← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

العمرة عن الرجل الذي لا يستطيع (١): عن أبي رزين العقيلي: "أنّه أتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! إِن أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظَّعْنَ؟ قال: "حُجَّ عن أبيك واعتمِر" (٢). قال أبو عيسى ﵀: "هذا حديث حسن صحيح، وإنما ذُكرت العمرة عن النّبيّ ﷺ في هذا الحديث: أن يعتمر الرجل عن غيره. وأبو رزين العقيلي اسمه: لَقِيطُ بن عامر". فضائل المدينة النبويّة عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إِن الإِيمان ليأرِزُ (٣) إِلى المدينة، كما تأرز الحية إِلى جحرها" (٤). فضل الموت بالمدينة النبوية: عن ابن عمر ﵄ قال: قال النّبيّ ﷺ : "من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها؛ فإِني أشفع لمن يموت بها" (٥).

стр. 1647

وعن عمر أنّه قال: "اللهمّ! ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك" (١). قلت: وقد كان ذلك بحمد الله -تعالى- وتوفيقه (٢). استحباب شدّ الرحال إِلى المساجد الثلاثة: عن أبي هريرة ﵂ عن النّبيّ ﷺ قال: "لا تشدّ الرحال إِلا إِلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد الأقصى" (٣). وعن أبي ذر ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام. قال: قلت: ثمّ أيّ؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثمّ أينما أدركتك الصلاة بعد فصلّه؛ فإِن الفضل فيه" (٤). فضل الصلاة في المسجد النبوي: عن جابر ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه؛ إِلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه" (٥).

стр. 1648

فوائد متعلّقة بالمسجد النبوي الشريف: ١ - لا يجوز شدّ الرّحال إِلى قبر النّبيّ ﷺ ؛ للحديث المتقدّم: "لا تشدّ الرحال إلاَّ إِلى ثلاثة مساجد ... ". ٢ - لا يجوز التقبيل أو التمسح بالقبر الشريف. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً (١)، وصلّوا عليّ؛ فإِن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (٢). ٣ - إِذا بلغ المرء قبر النّبيّ ﷺ وصاحبيه ﵄، قال: "السلام عليك يا رسول الله! ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا أبا بكر! السلام عليك يا عمر! كما كان ابن عمر يفعل، فإِن زاد شيئاً يسيراً مما يُلْهَمُهُ ولا يلتزمه؛ فلا بأس -إِن شاء الله تعالى-" (٣). فضل ما بين القبر والمنبر (٤): عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "ما بين بيتي ومنبري

стр. 1649

روضة من رياض الجنّة، ومنبري على حوضي" (١). لا يصح أن نقول: حرم المقدس أو حرم الخليل . جاء في "مجموع الفتاوى" (٢٦/ ١١٧): "وليس في الدنيا حرم -لا بيت المقدس، ولا غيره إلاَّ هذان الحرمان، ولا يسمى غيرهما حرماً كما يسمي الجهال، فيقولون: حرم المقدس، وحرم الخليل؛ فإِن هذين وغيرهما ليسا بحرم باتفاق المسلمين، والحرم المجمع عليه: حرم مكة، وأمّا المدينة فلها حرم أيضاً عند الجمهور، كما استفاضت بذلك الأحاديث عن النّبيّ ﷺ ، ولم يتنازع المسلمون في حرم ثالث: إِلا في "وَجٍّ"، وهو وادٍ بالطائف، وهو عند بعضهم حرم، وعند الجمهور ليس بحرم". استحباب إتيان مسجد قباء والصلاة فيه: عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ "يأتي مسجد قباء كل سبت ماشياً وراكباً" (٢). وعن سهل بن حُنيف قال: قال رسول الله ﷺ : "من تطهر في بيته، ثمّ أتى مسجد قباء، فصلّى فيه صلاة؛ كان له كأجر عمرة" (٣). مشاركة حاضري المسجد الحرام في الجمع والقصر: قال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (٢٦/ ١٦٨): "ومن سُنَّة

стр. 1650

رسول الله ﷺ : أنّه جمع بالمسلمين جميعهم بعرفة بين الظهر والعصر، وبمزدلفة بين المغرب والعشاء، وكان معه خلق كثير ممن منزله دون مسافة القصر من أهل مكة وما حولها، ولم يأمر حاضري المسجد الحرام بتفريق كل صلاة في وقتها، ولا أن يعتزل المكيّون ونحوهم فلم يصلوا معه العصر، وأن ينفردوا فيصلوها في أثناء الوقت دون سائر المسلمين؛ فإِن هذا مما يعلم بالاضطرار -لمن تتبع الأحاديث- أنه لم يكن، وهو قول مالك وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، وعليه يدل كلام أحمد". استحباب التعجيل إِلى الأهل: عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "السفر قطعة من العذاب؛ يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإِذا قضى نَهْمَتَهُ (١)؛ فليُعجِّل إِلى أهله" (٢). وعن عائشة ﵂ عن النّبيّ ﷺ قال: "إِذا قضى أحدكم حجه؛ فليُعجِّل إِلى أهله؛ فإِنّه أعظم لأجره" (٣).

