← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

الحجر بعد الركعتين فاستلمه، ثمّ خرج إِلى الصفا -أظنه قال-: ﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله﴾ " (١). جواز تأديتهما أوقات النهي: وتؤدّيان في جميع الأوقات؛ حتى أوقات النهي. عن جبير بن مُطعِمٍ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلّى أيّةَ ساعة شاء من ليل أو نهار" (٢). وعن عبد العزيز بن رُفيع قال: "رأيت عبد الله بن الزبير ﵄ يطوف بعد الفجر ويصلّي ركعتين" (٣). إذا صلّى المكتوبة؛ هل تجزئه ؟ وإذا صلّى المكتوبة بعد الطواف؛ أجزأته عن الركعتين؛ بشرطين: ١ - أن يكون عند المقام؛ بحيث يمضي فيه قوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إِبراهيم مصلّى﴾. ٢ - أن ينوي ذلك (٤).

стр. 1577

وقرأ فيهما: " ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ " (١). وينبغي أن لا يمرّ بين يدي المصلّي هناك، ولا يدع أحداً يمرُّ بين يديه وهو يصلّي؛ لعموم الأحاديث الناهية عن ذلك، وعدم ثبوت استثناء المسجد الحرام منها، بله مكة كلها! ثمّ إِذا فرغ من الصلاة؛ ذهَب إِلى زمزم فشرب منها، وصبَّ على رأسه، فقد قال ﷺ : "ماء زمزم لما شرب له" (٢). وقال: "إِنها مباركة، وهي طعام طُعْم، [وشفاء سُقْمٍ] " (٣). وقال: "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم؛ فيه طعام من الطُّعم (٤)، وشفاء من السقم" (٥). ثمّ يرجع إِلى الحجر الأسود؛ فيكبّر ويستلمه على التفصيل المتقدّم. إِذا وقف في الطواف (٦): قال عطاء فيمن يطوف، فتقام الصلاة أو يدفع عن مكانه: إِذا سلّم يرجع

стр. 1578

إِلى حيث قطع عليه فيبني (١). ويُذكر نحوه عن ابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵃ (٢) السعي بين الصفا والمروة: ثمّ يعود أدراجه ليسعى بين الصفا والمروة. حُكْمه: اختلف العلماء في حُكم السعي بين الصفا والمروة: فمنهم من قال بركنيته، ومنهم قال بوجوبه، ومنهم من قال بسنّيته. والراجح -والله أعلم- الركنّية؛ لحديث عروة قال: "سألت عائشة ﵂ فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطوّف بهما﴾؛ فوالله ما على أحدٍ جناح أن لا يطوف بالصّفا والمروة، قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي! إِنّ هذه لو كانت كما أوّلتها عليه كانت لا جناح عليه أن لا يتطّوف بهما)! ولكنها أُنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يُهِلُّون لِمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلَّل، فكان من أهلّ يتحرّج أن يطوف بالصّفا والمروة، فلمّا أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك؛ قالوا: يا رسول الله! إِنّا كنّا نتحرّج

стр. 1579

أن نطوف بين الصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية، قالت عائشة ﵂: وقد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما؛ فليس لأحدٍ أن يترك الطواف بينهما" (١). وعن عائشة ﵂ قالت: "طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون؛ فكانت سُنّة، فلعمري ما أتمّ الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة" (٢). وعن حبيبة بنت أبي تِجْرَأة قالت: "دخلتْ على دار أبي حسين نسوةٌ من قريش، ورسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة وهو يسعى، يدور به إِزاره من شدة السعي، وهو يقول لأصحابه: اسعوا فإِن الله كتب عليكم السعي" (٣). وسألت شيخنا ﵀: ماذا ترون حُكم السعي بين الصفا والمروة؟ فقال ﵀: "رُكن". أصل مشروعيته: قال ابن عباس: "أول ما اتخذ النساء المِنطَق (٤) من قِبل أم إِسماعيل؛ اتخذت مِنطقاً لتُعفّي (٥) أثرها على سارة، ثمّ جاء بها إِبراهيم وبابنها إِسماعيل

стр. 1580

-وهي تُرضعه- حتى وضعها عند البيت عند دوحة (١) فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جراباً (٢) فيه تمر وسقاءً فيه ماء، ثمّ قفّى (٣) إِبراهيم منطلقاً، فتبعته أمّ إِسماعيل فقالت: يا إِبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إِنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إِليها، فقالت له: آللهُ الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إِذن لا يُضيعنا، ثمّ رجعت. فانطلق إِبراهيم حتى إِذا كان عند الثّنيّة حيث لا يرونه؛ استقبل بوجهه البيت ثمّ دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: ﴿ربنا إِني أسكنتُ من ذرّيّتي بوادٍ غير ذي زرع﴾ حتى بلغ: ﴿يشكرون﴾؛ وجعلت أمّ إِسماعيل ترضع إِسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إِذا نفد ما في السقاء؛ عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إِليه يتلوّى -أو قال: يتلبّط (٤)؛ فانطلقت كراهية أن تنظر إِليه، فوجدت الصّفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثمّ استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً؟ فلم ترَ أحداً، فهبطت من الصفا، حتى إِذا بلغت الوادي؛ رفعت طرف دِرعها، ثمّ سعت سعي الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثمّ أتت المروة فقامت عليها؛ فنظرت هل ترى أحداً فلم ترَ أحداً،

стр. 1581

ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النّبيّ ﷺ : فذلك سعي النّاس بينهما" (١). هل يشرع الركوب في السعي ؟ وما قيل في الركوب في الطواف؛ يقال في السعي بين الصفا والمروة؛ فإِنه يجوز لمرض أو حاجة. فعن جابر ﵁ قال: "طاف رسول الله ﷺ بالبيت في حجة الوداع على راحلته، يستلم الحجر بمحجنه؛ لأن يراه الناس، وليشرف، وليسألوه؛ فإِنّ الناس غَشُوه" (٢). وعن أبي الطفيل قال: "قلت لابن عباس ﵄: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكباً؛ أسنّة هو؟ فإِنّ قومك يزعمون أنّه سُنّة! قال: صدقوا وكذبوا. قال: قلت: وما قولك: صدقوا وكذبوا؟! قال: إِنّ رسول الله ﷺ كثر عليه الناس، يقولون: هذا محمّد، هذا محمّد، حتى خرج العواتق (٣) من البيوت، قال: وكان رسول الله ﷺ لا يضرب النّاس بين يديه، فلمّا كثر عليه ركب؛ والمشي والسّعي أفضل" (٤).

