← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

على خطبته. فأمّا قبل أن يعلم رضاها أو ركونها إِليه، فلا بأس أن يخطبها، والحُجّة في ذلك حديث فاطمة بنت قيس، حيث جاءت النّبيّ ﷺ ، فذكَرت له أنّ أبا جهم بن حذيفة، ومعاوية بن أبي سفيان خطباها. فقال: "أمّا أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأمّا معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد" (١). فمعنى هذا الحديث عندنا -والله أعلم-: أن فاطمة لم تخبره برضاها بواحد منهما، فلو أخبرته، لم يشر عليها بغير الذي ذكرت" (٢). تفسير ترْك الخِطبة (٣): عن ابن عمر ﵄: "أنّ عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة قال عمر: لَقيت أبا بكر فقلت: إِن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فلبثت لياليَ، ثمّ خطبها رسول الله ﷺ ، فلقيني أبو بكر فقال: إِنه لم يمنعني أن أرجع إِليك فيما عرضت؛ إِلا أني قد علمتُ أنّ رسول الله ﷺ قد ذكَرها، فلم أكن لأُفْشِيَ سِرَّ رسول الله ﷺ ، ولو ترَكها لَقَبِلتُها" (٤). قال ابن بَطّال ما ملخصه: "تقدّم في الباب الذي قبله تفسير ترك الخِطبة

стр. 1682

صريحاً في قوله: حتى ينكح أو يترك، وحديث عمر في قصة حفصة لا يظهر منه تفسير ترك الخِطبة؛ لأن عمر لم يكن عَلِمَ أنّ النّبيّ ﷺ خطب حفصة، قال: ولكنه قصد معنى دقيقاً يدلّ على ثقوب ذهنه ورسوخه في الاستنباط، وذلك أن أبا بكر علم أنّ النّبيّ ﷺ إِذا خطب إِلى عمر أنه لا يردُّه، بل يرغب فيه ويشكر الله على ما أنعم عليه به من ذلك، فقام عِلْم أبي بكر بهذا الحال مقام الركون والتراضي، فكأنه يقول: كلّ من عُلِمَ أنه لا يُصرَف إِذا خطب؛ لا ينبغي لأحد أن يخطب على خِطبته" (١). والحاصل: أنّ تفسير ترْك الخِطبة في الحديث السابق أن تُذكَر المرأة مِن قِبَل شخص لأخيه، ويعلم رغبته في النكاح منها، ويُرجّح قبول الوليّ، فهذا كلّه يدعو إِلى ترْك الخِطبة، والله أعلم. إِذا استشارت المرأة رجلاً فيمن يخطبها؛ هل يخبرها بما يعلم (٢)؟ عن فاطمة بنت قيس: أنّ أبا عمرو بنَ حفصٍ طلّقها البتة ... فذكرت الحديث إِلى أن قالت: فلمّا حللتُ؛ ذكرت له أنّ معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ : "أمّا أبو جهم؛ فلا يضع عصاه عن عاتقه (٣)، وأمّا معاوية فصعلوك (٤) لا مال له، انكحي أسامة بن زيد. فكرهته،

стр. 1683

ثمّ قال: انكحي أسامة، فنكحته. فجعل الله فيه خيراً واغتبطتُ" (١). إِذا استشار رجلٌ رجلاً في المرأة هل يخبره بما يعلم (٢)؟ عن أبي هريرة ﵁ قال: "كنت عند النّبيّ ﷺ ، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوّج (٣) امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله ﷺ : أنظرْتَ إِليها؟ قال: لا. قال: فاذهب فانظر إِليها، فإِن في أعين الأنصار شيئاً" (٤). النظر إِلى المخطوبة: عن سهل بن سعد ﵁: "أنّ امرأة جاءت إِلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! جئت لأهبَ لك نفسي، فنَظر إِليها رسول الله ﷺ فصعَّد النظر إِليها وصوّبه ... " (٥). وعن المغيرة بن شعبة: أنّه خطب امرأة، فقال النّبيّ ﷺ : "انظر إِليها؛ فإِنه أحرى أن يُؤْدَمَ (٦) بينكما" (٧).

стр. 1684

قال أبو عيسى: "هذا حديث حسن. وقد ذهب بعض أهل العلم إِلى هذا الحديث، وقالوا: لا بأس أن ينظر إِليها ما لم ير منها محرّماً، وهو قول أحمد وإسحاق. ومعنى قوله: "أحرى أن يؤدم بينكما"؛ قال: أحرى أن تدوم المودة بينكما". وعن أبي هريرة ﵁ قال: كنت عند النّبيّ ﷺ ، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله ﷺ : "أنظرتَ إِليها؟ قال: لا، قال: فاذهب فانظر إِليها، فإِنّ في أعيُن الأنصار شيئاً" (١)، يعني: الصغر. ويجوز النظر إِليها، ولو لم تعلم أو تشعر به (٢)، لقوله ﷺ : "إِذا خطب أحدكم امرأة؛ فلا جناح عليه أن ينظر إِليها، إِذا كان إِنَّما ينظر إِليها لِخطبتهِ، وإِن كانت لا تعلم" (٣). قال شيخنا ﵀: "وقد عمل بهذا الحديث بعض الصحابة، وهو محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال سهل بن أبي حثمة: رأيت محمد بن مسلمة يطارد بُثَيْنَةَ بنت الضَّحَّاك -فوق إِجّار (٤) لها- ببصره طرداً شديداً،

стр. 1685

فقلت: أتفعل هذا وأنت من أصحاب رسول الله ﷺ ؟! فقال: إِني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِذا أُلْقي في قلب امرئٍ خِطبةُ امرأة فلا بأس أن ينظر إِليها" (١). روى عبد الرزاق في "الأمالي" (٢/ ٤٦/١) بسند صحيح عن ابن طاوس قال: أردت أن أتزوج امرأة، فقال لي أبي: اذهب فانظر إِليها. فذهبت، فغسلت رأسي وترجَّلت، ولبِسْتُ من صالح ثيابي، فلمّا رآني في تلك الهيئة؛ قال: لا تذهب! إِلامَ ينظُر ؟ ويجوز له أن ينظر منها إِلى أكثر من الوجه والكفّين؛ لإِطلاق الأحاديث المتقدّمة (٢)، ولحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا خطب أحدكم المرأة؛ فإِن استطاع أن ينظر إِلى ما يدعوه إِلى نكاحها فليفعل، قال جابر: فخطبْتُ جارية، فكنت أتخبأ لها، حتى رأيتُ منها ما دعاني إِلى نكاحها، وتزوجتُها" (٣). وقد صنَع مثله محمد بن مسلمة، كما تقدّم، وكفى بهما حُجّة (٤).

