← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

الصَّادقين * ولولا فَضْل الله عليكم ورحمته وأنّ الله توَّابٌ حكيم﴾ (١). قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": "هذه الآية الكريمة فيها فرَج للأزواج، وزيادة مَخرج، إِذا قذَف أحدهم زوجته، وتعسّر عليه إقامة البيّنة، أن يلاعنها، كما أمر الله ، وهو أن يُحضِرها إِلى الإِمام، فيدّعي عليها بما رماها به، فيحلّفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء: ﴿إِنه لمن الصادقين﴾، أي: فيما رماها به من الزنى، ﴿والخامِسَةَ أنّ لعنةَ الله عليه إنْ كان من الكاذبين﴾، فإِذا قال ذلك، بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحَرُمت عليه أبداً، ويعطيها مهرَها، ويتوجه عليها حدّ الزنى، ولا يدرأ عنها إِلا أن تُلاعِن، فتشهد أربع شهادات بالله إِنه لمن الكاذبين، أي: فيما رماها به، ﴿والخامِسَةَ أنّ غَضَبَ الله عليها إِنْ كان من الصادقين﴾، ولهذا قال: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ يعني: الحد ﴿أنْ تشهد أربع شهادات بالله إِنه لمن الكاذبين * والخامِسَةَ أنّ غَضَبَ الله عليها إِنْ كان من الصادقين﴾. فخصّها بالغضب، كما أنّ الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة أهله ورمْيها بالزنى؛ إِلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صِدقه فيما رماها به. ولهذا كانت الخامسة في حقّها أنّ غضب الله عليها؛ والمغضوب عليه: هو الذي يعلم الحقّ ثمّ يحيد عنه". وعن ابن عمر ﵄ أيضاً قال: "لاعَنَ النّبيّ ﷺ بين رجلٍ وامرأة من الأنصار، وفرّق بينهما" (٢).

стр. 1752

وعن ابن عمر ﵄ أيضاً: "أنّ النّبيّ ﷺ لاعَنَ بين رجل وامرأتِه، فانتفى من ولدها، ففرّق بينهما، وألحق الولَد بالمرأة" (١). عن ابن جريج قال: أخبرني ابن شهاب عن المتلاعِنَين وعن السُّنَّة فيهما عن حديث سهل بن سعد أخي بني ساعِدَة: أنّ رجُلاً من الأنصار جاء إِلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً ... وذكر الحديث بقصّته (٢). وزاد فيه: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد. وقال في الحديث: فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ، ففارقها عند النّبيّ ﷺ ، فقال النّبيّ ﷺ : "ذاكم التّفريق بين كلّ مُتلاعِنَين" (٣). وجاء في "الصحيحة" -بحذف- برقم (٢٤٦٥): "المتلاعنان إِذا تفرّقا، لا يجتمعان أبداً" ... وفيه: "وأمّا حديث سهل ﵁ في حديث المتلاعِنَين قال: " ... فمضت السُّنَّة بعد في المتلاعِنَين أن يفرق بينهما، ثمّ لا يجتمعان أبداً" أخرجه أبو داود، والبيهقي ... ... وعن عاصم عن زر عن علي قالا: "مضت السُّنَّة في المتلاعِنَين أن لا يجتمعا أبداً".

