لم يكن مباحاً، ويحرم على كل منهما ما لم يكن حراماً، وكذلك كل من المتآجرين والمتناكحين، وكذلك إِذا اشترط صفة في المبيع أو رهناً، أو اشترطت المرأة زيادة على مهر مِثلها؛ فإِنه يجب ويحرُم ويباح بهذا الشرط؛ ما لم يكن كذلك؛ كذا في "الفتاوى" (٣/ ٣٣٣) ".
وقال الإِمام ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (١١/ ١٣٩) بعد حديث: "إِنّ أحق الشروط أن توفّوا ... ": "فقد صحّ أنّ رسول الله ﷺ لم يُرِدْ قط في هذا الخبر شرطاً فيه تحريم حلال، أو تحليل حرام، أو إِسقاط فرض، أو إِيجاب غير فرض، لأنّ كل ذلك خلاف لأوامر الله -تعالى- ولأوامره ﵊.
واشتراط المرأة أن لا يتزوج، أو أن لا يتسرى، أو أن لا يغيب عنها، أو أن لا يرحِّلها عن دارها؛ كل ذلك تحريم حلال، وهو وتحليل الخنزير والميتة سواء في أنّ كلّ ذلك خلاف لحكم الله ".
وخلاصة القول التي بدت لي:
إِنّ الأعمال إِمّا أن تكون واجبة، وإِمّا أن تكون حراماً، وإمّا أن تكون جائزة.
فاشتراط المرأة ترْك الواجب باطل، واشتراطها فِعْل الحرام باطل كذلك، فيبقى البحث في الأمور الجائزة؛ فيجوز ذلك. والله -تعالى- أعلم.
مسألة: جاء في "الفتاوى" (٣٢/ ٤٢): "وسئل ﵀ عن بنت زالت بكارتها بمكروه، ولم يُعْقَدْ عليها عَقْدٌ قطّ، وطلبها من يتزوّجها؛ فذكر له ذلك فرضي: فهل يصح العقد بما ذكر إِذا شهد المعروفون أنها بنت؛ لتسهيل الأمر في ذلك؟
فأجاب: إِذا شهدوا أنها ما زُوجت؛ كانوا صادقين، ولم يكن في ذلك
стр. 1717
تلبيس على الزّوج؛ لعلِمه بالحال.
وينبغي استنطاقها بالأدب؛ فإِنّ العلماء متنازعون: هل إِذنها -إِذا زالت بكارتها بالزنى- الصمت، أو بالنطق؟ والأول مذهب الشافعي وأحمد كصاحبي أبي حنيفة. وعند أبي حنيفة ومالك: إِذنها الصمات، كالتي لم تزَلْ عذرتها".
هل يحقّ فسْخُ العقد إِذا ثبَتَ العيب ؟
* اختلف الفقهاء في ذلك، فقال داود، وابن حزم، ومن وافَقَهما: لا يُفْسَخ النكاح بعيب ألبتة.
وقال أبو حنيقة: لا يفسخ إِلا بالجَبِّ والعُنّة (١) خاصة.
وقال الشافعي ومالك: يُفْسَخ بالجنون والبرص، والجُذام والقَرَن (٢)، والجَبِّ والعُنّة خاصة. وزاد الإِمام أحمد عليهما: أن تكون المرأة فتقاء منخرقة ما بين السبيلين. ولأصحابه في نَتَن الفرج والفم، وانخراق مخرجي البول والمني في الفرج، والقروح السيالة فيه، والبواسير، والنّاصور، والاستحاضة، واستطلاق البول، والنجو (٣)، والخصي -وهو قطع البيضتين- والسَّل -وهو سَلُّ البيضتين-، والوَجء -وهو رضُّهما-، وكون أحدهما خُنثى مشكلاً، والعيب الذي بصاحبه
стр. 1718
مثله من العيوب السبعة، والعيب الحادث بعد العقد: وجهان.
وذهب بعض أصحاب الشافعي إِلى ردّ المرأة بكُلِّ عيبٍ تُردُّ به الجارية في البيع، وأكثرهم لا يَعرف هذا الوجه ولا مظنّته، ولا مَن قاله. وممن حكاه: أبو عاصم العباداني في كتاب "طبقات أصحاب الشافعي"، وهذا القول هو القياس، أو قول ابن حزم ومن وافقه.
وأما الاقتصار على عيبين أو ستة أو سبعة أو ثمانية، دون ما هو أولى منها أو مساوٍ لها، فلا وجه له ... * (١).
أقول: يحقّ فسْخ العقد إِذا ثبَت -عيب عند الرجل أو المرأة- في الفرج؛ يمنع الوطء والاستمتاع، أو كان به مرض مُنفّر، كالجنون أو البرص أو الجذام ...
وهناك آثار عن عمر وعثمان وابن مسعود والمغيرة بن شعبة ﵃ أن العِنّين (٢) يؤجّل سَنة (٣).
وجاء في "الإِرواء" (٦/ ٣٢٤): " ... وأمّا أثر ابن مسعود، فيرويه سفيان عن الركين عن أبيه وحصين بن قبيصة عن عبد الله أنه قال: "يؤجل العنّين سنة، فإِنْ جامع، وإِلا فرّق بينهما" (٤).
стр. 1719
وجاء في "سُبُل السلام" (٣/ ٢٦٣): "قال ابن المنذر: اختلفوا في المرأة تطالب الرجل بالجماع، فقال الأكثرون: إِنْ وطِئها بعد أنْ دخَل بها مرة واحدة؛ لم يؤجل أجل العِنِّين، وهو قول الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق. وقال أبو ثور: إِنْ ترَك جماعها لعِلّة؛ أُجِّلَ لها سنة، وإنْ كان لغير عِلّة فلا تأجيل. وقال عياض: اتفق كافة العلماء على أنّ للمرأة حقّاً في الجماع، فيثبت الخيار لها إِذا تزوجت المجبوب والممسوح جاهلة بهما، ويضرب للعِنِّين أجل سنة؛ لاختبار زوال ما به". انتهى.
قال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (٢٨/ ٣٨٣): "ومن الحقوق الأبضاع، فالواجب الحُكم بين الزوجين بما أمَر الله -تعالى- به، من إِمساكٍ بمعروف أو تسريحٍ بإِحسان، فيجب على كلٍّ من الزوجين أن يؤدي إِلى الآخر حقوقه، بطيب نفس وانشراح صدر؛ فإِنّ للمرأة على الرجل حقّاً في ماله؛ وهو الصَّداق والنفقة بالمعروف، وحقّاً في بدنه؛ وهو العشرة والمتعة؛ بحيث لو آلى منها استحقت الفرقة بإِجماع المسلمين، وكذلك لو كان مجبوباً أو عنّيناً لا يمكنه جماعها فلها الفرقة؛ ووطؤها واجب عليه عند أكثر العلماء".
وقال ﵀ (٢٩/ ١٧٥): "وكذلك يوجب العقدُ المُطْلَق: سلامةَ الزوج من الجَبِّ والعُنَّةِ عند عامة الفقهاء، وكذلك يوجب عند الجمهور: سلامتها من موانع الوطء كالرتق (١)، وسلامتها من الجنون، والجذام، والبرص،
стр. 1720
وكذلك سلامتهما من العيوب التي تمنع كماله، كخروج النجاسات منه أو منها، ونحو ذلك في أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره".
وجاء فيه (٣٢/ ١٧٣): "وسئل ﵀ عن رجل تزوج امرأة على أنها بِكر، فبانت ثيباً؛ فهل له فسخ النكاح ويرجع على مَن غرَّه أم لا؟
فأجاب: له فسْخ النكاح، وله أن يطالب بأرش (١) الصَّداق -وهو تفاوُتُ ما بين مهر البِكر والثيب؛ فينقص بنسبته من المسمّى-، وإذا فسخ قبل الدخول سقط المهر، والله أعلم".