стр. 1686

وجاء في "الصحيحة" تحت الحديث (٩٩): "قال ابن القيم في "تهذيب السنن" (٣/ ٢٥ - ٢٦): "وقال داود: ينظر إِلى سائر جسدها، وعن أحمد ثلاث روايات: إِحداهن: ينظر إِلى وجهها ويديها. والثانية: ينظر ما يظهر غالباً كالرقبة والساقين ونحوهما. والثالثة: ينظر إِليها كلها عورةً وغيرَها؛ فإِنه نص على أنه يجوز أن ينظر إِليها متجردة! ". قلت: والرواية الثانية هي الأقرب إِلى ظاهر الحديث، وتطبيق الصحابة له، والله أعلم. وقال ابن قدامة في "المغني" (٧/ ٤٥٤): "ووجه جواز النظر [إِلى] ما يظهر غالباً: أن النّبيّ ﷺ لما أَذِنَ في النظر إِليها من غير عِلمها؛ عُلِمَ أنه أذن في النظر إِلى جميع ما يظهر عادة، إِذ لا يمكن إِفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في الظهور، ولأنّه يظهر غالباً، فأبيح النظر إِليه كالوجه، ولأنها امرأة أبيح له النظر إِليها بأمر الشارع، فأبيح النظر منها إِلى ذلك كذوات المحارم". انتهى. قلت: وخلاصة القول جواز النظر من غير اتفاق إِلى ما يظهر غالباً بما يزيد عن الوجه والكفين؛ لقوله ﷺ المتقدّم: "ما يدعوه إِلى نكاحها"، وقوله ﷺ : "وإن كانت لا تعلم" وعَمَلِ بعض الصحابة بذلك. أمّا بالاتفاق؛ فلا يكون إِلا للوجه والكفّين. والله -تعالى- أعلم. وسألت شيخنا ﵀: ما هو آخر ما تقولونه في المواضع التي ينظر

стр. 1687

إِليها الخاطب؛ أهي الوجه والكفّان فحسب؟ فأجاب ﵀: نعم. قلتُ: ومِن غير اتفاق؛ ألَهُ أن يحاول رؤية ما يدعوه إِلى نكاحها؟ فأجاب ﵀: نعم. قال شيخنا ﵀ بعد أن ذكَر عدداً من الأحاديث في النظر إِلى الخطوبة: "هذا؛ ومع صحة الأحاديث في هذه المسألة، وقول جماهير العلماء بها ... فقد أعرض كثير من المسلمين في العصور المتأخرة عن العمل بها؛ فإِنهم لا يسمحون للخاطب بالنظر إِلى فتاتهم -ولو في حدود القول الضيق! - تورُّعاً منهم -زعموا-! ومن عجائب الورع البارد أن بعضهم يأذن لابنته بالخروج إِلى الشارع سافرة بغير حجاب شرعي! ثمّ يأبى أنْ يراها الخاطب في دارها وبين أهلها بثياب الشارع! وفي مقابل هؤلاء بعض الآباء المستهترين الذين لا يغارون على بناتهم -تقليداً منهم لأسيادهم الأوروبين-، فيسمحون للمصوِّر أن يصوّرهنّ وهنّ سافرات سفوراً غيرَ مشروع، والمصور رجل أجنبيّ عنهم، وقد يكون كافراً، ثمّ يُقدِّمْنَ صورَهن إِلى بعض الشُّبَّان؛ بزعم أنهم يريدون خِطبتهن، ثمّ ينتهي الأمر على غير خطبة، وتظل صور بناتهم معهم ليتغزلوا بها، وليطفئوا حرارة الشباب بالنظر إِليها! ألا فتعساً للآباء الذين لا يغارون، وإنا لله وإنا إِليه راجعون". نظر المرأة إِلى الرجل: وما مضى من القول في أهمية النظر في الوفاق والتآلف؛ فإِنه ينسحب على

стр. 1688

المرأة كذلك، فلها الحقّ أن تنظر إِلى من جاء يخطبها. محادثة الرجل المرأة: تشرع المحادثة بينهما دون خلوة فيما لا بُدّ منه. أمّا المبالغة في ذلك فلا. تحريم الخلوة بالمخطوبة: ولا يجوز الخلوة بالمخطوبة قبل العقد، وغاية ما في الأمر جواز النظر؛ ليقرِّرا هذا الزواج أو يرفضاه. عن ابن عباس ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: "لا يخلونّ رجل بامرأة إِلا مع ذي محرم" (١). وعن عقبة بن عامر أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا يخلون رجل بامرأة إِلا كان ثالثهما الشيطان" (٢). العدولُ عن الخِطْبة وأثره (٣): الخِطبة مقدمة تسبق عقد الزواج، وكثيراً ما يعقبها تقديم المهر كلّه أو بعضه، وتقديم هدايا وهِبات؛ تقويةً للصلات، وتأكيداً للعلاقة الجديدة. وقد يحدُث أن يعدل الخاطب أو المخطوبة -أو هما معاً- عن إِتمام العقد، فهل يجوز ذلك، وهل يُرَدُّ ما أُعطِي للمخطوبة؟

стр. 1689

إِن الخطبة مجرد وَعْدٍ بالزواج، وليست عقداً ملزماً، والعدول عن إِنجازه حقّ من الحقوق التي يملكها كل من المتواعِدَين، ولم يجعل الشارع لإِخلاف الوعد عقوبة مادية، يجازي بمقتضاها المُخْلِف، وإنْ عَدَّ ذلك خُلقاً ذميماً، ووصَفه بأنه من صفات المنافقين، إِلا إِذا كانت هناك ضرورة ملزمة، تقتضي عدم الوفاء. عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "آية المنافق ثلاث: إِذا حدّث كذب، وإِذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِن خان" (١). وأمّا الهدايا إذا تمّت الموافقة على الزوج، وحصَل الزواج بشروطه؛ فحُكمها حُكم الهبة، والصحيح أنّ الهبة لا يجوز الرجوع فيها إِذا كانت تبرعاً محضاً، لا لأجل العِوَض؛ *لأنّ الموهوب له -حين قَبَضَ العينَ الموهوبة- دخلت في ملكه، وجاز له التصرف فيها؛ فرجوع الواهب فيها انتزاع لملكه منه بغير رضاه، وهذا باطل شرعاً وعقلاً * (٢) [والله -تعالى- أعلم]. عن ابن عمر ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: "لا يحل لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها، إِلا الوالد فيما يعطي ولده" (٣).

стр. 1690

وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النّبيّ ﷺ : "العائد في هبته؛ كالكَلب يقيء ثمّ يعودُ في قيئه" (١). أركان عقد النكاح: وعقْد النكاح له رُكنان: الإِيجاب والقَبول -وهو رضا الطرفين وتوافُقُهما-. ويُشترط لصحّته: ١ - موافقة الولي (٢) -الذي يلي أمر الزوجة- أو إِذْنه. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أيُّما (٣) امرأةٍ نُكِحَت بغير إِذن مواليها، فنكاحها باطلٌ -ثلاث مرات-، فإِن دخَل بها؛ فالمهر لها بما أصاب منها، فإِن تشاجروا (٤)، فالسلطان وليُّ من لا وليّ له (٥) " (٦). والأولياء: هم قرابة المرأة الأدنى فالأدنى؛ الذين يلحقهم الغضاضة إِذا

стр. 1691

تزوّجت بغير كُفْءٍ وكان المزوِّجُ لها غيرَهم (١). ٢ - حضور شاهِدَيْ عدل. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح إِلا بولي وشاهِدَيْ عدل" (٢). "قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النّبيّ ﵌ ومن بعدهم من التابعين وغيرهم قالوا: "لا نكاح إِلا بشهود" لم يختلفوا في ذلك عندنا من مضى منهم إِلا قوماً من المتأخرين من أهل العلم، وإِنما اختلف أهل العلم في هذا إِذا شَهِدَ واحدٌ بعد واحد، فقال أكثر أهل العلم من الكوفة وغيرهم: لا يجوز النكاح حتى يشهد الشاهدان معاً عند عُقْدَةِ النكاح، وقد رأى بعض أهل المدينة إِذا شَهِدَ واحد بعد واحد أنه جائز إِذا أعلنوا ذلك، وهو قول مالك بن أنس وغيره. وقال بعض أهل العلم: يجوز شهادة رجل وامرأتين في النكاح. وهو قول أحمد وإِسحاق ... " (٣). ما يُشترط في الشهود: ١ - الإِسلام: ويُشترط الإِسلام ولا بُدّ في الشاهِدَين، ولفظ: "شاهِدَي

стр. 1692

عدل" يدّل على ذلك. ٢ - العدالة: للحديث المتقدّم المشار إِليه: "لا نكاح إِلا بوليّ وشاهدي عدل". ٣ - العقل والبلوغ: لقوله ﷺ : "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر" (١). *وبهذا فشهادة الصبي أو المجنون أو الأصم أو السكران لا تصح؛ فإِنّ وجود هؤلاء كعدمه* (٢). شهادة النساء: اختلف الفقهاء في جواز شهادة المرأتين بدل الرجل (٣)، فمنهم من لم يُجِزها أخْذاً بالحديث المتقدّم: "لا نكاح إِلا بوليّ وشاهِدَي عدل"، ومنهم من أجازها لقول الله -تعالى-: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهيدَينِ مِنْ رِجَالكُم فَإِنْ لَمْ يَكونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشَّهَدَاء﴾ (٤).

