← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

حتى ساخ في الأرض، ثمّ عرض له عند الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض. قال ابن عباس: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم إِبراهيم تتبعون" (١). وسألت شيخنا ﵀ عن قصّة ظهور الشيطان لصرف إِبراهيم ﵊ قبل الاطلاع على تصحيحه. فأجاب: نعم، لكن ليس هناك شيطان قابع ليرميَه الحُجَّاج، ولكنه تذكير بتلك الحادثة الجليلة". وجوبه: عن جابر بن عبد الله -رضي لله عنه- قال: رأيت النّبيّ ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم؛ فإِني لا أدري لعلي لا أحجُّ بعد حَجّتي هذه" (٢). وسألت شيخنا ﵀: هل ترون وجوب رمي الجمار،؟ فأجاب: نعم. صفته: ويلتقط الحصيات (٣) التي يريد أن يرمي بها جمرة العقبة في منى، وهي

стр. 1612

آخر الجمرات وأقربهن إِلى مكة. ويستقبل الجمرة، ويجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه. ويرميها بسبع حصيات مثل حصى الخَذْف، وهو أكبر من الحِمِّصَة قليلاً. الرفق في رمي الجمار وصفتها: عن أم سليمان بن عمرو بن الأحوص قالت: رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب، يُكبّر مع كلّ حصاة، ورجل من خلفه يستره، فسألت عن الرجل، فقالوا: الفضل بن العباس، وازدحم الناس، فقال النّبيّ ﷺ : يا أيها الناس! لا يقتل بعضكم بعضاً، وإذا رميتم الجمرة؛ فارموا بمثل حصى الخَذْف" (٢).

стр. 1613

عن ابن عباس ﵄ قال: (قال رسول الله ﷺ غداة العقبة- وهو على ناقته-: أُلقُطْ لي حصًى. فلقطت له سبع حصيات، هنّ حصى الخذْف، فجعل ينفضهنّ في كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا. ثمّ قال: يا أيها الناس! إِياكم والغلوّ في الدّين؛ فإِنه أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدّين" (١). ويكبر مع كلّ حصاة. ْفعن جابر ﵁: "أن النّبيّ ﷺ كان يكبّر مع كلّ حصاة" (٢). ويقطع التلبية مع آخر حصاة. عن الفضل ﵁: "أنّ رسول الله ﷺ لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة" (٣). ولا يرميها إِلا بعد طلوع الشمس، ولو كان من النساء أو الضعفة الذين أبيح لهم الانطلاق من المزدلفة بعد نصف الليل، فهذا شيء، والرمي شيءآخر. عن جابر ﵁ قال: "رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضُحى، وأمّا بعدُ (٤)؛ فإِذا زالت الشمس" (٥).

стр. 1614

وعن ابن عباس ﵁ قال: قَدَّمَنَا رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أُغَيْلِمَة (١) بني عبد المطلب على حُمُرات (٢)؛ فجعل يَلْطَخُ (٣) أفخاذنا ويقول: أُبَينِيَّ! لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" (٤). قال شيخنا ﵀ في كتاب "حجة النّبيّ ﷺ " (ص ٨٠) -بتصرُّفٍ يسير-: وهنا تنبيهات: الأول: أنّه لا يجوز الرمي يوم النحر قبل طلوع الشمس، ولو من الضعفة والنساء الذين يرخص لهم أن يرتحلوا من المزدلفة بعد نصف الليل، فلا بد لهم من الانتظار حتى تطلع الشمس ثمّ يرمون، لحديث ابن عباس ﵁: "أن النّبيّ ﷺ قَدَّمَ أهله وأمَرهم أن لا يرموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس؛ وهو حديث صحيح بمجموع طرقه وصححه الترمذي، وابن حبان، وحسنه الحافظ في "الفتح" (٣/ ٤٢٢)، ولا يصلح أن يعارض بما في البخاري (٥): أنّ أسماء بنت أبي بكر رمت الجمرة ثمّ صلت الصبح بعد وفاة النّبيّ ﷺ .

стр. 1615

لأنه ليس صريحاً أنها فعلت ذلك بإِذن منه ﷺ ؛ بخلاف ارتحالها بعد نصف الليل؛ فقد صرحت بأنّ النّبيّ ﷺ أذن بذلك للظُّعن (١)، فمن الجائز أنها فهمت -من هذا الإِذن- الإِذن أيضاً بالرمي بليل، ولم يبلغها نهيه ﷺ الذي حفظه ابن عباس ﵁. الثاني: أن هناك رخصةً بالرمي في هذا اليوم بعد الزوال ولو إِلى الليل، فيستطيع أن يتمتع بها من يجد المشقة في الرمي ضحى، والدليل حديث ابن عباس أيضاً قال: "كان النّبيّ ﷺ يُسألُ يوم النحر بمنى؟ فيقول: لا حرج. فسأله رجل، فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال اذبح ولا حرج. قال: رميت بعد ما أمسيت؟ فقال: "لا حرج" (٢). وإلى هذا ذهب الشوكاني، ومن قبله ابن حزم، قال في "المحلّى": "إِنما نهى النّبيّ ﷺ عن رميها ما لم تطلع الشمس من يوم النحر، وأباح رميها بعد ذلك، وإن أمسى، وهذا يقع على الليل والعشي معاً". فاحفظ هذه الرخصة؛ فإِنها تنجيك من الوقوع في ارتكاب نهي الرسول ﷺ المتقدّم عن الرمي قبل طلوع الشمس، الذي يخالفه كثير من الحجاج بزعم الضرورة. انتهى كلام شيخنا ﵀. قلت: وذكر بعض العلماء حديث عائشة أنها قالت: "أرسل النّبيّ ﷺ بأمّ سلمة ليلة النحر؛ فرمت الجمرة قبل الفجر، ثمّ مضت فأفاضت، وكان ذلك