стр. 1753

أخرجه عبد الرزاق، والبيهقي؛ وإسناده حسن في المتابعات". ثمّ قال شيخنا ﵀: " ... إِذا علمت ما تقدّم؛ فالحديث صالح للاحتجاج به على أنّ فُرْقَة اللّعان إِنما هي فَسخ، وهو مذهب الشافعي، وأحمد وغيرهما، وذهب أبو حنيفة إِلى أنه طلاق بائن، والحديث يردُّ عليه، وبه أخذ مالك أيضاً والثوري وأبو عبيدة وأبو يوسف، وهو الحق الذي يقتضيه النظر السليم في الحكمة من التفريق بينهما، على ما شرحه ابن القيّم -رحمه الله تعالى- في "زاد المعاد"؛ فراجعه (٤/ ١٥١ و١٥٣ - ١٥٤)، وإِليه مال الصنعاني في "سبل السلام" (٣/ ٢٤١) ". قال النووي ﵀ في "شرحه" (١٠/ ١٢٣): " ... وأمّا قوله ﷺ : "ذاكم التفريق بين كل متلاعِنَين"؛ فمعناه عند مالك والشافعي والجمهور: بيان أن الفرقة تحصل بنفس اللعان بين كل متلاعِنَين. وقيل: معناه تحريمها على التأبيد، كما قال جمهور العلماء". نكاح المشرِكة: لا يحل للمسلم أن يتزوج من غير الكتابيّات -على ما سيأتي تفصيله إِن شاء الله تعالى-؛ كالوثنية أو الشيوعيّة أو الملحدة أو المرتدَّة عن الإِسلام أو عابدة النّار أو الفرج ... ونحو ذلك. قال الله -تعالى-: ﴿ولا تُمسِكُوا بعِصَم الكَوَافِر﴾ (١). قال ابن كثير ﵀: "وقوله -تعالى-: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِر﴾ تحريمٌ من الله على عباده المؤمنين نكاحَ المشركات والاستمرارَ معهنّ.

стр. 1754

وفي "الصحيح" عن الزهري، عن عروة، عن المسور، ومروان بن الحكم: أن رسول الله ﷺ لمّا عاهد كفار قريش يوم الحديبية، جاءه نساء من المؤمنات، فأنزل الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا جاءَكم المؤمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إِلى قوله: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَم الكَوَافِر﴾، فطلّق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين، فتزوّج إِحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية (١) " (٢). وقال -سبحانه-: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٣). قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": "هذا تحريم من الله على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبَدة الأوثان. ثمّ إِنْ كان عمومها مراداً، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إِذا آتيتموهنّ أجورهنّ مُحْصنينَ غير مُسَافحينَ ولا مُتَّخِذِي أخْدَان﴾ (٤).

стр. 1755

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ولا تَنكحوا المشركات حتّى يؤمِنّ﴾: استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب. وهكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومكحول، والحسن، والضحاك، وزيد بن أسلم، والربيع بن أنس، وغيرهم. وقيل: بل المراد بذلك (١) المشركون من عبَدة الأوثان، ولم يُردْ أهل الكتاب بالكلية، والمعنى قريب من الأول، والله أعلم. ثمّ قال ﵀: "قال أبو جعفر بن جرير ﵀ بعد حكايته الإِجماع على إِباحة تزويج الكتابيات: وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني، كما حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إِدريس، حدثنا الصلت بن بهرام، عن شقيق؛ قال: تزوج حذيفة يهودية، فكتب إِليه عمر: خلِّ سبيلها، فكتب إِليه: أتزعم أنها حرام؛ فأُخلّيَ سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تَعَاطَوُا المومسات منهن. وهذا إِسناد صحيح. وروى الخلال عن محمد بن إِسماعيل، عن وكيع، عن الصلت. نحوه. ثمّ ساق ابن جرير بإِسناده إِلى زيد بن وهب؛ قال: قال لي عمر بن الخطاب: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة (٢). قال: وهذا أصح إِسناداً من الأول".

стр. 1756

وهناك آثار عديدة عن السلف في نكاح نساء أهل الكتاب (١)؛ منها: أن حذيفة ﵁ نكَح يهودية، وعنده عربيّتان. عن أبي وائل قال: "تزوج حذيفة يهودية، فكتب إِليه عمر أن: خلِّ سبيلها، فكتب إِليه: إِنْ كان حراماً خليتُ سبيلها، فكتب إِليه: إِني لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تَعَاطَوُا المومساتِ منهن" (٢). ومنها: عن أبي عياض قال: لا بأس بنكاح اليهوديات والنصرانيات إِلا أهل الحرب (٣). ومع القول بجواز نكاح الكتابيات أصلاً؛ ولكن لا بُدّ من أمْن الفتنة، والنظر إِلى عاقبة الأمور وخواتيمها، فإِنّ من تزَوّج من السلف منهنّ كانت لديهم القُدرة على هدايتهنّ للإِسلام بتوفيق الله -سبحانه-، وكذلك إِحسان تربية الأبناء. ونحن نرى الآن أن الزّواج من المسلمة العاصية له أثره السَّيِّئُ في الزوج، وانتكاسه ونقْص إِيمانه، فكيف إِذا تزوّج من كتابيّة! وسألت شيخنا ﵀ عن الزواج من الكتابيات؟ فقال: أرى عدم الزواج من الكتابيات؛ من باب سدّ الذرائع، وإنْ وقَع لا نُبطِله.