стр. 1582

السعي بين الميلين: يسنّ المشي بين الصفا والمروة؛ إِلا ما كان بين الميلين؛ فإِنّه يشتد سعيه. عن جابر ﵁: " .. حتى إِذا انصبّت (١) قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إِذا صَعِدتا (٢) مشى" (٣). عن أم ولد شيبة ﵂ قالت: "رأيت رسول الله ﷺ يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول: لا يُقطع الأبطح (٤) إِلا شدّاً" (٥). الرُّقِيُّ على الصفا والمروة والدعاء عليهما مع استقبال البيت: عن جابر ﵁ في حديثه الطويل: "أنّ رسول الله ﷺ لمّا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله﴾، أَبَدأُ بما بدأ الله به، فبدأ بالصّفا فرقي عليه، حتّى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبّره وقال: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير، لا إِله إِلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثمّ دعا بين

стр. 1583

ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثمّ نزل إِلى المروة .. حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصّفا" (١). ما يقوله الساعي بين الصفا والمروة: يسنّ للساعي بين الصفا والمروة أن يدعو الله ويذكره ويستغفره، ويقرأ القرآن الكريم. ويحرص في سعيه -كما يحرص في طوافه- على جوامع الدعاء، والمأثور عن النّبيّ ﷺ وسلف الأُمّة. كما يحرص على التفقّه في آداب الدعاء؛ حتى لا يقع في المخالفات الشرعية. ولا بأس أن يدعو بما ثبت عن جمع من السلف، فيقول: "ربّ اغفر وارحم، إِنّك أنت الأعز الأكرم" (٢). الموالاة في السعي: لا بُدّ من الموالاة في السعي؛ إِلا لعُذر أو استراحة ونحو ذلك. وما قيل في الموالاة في الطواف عند البيت؛ يقال في الطواف بين الصفا والمروة، والله -تعالى- أعلم. وسألت شيخنا ﵀ عن ذلك!

стр. 1584

فقال: "تجب الموالاة إلاَّ لعذر" (١). فإِذا دنا من الصفا؟ قرأ قوله تعالى: ﴿إِنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطوّف بهما ومن تطوع خيراً فإِنّ الله شاكر عليم﴾ ويقول: نبدأ بما بدأ الله به". ثمّ يبدأ بالصفا فيرتقي عليه حتى يرى الكعبة (٢)، فيستقبل الكعبة، فيوحد الله ويكبره فيقول: الله أكبر؛ الله أكبر؛ الله أكبر، (ثلاثاً). لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كلّ شيء قدير. لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، أنجَز وعدَه، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، يقول ذلك ثلاث مرات. ويدعو بين ذلك. ثمّ ينزل ليسعى بين الصفا والمروة، وقال رسول الله ﷺ : "اسعوا؛ فإِن الله كتَب عليكم السعي" (٣). فيمشي إِلى العلم (الموضوع) عن اليمين واليسار،

стр. 1585

وهو المعروف بالميل الأخضر، ثمّ يسعى منه سعياً شديداً (١) إِلى العلم الآخر الذي بعده، وكان في عهده ﷺ وادياً أبطح فيه دِقاق الحصا". وتقدّم الحديث في ذلك. ثمّ يمشي صُعُداً حتى يأتي المروة فيرتقي عليها، ويصنع فيها ما صَنع على

стр. 1586

الصفا؛ من استقبال القبلة، والتكبير، والتوحيد، والدعاء، وهذا شوط. ثمّ يعود حتى يرقى على الصفا، يمشي موضع مشْيه، ويسعى موضع سعْيه، وهذا شوط ثانٍ. ثمّ يعود إِلى المروة، وهكذا حتى يتم له سبعة أشواط نهاية آخرها على المروة. ويجوز أن يطوف بينهما راكباً، والمشي أعجب إِلى النّبيّ ﷺ (١). فإِذا انتهى من الشوط السابع على المروة؛ قصّ شعر رأسه (٢)؛ وبذلك تنتهي العمرة، ويحلُّ له ما حرُم عليه بالإِحرام، ويمكث هكذا حلالاً إِلى يوم التروية. ومن كان أحرم بغير عمرة الحج، ولم يكن ساق الهدي من الحل؛ فعليه أن يتحلل؛ اتباعاً لأمر النّبيّ ﷺ واتقاءً لغضبه. وأمّا من ساق الهدي؛ فيظلّ في إِحرامه، ولا يتحلّل إِلا بعد الرمي يوم النحر. الإِهلال بالحج يوم التروية فإِذا كان يوم التروية -وهو اليوم الثامن من ذي الحجة- أحرم وأهلّ بالحج، فيفعل كما فعَل عند الإِحرام بالعمرة من الميقات؛ من الاغتسال، والتطيب، ولبُسْ الإِزار والرداء، والتلبية، ولا يقطعها إلاَّ عَقِب رمي جمرة العقبة.