стр. 1616

اليومُ اليومَ الذي يكون رسول الله ﷺ -تعني: عندها-!! وقد ضعّفه شيخنا ﵀ في "ضعيف سنن أبي داود" (٤٢٣). قال الحافظ شمس الدين ابن القيم ﵀ في "تهذيب السنن": "قال ابن عبد البر: كان الإِمام أحمد يدفع حديث أم سلمة هذا ويضعفه. قال ابن عبد البر: وأجمع المسلمون على أنّ النّبيّ ﷺ إِنما رماها ضحى ذلك اليوم. وقال جابر: "رأيت النّبيّ ﷺ يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس". أخرجه مسلم. وقال أبو داود: اختلفوا في رميها قبل طلوع الشمس، فمن رماها قبل طلوع الشمس لم يجزِهِ وعليه الإِعادة. قال ابن عبد البر: وحجته أن رسول الله ﷺ رماها بعد طلوع الشمس، فمن رماها قبل طلوع الشمس كان مخالفاً للسنة، ولزمه إِعادتها. قال: زعم ابن المنذر أنه لا يعلم خلافاً فيمن رماها قبل طلوع الشمس وبعد الفجر أنّه يجزئه، قال: ولو علمتُ أن في ذلك خلافاً لأوجبت على فاعل ذلك الإِعادة. قال: ولم يعلم قول الثوري؛ يعني: أنه لا يجوز رميها قبل طلوع الشمس، وهو قول مجاهد، وإبراهيم النخعي. فمقتضى مذهب ابن المنذر: أنه يجب الإِعادة على من رماها قبل طلوع الشمس، وحديث ابن عباس صريح في توقيتها بطلوع الشمس، وفعِله ﷺ متفق عليه بين الأمّة. فهذا فعله وهذا قوله، وحديث أم سلمة قد أنكره الإِمام أحمد وضعفه. وقال مالك: لم يبلغنا أن رسول الله ﷺ أرخص لأحد في الرمي قبل طلوع الفجر. قال الحافظ شمس الدين ابن القيم ﵀: "والحديث الذي أشار

стр. 1617

إِليه: هو ما في "الصحيحين" عن عبد الله مولى أسماء: أنها نزلت ليلة جَمْعٍ عند المزدلفة، فقامت تصلّي، فصلّت ساعة ثمّ قالت: يا بُنَيَّ! هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا؛ فارتحلنا، فمضينا حتى رمت الجمرة، ثمّ رجعت فصلّت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هَنْتاه (١)! ما أرانا إِلا قد غَلَّسْنَا؟! قالت: يا بني! إِن رسول الله ﷺ أذن للظعن -وفي لفظ لمسلم: لظعنه-. وليس في هذا دليل على جواز رميها بعد نصف الليل، فإِن القمر يتأخر في الليلة العاشرة إِلى قبيل الفجر، وقد ذهبت أسماء بعد غيابه من مزدلفة إِلى منى، فلعلها وصلت مع الفجر أو بعده، فهي واقعة عين، ومع هذا فهي رخصة للظُّعن، وإِن دلت على تقدّم الرمي؛ فإِنما تدل على الرمي بعد طلوع الفجر. وهذا قول أحمد في رواية، واختيار ابن المنذر، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما". انتهى. تأخير الرمي بعد الزوال ولو إِلى الليل: وله أن يرميها بعد الزوال ولو إِلى الليل؛ إِذا وجد حرجاً في رميها قبل الزوال. عن ابن عباس ﵁: "كان النّبيّ ﷺ يُسْأَل يوم النحر بمنى؟ فيقول: لا حرج. فسأله رجل، فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج. وقال: رميت بعدما أمسيت؟ فقال: لا حرج" (٢). قال أبو عيسى: "حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والعمل على

стр. 1618

هذا الحديث عند أهل العلم، لم يروا بأساً أن يتقدّم الضعفة من المزدلفة بليل يصيرون إِلى منى. وقال أكثر أهل العلم بحديث النّبيّ ﷺ إِنهم لا يرمون حتى تطلع الشمس، ورخص بعض أهل العلم في أن يرموا بليل، والعمل على حديث النّبيّ ﷺ ؛ وهو قول الثوري والشافعي" (١). جواز رميها راكباً: عن قدامة بن عبد الله قال: "رأيت النّبيّ ﷺ يرمي الجمار على ناقته، ليس ضَرْبٌ ولا طَرْدٌ ولا: إِليك (٢) إِليك" (٣). فوائد في الرمي: ١ - سأل أحد الإِخوة شيخنا ﵀ عن مكان الرجم؟ فأجاب: في الحوض، لا العمود. ٢ - وسألته ﵀ قائلاً: إِذا رمى بعض الجمرات، ثمّ وجد زحاماً عند أخرى؛ وقد يكون ذلك لساعات، فهل يلزمه الإِعادة؟ فأجاب: لا يلزمه الإِعادة. ٣ - وسألته عن عدم ترتيب الجمرات جهلاً؟

стр. 1619

فأجاب ﵀: لا يؤثر. التحلل الأوّل: فإِذا انتهى من رمي الجمرة؛ حلّ له كلّ شيء إِلا النساء؛ ولو لم ينحر أو يحلق؛ فيلبس ثيابه ويتطيب. الطِّيب بعد رمي الجمار (١): عن عائشة ﵂ قالت: طيَّبْتُ رسول الله ﷺ بيديّ هاتين حين أحرم، ولحلّه حين أحلّ قبل أن يطوف -وبَسطت يديها-" (٢). وهذا هو التحلل الأوّل. لكنْ عليه أن يطوف طواف الإِفاضة -وهو ركن- في اليوم نفسه، إِذا أراد أن يستمر في تمتعه المذكور؛ وإلا فإِنه إِذا أمسى ولم يطف؛ عاد محرماً كما كان قبل الرمي، فعليه أن ينزع ثيابه ويلبس ثوبي الإِحرام، لقوله ﷺ : "إِنّ هذا يوم رُخّص لكم -إِذا أنتم رميتم الجمرة- أن تَحلّوا من كُلّ ما حُرِمتم منه إِلا النساء، فإِذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت، صرتم حُرُماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، حتى تطوفوا به" (٣).