стр. 1651

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة الجزء الخامس كتاب النكاح والطلاق والحضانة بقلم حسين بن عودة العوايشة المكتبة الإسلامية دار ابن حزم

стр. 1652

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها المكتبة الإسلامية ص ب: (١١٣) الجبيهة؛ هاتف ٥٣٤٢٨٨٧ عمَّان - الأردن دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤

стр. 1653

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

стр. 1654

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1655

النِّكاح

стр. 1656

النِّكاح تعريفه -في اللغة-: الضمّ والتداخُل (١). وفي الشرع: التزويج وربُّما عُبِّر به عن الغِشْيان نفسه (٢). التَّرغيب في النكاح (٣): لقد رغَّب الإِسلام في الزواج بصورٍ مُتعدِّدة للترغيب: فتارة يذكر أنَّه من سُنن الأنبياء، وهَدْي المرسلين، وأنّهم القادة الذين يجب علينا أن نقتدي بهُداهم: ﴿ولقد أَرْسَلنا رُسُلاً من قَبْلِك وجَعَلنا لهم أزواجاً وذُرِّيَّة﴾ (٤). وتارةً يذكره في معرض الامتنان: ﴿واللهُ جَعَلَ لكُم مِنْ أَنْفُسكُم أزواجاً وجَعَلَ لكم من أزواجكم بَنِينَ وحَفَدَةً وَرَزَقَكم من الطيِّبات﴾ (٥). وأحياناً يتحدّث عن كونه آيةً من آيات الله: ﴿ومن آياته أن خَلَقَ لَكُم من أَنْفُسِكم أزواجاً لِتَسْكُنُوا إِليها وجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً ورَحْمَة إِنَّ في ذلك

стр. 1657

لآياتٍ لقوم يتفكرون﴾ (١). وقد يتردّد المرء في قَبول الزواج، فيُحْجِمُ عنه؛ خوفاً من الاضطلاع بتكاليفه، وهروباً من احتمال أعبائه، فَيَلْفِتُ الإِسلام نظره إِلى أنّ الله سيجعل الزواج سبيلاً إِلى الغنى، ويمده بالقوة، التي تجعله قادراً على التغلُّب على أسباب الفقر: ﴿وأَنْكِحُوا الأَيَامَى (٢) مِنْكُمْ والصَّالِحين من عِبَادكُمْ (٣) وإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِه (٤) واللهُ واسعٌ عليم﴾ (٥). عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة حقٌّ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتَب (٦) الذي يريد الأداء، والناكح الذي

стр. 1658

يريد العفاف" (١). وجاء في "سنن النسائي": (باب معونَةِ اللهِ الناكحَ الذي يُريد العفاف (٢)) وذكر الحديث السابق. وعن عبد الله بن عمرو ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة" (٣). وعن ثوبان قال: لمّا نزلت: ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ (٤)، قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فقال بعض الصحابة: أُنزلت في الذهب والفضة، لو عَلِمنا أيُّ المال خيرٌ فَنتَّخِذَهُ؟ فقال: "أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على إِيمانه" (٥). ْوعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مِن سعادة ابن آدم ثلاثة، ومِن شِقْوَةِ ابن آدم ثلاثة. مِن سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح. ومِن شِقْوة ابن آدم: المرأة السوء،

стр. 1659

والمسكن السوء، والمركب السوء" (١). وعنه ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "ثلاث من السَّعادة: المرأة تراها تعجبك، وتغيب عنها فتأمنها على نفْسها ومالك، والدابّة تكون وَطِيئةً، فتُلحِقُك بأصحابك، والدار تكون واسعة كثيرة المرافق. وثلاث من الشقاء: المرأة ترأها فتسوؤك، وتحمل لسانها عليك، وإنْ غِبت لم تأمنها على نفسها ومالك، والدابّة تكون قَطُوفاً (٢)، فإِن ضربتها أتعبتك، وإِن تركتها لم تُلْحِقْك بأصحابك، والدار تكون ضيّقة قليلة المرافق" (٣). وعن أنس ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "من رزقه الله امرأة صالحة، فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الباقي" (٤). وفي رواية: "إِذا تزوّج العبد؛ فقد استكمل نصف الدين، فليتق الله في النصف الباقي" (٥).

стр. 1660

حُكم الزواج: يجب الزواج على كل شخص يخشى العنَت -وهو الوقوع في الزنى والفجور-. عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة (١) فليتزوج، فإِنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنه له وجاء (٢) " (٣).

стр. 1661

قال الحافظ ابن كثير بعد قوله -تعالى-: ﴿وأنكحوا الأيامى ... ﴾: "وقد ذهب طائفة من العلماء إِلى وجوبه، على كلّ من قدر عليه، واحتجوا بظاهر قوله ﷺ : "يا معشر الشباب ... " ... ". ومن لم يستطع الباءة التي تقدّم ذِكرها فعليه بالصوم؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ المتقدّم: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنّه له وجاء". الزواج الحرام (١): يحرُم الزواج في حق من يُخِلّ بالزوجة في الوطء والإِنفاق، مع عدم قدرته عليه وتَوَقَانِهِ إِليه، قال الطبري: فمتى علم الزوج أنّه يعجز عن نفقة زوجته، أو صَداقها، أو شيء من حقوقها الواجبة عليه، فلا يحلّ له أن يتزوجها، حتى يُبيّن لها، أو يعلم من نفسه القدرة على أداء حقوقها. وكذلك لو كانت به علة تمنعه من الاستمتاع، كان عليه أن يبيّن؛ كيلا يغرَّ المرأة من نفسه، وكذلك لا يجوز أن يغرّها بنسب يدّعيه؛ ولا مال ولا صناعة يذكرها وهو كاذب فيها. وكذلك يجب على المرأة، إِذا علِمت من نفسها العجز عن قيامها بحقوق الزوج، أو كان بها علّة تمنع الاستمتاع؛ من جنون، أو جذام، أو برص، أو داءٍ في الفرج، لم يجُز لها أن تغرّه، وعليها أن تبيّن له ما بها في ذلك، كما يجب على بائع السلعة أن يبيّن ما بسلعته من العيوب.