стр. 1587

التوجه إِلى منى (١): يتوجه الحاج إِلى منى يوم التروية (٢) ويصلّي فيها الظهر ويبيت فيها حتى يصلّي سائر الصلوات الخمس قصراً دون جمع. فإِنْ كانْ الحاجّ قارناً أو مفرداً؛ توجه إِليها بإِحرامه، وإن كان متمتعاً؛ أحرم بالحجّ، وفعل كما فعل عند الميقات. والسُّنّة أن يحرم من الموضع الذى هو فيه، حتى أهْل مكّة يحرمون من مكة. عن ابن عباس ﵄: "أنّ النّبيّ ﷺ وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة ... فمن كان دون ذلك فمِن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة" (٣). ويُكْثِرُ الحاج من الدعاء والتلبية عند التوجُّه إِلى منى، ولا يخرج منها حتى تطلع شمس يوم التاسع؛ اقتداءً بالنّبيّ ﷺ . الانطلاق إِلى عرفة: فإِذا طلعت شمس يوم عرفة؛ انطلق إِلى عرفة، وهو يُلبّي أو يُكبّر، كلَّ ذلك فعَل أصحاب النّبيّ ﷺ وهم معه في حَجّته، يُلبّي الملبّي فلا يُنكر عليه،

стр. 1588

ويكبر المكبر فلا يُنكر عليه. فعن محمد بن أبي بكر الثقفي: أنه سأل أنس بن مالك -وهما غاديان من منى إِلى عرفة-: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان يُهلُّ منّا المُهلّ؛ فلا ينكر عليه، ويكبّرمنا المكبّر؛ فلا ينكر عليه" (١). ثمّ ينزل في نَمِرَةَ (٢)، وهو مكان قريب من عرفات، وليس منها، ويظلّ بها إِلى ما قبل الزوال. فإِذا زالت الشمس؛ رحل إِلى عُرنة ونزل فيها، وهي قبيل عرفة، وفيها يخطب الإِمام الناس خطبة تناسب المقام. ثمّ يصلّي بالناس الظهر والعصر قصراً وجمعاً في وقت الظهر. عن ابن شهاب قال: "أخبرني سالم: أنّ الحجاج بن يوسف -عام نزل بابن الزبير ﵄ سأل عبد الله بن عمر ﵄: كيف تصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إِن كنت تُريد السُّنّة فهجّر بالصلاة يوم عرفة، فقال عبد الله بن عمر: صدق، إِنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السُّنّة.

стр. 1589

فقلت لسالم: أفعل ذلك رسول الله ﷺ ؟ فقال سالم: وهل يتبعون بذلك إِلا سنته؟! " (١). عن حارثة بن وهب الخُزاعي ﵁ قال: "صلّيت خلف رسول الله ﷺ بمنى -والناس أكثر ما كانوا-؛ فصلّى بنا ركعتين في حجة الوداع. قال أبو داود: حارثة من خزاعة ودارهم بمكة" (٢). ويؤذن لهما أذاناً واحداً وإقامتين. ولا يُصلّي بينهما شيئاً (٣). ومن لم يتيسر له صلاتهما مع الإِمام؛ فليصلّهما كذلك وحده، أو مع من حوله من أمثاله (٤). الوقوف بعرفة: ثمّ ينطلق إِلى عرفة، فيقف عند الصخرات عند أسفل جبل الرحمة، إِن تيسّر له ذلك؛ وإلا فعرفة كلّها موقف. عن جابر ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: " .. ووقفت هاهنا وعرفة

стр. 1590

كلّها موقف، ووقفت هاهنا وجَمْعٌ كلها موقف" (١). وعن يزيد بن شيبان قال: "أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن بعرفة -في مكان يباعده عمرو عن الإِمام- فقال: أما إِني رسولُ رسول الله ﷺ إِليكم، يقول لكم: قفوا على مشاعركم؛ فإِنكم على إِرثٍ من أرث أبيكم إِبراهيم" (٢). ويقف مستقبلاً القبلة، رافعاً يديه يدعو ويُلبي. عن أسامة بن زيد ﵁ قال: "كنت رديف النّبيّ ﷺ بعرفات، فرَفَع يديه يدعو" (٣). وفي حديث جابر ﵁: "واستقبل القبلة" (٤). ويكثر فيها من التهليل؛ فإِنّه خير الدعاء يوم عرفة؛ لقوله ﷺ : "أفضل ما قلت أنا والنبيون عشية عرفة: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير" (٥).

стр. 1591

وعن عبد الله بن عمروٍ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" (١). وإِن زاد في التلبية أحياناً: "إِنما الخير خير الآخرة"؛ جاز (٢). إِفطار الحاج يوم عرفة: عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "يوم عرفة (٣) ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإِسلام، وهي أيام أكْل وشُرب" (٤). ويفطر الحاجّ هذا اليوم؛ لأنّه أقوى له على أداء النّسك، ولأنّه هو الثابت عنه ﷺ مِن فِعله في حجّة الوداع (٥). وتقدّم في "كتاب الصيام" (٣/ ٢٥٧) حديث ميمونة في "الصحيحين": أنّ النّبيّ ﷺ شرب من حلاب لبن يوم عرفة. ولا يزال هكذا ذاكراً ملبياً داعياً بما شاء، راجياً من الله -تعالى- أن يجعله من عتقائه الذين يباهي بهم الملائكة، كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى-.

стр. 1592

فضل يوم عرفة: عن عائشة ﵂ أنّ رسول الله ﷺ قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النّار من يوم عرفة، وإِنه ليدنو ثمّ يباهي بهم الملائكة؛ فيقول: ما أراد هؤلاء؟! " (١). وفي زيادة: "اشهدوا ملائكتي! أني قد غفرت لهم" (٢). عن أنس بن مالك قال: "وقف النّبيّ ﷺ بـ (عرفات)؛ وقد كادت الشمس أن تؤوب، فقال: يا بلال! أنصت لي الناس. فقام بلال، فقال: أنصتوا لرسول الله ﷺ ، فأنصت الناس، فقال: معاشر الناس! أتاني جبرائيل آنفاً، فأقرأني من ربي السلام، وقال: إِنّ الله غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات. فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! هذا لنا خاصة؟ قال: هذا لكم، ولمن أتى من بعدكم إِلى يوم القيامة. فقال عمر بن الخطاب: كثر خير الله وطاب! " (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إِنّ الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إِلى عبادي؛ جاءوني شُعْثاً (٤)