стр. 1620

الذبح والنحر ثمّ يأتي المنحر في منى فينحر هديه، وهذا هو السُّنّة. لكن يجوز له أن ينحر في أي مكان آخر من منى، وكذلك في مكة؛ لقوله ﷺ : "قد نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت

стр. 1621

هاهنا؛ وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا، وجَمع كلها موقف" (١). وفي رواية: "وكلّ فجاج مكة طريق ومنحر" (٢). والسّنّة: أن يذبح أو ينحر بيده إِن تيسر له؛ وإلا أناب عنه غيره. عن أنس ﵁ قال: " .. ونحر النّبيّ ﷺ بيده سبع بُدْنٍ قياماً" (٣). ويذبحها مستقبلاً بها القبلة (٤)، فيُضْجِعُها على جانبها الأيسر، ويضع قدمه اليمنى على جانبها الأيمن (٥). وأمّا الإِبل؛ فالسّنّة أن ينحرها وهي قائمة معقولة اليسرى، قائمةً على ما بقي من قوائمها. عن زياد بن جبير قال: "رأيت ابن عمر ﵄ أتى على رجل

стр. 1622

قد أناخ بدنته ينحرها، قال: ابعثها قياماً مقيدة؛ سنةَ محمد ﷺ " (١). وعن عبد الرحمن بن سابط: "أنّ النّبيّ ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها" (٢). ووجهها قِبَل القبلة (٣). ويقول عند الذبح أو النحر: بسم الله، والله أكبر، اللهم! إِن هذا منك ولك (٤)، اللهم! تقبل مني (٥). ووقت الذبح أربعة أيام العيد: يوم النحر -وهو يوم الحج الأكبر (٦) - وثلاثة أيام التشريق؛ لقوله ﷺ : "كل أيام التشريق ذبح" (٧). وله أن يأكل من هديه، وأن يتزود منه إِلى بلده كما فعَل النّبيّ ﷺ .

стр. 1623

وعليه أن يُطعِم منها الفقراء وذوي الحاجة؛ لقوله تعالى: ﴿والبُدْنَ جعلناها لكم من شعائر الله (١) لكم فيها خير فاذكروا الله عليها صوافَّ (٢) فإِذا وجَبَت جنوبُها فكُلوا منها وأطعموا القانع (٣) والمعْتَرَّ (٤)﴾. ويجوز أن يشترك سبعة في البعير أو البقرة. عن جابر ﵁ قال: "حججنا مع رسول الله ﷺ ، فنحرنا البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة" (٥). لا يُعطى الجزّار الأجرة من الهدي: عن علي ﵁ قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بُدْنه، وأن أتصدّق بلحمها وجلودها وأجِلَّتها، وأن لا أُعطي الجزار منها، قال: نحن نعطيه من عندنا" (٦). من لم يجد هدياً: فمن لم يجد هدياً؛ فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إِذا رجَع إِلى أهله.

стр. 1624

ويجوز له أن يصوم في أيام التشريق الثلاثة؛ لحديث عائشة وابن عمر ﵄ قالا: "لم يُرخَّص في أيام التشريق أن يُصَمن؛ إلاَّ لمن لم يجد الهدي" (١). الحلق أو التقصير: ثمّ يحلق رأسه كله أو يقصّره، والأول أفضل؛ لقوله ﷺ : "اللهمّ! ارحم المحلّقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟! قال: اللهم! ارحم المحلّقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟! قال: والمقصرين" (٢). والسُّنّة أن يبدأ الحالق بيمين المحلوق. عن أنس بن مالك ﵁: "أنّ رسول الله ﷺ أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثمّ أتى منزله بمنى ونحر، ثمّ قال للحلاق: خذ. وأشار إِلى جانبه الأيمن ثمّ الأيسر، ثمّ جعل يعطيه للناس" (٣). والحلق خاصٌّ بالرجال دون النساء، وإنما عليهنّ التقصير؛ لقوله ﷺ : "ليس على النساء حلق؛ إِنما على النساء التقصير" (٤). فتجمع شعرها فتقص منه قدر الأنملة؛ وهي عقدة الإِصبع، أو المفْصِل الأعلى من الإِصبع الذي فيه الظُّفْر (٥).

стр. 1625

فائدة: سألت شيخنا ﵀ عن إِمرار الموسى على رأس الأصلع؛ كما يرى بعض العلماء؟ فأجاب: "إِذا كان يريد أن يفلق رأسه نصفين؛ فليفعل! ". ويُسنّ للإِمام أن يخطب يوم النحر بمنى (١) بين الجمرات (٢) حين ارتفاع الضحى (٣)، يعلِّم الناس مناسكهم (٤). طواف الإِفاضة ثمّ يُفيض من يومه إِلى البيت -وهو ركن- فيطوف به سبعاً كما تقدّم في طواف القدوم؛ إِلا أنه لا يضطبع ولا يرمل. عن عبد الله بن عباس ﵄: "أنّ النّبيّ ﷺ يرمل في السبع الذي أفاض فيه" (٥). ومن السُّنّة أن يصلّي ركعتين عند المقام، كما قال الزهري (٦)، وفعله ابن

стр. 1626

عمر (١)، وقال: على كل سَبْع (٢) ركعتان (٣). ثمّ يطَّوَّف ويسعى بين الصفا والمروة كما تقدّم أيضاً؛ خلافاً للقارن والمفرد، فيكفيهما السعي الأول. وبهذا الطواف يحلّ له كلّ شيء حرُم عليه بالإِحرام، حتى نساؤه. ويصلّي الظهر بمكة، وقال ابن عمر: بمنى (٤). البيات في منى: ثمّ يرجع إِلى منى؛ فيمكث بها أيام التشريق بلياليها. ويرمي فيها الجمرات الثلاث كلَّ يوم بعد الزوال، بسبع حصيات لكل جمرة، كما تقدّم في الرمي يوم النحر. عن جابر ﵁ قال: "رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعدُ فإِذا زالت الشمس" (٥).

