبِّله بفمه؛ فعن عمر ﵁: "أنه جاء إِلى الحجر الأسود فقبله فقال: إِني أعلم أنك حجر لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت النّبيّ ﷺ يُقبلّك؛ ما قبّلتك" (١). ويسجد عليه أيضاً، فقد فعَله رسول الله ﷺ ، وعمر وابن عباس (٢). فإِن لم يمكنه تقبيله؛ استلمه بيده ثمّ قبّل يَدَه. عن نافع قال: "رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثمّ قبّل يده؛ وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله" (٣). فإِن لم يمكنه الاستلام؛ أشار إِليه بيده. ويفعل ذلك في كلّ طَوْفَةٍ. ولا يزاحم عليه؛ لقوله ﷺ : "يا عمر! إِنك رجل قوي، فلا تُؤْذِ الضعيف، وإذا أردت استلام الحجر؛ فإِنْ خلا لك فاستلِمْه؛ وإلا فاستقبله وكبّر" (٤). وفي استلام الحجر فضْل كبير؛ لقوله ﷺ : "ليبعثنّ الله الحجر يوم القيامة،

стр. 1570

وله عينان يُبصِر بهما، ولسانٌ ينطق به، ويشهد على من استلمَه بحقّ"، وقال: "مسْح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطاً" (١). وقال: "الحجر الأسود من الجنة، وكان أشدّ بياضاً من الثلج، حتى سوَّدته خطايا أهل الشرك" (٢). ثمّ يبدأ بالطواف حول الكعبة يجعلها عن يساره، فيطوف من وراء الحجر سبعة أشواط، من الحجر إِلى الحجر شوط، يضطبع (٣) فيها كلها، عن يعلى بن أميّة: "أنّ النّبيّ ﷺ طاف بالبيت مضطبعاً؛ وعليه بُرد" (٤). ويرمل في الثلاثة الأُوَل منها، من الحجر إِلى الحجر، ويمشي في سائرها. عن ابن عباس ﵄: "أنّ رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجِعرّانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، قد قذفوها على عواتقهم اليسرى" (٥). وعن ابن عمر ﵄ قال: "رَمَل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثاً، ومشى أربعاً" (٦).

стр. 1571

حكمة الرَّمَلِ: عن ابن عباس ﵄ قال: "قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حُمَّى يثرب، قال المشركون: إِنّه يَقْدَمُ عليكم غداً قوم وهنتهم الحمّى، ولقوا منها شدّة، فجلسوا ممّا يلي الحِجْرَ، وأمرهم النّبيّ ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الرّكنين، ليرى المشركون جَلَدَهُمْ، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أنّ الحمى قد وهنتهم؟! هؤلاء أجلد من كذا وكذا! قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها؛ إِلا الإِبقاء عليهم" (١). ومع حدوث هذا الأمر لسبب؛ إِلا أنّ العلماء قالوا بعدم زوال حُكمه، وإن كان قد زال سببه. عن أسلم أنّ عمر بن الخطاب قال: "ما لنا وللرَّمَل؟! إِنما كنّا راءينا به المشركين، وقد أهلكَهم الله! ثمّ قال: شيء صنَعه النّبيّ ﷺ ؛ فلا نحبّ أن نتركه" (٢). وفي رواية: "يقول [أي: عمر]: فِيمَ الرَّمَلان -اليوم- والكشف عن المناكب؟! وقد أطّأ (٣) الله الإِسلام، ونفى الكفر وأهله! مع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ " (٤).

стр. 1572

ويستلم الركن اليماني بيده في كل طوفة، ولا يقبّله، فإِن لم يتمكنّ من استلامه؛ لم تشرع الإِشارة إِليه. عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لم أرَ النّبيّ ﷺ يستلم من البيت إِلا الركنين (١) اليمانيين" (٢). وعن ابن عمر قال: "ما تركت استلام هذين الركنين اليماني والحَجَرَ -مُذْ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما- في شدّة ولا رخاء" (٣). ويقول بينهما: " ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وَقِنَا عذاب النّار﴾ " (٤). ولا يستلم الركنين الشاميين؛ اتباعاً للنّبيّ ﷺ (٥).