стр. 1662

ومتى وجَد أحد الزوجين بصاحبه عيباً، فله الردّ، فإِنْ كان العيب بالمرأة ردّها الزوج، وأخذ ما كان أعطاها من الصَّداق. وسألتُ شيخنا ﵀: إِذا اكتشف الرجل عيباً بالمرأة يمنعه الاستمتاع، فهل له أخْذ ما أعطاها من الصّداق؟ فأجاب ﵀: إِذا جامعها؛ لا، وإِذا لم يجامعها فله ذلك. النهي عن التبتّل (١) للقادر على الزواج: عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "ردّ رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل (١)، ولو أذِن له لاختصينا" (٢). هل يقدّم الزواج على الحجّ ؟ إِذا احتاج الشخص إِلى الزواج وخشي العنت؛ فإِنه يقدّمه على حجّة الإِسلام التي تجب عليه، وإلا قدّم الحجّ عليه.

стр. 1663

عن أبي هريرة- ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "غزا نبيٌّ من الأنبياء، فقال لقومه: لا يَتبعْني رجل قد ملَك بُضع (١) امرأة وهو يُريد أن يبنيَ بها ولمّا يَبْنِ بها، ولا آخرُ قد بنى بُنياناً ولمّا يرفَعْ سقُفَها ... " (٢). جاء في "الصحيحة" تحت هذا الحديث (٢٠٢): "قال ابن المنيِّر: يستفاد منه الردّ على العامّة في تقديمهم الحجّ على الزواج، ظنّاً منهم أنّ التعفّف إِنّما يتأكّد بعد الحجّ، بل الأولى أن يتعفّف ثمّ يحجّ". وسألتُ شيخنا ﵀: هل يقدّم الزواج على الحج؟ فأجاب: إِذا خشي العنَت قدّمه، وإلا فلا. في ذمِّ العِشْق: قال ابن القيّم ﵀ في "زاد المعاد" (٤/ ٢٦٥) -بحذف-: "هذا مرض من أمراض القلب، مخالف لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه، وإذا تمكّن واستحكم، عزّ على الأطباء دواؤه، وأعْيَا العليلَ داؤُه، وإنما حكاه الله -سبحانه- في كتابه عن طائفتين من النّاس؛ من النّساء، وعُشّاق الصبيان المُردان، فحكاه عن امرأة العزيز في شأن يوسف، وحكاه عن قوم لوط، فقال -تعالى- إِخباراً عنهم لمّا جاءت الملائكة لوطاً: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٣).

стр. 1664

نعم؛ كان رسول الله ﷺ يُحبُّ نِساءه، وكان أحبهنّ إِليه عائشة ﵂ ولم تكن تبلُغُ محبتُه -لها ولا لأحد سوى ربه- نهايةَ الحبّ. وعِشق الصور إِنما تُبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله -تعالى-، المُعرضة عنه، المتعوّضة بغيره عنه، فإِذا امتلأ القلب من محبة الله والشوق إِلى لقائه، دفع ذلك عنه مَرَضَ عِشْق الصور، ولهذا قال -تعالى- في حقّ يوسف: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إِنّه من عبادنا المُخلَصين﴾ (١)، فدل على أن الإِخلاص سبب لدفع العشق؛ وما يترتّب عليه من السوء والفحشاء التي هي ثمرته ونتيجته، فصرف المسبَّب صرف لسَبَبِهِ، ولهذا قال بعض السلف: العشق حركة قلب فارغ، يعني: فارغاً مما سوى معشوقه. قال -تعالى-: ﴿وأصبح فؤاد أمّ موسى فارغاً إِن كادت لتبدي به﴾ (٢) أي: فارغاً من كل شيء إِلا من موسى؛ لِفَرْطِ محبتها له، وتعلّق قلبها به. والمحبة أنواع متعددة: فأفضلها وأجلها: المحبة في الله ولله، وهي تستلزم محبة ما أحبّ الله، وتستلزم محبة الله ورسوله. ومنها: محبة الاتفاق في طريقةٍ، أو دينٍ، أو مذهب، أو نِحلة، أو قرابة، أو صناعة، أو مرادٍ ما. ومنها: محبة لنيل غرض من المحبوب، إِمّا مِن جاهه أو من ماله أو مِن تعليمه وإرشاده، أو قضاء وَطَرٍ منه، وهذه هي المحبة العَرَضِيَّةُ التي تزول بزوال مُوجِبِها، فإِنَّ مَنْ ودَّك لأمرٍ ولّى عنك عند انقضائه.

стр. 1665

وأمّا محبةُ المشاكلة والمناسبة التي بين المحب والمحبوب، فمحبة لازمة لا تزول إِلا لعارض يُزيلها، ومحبة العشق من هذا النوع، فإِنها استحسان روحاني، وامتزاج نفساني، ولا يَعْرِضُ في شيء من أنواع المحبة -من الوسواس والنحول، وشغل البال، والتلف- ما يَعْرِضُ من العشق". انتهى. قلت: وبهذا؛ فالعِشق مَشْغَلةٌ عن الله -سبحانه- الذي ينبغي أن يكون أحبَّ إِليك من نفسك ومالك والناس أجمعين. وهو عذابٌ لا يُؤجر المرء عليه، وقد يدفع بعضَ الناس إِلى الشرك بالله، وتقديم ذلك المحبوب على الله -تعالى- أو رسوله ﷺ . ولو قيل لبعضهم: لو طُلب منك الكُفر لِنَيْلِ محبوبك، أكنتَ فاعلَهُ؟ لقال: نعم! نعوذ بالله -تعالى- من الخِذلان. قال الشاعر: فما في الأرض أشقى من مُحِبٍّ ... وإِنْ وجَدَ الهوى حُلْوَ المذاقِ تراه باكياً في كلّ حينٍ ... مخافةَ فُرقةٍ أو لاشتياقِ والعِشق يوقع صاحبه في الذُّل؛ فإِنه لا يرضى إِلا بالمعشوق، فكلما تقدّم الخُطّاب -ومهما كانوا متحلّين بحُسن الدين والخُلُق-؛ كان الكذب في إِبداء المعاذير وردّهم. وخيرُ ما يفعله الشابُّ أو الشابّة؛ عدم التعلّق بمعشوق، والجِدّ والمثابرة في النكاح الصحيح؛ في ضوء قوله ﷺ : "إِذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه" (١). مع إضافة ما يمكن الحصول عليه من الرغبة في الجمال ونحوه.