стр. 1757

وقال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (٣٢/ ١٨٢): "إِن نكاح المجوسيات لا يجوز، كما لا يجوز نكاح الوثنيات، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وذكره الإِمام أحمد عن خمسة من الصحابة في ذبائحهم ونسائهم، وجعل الخلاف في ذلك من جنس خلاف أهل البدع ... ". وسألت شيخنا ﵀ عن زواج المجوس؟ فقال: يحرُم ذلك. وسألته ﵀ عن قول بعضهم في جواز الزواج ممّن لهم كتاب غير اليهود والنّصارى؟ فقال ﵀: لا نعلم أهل الكتاب إِلا اليهود والنصارى. وجاء في "الإِرواء" (٥/ ٩٠): "وروى البيهقي (٩/ ١٩٢) عن الحسن بن محمد بن علي قال: كتَب رسول الله ﷺ إِلى مجوس هجَر يَعرِض عليهم الإِسلام، فمن أسلَم قُبِل منه، ومن أبى ضُربت عليه الجزية، على أن لا تؤكل لهم ذبيحة، ولا تُنكَح لهم امرأة. وقال: هذا مرسل، وإِجماع أكثر المسلمين عليه يؤكده، ولا يصح ما روي عن حذيفة في نكاح مجوسية". قال شيخنا ﵀: "ورجال إِسناده ثقات" انتهى. نكاح المسلمة بغير المسلم: قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا جاءَكُمُ المؤمناتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بإِيمانِهِنّ فإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤمِنَاتٍ فلا تَرْجِعُوهنّ إِلى

стр. 1758

الكُفّار لا هُنّ حِلٌّ لهم ولا هم يَحِلّونَ لهُنَّ﴾ (١). قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": "وقوله -تعالى-: ﴿فإن عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤمِنَاتٍ فَلا تَوْجِعُوهُنَّ إِلى الكُفَّار﴾؛ فيه دلالة على أن الإِيمان يمكن الاطلاع عليه يقيناً. وقوله -تعالى-: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لهم ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾: هذه الآية هي التي حَرّمت المسلماتِ على المشركين، وقد كان جائزاً في ابتداء الإِسلام أن يتزوج المشركُ المؤمنةَ، ولهذا كان أبو العاص بن الربيع زوجَ ابنة النّبيّ ﷺ زينب ﵂، قد كانت مسلمة، وهو على دين قومه، فلمّا وقع في الأسارى يوم بدر؛ بَعثت امرأته زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأمّها خديجة، فلمّا رآها رسول الله ﷺ ؛ رقّ لها رقّة شديدة، وقال للمسلمين: "إِنْ رأيتم إِن تُطْلقوا لها أسيرها فافعلوا ... " (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: ردّ النّبيّ ﷺ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأوّل، ولم يُحدِث نكاحاً" (٣). وجاء في "الإِرواء" (٦/ ٣٤٠): " ... قال قتادة: ثمّ أُنزلت سورة ﴿براءة﴾ بعد ذلك، فإِذا أسلمت المرأة قبل زوجها؛ فلا سبيل له عليها إِلا