стр. 1693

وبشهادة رجل وامرأتين يقول ابن حزم ﵀؛ بل ويقول بشهادة أربع نسوة كما في "المحلّى" تحت (المسألة ١٨٣٢)؛ فانظر تفصيله -إِن شئت-. وسألت شيخنا ﵀: هل ترون انعقاد الزواج بشهادة: رجل وامرأتين؟ فقال: نعم. ألفاظ الإِيجاب والقَبول: يقع عقْد الزواج بالألفاظ التي يفهمها المتعاقدان بما يدلّ على إِرادة النكاح مع فَهْم الشاهِدَين لذلك، كأن يقول في الموافقة: وافقت، قبلت، رضيت، أو يقول في الإِيجاب: أَنكحتك، أو زوّجتك ... قال شيخ الإِسلام ﵀: "وينعقد النكاح بما عدّه الناس نكاحاً بأي لغة ولفظ وفِعْل كان، ومثله كل عقْد" (١). وسألتُ شيخنا ﵀ هل ترون صحة النكاح إِذا وقَع الإِيجاب والقبول وفهمه الشهود، هل ترونه يكفي مهما كانت اللغة التي أُدّي بها؟ فأجاب ﵀: نعم. *وينعقد بألفاظ الهِبة أو البيع أو التمليك؛ إِذا كان المخاطب يعقله؛ لأنّه عقْد لا يُشترط في صحته لفْظ مخصوص، بل أي لفظٍ إِذا اتفق فهم المعنى الشرعي منه؛ أي: إِذا كان بينه وبين المعنى الشرعي مشاركة* (٢).

стр. 1694

عن سهل بن سعد ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ زوّج رجلاً امرأة فقال: "اذهب، فقد أنكحتُكها بما معك من القرآن" (١). وجاء في تبويب سنن النسائي: (باب الكلام الذي ينعقد به النكاح)، بمعنى انعقاد النكاح بكلمة: "أنكحتُكَها". الخُطبة قبل الزواج عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "كل خُطبة ليس فيها تشهّد؛ فهي كاليد الجذماء (٢) " (٣). قال عبد الله بن مسعود ﵁: علَّمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة (٤): "إِنّ الحمْدَ لله، [نحمَدُهُ و] نستعينُه ونستغفِرُه، ونعوذ بالله من شرورِ أَنْفسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه اللهُ فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ لهُ. وأَشهَدُ أنْ لا إِله إلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدهُ ورَسولهُ. ﴿يا أَيّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِنْ نَّفْسٍ وَاحدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنهُمَا رِجَالاً كثِيراً ونِساءً واتَّقُوا الله الَّذِي تساءَلُونَ بِهِ

стр. 1695

والأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُم رَقِيباً﴾ (١). ﴿يا أيّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حقَّ تُقَاتِهِ ولاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُسْلِموُن﴾ (٢). ﴿يا أيّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سدِيداً يُصْلحْ لَكُم أَعْمَالكُمْ ويَغْفِرْ لَكُم ذُنُوبكُمْ وَمَنْ يُطِع الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٣) " (٤). نيّة الطلاق عند العقد: إِذا عقَد الرجل على المرأة وفي نيّته الطلاق منها حين العقد، فإِنّ الزواج يكون صحيحاً، ولكنّه غاشٌّ مخادِع. وسألت شيخنا ﵀: مَن تزوّج ونوى الطلاق؛ دون إِظهار ذلك؛ هل ترون صحّة نكاحه، ولكنّه غاشٌّ مخادِع؟ فقال: نعم، يصح الزواج. وأراد شيخنا ﵀ الاطمئنان فسأل: هل هو نكاح متعة؟ فقلت: لا. فقال: نيّة الطلاق غير مستقرّة. ثمّ ضرَب مثالاً لشخصٍ كنت قد سألته عن حاله، وكان قد طلّق قبل الدخول، ولم يكن ذلك في نيّته عند

стр. 1696

العقد، ثمّ حاول إِرجاعها. مسألة: جاء في "الفتاوى" (٣٢/ ١٠٦): "وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل "ركَّاض" يسير في البلاد في كل مدينة شهراً أو شهرين ويعزل عنها، ويخاف أن يقع في المعصية: فهل له أن يتزوج في مدة إِقامته في تلك البلدة؛ وإِذا سافر طلقها وأعطاها حقها؛ أو لا؟ وهل يصح النكاح أم لا؟ فأجاب: له أن يتزوّج، لكن ينكح نكاحاً مُطلقاً؛ لا يشترط فيه توقيتاً؛ بحيث يكون إِنْ شاء مسكها، وإِن شاء طلّقها، وإن نوى طلاقها حتماً عند انقضاء سفره كُرِه في مثل ذلك، وفي صحة النكاح نزاع. ولو نوى أنه إِذا سافر وأعجبته أمسكها وإِلا طلّقها؛ جاز ذلك. فأمّا أن يشترط التوقيت فهذا "نكاح المتعة" الذي اتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على تحريمه، وإنْ كان طائفة يرخِّصون فيه، إِما مطلقاً، وإمّا للمضطر، كما قد كان ذلك في صدر الإِسلام، فالصواب أنّ ذلك منسوخ، كما ثبت في "الصحيح" أن النّبيّ ﷺ بعد أن رخص لهم في المتعة عام الفتح قال: "إِنّ الله قد حرَّم المتعة إِلى يوم القيامة" (١) والقرآن قد حرّم أن يطأ الرجل إِلا زوجة أو مملوكة بقوله: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إِلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإِنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ (٢). وهذه المستمتَعُ بها ليست من الأزواج، ولا ما ملكت اليمين؛ فإِنّ الله قد جعل للأزواج أحكاماً: من الميراث، والاعتداد بعد الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وعدَّة

стр. 1697

الطلاق ثلاثة قروء، ونحو ذلك من الأحكام التي لا تثبت في حق المستمتَع بها، فلو كانت زوجة لثبت في حقها هذه الأحكام؛ ولهذا قال مَن قال من السلف: إِنّ هذه الأحكام نَسخَت المتعة. وبسْط هذا طويل، وليس هذا موضعه". زواج الأخرس (١): يصح زواج الأخرس بإِشارته إِن فُهمت، كما يصح بيعه؛ لأنّ الإِشارة معنى مُفهم. وإِن لم تفهم إِشارته، لا يصح منه؛ لأنّ العقد بين شخصين، ولا بد من فهْمِ كل واحد منهما ما يصدر من صاحبه. قال لي شيخنا ﵀: "اللفظ المحدّد في الزواج لا يُشترط، ولكن يجب أن نفهم ذلك اللفظ، ويقع دون لفظٍ إِذا فُهم". جاء في "السيل الجرّار" (٢/ ٢٦٦): "وأمّا صحة العقد بالرسالة والكتابة ومن المُصْمِت (٢) والأخرس بالإِشارة؛ فلا نزاع في مِثله، ولم يَرِدْ ما يدل على أنه لا بدّ أن يكون لفظاً". تزويج الصغير: عن سليمان بن يسار: "أنّ ابن عمر ﵄ زوّج ابناً له ابنة أخيه، وابنه صغيرٌ يومئذ" (٣). توثيق الزواج بالكتابة: يمضي الزواج بلا كتابة بشروطه؛ كما هو معلومٌ من حال النّبيّ ﷺ