стр. 1666

وأنت تَرى أنّ كلّ عاشق يزعم أن عشيقته هي ملكة الجمال في كلّ من خلَق الله -تعالى- من نساء الأرض! وذلك لأنه صادف قلباً خالياً فتمكّن؛ كما في قول الشاعر: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكّنا فليت أوّل لحظة من هذا تكون في فتاة فاضلة، بعد خِطبة شرعيّة وموافقة من الوليّ؛ ليكون تعلّقهما صحيحاً، وبذا يشعران بالغبطة والحبور والسرور والسعادة؛ عند المحادثة وعند اللقاء ونحو ذلك، فحَذارِ أن تعيش في سراب، ولا تتخيّر العذاب! جعلني الله وإِياك من أولي الألباب. ومع رغبتي في الإِفاضة في الموضوع؛ أكتفي بهذا، ففي هذا ذكرى و ﴿الذكرى تنفع المؤمنين﴾ (١). الرغبة عن الزواج: ومن المصائب الكُبرى التي ابتُلِيَتْ بها أمّتنا؛ الاستهتار بالنكاح، ولا تجدُ ثمّة تفكير عند الشباب فيه، والأسباب كثيرة؛ من أبرزها الحرص على الحصول على الشهادة -ولا أقول: الحرص على تلقّي العلم-، والكلام في هذا يطول، ولكن ملخّصه: إِنّ مناهج الحياة قد صُنعت لنا وفُرضت علينا من قِبَل الكَفرة والمشركين، وحَرص كثير من الناس على أخْذها بحبّ وقناعة، ومن ذلك النظام التعليمي، فالشباب والشابّات قد أَقْصَوْا عن تفكيرهم أمر الزواج؛ حتى يُنْهوا الدراسة الجامعية، واشترط بعضهم التخصص! واشترط كثيرٌ منهم ممارسة العمل والحصول

стр. 1667

على الأموال الكثيرة، وماذا يكون من شأنهم وشأنهنّ خلال فترة الدراسة؟! أَيَقْضُونَهَا في غَضِّ بصرٍ وحِفْظ فرجٍ، أم صومٍ ليكون لهم وجاءً؟! وهناك من يلجأ إِلى الاستمناء (العادة السرية) ليطفئ حرارة شهوته. وقال لنا شيخنا ﵀ في بعض مجالسه: العادة السرّية [الاستمناء] حرام، ولو خشي الزنى، والحَلُّ هو الزواج! وتلا قوله -تعالى-: ﴿ ... فَمَن ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلكَ فأولئِك هُمُ العَادُون﴾ (١). أقول: إِنّ في بلاد الكُفر إِباحة جنسية، ففي السنة السادسة الدراسية؛ تُدرّس الموادّ الجنسية، مع التطبيق العملي والوسائل المُعِينَةِ في ذلك! الجنس مُشاعٌ ميسَّر في كل وقت؛ فهم لا يعرفون الحرام. فكيف بنا نقلّدهم؟ ونكبِتُ الشباب والشابّات -هذا للعفيفين والعفيفات-؟! أما من ضعُف إِيمانه؛ فلا يسأل كيف يقضي شهوته؟ وبذلك تكون المعاهد والمجتمعات ملتقى العُشّاق والفُسَّاق!! كل هذا، وهذه التخصّصات الدراسية والعلمية؛ لم تُؤتِ أكُلها كما ينبغي، وكثير من الرّجال والنساء حصلوا على الشهادات، وأَنْهَوْا دراساتهم، ولكنْ هم أنفسهم على قناعةٍ أنهم لم يُفِيدُوا من دراساتهم ما يستحقّ الذِّكر. ولكن أصبح من المُخزي -زعموا- ألا يُدرِّس الرجلُ ولدَه أو ابنتَهُ، وأمسى الرياءُ، وحبُّ الظهور، ومداراةُ المجتمع أمراً بيِّناً جليّاً. وأرجو أن يُيسَّر لهذه الأمّة من يجمع بين العِلم النافع وتيسير النكاح.

стр. 1668

وعلى كلّ حال: أريد أن أُذكّر بقول رسول الله ﷺ : "مِن حُسن إِسلام المرء ترْكه ما لا يعنيه" (١). فالإِنسان مسؤول أمام الله -تعالى- عن إِضاعة الوقت، وعن تأخير الزواج، وعن إِيقاع نفسه في الفتنة. ولعلّنا نستطيع أن نتّخذ الشهادة والدراسة حُجَّةً أمام الناس. أمّا أمام الله -تعالى- فلا، وقد قال -سبحانه-: ﴿بَل الإِنْسَانُ على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ (٢). اختيار الزّوجة: ومَنْ أقبَلَ على النكاح؛ فعليه أن يتحرّى في اختياره الزوجة ما يأتي: ١ - أن تكون ذات دين؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النّبي ﷺ قال: "تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولِحسبها (٣)، ولجمالها، ولدينها، فأظفر بذات الدين تربت يداك (٤) " (٥).