وجاء فيه (٣٢/ ١٧١): "وسئل ﵀ عن امرأة تزوجت برجل، فلما دخل رأت بجسمه برصاً: فهل لها أن تفسخ عليه النكاح؟
فأجاب: إِذا ظهر بأحد الزوجين جنون، أو جذام، أو برص: فللآخر فسْخ النكاح؛ لكن إِذا رضي بعد ظهور العيب فلا فسْخ له. وإذا فسخت فليس لها أن تأخذ شيئاً من جهازها، وإنْ فسخت قبل الدخول سقط مهرها. وإنْ فسخت بعده لم يسقط".
وجاء (ص ١٧١) منه: "وسئل ﵀ عن رجل متزوج بامرأة فظهر مجذوماً: فهل لها فسْخ النكاح؟
فأجاب: الحمد لله. إِذا ظهر أن الزوج مجذوم، فللمرأة فسْخ النكاح بغير اختيار الزوج. والله أعلم".
стр. 1721
وقال ابن القيّم ﵀ في "زاد المعاد" (٥/ ١٨٤): " ... وأمّا إِذا اشترط السلامة، أو شرَط الجمال، فبانت شوهاء، أو شرَطها شابة حديثة السن، فبانت عجوزاً شمطاء، أو شرَطها بيضاء، فبانت سوداء، أو بِكراً فبانت ثيِّباً، فله الفسْخُ في ذلك كلّه.
فإِنْ كان قبل الدخول، فلا مهر لها. وإنْ كان بعده، فلها المهر، وهو غُرْمٌ على وليها إِنْ كان غرّه، وإنْ كانت هي الغارّهّ، سقط مهرها، أو رجع عليها به إِن كانت قبضته. ونص على هذا أحمد في إِحدى الروايتين عنه، وهو أقيسهما وأولاهما بأصوله فيما إذا كان الزوج هو المشترط".
وقال ﵀ (ص ١٨٣): " [إِنّ] كُلّ عيب يُنفّر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار، وهو أولى من البيع، كما أن الشروط المشترطة في النكاح أولى بالوفاء من شروط البيع، وما ألزم الله ورسوله مغروراً قطُّ، ولا مغبوناً بما غُرَّ به وغُبن به، ومن تدبّر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدْله وحكمته، وما اشتمل عليه من المصالح؛ لم يَخْفَ عليه رجحان هذا القول، وقُربه من قواعد الشريعة".
وقال ﵀ (ص ١٨٥): "وإذا كان النّبيّ ﷺ حرّم على البائع كِتمان عيب سلعته، وحرّم على مَن علمه أن يكتمه من المشتري، فكيف بالعيوب في النكاح، وقد قال النّبيّ ﷺ لفاطمة بنت قيس حين استشارته في نكاح معاوية، أو أبي الجهم: "أمّا معاوية، فصعلوك لا مال له، وأمّا أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه" (١)، فعُلم أنّ بيان العيب في النكاح أولى وأوجب،
стр. 1722
فكيف يكون كتمانه وتدليسه والغشُّ الحرام به سبباً للزومه، وجعل ذا العيب غُلاًّ لازماً في عُنق صاحبه، مع شدّة نُفرته عنه، ولا سيّما مع شرط السلامة منه، وشرط خلافه؟! وهذا مما يُعلم يقيناً أن تصرفات الشريعة وقواعدها وأحكامها تأباه. والله أعلم".
وقال ﵀ (ص ١٨٦): "وقد ذهب أبو محمد ابن حزم إِلى أن الزوج إِذا شرط السلامة من العيوب، فوجد أيّ عيب كان، فالنكاح باطل من أصله غير منعقد، ولا خيار له فيه، ولا إجازة ولا نفقة، ولا ميراث، قال: لأن التي أدخلت عليه غير التي تزوج، إِذ السالمة غير المعيبة بلا شك، فإِذا لم يتزوجها فلا زوجية بينهما".
وسألت شيخنا ﵀: هل ترون انفساخ العقد إِذا غرّر الرجل بالمرأة أو العكس؟
قال: ما نوع الغرر؟
قلت: يريد شيخنا ﵀ أنّ هناك غرراً يَسوغ فيه انفساخ العقد، وغرراً لا يسوغ فيه، وذلك على النحو الذي فصّله العلماء.
فائدة:
سألت شيخنا ﵀: ماذا إِذا كان الرجل عنّيناً، ووافقت المرأة على الزواج منه؟
فأجاب ﵀: مقصود الزواج الإِحصان، فإِن كانت مُطلّقة أو أرملة وذاقت العسيلة، وليس عندها شَبَقٌ فلا مانع، وإلا فلا. انتهى.
стр. 1723
المحرّمات من النّساء (١)
ليس كلُّ امرأةٍ صالحةً للعقد عليها، بل يُشترط في المرأة التي يراد العقد عليها، أن تكون غير محرّمة على من يريد التزوج بها؛ سواء أكان هذا التحريم مؤبداً، أم مؤقتاً.
والتحريم المؤبد يمنع المرأة أن تكون زوجةً للرجل؛ في جميع الأوقات.
والتحريم المؤقت يمنع من التزوج بها، ما دامت على حالة خاصة قائمة بها، فإِنْ تغير الحال، وزال التحريم الوقتي، صارت حلالاً.
المُحَرَّمات مُؤبَّداً
وأسباب التحريم المؤبد هي:
١ - النسب.
٢ - المصاهرة.
٣ - الرضاع.
وهي المذكورة في قول الله -تعالى-: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢).
стр. 1724
أولاً: المحرمات من النسب هنّ:
١ - الأمّهات.
٢ - البنات.
٣ - الأخوات.
٤ - العمات.
٥ - الخالات.
٦ - بنات الأخ.
٧ - بنات الأخت.
والأم: اسم لكل أنثى لها عليك ولادة؛ فيدخل في ذلك الأمّ، وأمّهاتها، وجدّاتها، وأمّ الأب. وجدّاته، وإن عَلَوْن.
والبنت: اسم لكل أنثى لك عليها ولادة، أو كل أنثى يرجع نسَبُها إِليك بالولادة بدرجة أو درجات. فيدخل في ذلك بنت الصُّلب، وبناتها.
والأخت: اسم لكل أنثى جاورتك في أَصْلَيْكَ، أو في أحدهما.
والعمّة: اسم لكل أنثى شاركَت أباك أو جدَّك في أصليه، أو في أحدهما.
وقد تكون العمّة من جهة الأمّ، وهي أخت أبي أمّك.
والخالة: اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها، أو في أحدهما.
وقد تكون من جهة الأب، وهي أخت أمّ أبيك.
وبنت الأخ: اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة، بواسطة أو مباشرة،
стр. 1725
وكذلك بنت الأخت.
ثانياً: المحرّمات بسبب المصاهرة:
وهي القرابة الناشئة بسبب الزواج.
١ - أمّ زوجته، وأم أمّها، وأمّ أبيها وإن علَت؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وأُمّهات نسائكم﴾، ولا يُشترط في تحريمها الدخول بابنتها، بل مجرّد العقد على ابنتها يحرّمها.
وجاء في "الفتاوى" (٣٢/ ٧٧): "وسئل ﵀ عن رجل تزوج بامرأة من مدة سنة ولم يدخل بها، وطلّقها قبل الإِصابة: فهل يجوز له أن يدخل بالأمّ بعد طلاق البنت؟
فأجاب: لا يجوز تزويج أمّ امرأته؛ وإن لم يدخل بها. والله أعلم".
٢ - وابنة زوجته التي دخَل بها، ويدخل في ذلك بنات بناتها، وبنات أبنائها، وإنْ نزلن؛ لأنهنّ مِن بناتها؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وربائبكم اللاّتي في حُجُورِكُم من نسائكم اللاَّتي دَخَلتم بِهِنّ فإِن لم تكونوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فلا جُنَاحَ عَلَيْكُم﴾.
والربائب جمع ربيبة، وربيب الرجل: ولَدُ امرأته من غيره؛ سُمّي ربيباً له؛ لأنه يَرُبّه، كما يَرُبّ ولده؛ أي: يَسُوسُه.