стр. 1698

وأصحابه ﵃! غير أنّ رقّة الدّين التي أصابت كثيراً من الناس؛ تدعو إِلى هذه الكتابة؛ كما هو شأن المحاكم الآن. وليس يخفى ما يتبع هذا من تحقيق المصالح؛ التي لا تتمّ في عصرنا الحاضر إِلا بالتدوين؛ كالحصول على وثائق السفر وشهادات الميلاد وغير ذلك. ومن فوائد الكتابة؛ حِفظ حقوق المرأة إِذا ساء دين زوجها، فقد يأكل حقوقها ويطلّقها، فالكتابة تضمن الحقوق. الأنكحة المحرّمة ١ - نكاح المتعة: هو النكاح إِلى أجل مُعيَّن، وهو من التمتُّع بالشيء: الانتفاع به (١). وقد كان رخّص فيها ﷺ أيّاماً، ثمّ نهى عنها. عن سَبْرة الجُهني: أنه غزا مع رسول الله ﷺ فتح مكة قال: فأقمنا بها خمس عشرة -ثلاثين بين ليلة ويوم-، فأَذِن لنا رسول الله ﷺ في متعة النساء ... فلم أخرج حتى حرّمها رسول الله ﷺ (٢). وفي رواية: "يا أيها الناس! إِنّي قد كنت أذِنْت لكم في الاستمتاع من النساء، وإِنّ الله قد حرَّم ذلك إِلى يوم القيامة" (٣). وعن علي بن أبي طالب ﵁: "أنّ رسول الله ﷺ نهى عن مُتعة

стр. 1699

النساء يوم خيبر، وعن أكْل لحوم الحُمُرِ الإِنسية" (١). وعن ابن عمر ﵄ قال: "لما وَلي عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس فقال: إِنّ رسول الله ﷺ أَذِن لنا في المتعة ثلاثاً ثمّ حرّمها. والله لا أعلم أحداً يتمتع وهو مُحصَن إلاَّ رجمته بالحجارة، إِلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أن رسول الله ﷺ أحلّها بعد إِذ حرَّمها" (٢). وعن عروة بن الزبير: "أنّ عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال: إِنّ ناساً أعمى الله قُلُوبهم، كما أعمى أبصارهم، يُفتون بالمتعة -يُعرِّض برَجُل-، فناداهُ فقال: إِنَك لَجِلْفٌ جاف (٣)! فَلَعَمْري! لقد كانت المتعة تُفعلُ على عهد إِمام المتقين (يريد رسول الله ﷺ )، فقال له ابن الزبير: فجرِّب بنفسك؛ فوالله! لئن فعلتَها لأرجمنَك بأحجارك. قال ابن أبي شهاب: فأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف الله؛ أنه بيْنا هو جالس عند رجل؛ جاءه رجلٌ فاستفتاه في المُتعة، فأمره بها، فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: مهلاً! قال: ما هي؟ والله لقد فُعلت في عهد إِمام المتقين! قال ابن أبي عمرة: إِنها كانت رُخصةً في أول الإِسلام لمن اضطُرَّ إِليها، كالميتة والدّم ولحم الخنزير، ثمّ أحكَم الله الدّين ونهى عنها" (٤).

стр. 1700

وجاء في "السيل الجرّار" (٢/ ٢٦٨): "ثمّ قد أجمع المسلمون على التحريم، ولم يبق على الجواز إِلا الرافضة، وليسوا ممن يُحتاج إِلى دفع أقوالهم، ولا هم ممّن يقدح في الإِجماع، فإِنهم في غالب ما هم عليه مخالفون للكتاب والسنة ولجميع المسلمين. قال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصة فيها -يعني المتعة-، ولا أعلم اليوم أحداً يجيزها إِلا بعض الرافضة. وقال القاضي عياض: أجمع العلماء على تحريمها إِلا الروافض ... ". ٢ - نكاح التحليل: وهو أن يتزوج المطلّقة ثلاثاً بعد انقضاء عدَّتها، أو يدخل بها، ثمّ يطلقها؛ ليُحلّها للزوج الأول، وهذا النوع من الزواج كبيرة من كبائر الإِثم والفواحش، حرّمه الله، ولعَن فاعله (١). عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَن الله المحلِّلَ والمحلَّلَ له" (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: "لعَن رسولا الله ﷺ المحلِّل والمحلَّل له" (٣). وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أُخبِركم

стр. 1701

بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: هو المحلّل والمحلّل له" (١). وعن عمر بن نافع عن أبيه أنه قال: "جاء رجل إِلى ابن عمر ﵄، فسأله عن رجل طلّق امرأته ثلاثاً، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليُحلّها لأخيه، هل تحلّ للأول؟ قال: لا، إِلا نكاح رغبة، كنا نعدّ هذا سِفاحاً (٢) على عهد رسول الله ﷺ " (٣). جاء في "الروضة الندية" (٢/ ٣٨): "وصحّ عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحلّل ومحلّل له إِلا رجمتهما. رواه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، في "مصنّفيهما"، وابن المنذر في "الأوسط". وروى ابن أبي شيبة، عن ابن عمر: أنه سئل عن ذلك؟ فقال: كلاهما زانٍ. والكلام في ذلك عن الصحابة والتابعين طويل، قد أطال شيخ الإِسلام تقي الدين ابن تيمية الكلام عليه، وأفرده مصنفاً سماه: (بيان الدليل على إِبطال التحليل) ". انتهى. وجاء فيه أيضاً (ص ٣٨ - ٣٩): "أقول [أي: صاحب الروضة]: حديث

стр. 1702

لعْن المحلّل: مرويٌّ من طريق جماعة من الصحابة بأسانيد بعضها صحيح، وبعضها حسن، واللعن لا يكون إِلا على أمر غير جائز في الشريعة المطهرة، بل على ذنب هو من أشد الذنوب. فالتحليل غير جائز في الشرع، ولو كان جائزاً لم يلعن فاعله والراضي به. وإذا كان لعْن الفاعل لا يدل على تحريم فِعْله؛ لم تبق صيغة تدل على التحريم قطّ، وإذا كان هذا الفعل حراماً غير جائز في الشريعة؛ فليس هو النكاح الذي ذكَره الله في قوله: ﴿حتى تَنْكِحَ زوجاً غيره﴾ (١)، كما أنه لو قال: لعَن الله بائع الخمر، لم يلزم من لفظ: (بائع) أنه قد جاز بيعه، وصار من البيع الذي أَذِن فيه بقوله: ﴿وأحلَّ اللهُ البيعَ﴾ (٢). والأمر ظاهر. قال ابن القيم: ونكاح المحلّل لم يُبَح في مِلّة من المِلَل قطّ، ولم يفعله أحد من الصحابة، ولا أفتى به واحد منهم. ثمّ سَلْ من له أدنى اطلاع على أحوال الناس: كم من حُرَّة مصونة، أنشب فيها المحلل مخالب إِرادته؛ فصارت له بعد الطلاق من الأخدان. وكان بعلها منفرداً بوطئها، فإِذا هو والمحلل ببركة التحليل شريكان! فلعمر الله كم أخرج التحليل مخَدَّرةً من سترها إِلى البغاء، ولولا التحليل لكان منال الثريا دون منالها، والتدرع بالأكفان دون التدرع بجمالها، وعناق القنا دون عناقها، والأخذ بذراع الأسد دون الأخذ بساقها. وأمّا هذه الأزمان التي شَكَتِ الفروجُ فيها إِلى ربها من مفسدة التحليل، وقُبح ما يرتكبه المحلِّلون، مما هو رمد -بل عمَى- في عين الدين، وَشَجاً في حلوق المؤمنين، من