стр. 1593

غُبْراً (١) " (٢) وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ كان يقول: "إِنّ الله يباهي ملائكته عَشيَّة عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إِلى عبادي شُعثاً غُبراً" (٣). وفي حديث ابن عمر ﵄ الطويل: " .. فإِذا وقف بـ (عرفة)؛ فإِنّ الله ينزل إِلى سماء الدنيا فيقول: انظروا إِلى عبادي شُعثاً غبراً، اشهدوا أني قد غفرت لهم ذنوبهم، وإِن كانت عدد قطر السماء ورمل عالج (٤) " (٥). الوقوف بعرفة رُكن الحجِّ الأعظم: عن عبد الرحمن بن يعمر الدَّيْلي قال: "أتيت رسول الله ﷺ وهو بعرفة، فجاء ناس -أو نفر- من أهل نجد، فأمروا رجلاً فنادى رسول الله ﷺ : كيف

стр. 1594

الحج؟ فأمَر رسول الله ﷺ [رجلاً] فنادى: الحجّ الحجُّ، يوم عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع؛ فتمّ حجة، أيام منى ثلاثة، ﴿فمن تعجل في يومين فلا إِثم عليه ومن تأخر فلا إِثم عليه﴾ قال: ثمّ أردف رجلاً خلفه فجعل ينادي بذلك" (١). الإِفاضة من عرفات إِلى المزدلفة: ويبقى حتى غروب الشمس كما في حديث جابر: "فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرصُ" (٢). فإِذا غربت الشمس؛ أفاض من عرفات إِلى المزدلفة وعليه السكينة والهدوء، لا يزاحم الناس بنفسه أو دابته أو سيارته، فإِذا وجد خلوة أسرع. وعن ابن عباس ﵄: "أنّه دفع مع النّبيّ ﷺ يوم عرفة، فسمع النّبيُّ ﷺ وراءه زجراً شديداً وضرباً وصوتاً للإِبل، فأشار بسوطه إِليهم وقال: أيها الناس! عليكم بالسكينة؛ فإِن البر ليس بالإِيضاع (٣) " (٤). عن عروة قال: سئل أسامة وأنا جالس: كيف كان رسول الله ﷺ يسير في

стр. 1595

حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العَنق (١)، فإِذا وجد فجوة نصّ (٢) " (٣). ثمّ يأخذ الطريق الوسطى التي تخرجه على الجمرة الكبرى. فإِذا وصَلها؛ أذَّن وأقام وصلّى المغرب ثلاثاً، ثمّ أقام وصلّى العشاء قصراً، وجمَع بينهما. عن جابر ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ صلّى المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسّبح (٤) بينهما شيئاً" (٥). وإن فصَل بينهما لحاجة لم يضرّه ذلك (٦). ولا يصلّي بينهما ولا بعد العشاء شيئاً (٧).

стр. 1596

ثمّ ينام حتى الفجر. فإِذا تبيّن له الفجر؛ صلّى في أوّل وقته بأذان وإِقامة. المبيت بالمزدلفة وصلاة الفجر فيها: ولا بُدّ من صلاة الفجر في المزدلفة لجميع الحجاج؛ إِلا الضعفَة والنساء؛ فإِنّه يجوز لهم أن ينطلقوا منها بعد نصف الليل؛ خشية حَطَمة الناس. "والسّنّة أن يبت بمزدلفة إِلى أن يطلع الفجر، فيصلّي بها الفجر في أوّل الوقت، ثمّ يقف بالمشعر الحرام إِلى أن يسفر جدّاً قبل طلوع الشمس، فإِن كان من الضعفة كالنساء والصبيان ونحوهم -فإِنّه يتعجل من مزدلفة إِلى منى إِذا غاب القمر، ولا ينبغي (١) لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر، فيصلّوا بها الفجر، ويقفوا بها، ومزدلفة كلها موقف، لكن الوقوف عند قزح أفضل، وهو جبل الميقدة، وهو المكان الذي يقف فيه الناس اليوم، وقد بني عليه بناءٌ، وهو المكان الذي يخصه كثير من الفقهاء باسم المشعر الحرام" (٢). أجابنا شيخنا ﵀ عن حدّ المبيت في المزدلفة قائلاً: "المبيت: هو كما فعَلَه الرسول ﵇ الأمر واضح جدّاً ... حَجَّةُ الرسول ﵇ معلومة تماماً، حتى أفاض من عرفات عندما غربت الشمس، فيجب على الجميع أن ينطلقوا من عرفات حينما يرون

стр. 1597

الشمس قد غربت، هنا قد تختلف الظروف كما يقع في كثير من الأحيان في الازدحام؛ قد لا يَصِلون إِلا مع الفجر مثلاً، وقد يصلون بربع ساعة أو نصف ساعة حسبما يتيّسر، إِذاً فبمجرّد وصول من أفاض من عرفات إِلى مزدلفة يبدأ وقت المبيت، ومبيت الليلة يعني يشمل الليل، فالرسول ﷺ ماذا فعَل الليل كله؟ ... وقد يقول القائل: البيات بعد نصف الليل! نقول له أولاً: هذا مخالف لفعل الرسول ﵇ الذي نعتبره بياناً لقوله ﷺ : "لتأخذوا مناسككم" هذا أولاً. ثانياً: اللغة لا تساعد على هذا التعديل، لأنَّ بات يبدأ من بعد الغروب، إِذاً يبقى من حيث اللغة البيات على عمومه؛ والسُّنّة العملية تؤيده أو تقيّده ... ". ومزدلفة كلها موقف، فحيثما وقف فيها جاز. ثمّ ينطلق قبل طلوع الشمس إِلى منى؛ وعليه السكينة وهو يلبي. فإِذا أتى بطن مُحَسِّر؛ أسرع السير إِذا أمكنه، وهو من منى. عن ابن عباس ﵄ قال: "ارفعوا عن بطن مُحسِّر، وعليكم بمثل حصى الخَذَف " (١). وعن علي ﵁ قال: "لما أصبح النّبيّ ﷺ ؛ وقف على قُزَح فقال: هذا قُزَح وهو الموقف، وجمْعٌ كلها موقف" (٢).