стр. 1627

القيام والدعاء ورفع اليدين بعد الرمي أيام التشريق: ويبدأ بالجمرة الأولى، وهي الأقرب إِلى مسجد الخيف، فإِذا فرَغ من رميها، تقدّم قليلاً عن يمينه، فيقوم مستقبلاً القبلة قياماً طويلاً، ويدعو ويرفع يديه. ثمّ يأتي الجمرة الثانية، فيرميها كذلك، ثمّ يأخذ ذات الشمال، فيقوم مستقبلا القبلة قياماً طويلاً، ويدعو، ويرفع يديه. عن سالم عن ابن عمر ﵄: "أنّه كان يرمي الجمرة الدُّنيا بسبع حصيات؛ يُكبّر على إِثر كلّ حصاة، ثمّ يتقدّم؛ حتى يُسهل (١) فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلاً، ويدعو ويرفع يديه، ثمّ يرمي الوسطى، ثمّ يأخذ ذت الشمال فيُسهل (٢) ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلاً، ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلاً، ثمّ يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثمّ ينصرف فيقول: هكذا رأيت النّبيّ ﷺ يفعله" (٣). ثمّ يأتي الجمرة الثالثة -وهي جمرة العقبة- فيرميها كذلك، ويجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ولا يقف عندها. عن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ إِذا رمى جمرة العقبة؛ مضى ولم يقف" (٤).

стр. 1628

ثمّ يرمي اليوم الثاني، واليوم الثالث كذلك. وإن انصرف بعد رميه في اليوم الثاني، ولم يبت للرمي في اليوم الثالث جاز؛ لقوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إِثم عليه ومن تأخر فلا إِثم عليه لمن اتقى﴾ (١)، لكن التأخر للرمي أفضل؛ لأنّه السُّنّة (٢). والسّنّة الترتيب بين المناسك المتقدّمة: الرمي، فالذبح أو النحر، فالحلق، فطواف الإِفاضة، فالسعي للمتمتع؛ لكن إِنْ قدّم شيئاً منها أو أخَّر جاز؛ لقوله ﷺ : "لا حرج، لا حرج". عن عبد الله بن عمر: "أنّ رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع؛ فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج. فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ارمِ ولا حرج. فما سُئل

стр. 1629

يومئذ عن شيء قُدّم ولا أخّر إِلا قال: افعل ولا حرج" (١). وفي رواية له: "قال سمعت رسول الله ﷺ -وأتاه رجل يوم النحر، وهو واقف عند الجمرة- فقال: يا رسول الله! إِني حلقت قبل أن أرمي؟ فقال: ارمِ ولا حرج. وأتاه آخر فقال: إِني ذبحت قبل أن أرمي؟ قال: ارمِ ولا حرج. وأتاه آخر فقال: إِني أفضت إِلى البيت قبل أن أرمي؟ قال: ارمِ ولا حرج، قال: فما رأيته سُئل يومئذٍ عن شيء؟ إلاَّ قال: افعلوا ولا حرج" (٢). وعن ابن عباس ﵄: "أنّ النّبيّ ﷺ قيل له في الذبح، والحلق، والرمّي، والتقديم، والتأخير؟ فقال: لا حرج" (٣). ويجوز للمعذور في الرمي ما يأتي: ١ - أن لا يبيت في منى؛ لحديث ابن عمر: "استأذن العباس رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته؛ فأَذِن له" (٤). ٢ - وأن يجمع رمي يومين في يوم واحد؛ لحديث عاصم بن عدي قال: "رخّص رسول الله ﷺ لرعاء الإِبل في البيتوتة: أن يرموا يوم النحر، ثمّ يجمعوا رمي يومين بعد النحر، فيرمونه في أحدهما" (٥).

стр. 1630

٣ - وأن يرميَ في الليل؛ لقوله ﷺ : "الراعي يرمي بالليل، ويرعى بالنهار" (١). ويشرع له أن يزور الكعبة، ويطوف بها كل ليلة من ليالي منى؛ لأنّ النّبيّ ﷺ فعَل ذلك (٢). ويجب على الحاج في أيام منى أن يحافظ على الصلوات الخمس مع الجماعة، والأفضل أن يصلّي في مسجد الخَيف إِنْ تيسّر له؛ لقوله ﷺ : "صلّى في مسجد الخَيف سبعون نبيّاً" (٣). فإِذا فرَغَ من الرمي في اليوم الثاني أو الثالث من أيام التشريق؛ فقد انتهى من مناسك الحج، فينفر إِلى مكة، ويقيم فيها ما كتب الله له، وليحرص على أداء الصلاة جماعة، ولا سيما في المسجد الحرام؛ لقوله ﵊: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه؛ إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه" (٤).

стр. 1631

ويُكثر من الطواف والصلاة في أي وقت شاء من ليل أو نهار؛ لقوله ﷺ في الركنين الأسود واليماني: "مَسْحُهما يحطّ الخطايا، ومن طاف بالبيت؛ لم يرفع قدماً ولم يضع قدماً؛ إِلا كتَب الله له حسنة، وحطّ عنه خطيئة، وكتَب له درجة، ومن أحصى أسبوعاً؛ كان له كعتق رقبة" (١). وقوله: يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة من ليل أو نهار" (٢). طواف الوداع سمّي بهذا الاسم؛ لأنّه لتوديع البيت، وهو طواف لا رمل فيه؛ وهو آخر ما يفعله الحاج -غير المكي- عند إِرادة السفر من مكة. أمّا المكي فإِنّه لا يشرع في حقّه. وأمّا الحائض؛ فإِنه يرخّص لها تركه، ولا يلزم بتركها له شيء (٣). حُكمه: وهو واجب؛ لأمر النّبيّ ﷺ بذلك، كما في الحديث المتقدّم: "أُمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت".