стр. 1759

بخطبة، وإسلامها تطليقة بائنة. وإسناده صحيح مرسل". انتهى. وقال الله -تعالى-: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ (١). فما كان للكافرِ من سلطانٍ على مسلمة، ونكاحه منها أعظم سلطان عليها؛ عياذاً بالله -تعالى-. وقد جاء إِليّ من خارج البلاد سؤالٌ مِن أحد الإِخوة وهذا نصُّه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: فقد هداني الله وعن طريق أحد الإِخوة المؤمنين. ... وحصلتُ على عنوانكم طالباً منكم المساعدة في سبيل مرضاة الله، والسير على طريق الشرع الإِسلامي الحنيف. والأمرُ كالآتي: لقد تزوجتُ من امرأة مسلمة بعد طلب يدها للزواج من ذويها، وبعد استئذانها، ثمّ بعد سنتين من الزواج سافرنا إِلى بريطانيا للدراسة، وفي تلك البلاد انشقّت زوجتي عني، وحصل بيننا شِقاق في أمور يسيرة، إِلا أنها أخذت الأمر حُجة لطلب الطلاق من المحكمة البريطانية التي لا تدين بدين الإِسلام، ورفضَت كل طلبٍ للوساطة والصلح؛ من طريق أهل الخير من المسلمين الذين يعرفوننا هناك .. وحتى إِنّها رفضت أن تتحدث -ولو بشكل وُدِّي غير ملزِم- إِلى المركز الإِسلامي (بلندن)، ولمّا كنت أرفض التحاكم إِلى القضاء غير المسلم، ورغم عدم ثبوت أي صحة تُبيح تطليقها منّي بحكم القانون البريطاني؛ مِثل ثبوت سوء المعاملة، أو الضرب، أو الخيانة الزوجية، أو فقدان العقل .. لذلك حكموا بالفراق ومن ثمّ بالطلاق، وفي كل مرة كنّا نتواجه بها في المحكمة أو عن طريق محاميها؛ كانت ترفض دعوتي لها بإِرجاع

стр. 1760

الأمر إِلى قضاءٍ مسلم، وهددتني برفع الأمر إِلى الشرطة البريطانية إِذا حاولتُ الاتصال بها، أو محادثتَها، فأوكلت أمري إِلى الله الواحد الأحد! وعلمتُ فيما بعد أنها تزوّجت من رجل غيرِ مسلم في تلك البلاد دون إِذن مني، إِني أرجوكم أن تساعدوني بتقديم البيان لي في شرع الله ، وسنة نبيّه الكريم محمد ﷺ . ولحاجتي الماسّة إِلى البيان أرجو منكم استعجالَ الجواب. أولاً: هل يجوز لقاضٍ غير مسلم تطليق امرأة مسلمة من زوجها المسلم؟ ثانياً: هل يقع الطلاق برغم تمسُّك الزوج وطلبه من زوجته الرجوع في الأمر إِلى قضاء مسلم، وكان ذلك ميسّراً؟ ثالثاً: هل يحِلّ للمرأة في هذه الحالة أن تعدّ نفسها مطلقة من زوجها الأول المسلم؟ وهل يحقُّ لها الزواج من غيره؛ مع العلم أنها مبلّغة بالحذر من اعتبار طلاقها من القضاء البريطاني، وأنّ الأَولى أن يصلح بينهما، أو يطلقها قاضٍ مسلم؟ وطوال هذا الوقت تعلم تلك المرأة عِلم اليقين مكان وعنوان الاتصال المباشر مع زوجها الأول المسلم، ولكنها آثَرت البلاد غير المسلمة، ورفضت العودة إِلى بلادها أو الاتصال به. أرجو منكم استعجال الجواب، وبإِذن الله، وعسى أن يَرِدَني منكم الجوابُ بفتوى خطية، وعسى أن تبحثوا الأمر مع صاحب العِلم الجليل فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -حفظه الله وأبقاه-. وإِني سوف أسعى لإِبلاغها ونُصحها بالعودة إِلى الصراط المستقيم؛ قبل أن تلقى ربّها وهي مذنبة غير تائبة.