стр. 1598

حُكم ذلك: وأريد أن أفرّق بين حُكم المبيت بالمزدلفة -وهو واجب على الراجح من أقوال العلماء؛ ومن العلماء من يرى الركنية-؛ وبين حُكم صلاة الفجر -والذي نحن بصدده-. فأقول -وبالله تعالى أستعين-: جاء في "زاد المعاد" (٢/ ٢٥٣) في ذِكر من يرى ركنية المبيت في المزدلفة: " .. وهو مذهب اثنين من الصحابة، ابن عباس، وابن الزبير ﵃. وإِليه ذهب إِبراهيم النّخعي، والشعبي، وعلقمة، والحسن البصري، وهو مذهب الأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان (١)، وداود الظاهري، وأبي عُبيد القاسم بن سلاّم، واختاره المحمّدان: ابن جرير وابن خزيمة، وهو أحد الوجوه للشافعية (٢). انتهى. وكذا ابن العربي المالكي (٣). ويرى ابن حزم ﵀ ركنية صلاة الفجر. وقال لي شيخنا ﵀ في بعض الإِجابات: "نحن لا نقول بركنية المبيت، نحن نقول بركنية صلاة الفجر ووجوب

стр. 1599

المبيت، يجب التفريق بين الأمرين، والحديث الواضح الصريح: أنّه مَن صلّى صلاتنا هذه" معنا في جمع، وكان قد وقف على عرفة ساعةً من الليل أو النهار؛ فقد تمّ حجُّه وقضى تَفَثَهُ" (١). فجعل صلاة الصبح في مزدلفة والوقوف في عرفة أوّلاً شيئاً واحداً؛ ثمّ رتَّب على مجموع الأمرين بأنّه قد تمّ حَجُّهُ. ومعنى ذلك: أنّه إِذا أخلّ بأحد الأمرين المذكورين في هذا الحديث الصحيح؛ فحجّه لم يتمّ". انتهى. أقول: صلاة الفجر في المزدلفة لغير النساء والضعفة رُكن على الراجح، والله أعلم، وذلك لقول الله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ ولقول النّبيّ ﷺ : "لتأخذوا مناسككم" (٢). ولحديث عروة بن مضرِّس ﵁ قال: "أتيت رسول الله ﷺ بالموقف -يعني: الجمع- قلت: يا رسول الله! من جبل طَيءٍ، أكللت مَطِيَّتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حَبْل (٣) إِلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو

стр. 1600

نهاراً؛ فقد تمّ حجُّه، وقضى تفَثه (١) " (٢). وفي لفظ: "من أدرك جمْعاً مع الإِمام والناس حتى يُفيض منها؛ فقد أدرك الحج، ومن لم يُدرك مع الناس والإِمام؛ فلم يُدرك" (٣). قال ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" (٢/ ٢٥٣) -بعد حديث عروة بن المضرّس ﵁: "وبهذا احتجّ من ذهب إِلى أنّ الوقوف بمزدلفة والمبيت بها ركن كعرفة ... " ثمّ ذكر من يرى هذا من الصحابة ﵃ ومن بعدهم، وقال: ولهم ثلاث حجج، هذه إحداها. والثانية: قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ (٤). والثالثة: فِعل رسول الله ﷺ الذي خرَج مخرج البيان لهذا الذّكر المأمور به. حُجج من يرد على الركنية: *١ - احتج بعضهم بقول النّبيّ ﷺ : "الحج عرفة". ويرد عليهم:

стр. 1601

أ- أنّ عندهم فرائض يبطل الحجّ بتركها سوى عرفة؛ كترك الإِحرام، وترك طواف الإِفاضة، وترك الصفا والمروة. ب- ليس قوله ﷺ : "الحج عرفة" بمانع من أن يكون غيرُ عرفة الحجَّ أيضاً، إِذا جاء بذلك نصّ، وقد قال تعالى: ﴿ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إِليه سبيلاً﴾ (١)؛ والبيت غير عرفة بلا شكّ. .. وقد قال تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إِلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ (٢). وأخبر رسول الله ﷺ أنّ يوم الحج الأكبر هو يوم النحر؛ ولا يكون يوم الحج الأكبر إِلا وغيره يوم الحج الأصغر، ومحال ممتنع أن يكون هو يوم الحج الأكبر ولا يكون فيه من فرائض الحج شيء، ويكون فرض الحج في غيره. فصحّ أن جملة فرائض الحج الأكبر، وهي الوقوف بمزدلفة الذي لا يكون في غيره، ورمي الجمرة، والإفاضة؛ وقد يكونان فيما بعده كما عرفة فيما قبله* (٣). وذكر ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (٧/ ١٧٠) بإِسناده إِلى ابن عباس ﵄ أنّه قال: "من أفاض من عرفة؛ فلا حجّ له". وقال (ص ١٧١): "وقد ذكرنا عن ابن الزبير أنّه كان يقول في خطبته: ألا