стр. 1632

وكذلك نهي النّبيّ ﷺ أن ينفر أحد من غير طواف، وقوله: "لا يَنْفرنّ ... ". وقوله ﷺ المتقدّم: "رُخّص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف ... ". ولو كان الطواف مستحبّاً؛ لما كان ثمّة فائدة من هذه الرُّخصة. وكذلك قوله: "أحابستنا هي"؛ لأنّ التطوّع لا يَحبِس أحداً. فإِذا انتهى من قضاء حوائجه، وعزَم على الرحيل؛ فعليه أن يُودّع البيت بالطواف؛ لحديث ابن عباس قال: "كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : "لا ينفرنّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (١). وكانت المرأة الحائض قد أُمِرت أن تنتظر حتى تطهر لتطوف طواف الوداع (٢)، ثمّ رخص لها أن تنفر ولا تنتظر؛ لحديث ابن عباس أيضاً: "أنّ النّبيّ ﷺ رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف، إِذا كانت قد طافت طواف الإِفاضة" (٣). وفي لفظ: "أمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت؛ إلاَّ أنه خُفّف عن الحائض" (٤).

стр. 1633

وعن عائشة ﵂: "أنّ صفية بنت حُيَيٍّ زوج النّبيّ ﷺ حاضت، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ؟ فقال: "أحابستنا هي؟! قالوا: إِنها قد أفاضت؟ قال: فلا إِذاً" (١). وله أن يحمل معه من ماء زمزم ما تيسر له؛ تبركاً به؛ فقد كان رسول الله ﷺ يحمله معه في الأدَواى (٢) والقِرَب، وكان يصبّ على المرضى ويسقيهم (٣). بل إِنّه كان يرسل وهو بالمدينة -قبل أن تفتح مكة- إِلى سهيل بن عمرو؛ أن: أهدِ لنا من ماء زمزم، ولا تترك؛ فيبعث إِليه بمزادتين (٤) " (٥). فإِذا انتهى من الطواف؛ خرج كما يخرج الناس من المساجد؛ فلا يمشي القهقرى، ويخرج مقدماً رجله اليسرى (٦) قائلاً: اللهم! صلِّ على محمّد وسلّم، اللهمّ! إِني أسألك من فضلك".

стр. 1634

خلاصة جامعة في الحجّ (١) ١ - الإِحرام في إِزار ورداء. ٢ - لُبْسهما والتطيب قبله. ٣ - الإِحرام من الميقات. ٤ - إِحرام النفساء والحائض بعد الاغتسال. ٥ - الإِحرام بحج وعمرة. ٦ - الحج راكباً. ٧ - الحج بالنّساء والصبيان. ٨ - التلبية بتلبية النّبي ﷺ ، ورفع الصوت بها. ٩ - فسْخ الحج ممن نواه مفرداً، أو قَرَن إِليه عمرة ولم يسُقِ الهدي. ١٠ - طواف القدوم سبعة أشواط. ١١ - الاضطباع فيها. ١٢ - الرمل في الثلاث الأولى منه. ١٣ - التكبير عند الحجر. ١٤ - تقبيل الحجر الأسود أو استلام الركن اليماني في كل شوط. ١٥ - صلاة ركعتين بعد الفراغ من الأشواط.

стр. 1635

١٦ - القراءة فيها بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾. ١٧ - صلاتهما خلف المقام. ١٨ - الشرب من زمزم والصبّ منها على الرأس. ١٩ - العود إِلى استلام الحجر الأسود. ٢٠ - الوقوف على الصفا مستقبل القبلة. ٢١ - ذِكْر الله عليها وتوحيده وتكبيره وتحميده وتهليله ثلاثاً. ٢٢ - المشي بينها وبين المروة سبعاً. ٢٣ - السعي بينهما في بطن الوادي في كل شوط. ٢٤ - الوقوف على المروة. ٢٥ - الذكر عليها كما فعَل على الصفا. ٢٦ - ختم السعي على المروة. ٢٧ - التحلل من الإِحرام من المتمتّع أو القارن الذي لم يسق الهدي؛ بقصّ الشعر وبلبس الثياب وغير ذلك. ٢٨ - تحلل المتمتّع بقص الشعر لا الحلق. ٢٩ - الإِهلال بالحج يوم التروية. ٣٠ - الذّهاب إِلى منى والبيات فيها. ٣١ - أداء صلاة الظهر وبقية الصلوات الخمس بها. ٣٢ - التوجه منها بعد طلوع شمس يوم عرفة إِلى عرفات.

стр. 1636

٣٣ - النزول بنمرة عند عرفات. ٣٤ - الجمع بين الظهر والعصر عندها جمع تقديم. ٣٥ - الوقوف على عرفة مفطراً. ٣٦ - الخطبة في عرفة. ٣٧ - استقبال القبلة رافعاً يديه يدعو على عرفة. ٣٨ - التلبية على عرفة. ٣٩ - الإِفاضة من عرفة بعد الغروب وعليه السكينة. ٤٠ - الجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير في المزدلفة. ٤١ - الأذان فيه بإِقامتين. ٤٢ - ترْك السنة بين الصلاتين. ٤٣ - البيات بها بدون إِحياء الليل. ٤٤ - صلاة الفجر حين يتبيّن الفجر. ٤٥ - الوقوف على المشعر الحرام منها مستقبل القبلة؛ داعياً حامداً مكبراً مهللاً حتى الإِسفار جدّاً. ٤٦ - الدفع منها قبل أن تطلع الشمس. ٤٧ - الإِسراع قليلاً في بطن محسِّر. ٤٨ - الذّهاب إِلى الجمرة من طريق أخرى غير طريق الذّهاب إِلى عرفات. ٤٩ - رمي الجمرة الكبرى يوم النحر من بطن الوادي بسبع حصيات ضحى.