стр. 1703

قبائحَ تُشْمِت أعداء الدين به، وتمنع كثيراً ممن يريد الدخول فيه بسببه؛ بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب، ولا يحصرها كتاب، يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدّونها من أعظم الفضائح، قد قلبت من الدين رسمه، وغيرت منه اسمه، وضَمَّخَ التيس المستعار فيها المطلقة بنجاسة التحليل، وزعم أنه قد طيَّبها للتحليل، فيالله العجب أيَّ طيبٍ أعارها هذا التيس الملعون؟ وأيُّ مصلحة حصلت لها ولمطلِّقها بهذا الفعل الدون؟ .. إِلى غير ذلك". قال صاحب "الروضة": "وقد أطال -رحمه الله تعالى- في تخريج أحاديث التحليل في "إعلام الموقعين" إِطالة حسنة، فليراجع". الزواج الذي تحلُّ به المطلقة للزوج الأول (١): إِذا طلَّق الرجل زوجته ثلاث تطليقات، فلا تحلّ له مراجعتها، حتى تتزوج بعد انقضاء عدتها زوجاً آخر زواجاً صحيحاً، لا بقصد التحليل. فإِذا تزوجها الثاني زواج رغبة، ودخل بها دخولاً حقيقياً، حتى ذاق كل منهما عُسَيْلَةَ الآخر، ثمّ فارقها بطلاق أو موت، حلّ للأول أن يتزوجها بعد انقضاء عدتها. عن عائشة ﵂: أن امرأة رِفاعة القُرَظيِّ جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إِن رِفاعة طلقني فَبَتَّ طلاقي، وإني نكحتُ بعدهُ عبد الرحمن بن الزبير القُرظي، وإنما معهُ مثل الهدبة (٢)؟! قال رسول الله ﷺ : "لعلك تريدين أن ترجعي إِلى رِفاعة؟ لا حتى يذوق عُسَيلتك وتذوقي

стр. 1704

عُسَيلته" (١). وذوق العُسَيلة كناية عن الجماع، ويكفي في ذلك التقاء الختانين، الذي يوجب الحد والغسل. ونزل في ذلك قول الله -تعالى-: ﴿فإنْ طلقها فلا تحلّ له من بعْدُ حتى تنكح زوجاً غيره فإِن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إِن ظنَّا أن يقيما حدودَ الله﴾ (٢). وعلى هذا، فإِن المرأة لا تحل للأول، إِلا بهذه الشروط: أولاً: أن يكون زواجها بالزوج الثاني صحيحاً. ثانياً: أن يكون زواج رغبة؛ لا بقصد تحليلها للأول. ثالثاً: أن يدخُل بها دخولاً حقيقياً بعد العقد، ويذوق عُسَيلتها، وتذوق عُسَيلته. ٣ - نكاح الشِّغار: وهو نِكاح معروف في الجاهلية، كان يقول الرجل للرّجل: شاغرني؛ أي: زوّجني أختك أو بنتك أو من تَلِي أمرها، حتى أزوّجك أختي أو بنتي أو من أَلِي أمرها، ولا يكون بينهما مهر، ويكون بُضْعُ كل واحدةٍ منهما في مقابلة بُضع (٣) الأخرى (٤). عن ابن عمر ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "لا شغار في

стр. 1705

الإِسلام" (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الشغار. والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأُزوجك ابنتي، أو زوجني أختك وأُزوجك أختي" (٢). وعن ابن عمر ﵄: "أنّ رسول الله ﷺ نهى عن الشغار. والشّغار أن يُزوِّج الرجل ابنته على أن يزوّجه الآخر ابنته، وليس بينهما صَداق" (٣). وهناك بعض الآثار الدالّة على بُطلان هذا النكاح وإن كان هناك صَداق. فعن الأعرج: "أنّ العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صَداقاً، فكتب معاوية إِلى مروان يأمره أن يُفرِّق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ " (٤) وجاء في "السيل الجرّار" (٢/ ٢٦٧): "ولا يختص الشغار بالبنات والأخوات، بل حُكْم غيرهن من القرائب حُكْمهن، وقد حكى النووي الإِجماع على ذلك".

стр. 1706

قال ابن عبد البر: "أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز، ولكن اختلفوا في صحته: فالجمهور على البطلان. وفي رواية عن مالك يُفْسَخُ قبل الدخول لا بعده، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي. وذهب الحنفية إِلى صحته ووجوب مهر المِثْل ... " (١). وجاء في "الفتح" (٩/ ١٦٣): "قال القرطبي: ... تفسير الشغار صحيح مُوافِق لما ذكَره أهل اللغة؛ فإِن كان مرفوعاً فهو المقصود، وإن كان من قول الصحابي فمقبول أيضاً؛ لأنه أعلم بالمقال وأقعد بالحال. وقد اختلف الفقهاء هل يُعتبر في الشغار الممنوع ظاهر الحديث في تفسيره، فإِن فيه وصفين: أحدهما: تزويج كل من الوليين وليّته للآخر بشرط أن يزوجه وليّته، والثاني: خلو بضع كل منهما من الصَّداق. فمنهم من اعتبرهما معاً؛ حتى لا يمنع مثلاً إِذا زوَّج كل منهما الآخر بغير شرط؛ وإن لم يذكر الصَّداق، أو زوَّج كل منهما الآخر بالشرط وذكر الصَّداق. وذهب أكثر الشافعية إِلى أن علة النهي الاشتراك في البضع؛ لأن بُضع كل منهما يصير مورد العقد، وجعْلُ البُضع صَداقاً مخالف لإِيراد عقد النكاح، وليس المقتضي للبطلان ترك ذِكر الصَّداق؛ لأن النكاح يصح بدون تسمية الصَّداق ... ". قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (١١/ ١٣١) تحت المسألة (١٨٥٦): "ولا يحل نكاح الشغار: وهو أن يتزوج هذا وليَّة هذا على أن يزوجه الآخر وليَّته أيضاً، سواء ذكَرا في كل ذلك صَداقاً لكل واحدة منهما أو

стр. 1707

لإِحداهما دون الأخرى، أو لم يذكرا في شيء من ذلك صداقاً، كل ذلك سواء يفسخ أبداً، ولا نققة فيه؛ ولا ميراث، ولا صَداق، ولا شيء من أحكام الزوجية، ولا عدة". وجاء في "السيل الجرّار" (٢/ ٢٦٧): "والنهي حقيقة في التحريم المقتضي للفساد المرادف للبُطلان". وسألت شيخنا ﵀ قائلاً: "يرى جمهور العلماء أن عقد الشغار باطل، وأنه لا ينعقد أصلاً، وخالف في ذلك أبو حنيفة ﵀ فهو يرى أنه يقع صحيحاً؛ ويجب لكل واحدةٍ من البنتين مهر مِثلها على زوجها. فماذا تقولون؟ فقال ﵀: "الصحيح هو القول الأول، لورود النّهي عن الشغار، والنهي يقتضي البُطلان". فائدة: قال الإِمام ابن حزم ﵀ في "المحلى" (١١/ ١٣٦): "فإِن خطب أحدهما إِلى الآخر فزوجه، ثمّ خطب الآخر إِليه فزوّجه، فذلك جائز -ما لم يشترط أن يزوّج أحدهما الآخر- فهذا هو الحرام الباطل". ٤ - نكاح السِّرِّ: وجاء في "الفتاوى" (٣٢/ ١٠٢): "وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل تزوّج امرأة "مصافحةً" (١) على صَداق خمسة دنانير كل سنة نصف دينار، وقد