стр. 1602

لا صلاة إِلا بجمع! فإِذا أبطل الصلاة إِلا بمزدلفة؛ فقد جعَلها من فرائض الحج. ومن طريق شعبة عن داود بن يزيد الأزدي عن أبي الضحى قال: سألت علقمة عمن لم يدرك عرفات أو جمعاً أو وقع بأهله يوم النحر قبل أن يزور؟ فقال: عليه الحج. ومن طريق شعبة عن المغيرة بن مقسم عن إِبراهيم النخعي قال: كان يقال: من فاته جمع أو عرفة؛ فقد فاته الحج. ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي قال: من فاته عرفة أو جمع أو جامع قبل أن يزور؛ فقد فسد حجه. ومن طريق سفيان الثوري أيضاً عن عبد الله بن أبي السَّفَرِ عن الشعبي أنه قال: من فاته جمع؛ جعلها عمرة. وعن الحسن البصري: من لم يقف بجمع؛ لا حجّ له. وعن حمّاد بن أبي سليمان قال: من فاته الإِفاضة من جمع؛ فقد فاته الحج؛ فليحلّ بعمرة ثمّ ليحج من قابل. ومن طريق شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: يوم الحج الأكبر هو يوم النحر، ألا ترى أنه إِذا فاته عرفة لم يفته الحج، وإذا فاته يوم النحر فاته الحج؟! قال أبو محمد: صدق سعيد؛ لأنّ من فاتته عرفة يوم عرفة؛ لم يفته الحج؛ لأنّه يقف بعرفة ليلة النحر يوم النحر؛ وأمّا يوم النحر فإِنما سماه الله تعالى:

стр. 1603

﴿يوم الحج الأكبر﴾ (١)؛ لأنّ فيه فرائض ثلاثاً من فرائض الحج، وهو الوقوف بمزدلفة لا يكون جازئاً إِلا غداة يوم النحر، وجمرة العقبة وطواف الإِفاضة؛ ويجوز تأخيره؛ فصح أن مزدلفة أشد فروض الحج تأكيداً وأضيقها وقتاً؛ وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا. ٢ - واحتجّ بعضهم بأنّ النّبيّ ﷺ مدّ وقت الوقوف بعرفة إِلى طلوع الفجر، وهذا يقتضي أنّ من وقف بعرفة قبل طلوع الفجر بأيسر زمان صحّ حجّه، ولو كان الوقوف بمزدلفة ركناً؛ لم يصحّ حجّه (٢). قال ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" (٢/ ٢٥٤): "وأمّا توقيت الوقوف بعرفة إِلى الفجر؛ فلا ينافي أن يكون المبيت بمزدلفة رُكناً، وتكون تلك الليلة وقتاً لهما كوقت المجموعتين من الصلوات (٣)، وتضييق الوقت لأحدهما لا يُخرجه عن أن يكون وقتاً لهما حال القدرة". ٣ - واحتجّ بعضهم بأنّه لو كان ركناً لاشترك فيه الرجال والنّساء، فلمّا قدَّم رسول الله ﷺ النساء بالليل؛ عُلم أنه ليس بركن! فأقول:

стр. 1604

أ- قال ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" (٢/ ٢٥٤): "وفي [هذا] نظر؛ فإِنّ النّبيّ ﷺ إِنما قدّمهنّ بعد المبيت بمزدلفة، وذكر الله تعالى بها لصلاة عشاء الآخرة؛ والواجب هو ذلك". ب- إِنما يكون الأمر بحسب القدرة؛ فعند الضعف يكون التخفيف أو رفع التكليف، فالقيام في الصلاة من أركانها؛ كما في قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ (١). وفي الحديث: "صلِّ قائماً، فإِن لم تستطِع فقاعداً ... " (٢). *٤ - وأجابوا .. عن حديث عروة: بأنّ الإِتمام يكون على وجوه: تارة يكون إِتماماً لا يصح الشيء إِلا به، وتارة يكون إِتماماً يصح الشيء بدونه مع التحريم، وتارة يكون إِتماماً يصح الشيء به مع نفي التحريم، والمراد بالإِتمام في حديث عروة بالنسبة للمزدلفة: إِتمام الواجب الذي تصح العبادة بدونه، وهذا هو رأي الجمهور* (٣). فأقول: ١ - ما هو الدليل على هذا الاختيار في تفسير مدلول الإِتمام؛ فإِن هذا يتقرّر من خلال مجموع أفراد المسائل الأُخرى! وقد بيّنت الردّ عليها. ٢ - إِن النّبي ﷺ لم يذكر كلّ أعمال الحج حتى يقال هذا القول فإِنّه لم

стр. 1605

يذكر إِلا شهود صلاة الفجر والوقوف بعرفة، فبهما يتمّ الحج ويُقضى التفث، والحاج مُعرَّض للتمام الذي يصحّ الحج به؛ سواءً أكان مع التحريم أو بدونه؛ بالأعمال التي تأتي بعد هذه العبارة. ج- إِنّ الله -تعالى- قد أوجب على الرجال أموراً لم يوجبها على النساء؛ كصلاة الجمعة والجماعة ... فإِن قالوا: لكن هناك البدل والمبدل منه. قلنا: فالجهاد؟! وما الدليل على البدل والمبدل منه؟ فهذه أمور تُستقرأ من النصوص ولا تُؤصّل. والحاصل أنّ هناك أموراً يسقط وجوبها بالكلية، وهناك من الأمور ما يكون فيه البدل منه. أقول: إِنّ تقديم ما فيه الاختيار للركنية (١) وبراءة الذّمة أولى. جاء في كتاب "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار" للحازمي ﵀ (ص ٣٧): "الوجه الرابع والأربعون في ترجيح أحد الحديثين على الآخر: أن يكون في أحدهما احتياط للفرض وبراءة الذمة بيقين، ولا يكون في الآخر ذلك؛ فتقديم ما فيه الاحتياط للفرض وبراءة الذمة بيقين أولى (٢).