стр. 1761

هذا .. ووفقّكم الله لكل خير. انتهى. وعرضتُ السؤال على شيخنا ﵀؛ فأجاب. الحمد لله: الجواب عن الأسئلة الثلاثة: لا يجوز، لا يقع، لا يحلّ. وأنصح السائل أن يَنْفُضَ يده من هذه المرأة، ولا يسأل عنها، ولا يذهب نفسه حسراتٍ عليها، وأن لا يفكِّر أن يعيدها إِلى عصمته ولو رغبت، بعد أن ارتكبت ذينك الذنبين الكبيرين: ١ - تحاكَمت إِلى الطاغوت، ورَضِيت بحكمه، وهذا خُلُق من يزعمون أنهم آمنوا، وقد قال الله فيهم. ﴿يُريدون أن يَتَحَاكمُوا إِلي الطَّاغُوت وقد أُمِروا أن يكفروا به ويُرِيُد الشَّيطانُ أن يُضِلّهم ضلالاً بعيداً﴾ (١). ٢ - رضيت أن يعلوها زوج كافر، والله -تعالى- يقول: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ (٢). وكتب: محمد ناصر الدين الألباني. فائدة: جاء في "الفتاوى" (٣٢/ ٦١): "وسئل عن "الرافضة" هل تزوّج؟ فأجاب: الرافضة المحضة هم أهل أهواء وبدع وضلال، ولا ينبغي للمسلم أن يزوّج موليته من رافضي، وإِنْ تزوج هو رافضية صح النكاح، إِنْ كان يرجو أن تتوب؛ وإلا فترْك نكاحها أفضل؛ لئلا تُفسد عليه ولده، والله أعلم".

стр. 1762

تحريم الزيادة على الأربع: لا يحلّ للرجل أن يجمع في نكاحه أكثر من أربع زوجات في وقت واحد؛ لقوله -تعالى-: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكم مِنَ النِّسَاءِ مثنَى وثلاثَ ورُبَاعَ﴾ (١). وهذا عدا ما ملكَت يمينه من الإِماء. عن ابن عمر ﵁: "أن غَيلان بن سلمة الثقفي أسلم، وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلَمْن معه، فأمَره النّبيّ ﷺ أن يتخير منهنّ أربعاً" (٢). وعن قيس بن الحارث قال: "أسلمتُ وعندي ثمانِ نسوة، فذكرتُ ذلك للنّبيّ ﷺ ؛ فقال النّبيّ ﷺ : اختر منهن أربعاً" (٣). قال ابن كثير ﵀: "قال الشافعي: وقد دلّت سُنّة رسول الله ﵌ المبيّنة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله ﷺ أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة. وهذا الذي قاله الشافعي ﵀ مُجمَع عليه بين العلماء؛ إِلا ما حُكي عن الشيعة أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إِلى تسع ... ". تعدُّد الزوجات: أباح ديننا الحنيف تعدّد الزوجات، على ألا يزيد على أربع؛ خلا ملك

стр. 1763

اليمين من الإِماء؛ كما تقدّم. وأوجب العَدْل بينهنّ في الطعام والكسوة والسكن والمبيت. عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "من كانت له امرأتان فمال إِلى إِحداهما، جاء يوم القيامة وشِقّه مائل" (١). ومن خاف ألا يعدل فعليه أن يقتصر على واحدة؛ لقول الله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ فإِنْ خفْتُم ألا تَعْدلُوا فَوَاحدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُم ذلك أدْنَى ألا تَعُولُوا﴾ (٢). قال ابن كثير ﵀: "أي: فإِنْ خشيتم من تعداد النساء أن لا تعدلوا بينهن؛ كما قال -تعالى-: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حَرَصتم﴾، فمن خاف من ذلك؛ فليقتصر على واحدة، أو على الجواري السراري؛ فإِنه لا يجب قسم بينهن، ولكن يستحبّ، فمن فعَل فحسَن، ومن لا فلا حرج". انتهى. وعن عائشة ﵂ عن النّبيّ ﷺ في قوله -تعالى-: ﴿ذلك أدنى أن لا تعولوا﴾ قال: "أن لا تجوروا" (٣). والمراد من قوله -تعالى-: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو

стр. 1764

حَرَصْتُم﴾ (١) - كما قال ابن كثير -بحذف-: "أي: لن تستطيعوا أيها الناس! أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإِنه وإن حصَل القسم الصوري: ليلة وليله، فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع؛ كما قاله ابن عباس، وعبَيِدة السلماني، ومجاهد، والحسن البصري، والضحاك بن مزاحم". ثمّ ساق بإِسناد ابن أبي حاتم إِلى ابن أبي مليكة قال: "نزلت هذه الآية: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرَصتم﴾ في عائشة. يعني: أنّ النّبيّ ﷺ كان يحبها أكثر من غيرها (٢) ". ثمّ قال ﵀: "وقوله: ﴿فلا تميلوا كلّ الميل﴾؛ أي: فإِذا مِلتم إلى واحدة منهنّ، فلا تُبالِغوا في الميل بالكلِّية ﴿فتذروها كالمعلّقة﴾؛ أي: فتبقى الأخرى مُعلّقة. قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك، والربيع بن أنس، والسُّدِّيُّ، ومقاتل بن حيان: معناه: لا ذات زوج ولا مطلقة". ثمّ ذكر حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له امرأتان فمال إِلى إِحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقّيه ساقط" (٣). ثمّ قال ﵀: " ﴿وإِنْ تُصلحوا وتتقوا فإِنّ الله كان غفوراً

стр. 1765

رحيماً﴾؛ أي: وإنْ أصلحتم في أموركم، وقسَمتم بالعدل فيما تملكون، واتقيتم الله في جميع الأحوال، غفَر الله لكم ما كان من مَيْل إِلى بعض النساء دون بعض". انتهى. والحاصل: أن المرء لا يستطيع المساواة بين النساء مِن جميع الوجوه، فلا بُدّ من التفاوت في المحبّة والشهوة والجماع، وقد تقدّم أن عائشة ﵂ كانت أحبَّ النساء إِلى رسول الله ﷺ . وجاء التوجيه الرّباني بالإِصلاح والتقوى في الأمور؛ لتكون المغفرة على ما كان من ميل إِلى بعض النساء دون بعض. وهذا يعني مراعاة الضعف البشري، وليس معنى قوله -تعالى-: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حَرَصْتُم﴾ تحريم التعدّد! وهذا الفَهْم السقيم فيه اتهام لربّ العالمين؛ أنه يعلم عدم استطاعة العدل بين النساء؛ ثمّ يأمر -سبحانه- بالتعدُّد!! تعالى الله عن هذا علوّاً كبيراً. فلا بدّ ابتداءً أن ينوي المرء العدل ويتحرّاه -كما ينوي عدم الوقوع في أي ذنبٍ آخر؛ ولكنه يُذنب، وأينا لا يظلم نفسه؟! - فإِذا وقعَ منه الميل أو عدم العدل؛ استغفر وأناب، واتقى وأصلح. ماذا يُشترط على من يريد التعدّد ؟ ١ - القدرة عليه مالياً وبدنياً. ٢ - القدرة على العدل الممكن؛ في ضوء التفصيل السابق، والله -تعالى- يقول: ﴿فإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة﴾.

стр. 1766

فمن لم يخف عدم العدل فقد حلّ له ذلك، وإلا حرُم عليه، فلا بُدّ من الإِيمان والتقوى وقوة الشخصيّة؛ لضبط الأمور بين النّساء. فعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ لا يُفضّل بعضنا على بعض في القسم" (١). من محاسن التعدّد: ومحاسن التعدّد كثيرة، منها: ١ - أنّ النّبيّ ﷺ يكاثر بأُمّته الأمم يوم القيامة، والتعدّد من الأبواب الموصلة إِلى ذلك. عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تزوّجوا؛ فإِنّي مُكاثِرٌ بكم الأمم يوم القيامة" (٢). ٢ - أنّ خير الناس أكثرهم نساءً، عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: "هل تزوجتَ؟ قلت: لا. قال: فتزوَّجْ؛ فإِنّ خير هذه الأمّة أكثرها نساءً" (٣). ٣ - أنّ الأمّة المجاهدة تفتقر إِلى عدد كبير؛ يقوم بهذا الأمر العظيم. ٤ - إِنّ الأعداد الكثيرة في أيّ دولة -حين يلي أمورها أمراء متقون وولاةٌ