стр. 1708

دخل عليها وأصابها: فهل يصح النكاح أم لا؟ وهل إِذا رُزق بينهما ولد يرث أم لا؟ وهل عليهما الحدّ أم لا؟ فأجاب: الحمد لله. إِذا تزوجها بلا ولي ولا شهود، وكتما النكاح: فهذا نكاح باطل باتفاق الأئمة؛ بل الذي عليه العلماء أنه: "لا نكاح إِلا بولي" (١) و"أيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل" (٢). وكلا هذين اللفظين مأثور في "السنن" عن النبيّ ﷺ . وقال غير وأحد من السلف: لا نكاح إِلا بشاهدين، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. ومالك يوجب إِعلان النكاح. "ونكاح السرّ" هو من جنس نكاح البغايا؛ وقد قال الله -تعالى-: ﴿مُحْصَنات غير مُسَافِحَاتٍ ولا مُتَّخذَات أَخْدَان﴾ (٣). فنكاح السرّ من جنس ذوات الأخدان؛ وقال -تعالى-: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامى مِنْكُم﴾ (٤)، وقال -تعالى-: ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشركين حتى يُؤمنوا﴾ (٥)، فخاطَب الرجال بتزويج النساء؛ ولهذا قال من قال من السلف: إِن المرأة لا تُنْكِحُ نفسَها، وإنَّ

стр. 1709

البَغِيَّ هي التي تُنْكِحُ نفسَها. لكن إِن اعتقد هذا نكاحاً جائزاً؛ كان الوَطْءُ فيه وَطْءَ شبهة، يلحق الولد فيه، ويرث أباه، وأما العقوبة فإِنهما يستحقان العقوبة على مثل هذا العقد". الشروط في النكاح (١) ١ - ما يجب الوفاء به، وهو ما أمَر الله به من إِمساك بمعروف أو تسريحٍ بإِحسان، وما كان من مُقتضَيات العقد ومقاصده، ولم يتضمّن تغييراً لحُكم الله -تعالى- ورسوله ﷺ ؛ كاشتراط العشرة بالمعروف، والإِنفاق عليها، وكسوتها، وألا يقصّر في شيء من حقوقها، وأنها لا تخرج من بيته إِلا بإِذنه، ولا تصوم تطوُّعاً بغير إِذنه ... وعليه حمَل بعضهم حديث عقبة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "أحقّ ما أوفيتم من الشروط (٢)؛ أن توفوا به ما استحلَلتُم به الفروج" (٣).

стр. 1710

جاء في "سبل السلام" (٣/ ٢٤٢): "والحديث دليل على أن الشروط المذكورة في عقد النكاح يتعين الوفاء بها، سواء كان الشرط عرضاً (١) أو مالاً، حيث كان الشرط للمرأة، لأنّ استحلال البضع إِنما يكون فيما يتعلق بها أو ترضاه لغيرها". ٢ - ما لا يُوفّى به، وهو ما لا يجب الوفاء به مع صحّة العقد، وهو ما كان منافياً لمقتضى العقد؛ كاشتراط ترْك الإِنفاق، والوطء، أو اشتراط عدم إِعطائها المهر، أو اشتراط إِنفاقها عليه، أو لا يكون عندها في الأسبوع إِلا ليلة، أو أن يكون لها النهار دون الليل. فهذه الشروط كلّها باطلة في نفسها؛ لأنّها تُنافي العقد، ولأنّها تتضمّن إِسقاط حقوقٍ تجب بالعقد قبل انعقاده". قلت: لكن هذا إِنْ كان بلا سبب. أمّا إِنْ كان هناك ما يدعو إِليه، فلا بأس. وسألتُ شيخنا ﵀ قائلاً: هناك من يقول: لا يجب الوفاء في اشتراط ترْك الإِنفاق. فسأل شيخنا ﵀: قبل الزواج؟ قلت: نعم. قال ﵀: وقَبِل وليّ الأمر والزوجة؟ قلت: نعم. قال ﵀: فهل الفقر الذي حمَل على عدم الإِنفاق مثلاً؟

стр. 1711

قلت: هل أفهم منكم -شيخنا- إِن كان ثمّة مسوّغ جاز؛ وإلا فلا. قال ﵀: نعم. وسألته ﵀ عن اشتراط ترْك الوطء، أو عدم تقديم المهر، فقال ﵀: نفس الجواب. وسألته عمن يشترط ألا يكون عندها في الأسبوع إِلا ليلة؟ فقال ﵀: إِنْ كان لعجز أو سبب جاز. انتهى. وسألته ﵀ في موضع آخر عمّن يرى من العلماء فسْخ نكاح من تزوّج بغير ذِكر المهر، أو من اشترط أن لا مهر عليه؟ فأجاب ﵀: هذا زنى، أمّا إِذا كان هناك مهْر لم يسمَّ ولم يُحدّد؛ فلا بأس. وممّا لا يُوفّى به كذلك؛ ما كان ممّا نهى الشرع عنه؛ كاشتراط المرأة عند الزواج طلاق ضرّتها. عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها؛ لتستفرغ صحفتها (١)، فإِنما لها ما قُدّر لها" (٢). ٣ - ما اختُلف فيه؛ كاشتراط أن لا يتزوّج عليها، أو ألا يتسرّى، أو لا ينقلها من منزلها إِلى منزله، أو لا يسافر بها ونحو ذلك.

стр. 1712

واستدلّ الأحناف والشافعية وكثير من أهل العلم بما يأتي: أ- إِن رسول الله ﷺ قال: "المسلمون على شروطهم؛ إِلا شرطاً حرّم حلالاً، أو أحل حراماً" (١). ب- قوله ﷺ : "ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل، وإنْ كان مائةَ شرط" (٢). ولا بُد من بيان بعض الأمور دفْعاً للالتباس، فأقول -وبالله التوفيق-: المراد بقوله ﷺ : "ليس كتاب الله"؛ أي: ليس فيه جوازُه أو وجوبه، فالمراد في الحديث: الشروط الجائزة؛ لا المنهيّ عنها، كما بيّن ذلك العلماء. وقال القرطبي ﵀: "قوله: "ليس في كتاب الله"؛ أي: ليس مشروعاً فيه تأصيلاً ولا تفصيلاً، فإِنّ من الأحكام ما لا يوجد تفصيله في الكتاب -كالوضوء-، ومنها ما يوجد تأصيله دون تفصيله -كالصلاة-، ومنها ما أُصّل أصْله -كدلالة الكتاب على أصلية السنّة والإِجماع والقياس-" (٣). ويجب أن نعلم أن الشرط الذي يحل الحرام أو يحرّم الحلال ليس في كتاب الله -تعالى- وليس المراد من قوله ﷺ : "ليس في كتاب الله" أنّ كتاب الله -تعالى- قد نطَق به لفظاً ونصّاً؛ فإِن كثيراً من الشروط على هذا النحو غير منطوقٍ بها، ومع ذلك فهي مشروعة؛ لأنها لا تخالف الكتاب ولا السُّنهّ.