стр. 1669

وفي الحديث: "الحسب: المال" (١). وفي رواية: "إِنّ أحساب النّاس بينهم هذا المال" (٢). ٢ - أن تكون وَلُوداً وَدُوداً: لحديث معقل بن يسار ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "تزوّجوا الوَدُودَ الوَلوُدَ، فإِني مُكاثر بكم الأمم" (٣). ٣ - أن تكون حانية على ولدها، وراعية على زوجها: عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "خير نساء ركبن الإِبل: صالحُ (٤) نساءِ قريش، أحناه (٥) على ولد في صِغره، وأرعاه على زوج (٦) في ذات يد" (٧).

стр. 1670

وهذا -وما قبله من معرفتها وَدُوداً وَلُوداً- إِنما يتمُّ بالاستفسار عن بيئتها وأهل بيتها. وفي بعض مجالس شيخنا ﵀ كان أحد الإِخوة من المغرب يتكلّم مُبالِغاً حول لقاء الخطيبَين وحوارهما ومناقشتهما ... إِلخ فقال له شيخنا ﵀: كيف تعرف أنها وَلُود، هل تقول لها: هل أنتِ وَلُود؟! قال: لا؛ أسأل عن أمّها وأخواتها، قال شيخنا ﵀: وكذلك هل تقول لها: هل أنت وَدُود؟! انتهى. قلت: ولا مانع من اللقاء فيما لا بُدَّ منه؛ وممّا فيه مصلحة النّكاح، دون مبالغة وإِسراف. ٤ - ويفضّل أن تكون بِكراً: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "هَلَكَ أبي، وترك سبع بنات -أو تسع بنات-، فتزوجتُ امرأة ثيِّباً، فقال لي رسول الله ﷺ : تزوجتَ يا جابر؟! فقلت: نعم، فقال: بكراً أم ثيّباً؟ قلت: بل ثيّباً، قال: فهلا جارية تُلاعِبها وتُلاعِبك، وتُضاحكهَا وتُضاحكك؟ قال: فقلت له: إِنّ عبد الله هَلَكَ وترك بنات، وإِني كَرِهْتُ أنْ أجِيئهنّ بمثلهن، فتزوجتُ امرأة تقوم عليهن وتُصلحهن، فقال: بارك الله لك -أو خيراً-" (١). وللإِنسان اختيار الزوجة الجميلة أو اشتراطها عند النكاح، لأنه يعمل عملَهُ في غضّ البصر وتحصين الفرج. عن عبد الله بن مسعود عن النّبيّ ﷺ قال: "إِنّ الله جميل يحب

стр. 1671

الجمال" (١). وقال ﷺ : "عليكم بالأبكار؛ فإِنهنّ أعذبُ أفواهاً، وأنتقُ أرحاماً، وأرضى باليسير" (٢). التقارُب في السِّنِّ: عن بريدة قال: خطب أبو بكر وعمر فاطمة ﵃، فقال رسول الله ﷺ : "إِنها صغيرة. فخطبها عليّ، فزوّجها منه" (٣). ولكن؛ لا نجعل هذا التقارُب عائقاً إِن لم يتيسّر؛ فالموازنة في المصالح أمرٌ لا بُدّ منه. وهذا لا يمنع من تزويج الصغيرة من الكبير! واقرأ العنوان الآتي: تزويج الصغار من الكبار (٤): عن عائشة ﵂ قالت: "تزوّجني النّبيّ ﷺ وأنا بنتُ ستِّ سنين، فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج، فوُعِكتُ، فتمزّق شعري (٥)، فوَفَى جُمَيْمَةً (٦)، فأتتني أمّي أمُّ رومان -وإني لفي أرجوحة ومعي

стр. 1672

صواحب لي -فصرخَت بي، فأتيتها- لا أدري ما تريد بي؟ -، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لأنْهَجُ، حتى سكن بعض نَفَسِي، ثمّ أخذت شيئاً من ماء، فمسحت به وجهي ورأسي، ثمّ أدخلتني الدار، فإِذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائرٍ، فأسلمتني إليهنّ، فأصلحن من شأني، فلم يرُعني إِلا رسول الله ﷺ ضُحىً، فأسلمتني إِليه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين" (١). وعنها ﵂ أيضاً: "أنّ النّبيّ ﷺ تزوجها وهي بنت ست سنين، وأُدخلت عليه وهي بنت تسع، ومكثت عنده تسعاً" (٢). وفي لفظ عند مسلم (٣): "ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة". وهذا فيه حكمة بالغة، فليس هناك من اضطرار للصغيرة لانعدام الكبيرات مثلاً، ولكن ليكون حكماً شرعيّاً يُفِيُد منه المسلمون، فتدبّر. واستدلّ البخاري ﵀ على نكاح الصغار بقوله -تعالى-: ﴿وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٤)، وقال: "فجعَل عدتها ثلاثة أشهر قبل البلوغ" (٥). قال الحافظ في "الفتح" (٩/ ١٩٠): "فدلّ على أنّ نكاحها قبل البلوغ

стр. 1673

جائز، وهو استنباط حَسَن .. ". وقال لي شيخنا ﵀ عن نكاح الصغار -مجيباً عن سؤالي-: هل المقصود بالصغيرة التي لا تصلح للاستبضاع والتمتّع بها، أم المقصُود التي لم تبلغ سنّ الرُّشد؟ وأنا أُفرِّق بين الأمرين؛ فإِذا كان السؤال متوجهاً إِلى من لا تصلح أن يتمتّع بها الزوج العاقد عليها لصِغَر سنّها؛ فيمكن أن يُقال بأنّ العقد ليس صحيحاً. أمّا إِذا كانت عاقلة وراشدة، لكنها لَمْ تَحِض؛ فعندنا أدلَّة كثيرة على الجواز. أيّ النساء خير ؟ عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل لرسول الله ﷺ : أيّ النساء خير؟ قال: "التي تسُرّه إِذا نظر، وتطيعه إِذا أمر، ولا تخالفه فى نفسها ومالها بما يكره" (١). اختيار الزوج: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أتاكم مَن ترضون خُلُقه ودينه فزوّجوه، إِلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفساد عريض" (٢).