стр. 1637

٥٠ - الرمي بحصى الخذْف. ٥١ - جواز رميها بعد الزوال. ٥٢ - الرمي من بطن الوادي. ٥٣ - التكبير مع كلّ حصاة. ٥٤ - قطع التلبية عند رمي الجمرة. ٥٥ - التحلُّلُ الحلَّ الأصغر بالرمي. ٥٦ - الرمي في أيام التشريق بعد الزوال. ٥٧ - نحْر القارن والمتمتع للهدي، فمن لم يجد؛ صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إِذا رجع. ٥٨ - نحر البعير وكذلك البقرة عن سبعة. ٥٩ - النحر في منى ومكة. ٦٥ - الأكل من الهدي. ٦١ - التطيب بعد الرمي. ٦٢ - الحلق. ٦٣ - البدء بيمين المحلوق. ٦٤ - الخطبة يوم النحر. ٦٥ - الإِفاضة لطواف الصدر (١) بدون رمل.

стр. 1638

٦٦ - سعي المتمتع بعد طواف الإِفاضة؛ خلافاً للقارن. ٦٧ - ترتيب المناسك يوم النحر. ٦٨ - الإِحلالُ بعده الحلَّ كلَّه. ٦٩ - الشرب من زمزم عقب الفراغ من الطواف. ٧٠ - الرجوع إِلى منى والمكث فيها أيام التشريق الثلاثة. ٧١ - رمي الجمرات الثلاث في كل يوم منها بعد الزوال. ٧٢ - الطواف للوداع بدون رمل. العمرة المُفردَة العمرة في اللغة: الزيارة، وقيل: إِنها مشتقة من عمارة المسجد الحرام (١). وفي الشرع: زيارة البيت الحرام بشروط مخصوصة مذكورة في الفقه (٢). فضلها: عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "العمرة إِلى العمرة كفّارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إِلا الجنة" (٣). عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تابعوا

стр. 1639

بين الحج والعمرة؛ فإِنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إِلا الجنّة" (١). حكمها: العمرة سُنّة، وذكر بعض العلماء أنها فرض! ولا دليل على ذلك (٢). وقال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٦/ ٥): "والعمرة في وجوبها قولان للعلماء؛ هما قولان في مذهب الشافعي وأحمد، والمشهور منها وجوبها، والقول الآخر: لا تجب، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. وهذا القول أرجح؛ فإِن الله بما أوجب الحج بقوله: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ لم يوجب العمرة، وإنما أوجب إِتمامهما، فأوجب إِتمامهما لمن شرع فيهما، وفي الابتداء إِنما أوجب الحج، وهكذا سائر الأحاديث الصحيحة ليس فيها إِلا ايجاب الحج ... ". جوازها قبل الحجّ وفي أشهره: يجوز للمرء أن يعتمر في أي شهر من العام، كما يجوز له الاعتمار في أشهر الحج من غير أن يحجّ.

стр. 1640

عن ابن عباس ﵄ قال: "كانوا (١) يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صَفَراً (٢)، ويقولون: إِذا برأ الدَّبْر (٣)، وعفا الأثر (٤)، وانسلخ صَفَرْ، حلت العمرة لمن اعتمرْ! قدم النّبيّ ﷺ وأصحابه صبيحة رابعةٍ مُهلّين بالحجّ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله! أيُّ الحل؟ قال: حلٌّ (٥) كلّه" (٦). وذهب بعض العلماء إِلى كراهتها في خمسة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة! وسألت شيخنا ﵀ عن ذلك. فقال: لا دليل على المنع.

стр. 1641

فضل العمرة في رمضان: عن ابن عباس ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "عمرة في رمضان تقضي (١) حجة معي" (٢). عمرة التنعيم: عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أنّ النّبيّ ﷺ قال له: "أردف أُختك عائشة فَأعْمرها من التنعيم، فإِذا هبطت الأكَمة فمُرها فلتُحرم؛ فإِنّها عُمرة متقبّلة" (٣). قال شيخنا ﵀ في "الصحيحة" (٦/ ٢٦٠) تحت الحديث (٢٦٢٦) -بحذف-: "وقد أخرجه البخاري (٣/ ٤٧٨)، ومسلم (٤/ ٣٥) من طريق أخرى عن عبد الرحمن بن أبي بكر مختصراً. وكذلك أخرجاه من حديث عائشة نفسها. وفي رواية لهما عنها قالت: فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك". وفي أخرى بنحوه قال: "مكان عمرتي التي أدركني الحج ولم أحْلِلْ منها". وفي أخرى: "مكان عمرتي التي أمسكت عنها". وفي أخرى: "جزاءً بعمرة الناس التي اعتمروا". رواها مسلم. وفي ذلك إِشارة إِلى سبب أمره ﷺ لها بهذه العمرة بعد الحج، وبيان ذلك:

стр. 1642

أنها كانت أهلّت بالعمرة في حجتها مع النّبيّ ﷺ : إِما ابتداءً أو فسخاً للحج إِلى العمرة (على الخلاف المعروف) (١)، فلما قدمتْ (سَرِفَ) -مكان قريب من مكة- حاضت، فلم تتمكن من إِتمام عمرتها والتحلل منها بالطواف حول البيت؛ لقوله ﷺ لها -وقد قالت له: إِني كنت أهللت بعمرة فكيف أصنع بحجتي؟ - قال: "انقضي رأسك، وامتشطي، وأمسكي عن العمرة، وأهلّي بالحجّ، واصنعي ما يصنع الحاج؛ غير أن لا تطوفي ولا تصلّي حتى تطهري (وفي رواية: فكوني في حجّك، فعسى الله أن يرزقكيها) ". ففعلت، ووقفت المواقف، حتى إِذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، وقال لها ﷺ . -كما في حديث جابر-: "قد حللتِ من حجَّك وعمرتك جميعاً"، فقالت: يا رسول الله! إِنّي أجد في نفسي؛ أنّي لم أطف بالبيت حتى حججت، وذلك يوم النفر، فأبت، وقالت: أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر؟ وفي رواية عنها: يصدر الناس بنسكين وأصدُر بنسك واحد؟! (وفي أخرى: يرجع الناس (وعند أحمد (٦/ ٢١٩): صواحبي، وفي أخرى له (٦/ ١٦٥ و٢٦٦): نساؤك بعمرة وحجة، وأرجع أنا بحجة؟!). وكان ﷺ رجلاً سهلاً إِذا هويت الشيء تابعَها عليه، فأرسلها مع أخيها عبد الرحمن، فأهلت بعمرة من التنعيم. فقد تبيّن مما ذكرنا من هذه الروايات -وكلها صحيحة- أنّ النّبيّ ﷺ إِنما أمرها بالعمرة عقب الحج بديل ما فاتها من عمرة التمتع بسبب حيضها، ولذلك قال العلماء في تفسير قوله ﷺ المتقدّم: "هذه مكان عمرتك": أي:

стр. 1643

العمرة المنفردة التي حصل لغيرها التحلل منها بمكة، ثمّ أنشأوا الحج مفرداً. إِذا عرفْتَ هذا؛ ظهر لك جليّاً أنّ هذه العمرة خاصة بالحائض التي لم تتمكن من إِتمام عمرة الحج، فلا تشرع لغيرها من النساء الطاهرات، فضلاً عن الرجال. ومن هنا يظهر السرّ في إِعراض السلف عنها، وتصريح بعضهم بكراهتها، بل إِنّ عائشة نفسها لم يصحّ عنها العمل بها، فقد كانت إِذا حجّت تمكث إِلى أن يهلّ المحرم ثمّ تخرج إِلى الجُحْفَةِ فتحرم منها بعمرة، كما في "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (٢٦/ ٩٢). وقد أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٣٤٤) بمعناه عن سعيد بن المسيب: أنّ عائشة ﵂ كانت تعتمر في آخر ذي الحجة من الجحفة. وإسناده صحيح. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "الاختيارات العلمية" (ص ١١٩): "يكره الخروج من مكة لعمرة تطوّع، وذلك بدعة لم يفعله النّبيّ ﷺ ، ولا أصحابه على عهده، لا في رمضان ولا في غيره، ولم يأمر عائشة بها، بل أذن لها بعد المراجعة؛ تطييباً لقلبها، وطوافه بالبيت أفضل من الخروج اتفاقاً، ويخرج عند من لم يكرهه على سبيل الجواز". وهذا خلاصة ما جاء في بعض أجوبته المذكورة في "مجموع الفتاوى" (٢٦/ ٢٥٢ - ٢٦٣)، ثمّ قال (٢٦/ ٢٦٤): "ولهذا كان السلف والأئمة ينهون عن ذلك، فروى وسعيد بن منصور في "سننه" عن طاوس -أجلّ

стр. 1644

أصحاب ابن عباس- قال: "الذين يعتمرون من التنعيم؛ ما أدري أيؤجزون عليها أم يعذبون؟! قيل: فلِمَ يعذبون؟! قال: لأنّه يَدَع الطواف بالبيت، ويخرج إِلى أربع أميال ويجيء، وإلى أن يجيء من أربعة أميال [يكون] قد طاف مائتي طواف، وكلما طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي في غير شيء". وأقرّه الإِمام أحمد. وقال عطاء بن السائب: "اعتمرنا بعد بالحج، فعاب ذلك علينا سعيد ابن جبير". وقد أجازها آخرون، لكن لم يفعلوها ... ". وقال ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" (١/ ٢٤٣): "ولم يكن ﷺ في عُمره عمره واحدة خارجاً من مكة كما يفعل كثير من الناس اليوم، وإنما كانت عُمَره كلها داخلاً إِلى مكة، وقد أقام بعد الوحي بمكة ثلاث عشرة سنة، لم ينقل عنه أنه اعتمر خارجاً من مكة في تلك المدة أصلاً، فالعمرة التي فعَلها رسول الله ﷺ وشرعها فهي عمرة الداخل إِلى مكة، لا عمرة من كان بها فيخرج إِلى الحل ليعتمر. ولم يفعل هذا على عهده أحد قط إِلا عائشة وحدها من بين سائر من كان معه؛ لأنّها كانت قد أهلّت بالعمرة فحاضت، فأمرها فأدخلت الحج على العمرة وصارت قارنة، وأخبرها أنّ طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة وقع عن حجّتها وعمرتها، فوجدت في نفسها أن ترجع صواحباتها بحجّ وعمرة مستقلين -فإِنهن كنّ متمتعات ولم يحضْنَ ولم يَقْرِنّ- وترجع هي بعمرة في ضمن حجتها، فأمر أخاها أن يُعْمِرَها من التنعيم تطييباً لقلبها، ولم يعتمر هو من التنعيم في تلك الحجة ولا أحد ممن كان معه".