وقوله: ﴿اللاّتي في حُجُورِكُم﴾: وصْف لبيان الشأن الغالب في الربيبة، وهو أن تكون في حجر زوج أمّها، وليس قيداً. وذَكر ابن كثير ﵀ أنّ هذا قول جمهور الأئمة.
وعند الظاهرية: أنه قيد، وأنّ الرجل لا تحرُم عليه ربيبته -أي: ابنة امرأته- إِذا لم تكن في حجره.
стр. 1726
عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: "كانت عندي امرأة، فتوُفّيت، وقد ولَدت لي، فوَجَدْتُ عليها، فلقيني علي بن أبي طالب فقال: ما لك؟ فقلت: تُوفِّيت المرأة، فقال عليّ: لها ابنة؟ قلت: نعم، وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا، قال: فانْكِحْها، قلت: فأين قول الله: ﴿وربائِبُكم اللاتي في حُجُورِكُم﴾؟! قال: إِنها لم تكن في حجرك، إِنما ذلك إِذا كانت في حجرك" (١).
وجاء في "الإِرواء" (٦/ ٢٨٧)؛ "وقال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (٢/ ٣٩٤): "هذا إِسناد قوي ثابت إِلى علي بن أبي طالب، على شرط مسلم، وهو قول غريب جداً.
وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه، وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك ﵀، واختاره ابن حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي أنه عرض هذا على الشيخ الإِمام تقي الدين ابن تيمية ﵀؟ فاستشكله، وتوقف في ذلك".
وكذلك صحح إِسناده السيوطي في "الدر" (٢/ ١٣٦)، ومن قبله الحافظ في "الفتح".
وأمّا عن عمر، فلم أقف عليه الآن (٢) ".
стр. 1727
قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": "أمّا أمّ المرأة؛ فإِنها تحرُم بمجرد العقد على ابنتها، سواءٌ دخل بها أو لم يدخل. وأمّا الربيبة -وهي بنت المرأة- فلا تحرم بمجرد العقد على أمّها حتى يدخل بها، فإِنْ طلق الأم قبل الدخول بها؛ جاز له أن يتزوّج بنتها".
قال أبو عيسى (١): "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، قالوا: إِذا تزوّج الرجل امرأة ثمّ طلّقها قبل أن يدخل بها، حَلَّ له أن ينكح ابنتها، وإِذا تزوّج الرجل الابنة فطلّقها قبل أن يدخل بها؛ لم يحلَّ له نكاح أمها؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وأمّهاتُ نسائكم﴾، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق".
وجاء في "المحلّى" (١١/ ١٥٥) تحت المسألة (١٨٦٤): "وأمّا من تزوّج امرأة ولها ابنة، أو ملَكَها ولها ابنة، فإِن كانت الابنة في حجره ودخل بالأم مع ذلك -وطئ أو لم يطأ، لكن خلا بها بالتلذذ-: لم تحل له ابنتها أبداً، فإِنْ دخل بالأمّ، ولم تكن الابنة في حجره، أو كانت الابنة في حجره ولم يدخل بالأمّ، فزواج الابنة له حلال.
وأمّا من تزوّج امرأة لها أمّ، أو ملَك أمة تحلَّ له ولها أمّ؛ فالأمّ حرام عليه بذلك أبد الأبد -وطئ في كل ذلك الابنة أو لم يطأها-.
برهان ذلك: قول الله -تعالى-: ﴿وربائِبُكُم اللاتي في حُجُورِكُم من نسائِكُم
стр. 1728
اللاتي دَخَلْتُم بِهِنَّ فإِن لم تكونوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فلا جُنَاحَ عَلَيْكُم﴾ (١)، فلم يُحرِّم الله الربيبة بنت الزوجة أو الأمَة إِلا بالدخول بها، وأن تكون هي في حجره، فلا تحرم إِلا بالأمرين معاً، لقوله -تعالى- بعد أن ذكَر ما حرم من النّساء-: ﴿وأُحِلَّ لكم ما وراء ذلكم﴾ (٢)، ﴿وما كان ربك نَسِيّاً﴾ (٣).
وكونها في حجره ينقسم قسمين:
أحدهما: سكناها معه في منزله، وكونه كافلاً لها.
والثاني: نظره إِلى أمورها نحو الولاية لا بمعنى الوكالة، فكل واحد من هذين الوجهين يقع به عليها كونها في حجره.
وأمّا أمّها؛ فيحرِّمها عليه بالعقد جملةً: قولُ الله -تعالى-: ﴿وأمّهات نسائكم﴾، فأجملها فلا يجوز تخصيصها، وفي كلّ ذلك اختلاف قديم وحديث ... ".
ثمّ ذكر ﵀ هذا الاختلاف وناقشه مع بيان الأدلّة.
٣ - زوجة الابن، وابن ابنه، وابن بنته، وإِنْ نزل؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وحلائِلُ أبنائِكُم الذين من أَصْلابِكُم﴾.
والحلائل جمع حليلة، وحليلة الرجل: امرأته، والرجل حليلها؛ لأنها تحُلّ معه ويحل معها. وقيل: لأنّ كلّ واحد منهما يحل للآخر (٤).
стр. 1729
٤ - زوجة الأب: لقول الله -تعالى-: ﴿ولا تنكحوا ما نكَحَ آباؤُكم من النساء﴾ (١).
ويحرم على الابن التزوج بحليلة أبيه، بمجرد عقْد الأب عليها، ولو لم يدخل بها.
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: "مرّ بي عمّي الحارث بن عمرو، ومعه لواء قد عقَده له النبيّ ﷺ ، فقُلت له: أي عمّ! أين بعثك النّبيّ ﷺ ؟
قال: بعثني إِلى رجل تزوّج امرأة أبيه، فأمَرني أن أضرب عنقه" (٢).
قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله -تعالى-: ﴿ولا تنكحوا ما نكَحَ آباؤُكم من النّساء﴾: "وقد أجمع العلماء على تحريم من وَطِئَها الأب بتزويج أو ملك أو بشبهة أيضاً. واختلفوا فيمن باشرَها بشهوة دون الجماع، أو نظر ما لا يحلّ له النظر إِليه منها، لو كانت أجنبيية". ثمّ ذَكر أثراً في ذلك.
ويرى بعض الفقهاء أنّ مَن زنى بامرأة، أو لمسها، أو قبَّلها، أو نظر إِلى فرجها بشهوة، حرُم عليه أصولها وفروعها، وتحرُم هي على أصوله وفروعه؛ إِذ إِنّ حرمة المصاهرة تثبت عندهم بالزنى، ومِثله مقدماته ودواعيه؛ قالوا: ولو زنى الرجل بأمّ زوجته أو بنتها، حرمت عليه حرمة مؤبّدة.
ويرى [المخالفون] أنّ الزنى لا تثبت به حرمة المصاهرة، وممّا استدلّوا به:
стр. 1730
١ - قول الله -تعالى-: ﴿وأُحلَّ لكم ما وَرَاءَ ذلكم﴾ (١). فهذا بيان عما يحلّ من النساء بعد بيان ما حُرّم منهن، ولم يذكر أن الزنى من أسباب التحريم.
٢ - أن ما ذكروه من الأحكام في ذلك: هو مما تمس إِليه الحاجة، وتعمُّ به البلوى أحياناً، وما كان الشارع ليسكت عنه، فلا ينزل به قرآن، ولا تمضي به سنة، ولا يصح فيه خبر، ولا أثر عن الصحابة، وقد كانوا قريبى عهد بالجاهلية التي كان الزنى فيها فاشياً بينهم، فلو فهم أحد منهم أن لذلك مدركاً في الشرع، أو تدل عليه عِلّهَ وحكمة لسألوا عن ذلك، وتوفّرت الدواعي على نقل ما يفتنون به (٢).