стр. 1606

ولا يجوز لنا أن نخرج عن موضوعية البحث العلمي، أو أن يُفضي الأمر بنا إِلى الخصومة والعداء؛ فإِنّ المراد هو وجه الله -تعالى- عند القائلين بأيّ رأيٍ من الرأيَيْن، وهو بين الأجر والأجرين، فلا يجوز أن نتخطّى دائرة الأجر والأجرين إِلى الإِثم، أو ما يبلغنا إِليه! ونسأل الله الهدى والسداد. ثمّ يأتي المشعر الحرام (وهو جبل في المزدلفة)، فيرقى عليه ويستقبل القبلة، فيحمد الله ويكبّره ويهلّله ويوحّده ويدعو، ولا يزال كذلك حتى يُسفر (١) جدّاً. عن جابر ﵁ في حديثه الطويل: "أتى المزدلفة فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسبح بينهما شيئاً، ثمّ اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلّى الفجر حين تبيّن له الصبح بأذان وإِقامة، ثمّ ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام (٢)، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبّره وهلله ووحدّه، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جدّاً، فدفع قبل أن تطلع الشمس" (٣). فضل الوقوف في المشعر الحرام: روى ابن المبارك عن سفيان الثوري عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك قال: "وقف النّبيّ ﷺ بـ (عرفات) وقد كادت الشمس أن تؤوب؛ فقال: يا بلال! أنصت لي الناس، فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول الله ﷺ فأنصت الناس

стр. 1607

فقال: معاشر الناس. أتاني جبرائيل آنفاً، فأقرأني من ربي السلام، وقال: إِنّ الله غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات. فقام عمر ابن الخطاب فقال: يا رسول الله! هذا لنا خاصة؟ قال: هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إِلى يوم القيامة. فقال عمر بن الخطاب: كثُر خير الله وطاب" (١)! هل التحصِيب (٢) سُنّة؟ عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "من السّنّة النزول بـ (الأبطح) (٣) عشية النَّفْر" (٤). قال شيخنا ﵀ في "الصحيحة" تحت الحديث (٢٦٧٥): ولقد بادرت إِلى تخريج هذا الحديث فور حصولي على نسخة مصوّرة من "المعجم الأوسط" لعزّته، وقلّة من أورده من المخرجين وغيرهم، ولكونه شاهداً قوياً لما

стр. 1608

رواه مسلم (٤/ ٨٥) عن نافع أنّ ابن عمر كان يرى التحصيب سنّة. فكأنّ ابن عمر تلقّى ذلك من أبيه ﵄ فتقوّى رأيه بهذا الشاهد الصحيح عن عمر. وليس بخافٍ على أهل العلم أنّه أقوى في الدلالة على شرعية التحصيب من رأي ابنه؛ لما عُرف عن هذا من توسّعه في الاتباع له ﷺ حتى في الأمور التي وقعت منه ﷺ اتفاقاً لا قصداً، والأمثلة على ذلك كثيرة، وقد ذكر بعضها المنذري في أول "ترغيبه" بخلاف أبيه عمر كما يدلّ على ذلك نهيه عن اتباع الآثار، فإِذا هو جزم أنّ التحصيب سنّة؛ اطمأن القلب إِلى أنه يعني أنّها سنّة مقصودة أكثر من قول ابنه بذلك، لا سيّما ويؤيّده ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة قال: قال لنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى: "نحن نازلون غداً بخيفٍ بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر". وذلك أنّ قريشاً وبني كنانة تحالفت على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلّموا إِليهم رسول الله ﷺ . يعني بذلك التحصيب. والسياق لمسلم. قال ابن القيم في "زاد المعاد": "فقصد النّبيّ ﷺ إِظهار شعائر الإِسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر، والعداوة لله ورسوله. وهذه كانت عادته -صلوات الله وسلامه عليه-: أن يقيم شعار التوحيد في مواضع شعائر الكفر والشرك كما أمر ﷺ أن يبني مسجد الطائف موضع اللات والعزّى". وأما ما رواه مسلم عن عائشة أنّ نزول الأبطح ليس بسنّة، وعن ابن عباس

стр. 1609

أنّه ليس بشيء (١)، فقد أجاب عنه المحقّقون بجوابين: الأول: أنّ المثبت مقدّم على النافي. والآخر: أنّه لا منافاة بينهما، وذلك أنّ النافي أراد أنّه ليس من المناسك فلا يلزم بتركه شيء، والمثبت أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله ﷺ ، لا الإِلزام بذلك، قال الحافظ عقبه (٣/ ٤٧١): "ويستحب أن يصلّي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت به بعض الليل كما دلّ عليه حديث أنس وابن عمر". قلت -أي: شيخنا ﵀: وهما في "مختصري لصحيح البخاري" (كتاب الحج/٨٣ - باب و ١٤٨ - باب). انتهى. وجاء في "الفتح" (٣/ ٥٩١): "وروى مسلم وأبو داود وغيرهما من طريق سليمان بن يسار. عن أبي رافع قال: "لم يأمرني رسول الله ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكن جئت فضربْتُ قبته فجاء فنزل". لكن لما نزله النّبيّ ﷺ كان النزول به مستحباً اتباعاً له لتقريره على ذلك، وقد فعَله الخلفاء بعده كما رواه مسلم من طريق عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: "كان النّبيّ ﷺ وأبو بكر وعمر ينزلون الأبطح"، وسيأتي للمصنف في الباب الذي يليه (٢) لكن ليس فيه ذكر أبي بكر، ومن طريق أخرى عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرى التحصيب سنّة، قال

стр. 1610

نافع: "وقد حصب رسول الله ﷺ والخلفاء بعده". فالحاصل أن من نفى أنّه سنّة كعائشة وابن عباس أراد أنّه ليس من المناسك فلا يلزم بتركه شيء. ومن أثبته كابن عمر أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله ﷺ ؛ لا الإِلزام بذلك، ويستحب أن يصلّي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت به بعض الليل؛ كما دل عليه حديث أنس، ويأتي نحوه من حديث ابن عمر في الباب الذي يليه. ويأتي زمزم، فيشرب منها. فائدة: سألت شيخنا ﵀ عن النزول في المُحصب حين ينفر الحاج من منى إِلى مكة؟ فقال ﵀: "مسألة خلافية بين الصحابة ﵃ منهم من رآها سنة، ومنهم من لم يرها". قلت: وما تقدّم في "السلسلة" زيادة بيان وفائدة. الرمي مشروعيته: عن ابن عباس ﵄ رفعه إِلى النّبيّ ﷺ : "لما أتى إِبراهيم خليل الله المناسك؛ عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثمّ عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات

стр. 1611

حتى ساخ في الأرض، ثمّ عرض له عند الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض. قال ابن عباس: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم إِبراهيم تتبعون" (١). وسألت شيخنا ﵀ عن قصّة ظهور الشيطان لصرف إِبراهيم ﵊ قبل الاطلاع على تصحيحه. فأجاب: نعم، لكن ليس هناك شيطان قابع ليرميَه الحُجَّاج، ولكنه تذكير بتلك الحادثة الجليلة". وجوبه: عن جابر بن عبد الله -رضي لله عنه- قال: رأيت النّبيّ ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم؛ فإِني لا أدري لعلي لا أحجُّ بعد حَجّتي هذه" (٢). وسألت شيخنا ﵀: هل ترون وجوب رمي الجمار،؟ فأجاب: نعم. صفته: ويلتقط الحصيات (٣) التي يريد أن يرمي بها جمرة العقبة في منى، وهي

стр. 1612

آخر الجمرات وأقربهن إِلى مكة. ويستقبل الجمرة، ويجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه. ويرميها بسبع حصيات مثل حصى الخَذْف، وهو أكبر من الحِمِّصَة قليلاً. الرفق في رمي الجمار وصفتها: عن أم سليمان بن عمرو بن الأحوص قالت: رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب، يُكبّر مع كلّ حصاة، ورجل من خلفه يستره، فسألت عن الرجل، فقالوا: الفضل بن العباس، وازدحم الناس، فقال النّبيّ ﷺ : يا أيها الناس! لا يقتل بعضكم بعضاً، وإذا رميتم الجمرة؛ فارموا بمثل حصى الخَذْف" (٢).

стр. 1613

عن ابن عباس ﵄ قال: (قال رسول الله ﷺ غداة العقبة- وهو على ناقته-: أُلقُطْ لي حصًى. فلقطت له سبع حصيات، هنّ حصى الخذْف، فجعل ينفضهنّ في كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا. ثمّ قال: يا أيها الناس! إِياكم والغلوّ في الدّين؛ فإِنه أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدّين" (١). ويكبر مع كلّ حصاة. ْفعن جابر ﵁: "أن النّبيّ ﷺ كان يكبّر مع كلّ حصاة" (٢). ويقطع التلبية مع آخر حصاة. عن الفضل ﵁: "أنّ رسول الله ﷺ لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة" (٣). ولا يرميها إِلا بعد طلوع الشمس، ولو كان من النساء أو الضعفة الذين أبيح لهم الانطلاق من المزدلفة بعد نصف الليل، فهذا شيء، والرمي شيءآخر. عن جابر ﵁ قال: "رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضُحى، وأمّا بعدُ (٤)؛ فإِذا زالت الشمس" (٥).

стр. 1614

وعن ابن عباس ﵁ قال: قَدَّمَنَا رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أُغَيْلِمَة (١) بني عبد المطلب على حُمُرات (٢)؛ فجعل يَلْطَخُ (٣) أفخاذنا ويقول: أُبَينِيَّ! لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" (٤). قال شيخنا ﵀ في كتاب "حجة النّبيّ ﷺ " (ص ٨٠) -بتصرُّفٍ يسير-: وهنا تنبيهات: الأول: أنّه لا يجوز الرمي يوم النحر قبل طلوع الشمس، ولو من الضعفة والنساء الذين يرخص لهم أن يرتحلوا من المزدلفة بعد نصف الليل، فلا بد لهم من الانتظار حتى تطلع الشمس ثمّ يرمون، لحديث ابن عباس ﵁: "أن النّبيّ ﷺ قَدَّمَ أهله وأمَرهم أن لا يرموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس؛ وهو حديث صحيح بمجموع طرقه وصححه الترمذي، وابن حبان، وحسنه الحافظ في "الفتح" (٣/ ٤٢٢)، ولا يصلح أن يعارض بما في البخاري (٥): أنّ أسماء بنت أبي بكر رمت الجمرة ثمّ صلت الصبح بعد وفاة النّبيّ ﷺ .

стр. 1615

لأنه ليس صريحاً أنها فعلت ذلك بإِذن منه ﷺ ؛ بخلاف ارتحالها بعد نصف الليل؛ فقد صرحت بأنّ النّبيّ ﷺ أذن بذلك للظُّعن (١)، فمن الجائز أنها فهمت -من هذا الإِذن- الإِذن أيضاً بالرمي بليل، ولم يبلغها نهيه ﷺ الذي حفظه ابن عباس ﵁. الثاني: أن هناك رخصةً بالرمي في هذا اليوم بعد الزوال ولو إِلى الليل، فيستطيع أن يتمتع بها من يجد المشقة في الرمي ضحى، والدليل حديث ابن عباس أيضاً قال: "كان النّبيّ ﷺ يُسألُ يوم النحر بمنى؟ فيقول: لا حرج. فسأله رجل، فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال اذبح ولا حرج. قال: رميت بعد ما أمسيت؟ فقال: "لا حرج" (٢). وإلى هذا ذهب الشوكاني، ومن قبله ابن حزم، قال في "المحلّى": "إِنما نهى النّبيّ ﷺ عن رميها ما لم تطلع الشمس من يوم النحر، وأباح رميها بعد ذلك، وإن أمسى، وهذا يقع على الليل والعشي معاً". فاحفظ هذه الرخصة؛ فإِنها تنجيك من الوقوع في ارتكاب نهي الرسول ﷺ المتقدّم عن الرمي قبل طلوع الشمس، الذي يخالفه كثير من الحجاج بزعم الضرورة. انتهى كلام شيخنا ﵀. قلت: وذكر بعض العلماء حديث عائشة أنها قالت: "أرسل النّبيّ ﷺ بأمّ سلمة ليلة النحر؛ فرمت الجمرة قبل الفجر، ثمّ مضت فأفاضت، وكان ذلك
следующие страницы →