стр. 1767

عادلون- لهي الأولى بالرفعة والسمّو والعزّ. ٥ - أنّ في ذلك علاجاً ناجعاً للنّساء في حالات عديدة؛ فهناك الكثير من النسوة لا تُرْتَضَى زوجة أولى؛ لِكبرها أو لنقصٍ في جمالها، أو لكونها مطلّقة، أو مريضة، أو لا تلِد. ٦ - أنّ قدرة الرجل على الوطء والجماع؛ لا كالمرأة، والله -تعالى- بحكمته وعلِمه خلَقه كذلك. ولا يخفى ما يصيب المرأة من حيض ونفاس، تؤثّر في حالتها النفسية والبدنية، فماذا يكون من شأن الرجل خلال هذه المُدّة؟! وكيف إِذا كان لدى بعض الرجال رغبة جنسيّة قويّة؟! ٧ - أنّ الفُجّار والفُسّاق ينفّسون عن شهواتهم -على اختلاف درجاتها- بالزنى والفجور والمحرّمات، أمّا المتّقون الذين يحوصون على غضّ البصر وحِفظ الفرج؛ فإِنّ ملاذَهم -بفضل الله- هو التعدّد. وكلّ ما نقوله في محاسن التعدّد؛ لا يعني أن لا تكون معاناةٌ عند المرأة، أو أن لا ترى ما تكره. ولكن؛ هل في عدم التعدّد قد ارتاحت من المعاناة، ولم تَرَ إِلا ما تحبّ؟! وليس يخفى أن الأمور بمجموعها؛ لا بأفرادها، وماذا إِذا زنى زوجها -عياذاً بالله-؟! فلا بُدّ أن تعلم أنّ ما يكون من ضررٍ للرجل أو المرأة من إِباحة التعدد؛ لهو أخفّ من منْعه. وللعلماء في الأضرار والمنافع كلام طيّب، فقد بيّنوا -مثلاً- أنه يحصل في

стр. 1768

الجهاد نقصٌ في الأموال والأنفس والثمرات ... ولكن لا يخفى ما يكون من حال الأُمّة التي لا تجاهد؛ ممّا يركبها من ذِلّةٍ وهوانٍ وطمع الأعداء، فالأموال والأنفس والثمرات كلها تحت تصرف الأعداء إِلا ما شاء الله. هذا؛ وفي حوارٍ بين زوجين، قال الزوج: لماذا تحاربين هذا الأمر؟! أتريدين أن أزني؟! فقالت: ازْنِ؛ ولا تتزوّج!!! توجيهات وكلمات مضيئة في التعدّد ١ - إِن كثيراً من النّاس يضربون الأمثلة على فشل زيد وعمرو في التعدّد! فأقول: إِنّ ضرْب الأمثلة على فشل زيد وعمرو في التعدّد: لهو الفشل في الفقه والعلم! فالأمثلة لا تُلغي الأحكام الشرعيّة، لأنه قد يقول جاهل: لقد أسلم ملحد ذات يوم، وبعد إِسلامه ابتُلي بالفقر والمرض النفسي؛ ثمّ قام بسرقة ألوف الدنانير من بعض المسلمين! فهذا المثال -على ما فيه من فساد- أشبه ما يكون بظلمات بعضها فوق بعض؛ فهل نتوقّف عن الدعوة إِلى الإِسلام. بل إنّ المرأة قد تتمنّى الوطء الحلال، ولو لمرَّةٍ واحدة، حتى لو طُلّقت، وكم من الرجال والنساء من يشتهي هذا الوطء، ولكن لم ييسّر لهم ذلك، وعدمُه يُفضي إِلى الحرام؛ عياذاً بالله -تعالى-! ولو أنّ تلك المرأة -بعد ذلك الوطء الحلال- قد أنجبت ولداً صالحاً ينفعها؛ فهو خير لها من أن تموت من غير نكاح.