واستدلوا بحديث لا يثبت ولا يصح عن عائشة ﵂ قالت: "سُئِل رسول الله ﷺ عن الرجل يتبع المرأة حراماً؛ أينكح ابنتها؟ أو يتبع الابنة حراماً؛ أينكَح أمّها؟ قالت: قال رسول الله ﷺ : لا يُحَرِّمُ الحرام؛ إِنما يُحرم ما كان بنكاحٍ حلال".
قال شيخنا ﵀ في "الضعيفة" (٣٨٨): "باطل"؛ وأفاض في تخريجه، ثمّ قال ﵀: "وقد استدل بالحديث الشافعية وغيرهم على أنه يجوز للرجل أن يتزوج ابنته من الزنى، وقد علمتَ أنه ضعيف؛ فلا حُجّة فيه.
стр. 1731
والمسألة اختلف فيها السلف، وليس فيها نصٌّ مع أحد الفريقين، وإنْ كان النظر والاعتبار يقتضي تحريم ذلك عليه، وهو مذهب أحمد وغيره، ورجّحه شيخ الإِسلام ابن تيمية، فانظر "الاختيارات" له (١٢٣ - ١٢٤)، وتعليقنا على الصفحة (٣٦ - ٣٩) من كتابنا "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد".
ثالثاً: المحرّمات بسبب الرضاع:
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، والذي يحرم من النسب -كما تقدّم-: الأمّ، والبنت، والأخت، والعمّة، والخالة، وبنات الأخ، وبنات الأخت.
كما في الآية المتقدّمة: ﴿حُرِّمت عليكم أمّهاتُكُم وبناتُكُم وأَخَواتُكُم وعمّاتُكُم وخَالاتُكُم وبَنَاتُ الأخِ وبَنَاتُ الأخْت وأمّهاتُكُم الَّلاتي أَرْضَعْنَكُم وأخَوَاتُكُم من الرَّضَاعَة﴾ (١).
وعلى هذا، فَتُنَزَّلُ المرضعة منزلة الأمّ، وتحرم على الرضيع؛ هي وكلّ من يحرم على الابن من قبل أمّ النسب؛ فتحرم:
١ - المرأة المرضعة؛ لأنها لإِرضاعها تُعَدُّ أمّاً للرضيع.
٢ - أمّ المرضعة؛ لأنها جدّة له.
٣ - أم زوج المرضعة -صاحب اللبن- لأنها جدّة كذلك.
٤ - أخت الأمّ؛ لأنها خالة الرضيع.
٥ - أخت زوجها -صاحب اللبن- لأنها عمّته.
٦ - بنات بنيها وبناتها؛ لأنهن بنات إِخوته، وأخواته.
стр. 1732
٧ - الأخت؛ سواء أكانت أختاً لأب وأمّ، أو أختاً لأمّ، أو أختاً لأب.
الرِّضاع الذي يثبُت به التحريم:
يثبت التحريم بخمس رضعات معلومات.
عن عائشة أنها قالت: "كان فيما أُنزل من القرآن: (عشر رضعات معلومات يُحرِّمن)، ثمّ نُسخْن بخمس معلومات، فتوُفي رسول الله ﷺ وهنّ فيما يُقرأ من القرآن (١) " (٢).
عن ابن مسعود ﵁ قال: "لا رضاع إِلا ما شدّ العظم وأنبت اللحم" (٣).
عن أمّ سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يحرم من الرضاعة إِلا ما فتق (٤) الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام" (٥).
стр. 1733
وأمّا قول من قال: إِنّ قليل الرضاع وكثيره سواء في التحريم؛ أخْذاً بإِطلاق الإِرضاع في الآية، فجوابه أنّ السنّة المطهرّة مُفصِّلة مُبيِّنة للقرآن الكريم.
وأمّا استدلالهم بحديث عقبة بن الحارث قال: "تزوجتُ امرأة، فجاءتنا امرأة سوداء فقالت: أرضعتكما! فأتيت النّبيّ ﷺ فقلت: تزوجت فلانة بنت فلان، فجاءتنا امرأة سوداء فقالت لي: إِني قد أرضعتكما! وهي كاذبة؟! فأعرض عني، فأتيته من قِبَل وجهه؛ قلت: إِنها كاذبة! قال: كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما؟! دعها عنك" (١).
وقولهم: إنّ ترْك رسول الله ﷺ السؤالَ عن عدد الرضعات دليل على عدم اعتبار العدد!
فجوابه؛ أنّه ينبغي حمْله على الجمع مع النصوص الأُخرى.
وأمّا قول من قال: إنّ التحريم يثبثُ بثلاث رضعات فأكثر؛ لقوله ﷺ : "لا تحرِّمُ المصَّةُ والمصّتَان" (٢). وقولهم: هذا الحديث يثبت التحريم فيما زاد على ثلاث رضعات.
فجوابه أنّ ذِكْر هذا؛ على سبيل البيان وتفسير حديث الخَمْس، وهو أقوى عند أهل اللغة من قوله: "لا تُحرّم المصّة، ولا المصّتان، ولا الثلاث، ولا الأربع"؟!
قال في "فيض القدير" -بحذف-: " ... وإِلا فالتحريم بالثلاث إِنما يُؤخَذ منه بالمفهوم. ومفهوم العدد ضعيف؛ على أنه قد عارضه مفهوم حديث الخَمْس فيرجع إِلى الترجيح بين المفهومين" انتهى. ولك أن تقول: إِنّ مفهوم
стр. 1734
الثلاث عارض منطوق الخَمْس والله -تعالى- أعلم.
وسألتُ شيخنا ﵀ عن ذلك؟ فقال: خَمْسُ رضعات مُشبعات تجعل النّسب محرماً.
اللبن المختلط بغيره:
إِذا اختلط لبن المرأة بطعام أو شراب أو دواء أو لبن شاة أو غيره، وتناوله الرضيع؛ فإِنْ كان الغالب لبنَ المرأة؛ حرم. وإن لم يكن غالباً؛ فلا يثبت به التحريم.
وبه يقول شَيخنا ﵀ في إِجابة أجابنيها.
ويشترط أن يكون الرّضاع في الحولين، وهي المدّة التي بيّنها الله -تعالى- في قوله: ﴿والوالداتُ يُرْضعْنَ أولادَهنَّ حَوْلَين كامِلَين لِمن أراد أن يتِمَّ الرَّضاعة﴾ (١).
وفي حديث أُمّ سلمة المتقدّم: "لا يحرم من الرضاعة إِلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الطعام".
ولو فُطم الرضيع قبل الحولين؛ واستغنى بالغذاء عن اللبن، ثمّ أرضعته امرأة؛ فإِنّ ذلك الرضاع لا تثبت به الحُرمة.
وعن عائشة ﵂: "أن النّبيّ ﷺ دخل عليها وعندها رجل، فكأنه تغيّر وجهه -كأنه كره ذلك-، فقالت: إِنه أخي! فقال: انظرن ما إِخوانكنّ؟ فإِنما الرضاعة من المجاعة" (٢).
стр. 1735
رضاع الكبير:
وبما تقدّم من الأدلّة؛ يتبيّن لنا أن رضاع الكبير لا يُحرِّم؛ بيْد أنّ بعض النصوص تدلّ على جوازه لحاجة.
عن عائشة ﵂: "أنّ أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس -وكان ممّن شهد بدراً مع النّبيّ ﷺ - تبنّى سالماً، وأنكحه بنت أخيه هنداً بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة -وهو مولى لامرأة من الأنصار-، كما تبنّى النّبيّ ﷺ زيداً، وكان من تبنّى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إِليه، وورث من ميراثه، حتى أنزل الله ﴿ادْعُوهُم لآبَائِهِم﴾ إِلى قوله: ﴿وَمَوَالِيْكُم﴾، فرُدُّوا إلى آبائهم، فمن لم يُعلم له أب، كان مولى وأخاً في الدّين، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثمّ العامري -وهي امرأة أبي حذيفة بن عتبة- النّبيَّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إِنّا كنّا نرى سالماً ولداً، وقد أنزل الله فيه ما قد علِمتَ ... " (١) فذكر الحديث.