стр. 1674

عرْض الإِنسان ابنتَه أو أختَه على أهل الخير (١): عن عبد الله بن عمر ﵄: "أنّ عمر بن الخطاب حين تأيّمت (٢) حفصة بنت عمر من خُنيس بن حُذافة السهميّ -وكان من أصحاب رسول الله ﷺ فتوفِّي بالمدينة-، فقال عمر بن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان فعرضتُ عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثتُ لياليَ، ثمّ لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا! قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت: إِن شئت زوجتُك حفصة بنت عمر، فصَمَتَ أبو بكر، فلم يرجع إِليّ شيئاً، وكنت أَوْجَدَ عليه منِّي على عثمان، فلبثتُ لياليَ، ثمّ خطَبها رسول الله ﷺ ، فأنكحْتُها إِياه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدتَ عليّ حين عرضتَ عليّ حفصة فلم أرجع إِليك شيئاً (٣)؟ قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإِنه لم يمنعني أن أرجع إِليك فيما عرضت عليّ إلاَّ أني كنت علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأُفْشِيَ سِرَّ رسول الله ﷺ ، ولو تركها رسول الله ﷺ قَبِلْتُها" (٤). قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٩/ ١٧٨): " ... وفيه أنه لا بأس

стр. 1675

بعرضها عليه، ولو كان متزوّجاً؛ لأنّ أبا بكر كان حينئذ متزوّجاً". التَّزْيين للتنفيق والتّرغيب في النكاح: عن عائشة ﵂ قالت: "عَثَرَ أسامةُ بِعَتَبَةِ الباب، فشُجّ في وجهه، فقال رسول الله ﷺ : أميطي عنه الأذى، فتقذَّرته! فجعل يمصُّ عنه الدم ويمجّه عن وجهه، ثمّ قال: لو كان أسامة جاريةً؛ لحلّيته وكسوته حتى أُنفِّقه" (١). وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: "أنّ أباه كتب إِلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهرى؛ يأمره أن يدخل على سبيعة بنت الحارث الأسلمية، فيسألها عن حديثها، وعمّا قال لها رسول الله ﷺ حين استفتته؟ فكتب عمر بن عبد الله ابن الأرقم إِلى عبد الله بن عتبة، يخبره أن سبيعة بنت الحارث أخبرته: أنها كانت تحت سعد بن خَوْلَةَ -وهو من بني عامر بن لؤي؛ وكان ممن شهد بدراً-، فتوفي عنها في حَجّة الوداع وهي حامل، فلم تَنْشَبْ (٢) أن وضعت حمْلها بعد وفاته، فلما تعلّت (٣) من نفاسها تجمّلت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بَعْكك -رجل من بني عبد الدار-، فقال لها: ما لي أراك تجمّلتِ للخُطّاب؟ تَرْجيِنَ النكاح؟ فإِنك والله ما أنت بناكحٍ، حتى تمرّ عليك

стр. 1676

أربعةُ أشهر وعشر! قالت سُبيعة: فلما قال لي ذلك؛ جمعْتُ عليّ ثيابي حين أمسيت، وأتيت رسول الله ﷺ ، فسألته عن ذلك؛ فأفتاني بأني قد حللتُ حين وضعْت حملي، وأمَرني بالتزوّج إِنْ بدا لي" (١). وفي الحديث فوائد فقهية أخرى؛ ساق الحافظُ الكثيرَ الطيّبَ منها؛ كقوله: "وفيه جواز تجمُّل الموأة بعد انقضاء عدّتها لمن يخطُبها، لأنّ في رواية الزهري عند البخاري: فقال: ما لي أراك تجمّلت للخُطّاب؟ وفي رواية ابن إِسحاق: فتهيأتُ للنكاح واختضبت. وفي رواية معمر عن الزهري: وقد اكتحلت". صلاة المرأة إِدْا خُطِبَت واستخارتُها ربَّها (٢): عن أنس ﵁ قال: "لما انقضت عدَّةُ زينب؛ قال رسول الله ﷺ لزيد: فاذكُرها عليّ؛ قال: فانطلق زيد فقلت: يا زينب! أرسل رسول الله ﷺ يذكرك. قالت: ما أنا بصانعةٍ شيئاً حتى أُوامِرَ (٣) ربي! فقامت إِلى مسجدها (٤)، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ ، فدخل عليها بغير إِذن" (٥).

стр. 1677

الخِطبة (١) الخِطبة: فِعْلة، كقِعدة وجِلسة، يقال: خَطب المرأة يَخْطُبها، خَطْباً وخِطْبَةً، أي: طلبها للزواج بالوسيلة المعروفة بين الناس، ورجل خطّاب: كثير التصرّف في الخطبة، والخطيب، والخاطب، والخطب؛ الذي يخطب المرأة، وهي خطبة، وخطبته، وخطب يخطب: قال كلاماً يعظ به، أو يمدح غيره، ونحو ذلك. والخِطبة من مقدمات الزواج، وقد شرعها الله قبل الارتباط بعقد الزوجية؛ ليتعرّف كلّ من الزوجين صاحبه، ويكون الإِقدام على الزواج على هدى وبصيرة. ماذا يقول إِذا دُعي ليزوِّج ؟ عن أبي بكر بن حفص قال: "كان ابن عمر إِذا دعي إِلى تزويج قال: لا تفضِّضوا (وفي نسخة: تعضضوا) علينا الناس، الحمد لله، وصلّى الله على محمد، إِن فلاناً خطب إِليكم فلانة، إِنْ أَنكحتموه فالحمد لله، وإنْ رددتموه فسبحان الله" (٢). خِطبة معتدَّة الغير (٣): تحرُم خِطبة المعتدَّة؛ سواء أكانت عدتها عدة وفاة، أم عدة طلاق، وسواء أكان الطلاق طلاقاً رجعياً أم بائناً، فإِن كانت معتدة من طلاق رجعي، حرمت