стр. 1713

وجاء في "المغني" (٧/ ٤٤٨): "وإذا تزوَّجها وشرّط لها أن لا يخرجها من دارها وبلدها؛ فلها شرطها؛ لما روي عن النّبيّ ﷺ أنه قال: "أحق ما أوفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج". وإن تزوجها وشرط لها أن لا يتزوج عليها؛ فلها فراقه إِذا تزوج عليها، وجملة ذلك أن الشروط في النكاح تنقسم أقساماً ثلاثة ... ". ثمّ فصّل القول في ذلك. وجاء في "الفتاوى" (٣٢/ ١٦٤): "وسئل ﵀ عن رجل تزوَّج بامرأةٍ؛ فشُرِط عليه عند النَّكاح أنه لا يتزوج عليها، ولا ينقُلُها من منزلها. وكانت لها ابنةٌ، فشرط عليه أن تكون عند أمّها، وعنده ما تزال، فدخل على ذلك كله، فهل يلزمه الوفاء؟ وإذا أخلف هذا الشرط، فهل للزوجة الفسخ، أم لا؟ فأجاب: الحمد لله. نعم تصحّ هذه الشروط وما في معناها في مذهب الإِمام أحمد، وغيره من الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ كعمر بن الخطاب وعمرو بن العاص ﵄، وشريح القاضي، والأوزاعي، وإسحاق، ولهذا يوجد في هذا الوقت صَداقات أَهل المغرب القديمة -لمَّا كانوا على مذهب الأوزاعي- فيها هذه الشروط. ومذهب مالك: إِذا شرط أنه إِذا تزوج عليها أو تسرّى أن يكون أمرها بيدها ونحو ذلك: صح هذا الشرط أيضاً، وملكت الفُرقة به. وهو في المعنى نحو مذهب أحمد في ذلك؛ لما أخرجاه في "الصحيحين" عن النّبيّ ﷺ أنه قال: "إِنّ أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" (١). وقال عمر بن الخطاب: "مقاطع الحقوق عند الشروط" (١).

стр. 1714

فجعل النّبيّ ﷺ ما يستحل به الفروج من الشروط أحق بالوفاء من غيره، وهذا نص في مِثل هذه الشروط؛ إِذ ليس هناك شرط يُوفّى به بالإِجماع غير الصَّداق والكلام. فتعيَّن أن تكون هي هذه الشروط. وأمّا شرط مُقامِ ولدِها عندها، ونفقته عليه؛ فهذا مِثل الزيادة في الصَّداق، والصّداق يحتمل من الجهالة فيه -في المنصوص عن أحمد وهو مذهب أبي حنيفة ومالك- ما لا يحتمل في الثمن والأجرة. وكل جهالة تنقص على جهالة مهر المثل تكون أحق بالجواز؛ لا سيما مثل هذا يجوز في الإِجارة ونحوها في مذهب أحمد وغيره: إِن استأجر الأجير بطعامه وكسوته، ويُرْجَعُ في ذلك إِلى العرف، فكذلك اشتراط النفقة على ولدها يُرْجَعُ فيه إِلى العرف بطريق الأولى. ومتى لم يُوفِ لها بهذه الشروط فتزوج، وتسرّى، فلها فسْخ النكاح، لكن في توقُّف ذلك على الحاكم نزاع؛ لكونه خياراً مجتهداً فيه، كخيار العنّة والعيوب؛ إِذ فيه خلاف ... " (١). وجاء (ص ١٦٧) منه: "وسئل شيخ الإِسلام ﵀ عن رجل تزوج بنتاً عمرها عشر سنين، واشترط عليه أهلها أنه يسكن عندهم، ولا ينقلها عنهم، ولا يدخل عليها إِلا بعد سنة، فأخذها إِليه، واختلف ذلك، ودخل عليها، وذكر الدايات: أنه نقلها، ثمّ سكن بها في مكان يضربها فيه الضَّرْبَ المُبرِّح، ثمّ بعد ذلك سافر بها، ثمّ حضر بها، ومنع أن يدخل أهلها عليها مع مداومته على ضرْبها: فهل يحل أن تدوم معه على هذا الحال؟

стр. 1715

فأجاب: إِذا كان الأمر على ما ذكَر؛ فلا يحل إِقرارها معه على هذه الحالة؛ بل إِذا تعذر أن يعاشرها بالمعروف فُرّق بينهما؛ وليس له أن يطأها وطأ يضرُّ بها؛ بل إِذا لم يمتنع من العدوان عليها فُرّق بينهما، والله أعلم". وجاء (ص ١٦٨) منه: "وسئل ﵀ عن رجل شرط على امرأته بالشهود أن لا يُسكنها في منزل أبيه، فكانت مدة السكنى منفردة، وهو عاجز عن ذلك: فهل يجب عليه ذلك؟ وهل لها أن تفسخ النكاح إِذا أراد إِبطال الشرط؟ وهل يجب عليه أن يمكّن أمها أو أختها من الدخول عليها والمبيت عندها، أو لا؟ فأجاب: لا يجب عليه ما هو عاجز عنه؛ لا سيما إِذا شرطت الرضا بذلك؛ بل [إِذا] كان قادراً على مسكن آخر؛ لم يكن لها عند كثير من أهل العلم -كمالك وأحد القولين في مذهب أحمد وغيرهما- غير ما شرط لها، فكيف إِذا كان عاجزاً؟ وليس لها أن تفسخ النكاح عند هؤلاء وإنْ كان قادراً. فأمّا إِذا كان ذلك للسكن، ويصلح لسكنى الفقير، وهو عاجز عن غيره؛ فليس لها أن تفسخ بلا نزاع بين الفقهاء، وليس عليه أن يمكِّن من الدخول إِلى منزله: لا أمّها ولا أختها، إِذا كان معاشراً لها بالمعروف، والله أعلم". وجاء في تعليق شيخنا على "الروضة الندية" (٢/ ١٧٥) بعد نقْل كلام شيخ الإِسلام -رحمهما الله-: "وإنما المشترط له أن يوجب بالشرط ما لم يكن واجباً بدونه، فمقصود الشروط وجوب ما لم يكن واجباً ولا حراماً، وعدم الإِيجاب ليس نفياً للإِيجاب، حتى يكون المشترط مناقضاً للشرع، وكل شرط صحيح فلا بد أن يفيد وجوب ما لم يكن واجباً، ويباح أيضاً لكل منهما ما

стр. 1716

لم يكن مباحاً، ويحرم على كل منهما ما لم يكن حراماً، وكذلك كل من المتآجرين والمتناكحين، وكذلك إِذا اشترط صفة في المبيع أو رهناً، أو اشترطت المرأة زيادة على مهر مِثلها؛ فإِنه يجب ويحرُم ويباح بهذا الشرط؛ ما لم يكن كذلك؛ كذا في "الفتاوى" (٣/ ٣٣٣) ". وقال الإِمام ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (١١/ ١٣٩) بعد حديث: "إِنّ أحق الشروط أن توفّوا ... ": "فقد صحّ أنّ رسول الله ﷺ لم يُرِدْ قط في هذا الخبر شرطاً فيه تحريم حلال، أو تحليل حرام، أو إِسقاط فرض، أو إِيجاب غير فرض، لأنّ كل ذلك خلاف لأوامر الله -تعالى- ولأوامره ﵊. واشتراط المرأة أن لا يتزوج، أو أن لا يتسرى، أو أن لا يغيب عنها، أو أن لا يرحِّلها عن دارها؛ كل ذلك تحريم حلال، وهو وتحليل الخنزير والميتة سواء في أنّ كلّ ذلك خلاف لحكم الله ". وخلاصة القول التي بدت لي: إِنّ الأعمال إِمّا أن تكون واجبة، وإِمّا أن تكون حراماً، وإمّا أن تكون جائزة. فاشتراط المرأة ترْك الواجب باطل، واشتراطها فِعْل الحرام باطل كذلك، فيبقى البحث في الأمور الجائزة؛ فيجوز ذلك. والله -تعالى- أعلم. مسألة: جاء في "الفتاوى" (٣٢/ ٤٢): "وسئل ﵀ عن بنت زالت بكارتها بمكروه، ولم يُعْقَدْ عليها عَقْدٌ قطّ، وطلبها من يتزوّجها؛ فذكر له ذلك فرضي: فهل يصح العقد بما ذكر إِذا شهد المعروفون أنها بنت؛ لتسهيل الأمر في ذلك؟ فأجاب: إِذا شهدوا أنها ما زُوجت؛ كانوا صادقين، ولم يكن في ذلك