وساق الحديثَ بتمامه أبو داود بلفظ: " ... فكيف ترى فيه؟ فقال لها النّبيّ ﷺ : أرضعيه. فأرضعته خَمْس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة" (٢).
وفي رواية عن عائشة: "أنّ سالماً مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم، فأتت (تعني ابنة سهيل) النّبيّ ﷺ ، فقالت: إِنّ سالماً قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقل ما عقلوا، وإنه يدخل علينا، وإني أظنّ أنّ في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً؟! فقال لها النّبيّ ﷺ : أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب
стр. 1736
الذي في نفس أبي حذيفة. فرجعت فقالت: إِنّي قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة" (١).
وعن أمّ سلمة ﵂ قالت لعائشة ﵂: إِنه يدخل عليك الغلام الأيْفع (٢) الذي ما أحب أن يدخل عليّ! فقالت عائشة: أما لك في رسول الله ﷺ أسوة؟ قالت: إِنّ امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله! إِنّ سالماً يدخل عليّ وهو رجل، وفي نفس أبي حذيفة منه شيء؟! فقال رسول الله ﷺ : "أرضعيه حتى يدخل عليك" (٣).
وقال الحافظ في "الفتح" (٩/ ١٤٩): " ... وقال عبد الرزاق عن ابن جريج: قال رجل لعطاء: إِنّ امرأة سقتني من لبنها بعدما كبِرْتُ؛ أَفَأَنْكِحُهَا؟ قال: لا. قال ابن جريج: فقلت له: هذا رأيك؟ قال: نعم. كانت عائشة تأمر بذلك بنات أخيها. وهو قول الليث بن سعد. وقال ابن عبد البر: لم يختلف عنه في ذلك. قلت: وذكر الطبري في "تهذيب الآثار" في "مسند عليٍّ" هذه المسألة، وساق بإِسناده الصحيح عن حفصة مثل قول عائشة ... ".
جاء في "الروضة الندية" (٢/ ١٧٩): "ويجوز إِرضاع الكبير -ولو كان ذا لحية-، لتجويز النظر، ثمّ حديث أم سلمة المتقدّم؛ وفيه: "أرضعيه حتى يدخل عليك".
قال: "وقد أخرج نحوه البخاري من حديث عائشة أيضاً -وقد تقدّم كذلك-".
стр. 1737
ثمّ قال: "وقد روى هذا الحديث من الصحابة أمّهات المؤمنين، وسهلة بنت سهيل، وزينب بنت أم سلمة. ورواه من التابعين جماعة كثيرة، ثمّ رواه عنهم الجمع الجمّ. وقد ذهب إِلى ذلك علي وعائشة وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وابن عُلَيَّةَ وداود الظاهري وابن حزم. وهو الحقّ. وذهب الجمهور إِلي خلاف ذلك. قال ابن القيّم: "أخذ طائفة من السلف بهذه الفتوى، منهم عائشة. ولم يأخذ به أكثر أهل العلم، وقدَّموا عليها أحاديث توقيت الرّضاع المحرِّم بما قبل الفطام وبالصغر وبالحولين؛ لوجوه:
أحدها: كثرتها، وانفراد حديث سالم.
الثاني: أن جميع أزواج النّبيّ ﷺ -سوى عائشة- في شِقِّ المنع.
الثالث: أنه أحوط.
الرابع: أنّ رضاع الكبير لا يُنبِت لحماً ولا يُنشِز عظماً؛ فلا يحصل به البعضية التي هي سبب التحريم.
الخامس: أنه يحتمل أن هذا كان مختصاً بسالم وحده، ولهذا لم يجئ ذلك إِلا في قصته.
السادس: "أن وسول الله ﷺ دخل على عائشة وعندها رجل قاعد، فاشتدَّ ذلك عليه وغضب، فقالت: إِنه أخي من الرّضاعة! فقال: انظرن مَن إِخوانكن من الرّضاعة؟ فإِنما الرّضاعة من المجاعة". متفق عليه واللفظ لمسلم.
وفي قصة سالم مسلك، وهو أن هذا كان موضع حاجة، فإِنّ سالماً كان قد تبنّاه أبو حذيفة وربّاه، ولم يكن له منه ومن الدخول على أهلهِ بدٌّ، فإِذا دعَت الحاجة إِلي مِثل ذلك؛ فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد. ولعل هذا المسلك
стр. 1738
أقوى المسالك، وإِليه كان شيخنا يجنح. والله -تعالى- أعلم"، انتهى.
أقول [أي: صاحب الروضة]: الحاصل: أن الحديث المتقدّم صحيح، وقد رواه الجمّ الغفير عن الجمّ الغفير سلفاً عن خلف، ولم يقدح فيه مِن رجال هذا الشأن أحد، وغاية ما قاله من يخالفه أنه ربما كان منسوخاً! ويجاب بأنه لو كان منسوخاً لوقع الاحتجاج على عائشة بذلك، ولم ينقل أنه قال قائل به؛ مع اشتهار الخلاف بين الصحابة.
وأما الأحاديث الواردة بأنه لا رضاع إِلا في الحولين وقبل الفطام -فمع كونها فيها مقال (١) - لا معارضة بينها وبين رضاع سالم؛ لأنها عامّة، وهذا خاصّ، والخاصّ مُقدَّم على العامّ، ولكنه يختصُّ بمن عرض له من الحاجة إِلى إِرضاع الكبير ما عرض لأبي حذيفة وزوجته سهلة، فإِنّ سالماً لمّا كان لهما كالابن، وكان في البيت الذي هما فيه، وفي الاحتجاب مشقّة عليهما؛ رخص ﷺ في الرضاع على تلك الصفة، فيكون رخصة لمن كان كذلك. وهذا لا محيص عنه".
قلت: وبه يقول شيخنا ﵀، كما في بعض مجالسه؛ مقيِّداً ذلك بالحاجة؛ كما في الحديث المتقدّم.
قَبول قول المرضعة:
عن عقبة بن الحارث قال: "تزوجت امرأة، فجاءتنا امرأة سوداء فقالت: أرضعتكما! فأتيتُ النّبيّ ﷺ فقلتُ: تزوجت فلانة بنت فلان، فجاءتنا امرأة سوداء فقالت لي: إِني قد أرضعتكما! وهي كاذبة؟! فأعرض عني، فأتيته من
стр. 1739
قِبَل وجهه قلت: إِنها كاذبة! قال: كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما؟! دعها عنك" (١).
قال البخاري ﵀: "باب شهادة المرضعة".
وقال الحافظ في "الفتح": "أي: وحدها".
جاء في "الروضة الندية" (٢/ ١٧٩) -بعد ذِكْر الحديث السابق-: "وقد ذهب إِلى ذلك عثمان، وابن عباس، والزهري، والحسن، وإسحاق، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد، ورُوي عن مالك ... ".
لبن الفحل:
والمراد بالفحل: الرجل (٢) تكون له امرأة، ولَدت منه ولداً، ولها لبن، فكُلّ من أرضعَتْه من الأطفال بهذا اللبن؛ فهو مُحرّم على الزوج وإِخوته، فيكونون أعمامه وأولاده (٣).
عن عائشة ﵂ قالت: استأذن عليّ أفْلَحُ [أخو أبي القُعيس] (٤)، فلم آذَنْ له، فقال: أتحتجبين منّي وأنا عمّك؟! فقلت: وكيف ذلك؟ فقال: أرضعتكِ امرأة أخي بلبن أخي. فقالت: سألت عن ذلك رسول الله
стр. 1740
- ﷺ ؟ فقال: "صدق أفْلَح، ائذني له" (١).
وعن ابن عباس ﵄: "أنه سئل عن رجل له جاريتان (٢)، أرضعت إِحداهما جارية، والأخرى غلاماً: أيحل للغلام أن يتزوج الجارية؟ فقال: لا، اللقاح واحد" (٣).