стр. 1573

مشروعية التزام الملْتزم في الطواف (١): ويشرع التزام الملتزم في الطواف؛ لثبوت ذلك عن النّبيّ ﷺ ؛ فإِنّه "كان يضع صدره ووجهه وذراعيه وكفّيه بين الركن والباب؛ يعني: في الطواف" (٢). قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في "منسكه" (ص ٣٨٧): "وإن أحب أن يأتي الملتزم -وهو ما بين الحجر الأسود والباب - فيضع عليه صدره ووجهه وذراعيه وكفّيه، ويدعو، ويسأل الله تعالى حاجته-؛ فعَل ذلك. وله أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع؛ فإِنّ هذا الالتزام لا فرق بين أن يكون حال الوداع أو غيره، والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة .. ولو وقف عند الباب ودعا هناك من غير التزام للبيت، كان حسناً". موضعه: مكان الملتزم بين الركن والباب؛ للحديث السابق، ولقول ابن عباس -رضي

стр. 1574

الله عنهما-: "هذا الملتزم بين الركن والباب" (١). وعن مجاهد: قال جئتُ ابن عباس وهو يتعوّذ بين الركن والباب (٢). وعن عروة: "أنه كان يلصق بالبيت: صدره ويده وبطنه" (٣). متى يلتزمه ؟ يأتي الملتزم حين يفرغ من السبع؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه (٤) قال: "طفت مع عبد الله بن عمرو، فلما فرغنا من السبع؛ ركعنا في دُبُر الكعبة، فقلت: ألا نتعوذ بالله من النّار؟! قال: أعوذ بالله من النّار، قال: ثمّ مضى فاستلم الركن، ثمّ قام بين الحجر والباب، فألصق صدره ويديه وخده إِليه، ثمّ قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل" (٥). وليس للطواف ذِكْر خاصٌّ، فله أن يقرأ من القرآن أو الذكر ما شاء؛ لقوله ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة، ولكنّ الله أحلّ فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق

стр. 1575

إِلا بخير"، وفي رواية: "فأقلّوا فيه الكلام" (١). ولا يجوز أن يطوف بالبيت عريان ولا حائض؛ لقوله ﷺ : "ولا يطوف بالبيت عريان" (٢). وقوله لعائشة حين قدمت معتمرة في حَجّة الوداع: "افعلي كما يفعل الحاج؛ غير أن لا تطوفي بالبيت [ولا تصلّي] حتى تطهري" (٣). صلاة ركعتين بعد الطَّواف: وينطلق إِلى مقام إِبراهيم؛ وقد غطّى كتفه الأيمن، ويقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلّى﴾، ويجعل المقام بينه وبين الكعبة، ويصلّي عنده ركعتين. عن ابن عمر ﵄ قال: " .. قدم رسول الله ﷺ ، فطاف بالبيت سبعاً، ثمّ صلّى خلف المقام ركعتين" (٤). وعن جابر قال: "لما قدم النّبيّ ﷺ مكة؛ دخل المسجد فاستلم الحجر، ثمّ مضى على يمينه؛ فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثمّ أتى إِلى المقام فقال: ﴿واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلّى﴾، فصلّى ركعتين، والمقام بينه وبين البيت، ثمّ أتى

стр. 1576

الحجر بعد الركعتين فاستلمه، ثمّ خرج إِلى الصفا -أظنه قال-: ﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله﴾ " (١). جواز تأديتهما أوقات النهي: وتؤدّيان في جميع الأوقات؛ حتى أوقات النهي. عن جبير بن مُطعِمٍ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلّى أيّةَ ساعة شاء من ليل أو نهار" (٢). وعن عبد العزيز بن رُفيع قال: "رأيت عبد الله بن الزبير ﵄ يطوف بعد الفجر ويصلّي ركعتين" (٣). إذا صلّى المكتوبة؛ هل تجزئه ؟ وإذا صلّى المكتوبة بعد الطواف؛ أجزأته عن الركعتين؛ بشرطين: ١ - أن يكون عند المقام؛ بحيث يمضي فيه قوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلّى﴾. ٢ - أن ينوي ذلك (٤).