стр. 1678

خطبتها؛ لأنها لم تخرج عن عصمة زوجها، وله مراجعتها في أي وقت شاء. وإِن كانت معتدة من طلاق بائن، حرُمت خطبتها بطريق التصريح، إِذ حقّ الزوج لا يزال متعلّقاً بها، وله حقّ إِعادتها بعقد جديد، ففي تقدُّم رجل آخر لخطبتها اعتداء عليه. واختلف العلماء في التعريض بخطبتها، والصحيح جوازه. وإن كانت معتدة من وفاة، فإِنه يجوز التعريض لخطبتها أثناء العدة دون التصريح (١)؛ قال الله -تعالى-: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرّضتم به من خِطبة النّساء أو أكننتم في أنفسكم عَلِم الله أنَّكم ستذكُرُونهنّ ولكن لا تُواعدوهنّ سرّاً إِلاّ أن تقولوا قولاً معروفاً ولا تعزِمُوا عُقْدة النّكاح حتّى يبلغ الكتاب أَجَلَه واعلموا أنّ الله يَعْلَم ما في أنفسكُم فاحذَروه﴾ (٢). والمراد بالنساء المعتدات لوفاة أزواجهن؛ لأن الكلام في هذا السياق، ومعنى التعريض؛ أن يذكر المتكلم شيئاً؛ يدل به على شيء لم يذكره، مِثل أن يقول: إِني أريد التزوج، أو: لَودِدْتُ أن يُيسّر الله لي امرأة صالحة، أو يقول: إِن

стр. 1679

الله لسائق لكِ خيراً. عن ابن عباس ﵄: " ﴿فيما عرّضتم به من خِطبة النساء﴾ يقول: إِني أريد التزويج، ولوددت أنه ييسر لي امرأة صالحة. وقال القاسم: يقول: إِنك عليّ كريمة، وإني فيك لراغب، وإنّ الله لسائق إِليك خيراً، أو نحو هذا. وقال عطاء: يُعرّض ولا يبوح، يقول: إِنّ لي حاجة، وأبشري، وأنتِ بحمد الله نافقة" (١). وخلاصة الآراء: أن التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات، والتعريض مباح للبائن، وللمعتدة من الوفاة، وحرام في المعتدة من طلاق رجعي. وإذا صرَّح بالخِطبة في العدة، ولكن لم يعقد عليها إلاَّ بعد انقضاء عدتها، فقد اختلف العلماء في ذلك؛ قال مالك: يفارقها؛ دخَل بها أم لم يدخل. وقال الشافعي: صح العقد، وإن ارتكب النهي الصريح المذكور؛ لاختلاف الجهة. واتفقوا على أنه يُفرّق بينهما لو وقع العقد في العدة، ودخل بها. وهل تحل له بعد، أم لا؟ قال مالك والليث والأوزاعي: لا يحل له زواجها بعد. وقال جمهور العلماء: بل يحلّ له إِذا انقضت العدة أن يتزوجها، إِذا شاء. وسألت شيخنا ﵀: "إِذا صرّح بالخِطبة في العدّة، ولكن لم يعقد عليها إِلا بعد انقضاء عدّتها، فهل أنتم مع من قال بصحّة العقد، وإن ارتكب النهي الصريح؟

стр. 1680

فأجاب: نعم، أرى صحّة العقد، مع القول بارتكاب النهي". ثمّ رأيت قول عطاء: ولا يواعِد وليّها بغير علمها، وإن واعَدَت رجُلاً في عدّتها ثمّ نكحها بعد، لم يفرّق بينهما (١). تحريم خِطبة الرجل على خِطبة أخيه: عن عقبة بن عامر ﵁ قال: أنّ رسول الله ﷺ : "المؤمن أخو المؤمن؛ فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطُب على خِطبة أخيه حتى يَذَرَ" (٢). وإنْ أذِن الأول للثاني جاز. عن ابن عمر ﵄ كان يقول: "نهى النّبيّ ﷺ أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطُب الرجل على خِطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب" (٣). قال أبو عيسى الترمذي: "قال مالك بن أنس: إِنما معنى كراهيهّ أن يخطب الرجل على خِطبة أخيه: إِذا خطبَ الرجلُ المرأة فرضيت به، فليس لأحدٍ أن يخطب على خِطبته. وقال الشافعي معنى هذا الحديث: لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، هذا عندنا إِذا خطب الرجل المرأة، فرضيت به وركنَت إِليه، فليس لأحد أن يخطب

стр. 1681

على خطبته. فأمّا قبل أن يعلم رضاها أو ركونها إِليه، فلا بأس أن يخطبها، والحُجّة في ذلك حديث فاطمة بنت قيس، حيث جاءت النّبيّ ﷺ ، فذكَرت له أنّ أبا جهم بن حذيفة، ومعاوية بن أبي سفيان خطباها. فقال: "أمّا أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأمّا معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد" (١). فمعنى هذا الحديث عندنا -والله أعلم-: أن فاطمة لم تخبره برضاها بواحد منهما، فلو أخبرته، لم يشر عليها بغير الذي ذكرت" (٢). تفسير ترْك الخِطبة (٣): عن ابن عمر ﵄: "أنّ عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة قال عمر: لَقيت أبا بكر فقلت: إِن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فلبثت لياليَ، ثمّ خطبها رسول الله ﷺ ، فلقيني أبو بكر فقال: إِنه لم يمنعني أن أرجع إِليك فيما عرضت؛ إِلا أني قد علمتُ أنّ رسول الله ﷺ قد ذكَرها، فلم أكن لأُفْشِيَ سِرَّ رسول الله ﷺ ، ولو ترَكها لَقَبِلتُها" (٤). قال ابن بَطّال ما ملخصه: "تقدّم في الباب الذي قبله تفسير ترك الخِطبة