المحرمات مؤقَّتاً
١ - الجمع بين الأُختين:
قال الله -تعالى-: ﴿وأنْ تَجمَعوا بين الأُخْتَين إِلا ما قد سَلَفَ﴾ (٤).
وعن فيروز قال: قلت: يا رسول الله! إِني أسلمتُ وتحتي أُختان، قال: "طلق أيتهما شئت" (٥).
٢ - الجمع بين المرأة وعمّتها أو خالتها:
عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا يُجمع بين المرأة
стр. 1741
وعمّتها، ولا بين المرأة وخالتها" (١).
٣ - زوجة الغير ومعتدّته -رجعيّاً-؛ إِلا المسبيّة، فإِنّها تحلّ لسابيها بعد الاستبراء، وإِنْ كانت متزوّجة.
فعن أبي سعيد الخدري. "أنّ رسول الله ﷺ يوم حنين بعث جيشاً إِلى أوطاس، فلَقُوا عدُوّاً، فقاتلوهم فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأنّ ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ تحرّجوا من غشيانهنّ من أجل أزواجهنّ من المشركين! فأنزل الله في ذلك: ﴿والمحصنات من النّساء إلاَّ ما ملكَت أيمانكم﴾؛ أي: فهنّ لكم حلال إذا انقضت عدّتهن" (٢).
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: "أي: وحُرّم عليكم الأجنبيّات المحصنات؛ وهنّ المزوّجات ﴿إِلا ما ملكت أيمانكم﴾ يعني: إِلا ما ملكتموهنّ بالسبي؛ فإِنه يحلّ لكم وطؤُهنّ إذا استبرأتموهنّ، فإِنّ الآية نزلت في ذلك".
٤ - المطلّقة ثلاثاً:
لا تحلّ المطلّقة ثلاثاً لزوجها الأوّل؛ حتى تنكح زوجاً غيره. قال الله -تعالى-: ﴿فإِنْ طلّقها فلا تحلّ له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ (٣).
نكاح الكفار (٤):
قال الله -تعالى-: ﴿وامرأته حمّالةَ الحطب﴾، ﴿وامرأة فرعون﴾
стр. 1742
فأضاف النّساء إِليهم، وحقيقة الإِضافة تقتضي زوجيّة صحيحة.
وقال ﷺ : "وُلدْتُ من نكاح لا سفاح" (١).
[قلت: فميّز النّبيّ ﷺ بين النكاح والسفاح في أنكحة الكُفّار، وأثبت النكاح].
وإذا ثبتت الصحّة؛ ثبتت أحكامها *ولأنهْ أسلم خلْقٌ كثير في عصر رسول الله ﷺ ، فأقرّهم على أنكحتهم، ولم يكشف عن كيفيّتها* (٢).
وإنْ أسلم الزوجان معاً، أو أسلم زوج الكتابية، فهما على نكاحهما، ولم تتعرض لكيفية عقده، لما تقدّم. قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أنّ الزوجين إِذا أسلما معاً في حال واحدة؛ أنِّ لهما المُقَامَ على نكاحهما؛ ما لم يكن بينهما نسب أو رضاع.
стр. 1743
" ... فإِن أنكحة الكفار لم يتعرض لها النّبيّ ﵌ كيف وقعت؟ وهل صادفت الشروط المعتبرة في الإِسلام فتصحّ؛ أو لم تصادفها فتبطل؟ وإنما اعتبر حالها وقت إِسلام الزوج؛ فإِن كان ممن يجوز له المقام مع امرأته أقرّهما، ولو كان في الجاهلية؛ وقد وقع على غير شرطه من الولي والشهود وغير ذلك. وإِن لم يكن الآن ممن يجوز له الاستمرار؛ لم يقرّ عليه، كما لو أسلم وتحته ذات رحم محرم، أو أختان، أو أكثر من أربع، فهذا هو الأصل الذي أصّلَتْه سُنّة رسول الله -صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم-. وما خالفه فلا يُلتفت إِليه، والله الموفق" (١).
نكاح الزانية:
لا يحلّ للرجل التزوّج بزانية. وكذا المرأة لا يحل لها التزوّج بزانٍ، إِلا إِذا أحدثا توبةً نصوحاً.
والله جعَل العفاف شرطاً ينبغي وجوده في كلٍّ من الزوجين قبل النكاح، قال الله -سبحانه-: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (٢).
قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": " ﴿مُحْصِنِينَ غيْرَ مُسَافِحِينَ ولا مُتَّخِذِي أَخْدَان﴾: فكما شرَط الإِحصان في النساء -وهي العِفّة عن الزنى-
стр. 1744
كذلك شرَطَها في الرجال وهو أن يكون الرجل -أيضاً- محصناً عفيفاً؛ ولهذا قال: ﴿غير مُسافحين﴾ وهم: الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية، ولا يردُّون أنفسهم عَمَّن جاءهم، ﴿ولا متخذي أخدان﴾؛ أي: ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إِلا معهنّ".
وقال -سبحانه-: ﴿الزَّاني لا يَنْكِح إِلا زانيةً أو مُشْرِكةً والزَّانية لا يَنْكِحُهَا إِلا زانٍ أو مُشْرِكٌ وحُرِّم ذلك على المؤمنين﴾ (١).
قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره" -بحذف-: "هذا خبرٌ من الله -تعالى- بأنّ الزاني لا يطأ إِلا زانيةً أو مشركة، أي: لا يطاوعه على مراده من الزنى إِلا زانية عاصية أو مشركة، لا ترى حُرمةَ ذلك، وكذلك: ﴿الزانية لا ينكحها إِلا زان﴾؛ أي: عاص بزناه، ﴿أو مُشْرِك﴾: لا يعتقد تحريمه.
قال سفيان الثوري: عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: ﴿الزَّاني لا يَنْكِحُ إِلا زانيةً أو مُشْرِكةً﴾ قال: ليس هذا بالنكاح، إِنما هو الجماع، لا يزني بها إِلا زانٍ أو مشرك. وهذا إِسناد صحيح عنه. وقد روي عنه من غير وجه -أيضاً-.
وقوله -تعالى-: ﴿وحُرِّم ذلك على المؤمنين﴾؛ أي: تعاطيه والتزويج بالبغايا، أو تزويج العفائف بالفُجّار من الرجال.
وقال قتادة، ومقاتل بن حيان: حَرَّم الله على المؤمنين نكاح البغايا، وتقدّم في ذلك فقال: ﴿وحُرِّم ذلك على المؤمنين﴾.
وهذه الآية كقوله -تعالى-: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ولا مُتَّخِذَاتِ
стр. 1745
أخْدَان﴾ (١)، وقوله: ﴿مُحصنين غير مُسافحين ولا مُتَخِذي أخْدَان﴾ (٢).
ومن ها هنا ذهب الإِمام أحمد بن حنبل ﵀ إِلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب، فإِن تابت صحّ العقد عليها؛ وإِلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحُرّة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح، حتى يتوب توبة صحيحة، لقوله -تعالى-: ﴿وحُرّم ذلك على المؤمنين﴾ ... " ثمّ ذكر الحديث الآتي:
عن عبد الله بن عمرو: "أن مرثد بن أبي مرثد الغَنَوِيِّ كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغيٌّ يقال لها: عَنَاقُ، وكانت صديقَتَه، قال: جئت النبيّ ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! أنكح عناقاً؟ قال: فسكت عني، فنزلت: ﴿والزَّانية لا يَنْكِحُهَا إِلا زانٍِ أو مُشْرِكٍ﴾، فدعاني فقرأها عليّ، وقال: لا تنكحها" (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينكح الزاني المجلود إِلا مثله" (٤).
وقال شيخنا ﵀ في "الصحيحة" (٥/ ٥٧٢): "قوله: "المجلود"؛
стр. 1746
قال الشوكاني (٦/ ١٢٤): هذا الوصف خرج مخرج الغالب، باعتبار من ظهر منه الزنى. وفيه دليل على أنه لا يحل للمرأة أن تتزوج من ظهر منه الزنى، وكذلك لا يحل للرجل أن يتزوج بمن ظهر منها الزنى، ويدل على ذلك قوله -تعالى-: ﴿والزَّانية لا يَنْكِحُهَا إِلا زانٍ أو مُشْرِك﴾ ". انتهى (١).