стр. 1577

وقرأ فيهما: " ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ " (١). وينبغي أن لا يمرّ بين يدي المصلّي هناك، ولا يدع أحداً يمرُّ بين يديه وهو يصلّي؛ لعموم الأحاديث الناهية عن ذلك، وعدم ثبوت استثناء المسجد الحرام منها، بله مكة كلها! ثمّ إِذا فرغ من الصلاة؛ ذهَب إِلى زمزم فشرب منها، وصبَّ على رأسه، فقد قال ﷺ : "ماء زمزم لما شرب له" (٢). وقال: "إِنها مباركة، وهي طعام طُعْم، [وشفاء سُقْمٍ] " (٣). وقال: "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم؛ فيه طعام من الطُّعم (٤)، وشفاء من السقم" (٥). ثمّ يرجع إِلى الحجر الأسود؛ فيكبّر ويستلمه على التفصيل المتقدّم. إِذا وقف في الطواف (٦): قال عطاء فيمن يطوف، فتقام الصلاة أو يدفع عن مكانه: إِذا سلّم يرجع

стр. 1578

إِلى حيث قطع عليه فيبني (١). ويُذكر نحوه عن ابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵃ (٢) السعي بين الصفا والمروة: ثمّ يعود أدراجه ليسعى بين الصفا والمروة. حُكْمه: اختلف العلماء في حُكم السعي بين الصفا والمروة: فمنهم من قال بركنيته، ومنهم قال بوجوبه، ومنهم من قال بسنّيته. والراجح -والله أعلم- الركنّية؛ لحديث عروة قال: "سألت عائشة ﵂ فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطوّف بهما﴾؛ فوالله ما على أحدٍ جناح أن لا يطوف بالصّفا والمروة، قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي! إِنّ هذه لو كانت كما أوّلتها عليه كانت لا جناح عليه أن لا يتطّوف بهما)! ولكنها أُنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يُهِلُّون لِمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلَّل، فكان من أهلّ يتحرّج أن يطوف بالصّفا والمروة، فلمّا أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك؛ قالوا: يا رسول الله! إِنّا كنّا نتحرّج

стр. 1579

أن نطوف بين الصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية، قالت عائشة ﵂: وقد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما؛ فليس لأحدٍ أن يترك الطواف بينهما" (١). وعن عائشة ﵂ قالت: "طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون؛ فكانت سُنّة، فلعمري ما أتمّ الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة" (٢). وعن حبيبة بنت أبي تِجْرَأة قالت: "دخلتْ على دار أبي حسين نسوةٌ من قريش، ورسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة وهو يسعى، يدور به إِزاره من شدة السعي، وهو يقول لأصحابه: اسعوا فإِن الله كتب عليكم السعي" (٣). وسألت شيخنا ﵀: ماذا ترون حُكم السعي بين الصفا والمروة؟ فقال ﵀: "رُكن". أصل مشروعيته: قال ابن عباس: "أول ما اتخذ النساء المِنطَق (٤) من قِبل أم إِسماعيل؛ اتخذت مِنطقاً لتُعفّي (٥) أثرها على سارة، ثمّ جاء بها إِبراهيم وبابنها إِسماعيل

стр. 1580

-وهي تُرضعه- حتى وضعها عند البيت عند دوحة (١) فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جراباً (٢) فيه تمر وسقاءً فيه ماء، ثمّ قفّى (٣) إِبراهيم منطلقاً، فتبعته أمّ إِسماعيل فقالت: يا إِبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إِنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إِليها، فقالت له: آللهُ الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إِذن لا يُضيعنا، ثمّ رجعت. فانطلق إِبراهيم حتى إِذا كان عند الثّنيّة حيث لا يرونه؛ استقبل بوجهه البيت ثمّ دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: ﴿ربنا إِني أسكنتُ من ذرّيّتي بوادٍ غير ذي زرع﴾ حتى بلغ: ﴿يشكرون﴾؛ وجعلت أمّ إِسماعيل ترضع إِسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إِذا نفد ما في السقاء؛ عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إِليه يتلوّى -أو قال: يتلبّط (٤)؛ فانطلقت كراهية أن تنظر إِليه، فوجدت الصّفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثمّ استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً؟ فلم ترَ أحداً، فهبطت من الصفا، حتى إِذا بلغت الوادي؛ رفعت طرف دِرعها، ثمّ سعت سعي الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثمّ أتت المروة فقامت عليها؛ فنظرت هل ترى أحداً فلم ترَ أحداً،
следующие страницы →