стр. 1682

صريحاً في قوله: حتى ينكح أو يترك، وحديث عمر في قصة حفصة لا يظهر منه تفسير ترك الخِطبة؛ لأن عمر لم يكن عَلِمَ أنّ النّبيّ ﷺ خطب حفصة، قال: ولكنه قصد معنى دقيقاً يدلّ على ثقوب ذهنه ورسوخه في الاستنباط، وذلك أن أبا بكر علم أنّ النّبيّ ﷺ إِذا خطب إِلى عمر أنه لا يردُّه، بل يرغب فيه ويشكر الله على ما أنعم عليه به من ذلك، فقام عِلْم أبي بكر بهذا الحال مقام الركون والتراضي، فكأنه يقول: كلّ من عُلِمَ أنه لا يُصرَف إِذا خطب؛ لا ينبغي لأحد أن يخطب على خِطبته" (١). والحاصل: أنّ تفسير ترْك الخِطبة في الحديث السابق أن تُذكَر المرأة مِن قِبَل شخص لأخيه، ويعلم رغبته في النكاح منها، ويُرجّح قبول الوليّ، فهذا كلّه يدعو إِلى ترْك الخِطبة، والله أعلم. إِذا استشارت المرأة رجلاً فيمن يخطبها؛ هل يخبرها بما يعلم (٢)؟ عن فاطمة بنت قيس: أنّ أبا عمرو بنَ حفصٍ طلّقها البتة ... فذكرت الحديث إِلى أن قالت: فلمّا حللتُ؛ ذكرت له أنّ معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ : "أمّا أبو جهم؛ فلا يضع عصاه عن عاتقه (٣)، وأمّا معاوية فصعلوك (٤) لا مال له، انكحي أسامة بن زيد. فكرهته،

стр. 1683

ثمّ قال: انكحي أسامة، فنكحته. فجعل الله فيه خيراً واغتبطتُ" (١). إِذا استشار رجلٌ رجلاً في المرأة هل يخبره بما يعلم (٢)؟ عن أبي هريرة ﵁ قال: "كنت عند النّبيّ ﷺ ، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوّج (٣) امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله ﷺ : أنظرْتَ إِليها؟ قال: لا. قال: فاذهب فانظر إِليها، فإِن في أعين الأنصار شيئاً" (٤). النظر إِلى المخطوبة: عن سهل بن سعد ﵁: "أنّ امرأة جاءت إِلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! جئت لأهبَ لك نفسي، فنَظر إِليها رسول الله ﷺ فصعَّد النظر إِليها وصوّبه ... " (٥). وعن المغيرة بن شعبة: أنّه خطب امرأة، فقال النّبيّ ﷺ : "انظر إِليها؛ فإِنه أحرى أن يُؤْدَمَ (٦) بينكما" (٧).

стр. 1684

قال أبو عيسى: "هذا حديث حسن. وقد ذهب بعض أهل العلم إِلى هذا الحديث، وقالوا: لا بأس أن ينظر إِليها ما لم ير منها محرّماً، وهو قول أحمد وإسحاق. ومعنى قوله: "أحرى أن يؤدم بينكما"؛ قال: أحرى أن تدوم المودة بينكما". وعن أبي هريرة ﵁ قال: كنت عند النّبيّ ﷺ ، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله ﷺ : "أنظرتَ إِليها؟ قال: لا، قال: فاذهب فانظر إِليها، فإِنّ في أعيُن الأنصار شيئاً" (١)، يعني: الصغر. ويجوز النظر إِليها، ولو لم تعلم أو تشعر به (٢)، لقوله ﷺ : "إِذا خطب أحدكم امرأة؛ فلا جناح عليه أن ينظر إِليها، إِذا كان إِنَّما ينظر إِليها لِخطبتهِ، وإِن كانت لا تعلم" (٣). قال شيخنا ﵀: "وقد عمل بهذا الحديث بعض الصحابة، وهو محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال سهل بن أبي حثمة: رأيت محمد بن مسلمة يطارد بُثَيْنَةَ بنت الضَّحَّاك -فوق إِجّار (٤) لها- ببصره طرداً شديداً،

стр. 1685

فقلت: أتفعل هذا وأنت من أصحاب رسول الله ﷺ ؟! فقال: إِني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِذا أُلْقي في قلب امرئٍ خِطبةُ امرأة فلا بأس أن ينظر إِليها" (١). روى عبد الرزاق في "الأمالي" (٢/ ٤٦/١) بسند صحيح عن ابن طاوس قال: أردت أن أتزوج امرأة، فقال لي أبي: اذهب فانظر إِليها. فذهبت، فغسلت رأسي وترجَّلت، ولبِسْتُ من صالح ثيابي، فلمّا رآني في تلك الهيئة؛ قال: لا تذهب! إِلامَ ينظُر ؟ ويجوز له أن ينظر منها إِلى أكثر من الوجه والكفّين؛ لإِطلاق الأحاديث المتقدّمة (٢)، ولحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا خطب أحدكم المرأة؛ فإِن استطاع أن ينظر إِلى ما يدعوه إِلى نكاحها فليفعل، قال جابر: فخطبْتُ جارية، فكنت أتخبأ لها، حتى رأيتُ منها ما دعاني إِلى نكاحها، وتزوجتُها" (٣). وقد صنَع مثله محمد بن مسلمة، كما تقدّم، وكفى بهما حُجّة (٤).
следующие страницы →