قال شيخنا ﵀ في "التعليقات الرضية" (٢/ ١٧٦): "ومعنى الآية: أن الزاني المعروف بالزنى لا ترتضيه زوجاً لها إِلا زانية أو مشركة في نظر الشرع، وكذلك القول في الزانية، وبيان ذلك في "إِغاثة اللهفان" (١/ ٦٦): أنّ المتزوّج أُمِرَ أن يتزوّج المحصنة العفيفة، وإنما أبيح له نكاح المرأة بهذا الشرط، والحكم المعلَّق على الشرط ينتفي عند انتفائه؛ والإِباحة قد علقت على شرط الإِحصان، فإِذا انتفى الإِحصان؛ انتفت الإِباحة المشروطة، فالمتزوّج إِما أن يلتزم حُكم الله وشَرعه، أو لا يلتزم، فإِن لم يلتزِمه؛ فهو مشرك لا يرضى بنكاحه إِلا من هو مشرك مثله، وإن التزمه وخالفه ونكح ما حرم عليه؛ لم يصح النكاح؛ فيكون زانياً".
فائدة:
وقال لي شيخنا ﵀ حول نكاح الزانية في معرض التوضيح لسؤالٍ سابق: إِذا كان يعلم أنها زانية ولا يعلم أنها تائبة؛ فلا يجوز أن يتزّوجها، ولكنه إِذا تزوّجها وهو لا يعلم أنّها زانية؛ فزواجه صحيح.
وسأَل شيخَنا ﵀ أحدُ الإِخوة عن رجل زنى بامرأة؛ هل يحقّ له الزواج منها؟
стр. 1747
فأجاب الشيخ ﵀ بعدم الجواز. ثمّ قال السائل: وإنْ تابا؟
فأجاب: لا يجوز. وقد لمسْتُ من شيخنا ﵀ أنه يشكُّ في صحّة التوبة. فقلتُ له: إِذا عُلِم صدق توبتهما من خلال بعض القرائن؟ فقال: يجوز.
وسُئل شيخنا ﵀ في بعض مجالسه: رجل فعَل الفاحشة بامرأة، ثمّ حملت، هل يستطيع أن يتزوجها؟
فأجاب: لا أرى هذا؛ لأنّه بالتالي تخطيط لإِلحاق الولد بهما.
عقد المُحرم
*يحرُم على المُحْرِمِ أن يعقد النكاح لنفسه أو لغيره؛ بولاية أو وكالة، ويقع العقد باطلاً* (١).
عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَنكِح المحرم ولا يُنْكَح ولا يخطُب" (٢).
وما ورد عن ابن عباس ﵄ "أنّ النّبيّ ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم" (٣)؛ فهو معارض بحديث ميمونة ﵂ نفسها: "أنّ رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال" (٤).
стр. 1748
وقال شيخنا ﵀ في "الإِرواء" (٤/ ٢٣٧): "تنبيه: أخرج الشيخان وغيرهما من حديث ابن عباس ﵄: "أنّ النّبيّ ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم".
قال الحافظ في "الفتح" (٤/ ٤٥): "وصحّ نحوه عن عائشة وأبي هريرة وجاء عن ميمونة نفسها أنه كان حلالاً. وعن أبي رافع مثله، وأنه كان الرسول إِليها (١). واختلف العلماء في هذه المسألة، فالجمهور على المنع لحديث عثمان (يعني: هذا)، وأجابوا عن حديث ميمونة بأنه اختلف في الواقعة كيف كانت، فلا تقوم بها الحجة، ولأنها تحتمل الخصوصية، فكان الحديث في النهي عن ذلك أولى بأن يؤخَذ به. وقال عطاء وعكرمة وأهل الكوفة: يجوز للمحرم أن يتزوج، كما يجوز له أن يشتري الجارية للوطْءِ؛ فتعقب بالتصريح فيه بقوله: (ولا يُنكح) بضم أوله. وبقوله فيه (ولا يخطُب) ".
وقال الحافظ ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" (٢/ ١٠٤/١) -وقد ذكر حديث ابن عباس-:
"وقد عُدَّ هذا من الغلطات التي وقعت في "الصحيح"، وميمونة أخبرت أن هذا ما وقع، والإِنسان أعرف بحال نفسه، قالت: "تزوجني رسول الله ﷺ وأنا حلال بعدما رجعنا من مكة". رواه أبو داود عن موسى بن إِسماعيل نحوه: "تزوجني النّبيّ ﷺ ونحن حلال بِسَرِفَ".
стр. 1749
قلت [أي: شيخنا ﵀]: وسند أبي داود صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه في "صحيحه" (٤/ ١٣٧ - ١٣٨) دون ذكر سَرِفَ، وأخرجه أحمد (٦/ ٣٣٢، ٣٣٥) باللفظ الأول الذي في "التنقيح"، وهو على شرط مسلم أيضاً".
وأضاف ﵀ في التحقيق الثاني على "الإِرواء" (٤/ ٢٢٨): "وذكر ابن القيّم في "الزاد" (٥/ ١١٢ - ١١٣) سبعة أوجه لترجيح حديث ميمونة ﵂؛ منها: أن الصحابة ﵃ غلّطوا ابن عباس، ولم يغلّطوا أبا رافع، كذا قال. وانظر "الفتح" (٩/ ١٦٥) ".
وجاء في "الإِرواء" تحت الحديث (١٠٣٨): "وعن أبي غطفان عن أبيه: أنّ عمر ﵁ فرّق بينهما؛ يعني: رجلاً تزوّج وهو مُحْرِم".
وقال شيخنا ﵀: "صحيح، أخرجه مالك وعنه البيهقي والدارقطني. ... وهذا سند صحيح على شرط مسلم.
ثمّ روى مالك عن نافع أنّ عبد الله بن عمر ﵄ كان يقول: "لا ينكح المُحْرِم، ولا يخطب على نفسه، ولا على غيره". وسنده صحيح. وروى البيهقي عن علي قال: "لا ينكح المحرم؛ فإِن نكح رُدّ نكاحه"، وسنده صحيح أيضاً".
ثمّ قال شيخنا ﵀: "واتفاق هؤلاء الصحابة على العمل بحديث عثمان ﵁ مما يؤيد صحته. وثبوت العمل به عند الخلفاء الراشدين يدفع احتمال خطأ الحديث أو نسْخه، فذلك يدلّ على خطأ حديث ابن عباس ﵁، وإليه ذهَب الإِمام الطحاوي في كتابه "الناسخ والمنسوخ"؛ خلافاً لصنيعه في "شرح المعاني". انظر "نصب الراية" (٣/ ١٧٤). انتهى.
стр. 1750
جاء في "سبل السلام" (٣/ ٢٤٠): "قال ابن عبد البر: اختلفت الآثار في هذا الحكم، لكن الرواية أنه تزوّجها وهو حلال جاءت من طرق شتى، وحديث ابن عباس صحيح الإِسناد، لكن الوهم إِلى الواحد أقرب من الوهم إِلى الجماعة؛ فأقل أحوال الخبرين أن يتعارضا؛ فتطلب الحجة من غيرهما، وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم، فهو معتمد. انتهى.
وقال الأثرم: قلت لأحمد: إِن أبا ثور يقول: بأي شيء يدفع حديث ابن عباس -أي: مع صحته-؟ قال: الله المستعان! ابن المسيب يقول: وهم ابن عباس، وميمونة تقول: تزوجني وهو حلال".
وسألت شيخنا ﵀: يَحْرُمُ على المُحْرِم أن ينكح، فإِذا فَعَل هل يكون العقد باطلاً؟
قال: هو كذلك.