стр. 1645

العمرة الرَّجَبِيَّة ! لم يَرد دليل في تخصيص العمرة في رجب، ويجوز من غير تخصيص؛ كما هو الشأن في سائر الشهور، لكن هناك من يعظّم العمرة في رجب إِلى حدٍّ كبير ويحرص ألا تفوته، وذلك نابع عن اعتقادِ أجرٍ خاصّ! عن مجاهد قال: "دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد؛ فإِذا عبد الله بن عمر جالس إِلى حُجْرة عائشة، والنّاس يُصلّون الضحى في المسجد، فسألناه عن صلاتهم؟ فقال: بدعة (١). فقال له عروة: يا أبا عبد الرحمن! كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ فقال: أربع عُمَر، إِحداهُنَّ في رجب. فكرهنا أنْ نكذّبه ونرُدَّ عليه، وسمعنا اسْتِنان عائشة في الحجرة، فقال عروة: ألا تسمعين يا أمّ المؤمنين! إِلى ما يقول أبو عبد الرحمن؟! فقالت: وما يقول؟ قال: يقول: اعتمر النّبيّ ﷺ أربع عمرٍ إِحداهنّ في رجب؟ فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن! ما اعتمر رسول الله ﷺ إِلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قطّ! " (٢). وهذا لا يعني المنع في ضوء ما سبق في كلامي من جواز العمرة في كلّ الشهور، لكن القول بالأجر الخاص لا بد له من دليل خاص كأجر العمرة في رمضان.

стр. 1646

العمرة عن الرجل الذي لا يستطيع (١): عن أبي رزين العقيلي: "أنّه أتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! إِن أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظَّعْنَ؟ قال: "حُجَّ عن أبيك واعتمِر" (٢). قال أبو عيسى ﵀: "هذا حديث حسن صحيح، وإنما ذُكرت العمرة عن النّبيّ ﷺ في هذا الحديث: أن يعتمر الرجل عن غيره. وأبو رزين العقيلي اسمه: لَقِيطُ بن عامر". فضائل المدينة النبويّة عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إِن الإِيمان ليأرِزُ (٣) إِلى المدينة، كما تأرز الحية إِلى جحرها" (٤). فضل الموت بالمدينة النبوية: عن ابن عمر ﵄ قال: قال النّبيّ ﷺ : "من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها؛ فإِني أشفع لمن يموت بها" (٥).

стр. 1647

وعن عمر أنّه قال: "اللهمّ! ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك" (١). قلت: وقد كان ذلك بحمد الله -تعالى- وتوفيقه (٢). استحباب شدّ الرحال إِلى المساجد الثلاثة: عن أبي هريرة ﵂ عن النّبيّ ﷺ قال: "لا تشدّ الرحال إِلا إِلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد الأقصى" (٣). وعن أبي ذر ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام. قال: قلت: ثمّ أيّ؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثمّ أينما أدركتك الصلاة بعد فصلّه؛ فإِن الفضل فيه" (٤). فضل الصلاة في المسجد النبوي: عن جابر ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه؛ إِلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه" (٥).

стр. 1648

فوائد متعلّقة بالمسجد النبوي الشريف: ١ - لا يجوز شدّ الرّحال إِلى قبر النّبيّ ﷺ ؛ للحديث المتقدّم: "لا تشدّ الرحال إلاَّ إِلى ثلاثة مساجد ... ". ٢ - لا يجوز التقبيل أو التمسح بالقبر الشريف. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً (١)، وصلّوا عليّ؛ فإِن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (٢). ٣ - إِذا بلغ المرء قبر النّبيّ ﷺ وصاحبيه ﵄، قال: "السلام عليك يا رسول الله! ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا أبا بكر! السلام عليك يا عمر! كما كان ابن عمر يفعل، فإِن زاد شيئاً يسيراً مما يُلْهَمُهُ ولا يلتزمه؛ فلا بأس -إِن شاء الله تعالى-" (٣). فضل ما بين القبر والمنبر (٤): عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "ما بين بيتي ومنبري

стр. 1649

روضة من رياض الجنّة، ومنبري على حوضي" (١). لا يصح أن نقول: حرم المقدس أو حرم الخليل . جاء في "مجموع الفتاوى" (٢٦/ ١١٧): "وليس في الدنيا حرم -لا بيت المقدس، ولا غيره إلاَّ هذان الحرمان، ولا يسمى غيرهما حرماً كما يسمي الجهال، فيقولون: حرم المقدس، وحرم الخليل؛ فإِن هذين وغيرهما ليسا بحرم باتفاق المسلمين، والحرم المجمع عليه: حرم مكة، وأمّا المدينة فلها حرم أيضاً عند الجمهور، كما استفاضت بذلك الأحاديث عن النّبيّ ﷺ ، ولم يتنازع المسلمون في حرم ثالث: إِلا في "وَجٍّ"، وهو وادٍ بالطائف، وهو عند بعضهم حرم، وعند الجمهور ليس بحرم". استحباب إتيان مسجد قباء والصلاة فيه: عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ "يأتي مسجد قباء كل سبت ماشياً وراكباً" (٢). وعن سهل بن حُنيف قال: قال رسول الله ﷺ : "من تطهر في بيته، ثمّ أتى مسجد قباء، فصلّى فيه صلاة؛ كان له كأجر عمرة" (٣). مشاركة حاضري المسجد الحرام في الجمع والقصر: قال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (٢٦/ ١٦٨): "ومن سُنَّة

стр. 1650

رسول الله ﷺ : أنّه جمع بالمسلمين جميعهم بعرفة بين الظهر والعصر، وبمزدلفة بين المغرب والعشاء، وكان معه خلق كثير ممن منزله دون مسافة القصر من أهل مكة وما حولها، ولم يأمر حاضري المسجد الحرام بتفريق كل صلاة في وقتها، ولا أن يعتزل المكيّون ونحوهم فلم يصلوا معه العصر، وأن ينفردوا فيصلوها في أثناء الوقت دون سائر المسلمين؛ فإِن هذا مما يعلم بالاضطرار -لمن تتبع الأحاديث- أنه لم يكن، وهو قول مالك وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، وعليه يدل كلام أحمد". استحباب التعجيل إِلى الأهل: عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "السفر قطعة من العذاب؛ يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإِذا قضى نَهْمَتَهُ (١)؛ فليُعجِّل إِلى أهله" (٢). وعن عائشة ﵂ عن النّبيّ ﷺ قال: "إِذا قضى أحدكم حجه؛ فليُعجِّل إِلى أهله؛ فإِنّه أعظم لأجره" (٣).
следующие страницы →