стр. 1717

تلبيس على الزّوج؛ لعلِمه بالحال. وينبغي استنطاقها بالأدب؛ فإِنّ العلماء متنازعون: هل إِذنها -إِذا زالت بكارتها بالزنى- الصمت، أو بالنطق؟ والأول مذهب الشافعي وأحمد كصاحبي أبي حنيفة. وعند أبي حنيفة ومالك: إِذنها الصمات، كالتي لم تزَلْ عذرتها". هل يحقّ فسْخُ العقد إِذا ثبَتَ العيب ؟ * اختلف الفقهاء في ذلك، فقال داود، وابن حزم، ومن وافَقَهما: لا يُفْسَخ النكاح بعيب ألبتة. وقال أبو حنيقة: لا يفسخ إِلا بالجَبِّ والعُنّة (١) خاصة. وقال الشافعي ومالك: يُفْسَخ بالجنون والبرص، والجُذام والقَرَن (٢)، والجَبِّ والعُنّة خاصة. وزاد الإِمام أحمد عليهما: أن تكون المرأة فتقاء منخرقة ما بين السبيلين. ولأصحابه في نَتَن الفرج والفم، وانخراق مخرجي البول والمني في الفرج، والقروح السيالة فيه، والبواسير، والنّاصور، والاستحاضة، واستطلاق البول، والنجو (٣)، والخصي -وهو قطع البيضتين- والسَّل -وهو سَلُّ البيضتين-، والوَجء -وهو رضُّهما-، وكون أحدهما خُنثى مشكلاً، والعيب الذي بصاحبه

стр. 1718

مثله من العيوب السبعة، والعيب الحادث بعد العقد: وجهان. وذهب بعض أصحاب الشافعي إِلى ردّ المرأة بكُلِّ عيبٍ تُردُّ به الجارية في البيع، وأكثرهم لا يَعرف هذا الوجه ولا مظنّته، ولا مَن قاله. وممن حكاه: أبو عاصم العباداني في كتاب "طبقات أصحاب الشافعي"، وهذا القول هو القياس، أو قول ابن حزم ومن وافقه. وأما الاقتصار على عيبين أو ستة أو سبعة أو ثمانية، دون ما هو أولى منها أو مساوٍ لها، فلا وجه له ... * (١). أقول: يحقّ فسْخ العقد إِذا ثبَت -عيب عند الرجل أو المرأة- في الفرج؛ يمنع الوطء والاستمتاع، أو كان به مرض مُنفّر، كالجنون أو البرص أو الجذام ... وهناك آثار عن عمر وعثمان وابن مسعود والمغيرة بن شعبة ﵃ أن العِنّين (٢) يؤجّل سَنة (٣). وجاء في "الإِرواء" (٦/ ٣٢٤): " ... وأمّا أثر ابن مسعود، فيرويه سفيان عن الركين عن أبيه وحصين بن قبيصة عن عبد الله أنه قال: "يؤجل العنّين سنة، فإِنْ جامع، وإِلا فرّق بينهما" (٤).

стр. 1719

وجاء في "سُبُل السلام" (٣/ ٢٦٣): "قال ابن المنذر: اختلفوا في المرأة تطالب الرجل بالجماع، فقال الأكثرون: إِنْ وطِئها بعد أنْ دخَل بها مرة واحدة؛ لم يؤجل أجل العِنِّين، وهو قول الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق. وقال أبو ثور: إِنْ ترَك جماعها لعِلّة؛ أُجِّلَ لها سنة، وإنْ كان لغير عِلّة فلا تأجيل. وقال عياض: اتفق كافة العلماء على أنّ للمرأة حقّاً في الجماع، فيثبت الخيار لها إِذا تزوجت المجبوب والممسوح جاهلة بهما، ويضرب للعِنِّين أجل سنة؛ لاختبار زوال ما به". انتهى. قال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (٢٨/ ٣٨٣): "ومن الحقوق الأبضاع، فالواجب الحُكم بين الزوجين بما أمَر الله -تعالى- به، من إِمساكٍ بمعروف أو تسريحٍ بإِحسان، فيجب على كلٍّ من الزوجين أن يؤدي إِلى الآخر حقوقه، بطيب نفس وانشراح صدر؛ فإِنّ للمرأة على الرجل حقّاً في ماله؛ وهو الصَّداق والنفقة بالمعروف، وحقّاً في بدنه؛ وهو العشرة والمتعة؛ بحيث لو آلى منها استحقت الفرقة بإِجماع المسلمين، وكذلك لو كان مجبوباً أو عنّيناً لا يمكنه جماعها فلها الفرقة؛ ووطؤها واجب عليه عند أكثر العلماء". وقال ﵀ (٢٩/ ١٧٥): "وكذلك يوجب العقدُ المُطْلَق: سلامةَ الزوج من الجَبِّ والعُنَّةِ عند عامة الفقهاء، وكذلك يوجب عند الجمهور: سلامتها من موانع الوطء كالرتق (١)، وسلامتها من الجنون، والجذام، والبرص،

стр. 1720

وكذلك سلامتهما من العيوب التي تمنع كماله، كخروج النجاسات منه أو منها، ونحو ذلك في أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره". وجاء فيه (٣٢/ ١٧٣): "وسئل ﵀ عن رجل تزوج امرأة على أنها بِكر، فبانت ثيباً؛ فهل له فسخ النكاح ويرجع على مَن غرَّه أم لا؟ فأجاب: له فسْخ النكاح، وله أن يطالب بأرش (١) الصَّداق -وهو تفاوُتُ ما بين مهر البِكر والثيب؛ فينقص بنسبته من المسمّى-، وإذا فسخ قبل الدخول سقط المهر، والله أعلم". وجاء فيه (٣٢/ ١٧١): "وسئل ﵀ عن امرأة تزوجت برجل، فلما دخل رأت بجسمه برصاً: فهل لها أن تفسخ عليه النكاح؟ فأجاب: إِذا ظهر بأحد الزوجين جنون، أو جذام، أو برص: فللآخر فسْخ النكاح؛ لكن إِذا رضي بعد ظهور العيب فلا فسْخ له. وإذا فسخت فليس لها أن تأخذ شيئاً من جهازها، وإنْ فسخت قبل الدخول سقط مهرها. وإنْ فسخت بعده لم يسقط". وجاء (ص ١٧١) منه: "وسئل ﵀ عن رجل متزوج بامرأة فظهر مجذوماً: فهل لها فسْخ النكاح؟ فأجاب: الحمد لله. إِذا ظهر أن الزوج مجذوم، فللمرأة فسْخ النكاح بغير اختيار الزوج. والله أعلم".
следующие страницы →