نكاح الملاعِنَة:
اللِّعانُ والمُلاعَنَةُ والتَّلاعُنُ: ملاعنة الرجل امرأته، يُقال: تلاعنَا والْتَعَنَا ولاعَن القاضي بينهما، وسمّي لِعاناً؛ لقول الزوج: "عليّ لعنة الله إِن كنتُ من الكاذبين" (١).
قال الله -تعالى-: ﴿والذين يَرمُون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إِلا أنفُسُهُم فشهادة أحدِهم أربعُ شهادات بالله إِنَّه لمن الصَّادقين * والخامِسَةَ أنَّ لعنةَ الله عليه إِن كان من الكاذبين * ويدرأُ عنها العذابَ أن تشهد أربع شهادات بالله إِنّه لَمِنَ الكاذبين * والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ الله عليها إِن كان من
стр. 1751
الصَّادقين * ولولا فَضْل الله عليكم ورحمته وأنّ الله توَّابٌ حكيم﴾ (١).
قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": "هذه الآية الكريمة فيها فرَج للأزواج، وزيادة مَخرج، إِذا قذَف أحدهم زوجته، وتعسّر عليه إقامة البيّنة، أن يلاعنها، كما أمر الله ، وهو أن يُحضِرها إِلى الإِمام، فيدّعي عليها بما رماها به، فيحلّفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء: ﴿إِنه لمن الصادقين﴾، أي: فيما رماها به من الزنى، ﴿والخامِسَةَ أنّ لعنةَ الله عليه إنْ كان من الكاذبين﴾، فإِذا قال ذلك، بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحَرُمت عليه أبداً، ويعطيها مهرَها، ويتوجه عليها حدّ الزنى، ولا يدرأ عنها إِلا أن تُلاعِن، فتشهد أربع شهادات بالله إِنه لمن الكاذبين، أي: فيما رماها به، ﴿والخامِسَةَ أنّ غَضَبَ الله عليها إِنْ كان من الصادقين﴾، ولهذا قال: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ يعني: الحد ﴿أنْ تشهد أربع شهادات بالله إِنه لمن الكاذبين * والخامِسَةَ أنّ غَضَبَ الله عليها إِنْ كان من الصادقين﴾. فخصّها بالغضب، كما أنّ الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة أهله ورمْيها بالزنى؛ إِلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صِدقه فيما رماها به. ولهذا كانت الخامسة في حقّها أنّ غضب الله عليها؛ والمغضوب عليه: هو الذي يعلم الحقّ ثمّ يحيد عنه".
وعن ابن عمر ﵄ أيضاً قال: "لاعَنَ النّبيّ ﷺ بين رجلٍ وامرأة من الأنصار، وفرّق بينهما" (٢).
стр. 1752
وعن ابن عمر ﵄ أيضاً: "أنّ النّبيّ ﷺ لاعَنَ بين رجل وامرأتِه، فانتفى من ولدها، ففرّق بينهما، وألحق الولَد بالمرأة" (١).
عن ابن جريج قال: أخبرني ابن شهاب عن المتلاعِنَين وعن السُّنَّة فيهما عن حديث سهل بن سعد أخي بني ساعِدَة: أنّ رجُلاً من الأنصار جاء إِلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً ... وذكر الحديث بقصّته (٢).
وزاد فيه: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد. وقال في الحديث: فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ، ففارقها عند النّبيّ ﷺ ، فقال النّبيّ ﷺ : "ذاكم التّفريق بين كلّ مُتلاعِنَين" (٣).
وجاء في "الصحيحة" -بحذف- برقم (٢٤٦٥): "المتلاعنان إِذا تفرّقا، لا يجتمعان أبداً" ... وفيه:
"وأمّا حديث سهل ﵁ في حديث المتلاعِنَين قال: " ...
فمضت السُّنَّة بعد في المتلاعِنَين أن يفرق بينهما، ثمّ لا يجتمعان أبداً" أخرجه أبو داود، والبيهقي ...
... وعن عاصم عن زر عن علي قالا: "مضت السُّنَّة في المتلاعِنَين أن لا يجتمعا أبداً".
стр. 1753
أخرجه عبد الرزاق، والبيهقي؛ وإسناده حسن في المتابعات". ثمّ قال شيخنا ﵀: " ... إِذا علمت ما تقدّم؛ فالحديث صالح للاحتجاج به على أنّ فُرْقَة اللّعان إِنما هي فَسخ، وهو مذهب الشافعي، وأحمد وغيرهما، وذهب أبو حنيفة إِلى أنه طلاق بائن، والحديث يردُّ عليه، وبه أخذ مالك أيضاً والثوري وأبو عبيدة وأبو يوسف، وهو الحق الذي يقتضيه النظر السليم في الحكمة من التفريق بينهما، على ما شرحه ابن القيّم -رحمه الله تعالى- في "زاد المعاد"؛ فراجعه (٤/ ١٥١ و١٥٣ - ١٥٤)، وإِليه مال الصنعاني في "سبل السلام" (٣/ ٢٤١) ".
قال النووي ﵀ في "شرحه" (١٠/ ١٢٣): " ... وأمّا قوله ﷺ : "ذاكم التفريق بين كل متلاعِنَين"؛ فمعناه عند مالك والشافعي والجمهور: بيان أن الفرقة تحصل بنفس اللعان بين كل متلاعِنَين. وقيل: معناه تحريمها على التأبيد، كما قال جمهور العلماء".
نكاح المشرِكة:
لا يحل للمسلم أن يتزوج من غير الكتابيّات -على ما سيأتي تفصيله إِن شاء الله تعالى-؛ كالوثنية أو الشيوعيّة أو الملحدة أو المرتدَّة عن الإِسلام أو عابدة النّار أو الفرج ... ونحو ذلك.
قال الله -تعالى-: ﴿ولا تُمسِكُوا بعِصَم الكَوَافِر﴾ (١).
قال ابن كثير ﵀: "وقوله -تعالى-: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِر﴾ تحريمٌ من الله على عباده المؤمنين نكاحَ المشركات والاستمرارَ معهنّ.
стр. 1754
وفي "الصحيح" عن الزهري، عن عروة، عن المسور، ومروان بن الحكم: أن رسول الله ﷺ لمّا عاهد كفار قريش يوم الحديبية، جاءه نساء من المؤمنات، فأنزل الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا جاءَكم المؤمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إِلى قوله: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَم الكَوَافِر﴾، فطلّق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين، فتزوّج إِحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية (١) " (٢).
وقال -سبحانه-: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٣).
قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": "هذا تحريم من الله على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبَدة الأوثان. ثمّ إِنْ كان عمومها مراداً، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إِذا آتيتموهنّ أجورهنّ مُحْصنينَ غير مُسَافحينَ ولا مُتَّخِذِي أخْدَان﴾ (٤).
стр. 1755
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ولا تَنكحوا المشركات حتّى يؤمِنّ﴾: استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب. وهكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومكحول، والحسن، والضحاك، وزيد بن أسلم، والربيع بن أنس، وغيرهم.
وقيل: بل المراد بذلك (١) المشركون من عبَدة الأوثان، ولم يُردْ أهل الكتاب بالكلية، والمعنى قريب من الأول، والله أعلم.
ثمّ قال ﵀: "قال أبو جعفر بن جرير ﵀ بعد حكايته الإِجماع على إِباحة تزويج الكتابيات: وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني، كما حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إِدريس، حدثنا الصلت بن بهرام، عن شقيق؛ قال: تزوج حذيفة يهودية، فكتب إِليه عمر: خلِّ سبيلها، فكتب إِليه: أتزعم أنها حرام؛ فأُخلّيَ سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تَعَاطَوُا المومسات منهن.
وهذا إِسناد صحيح. وروى الخلال عن محمد بن إِسماعيل، عن وكيع، عن الصلت. نحوه.
ثمّ ساق ابن جرير بإِسناده إِلى زيد بن وهب؛ قال: قال لي عمر بن الخطاب: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة (٢).
قال: وهذا أصح إِسناداً من الأول".