стр. 1769

٢ - ولا بُدّ أن يعلم هؤلاء المعترضون أنهم بآيات الله يجحدون، وأنّهم يُعارضون الدّين، فليحذروا من هذا كلّه. وأقول: هل اعتراضهم على الحُكم الشرعي في أمر التعدّد؛ أم على سوء تطبيق بعض الناس؟! فهل سوء استخدام السيارة يحرّمها؟! وهل سوء استخدام الهاتف يحرّمه؟! وهل سوء استخدام المال يحرمه؟! وكذلك الأمر في التعدّد. ٣ - إِنّ كثيراً من النّساء؛ لا يمنعهن الموافقة على هذا الأمر إِلا النّاس! فالمرأة تخشى القيل والقال، وألسنة النّاس! ولو أنها أمِنَت ذلك، ورأت من المجتمع إِقراراً؛ لما عارضَت هذا الأمر. ولو جئتَ تستحلفها بالله -سبحانه-: ألَيس الأتقى لربك أن يعدّد زوجك؛ لقالت: نعم؛ لأنها تعلم أنها لا تستطيع إِشباع غريزته الجنسية مثلاً -ولو ادعت ذلك-، ولأنها تعلم أنه لا يلبّي حاجات زوجها الكثيرة إلاَّ الزّواج. فإِلى كلّ من خشي النّاس -من ذَكَر وأنثى- أقول: اخشَ رب النّاس، ملك النّاس، إِله النّاس . ٤ - وأمّا بعض الرجال -وهم أشباه النّساء مع الأسف- الذين شنّوا الحرب على التعدّد؛ فإِنّك لو استحلفتهم بالله -سبحانه-: ألا تتمنّون التعدّد في أفئدتكم؟ وتشتهونه في قلوبكم؟! لما سمعت منهم إِلا الإِقرار.

стр. 1770

٥ - ولا بُدّ للمرأة المسلمة أن تثق بربّها -سبحانه- ودينها الحنيف، وألا تخضع للموازين الفاسدة، فلا بُدّ لها أن تُوازِن بين عدم زواجها إِرضاءً للناس، وبين زواجها بما فيه من إِعفاف وإحصان، ومنافع في الدارَين. ٦ - ومع الأسف أن تكون الحرب الشعواء من نساءٍ مسلمات سُمّين بـ (الملتزمات)!! فإِذا سمعن بشيء من هذا؛ غلَت صدورهنّ، وبدأن بإِشعال النيران، وإطالة ألسنتهن طعناً وافتراءً على العروسين؛ دون تقوى أو مراقبة لله -تعالى-! وبينهنّ حبل التواصي بالباطل ممدود، حتى إِنّ إِحداهنّ (من الداعيات)! سمعت أن فلاناً خطب فلانة، فقالت: أنا التى سأقف ضدّه. وليست هذه القضيّة -والله- حرباً ومعركة بين فريقين؛ ليحشد كلٌّ منهما ما عنده من الأسلحة الفتّاكة ليحرق الآخر! ولا هي بالمنافسة الشريفة والمسابقة المشروعة؛ ليسارع كلٌّ للانتصار لما عنده! بل إِن الأمر يحتاج إِلى الاحتكام إِلى العلماء وَرَثة الأنبياء ﵈؛ وقد قال -سبحانه-: ﴿فاسألوا أهل الذِّكر إِن كنتم لا تعلمون﴾ (١). وقال -سبحانه-: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُون حتَّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بينهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهم حَرَجاً ممّا قَضَيْتَ ويُسَلِّموا تَسْلِيماً﴾ (٢). وبهذا يكون معنى الآية: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكِّموا ورثتك فيما شجرَ بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قَضَوْا ويسلّموا تسليماً". أما أن ترى المرأة نفسها فقيهة مجتهدة في هذا الأمر، فتُفتي من عندها بما

стр. 1771

تهوى؛ فهذا هو العجَب. وأنا أعجب من هؤلاء النّسوة اللاتي يُطِلن ألسنتهنّ خوضاً وطعناً في النّاس، وكأنّ الله -تعالى- قد أحلّ لهنّ هذا الخوض، أو كأنّ الإِجماع في تحريم الغيبة قد صار إِلى سراب؛ فأصبحت غِيبةُ المعدّدين من أفضل القُربات إِلى الله -تعالى-. وأنا أستحلف هؤلاء النسوة بالله ربّ العالمين: هل استغفرن من هذه الذنوب؟! وهل طلبن التحلُّل ممّن طَعَنَّ فيهم أو فيهنّ؟! هل دعون لهم أو لهنّ في ظهر الغيب؟! هل تُبْن توبةً نصوحاً؟! هل استحضَرن قول النّبيّ ﷺ : "إِني لأرى لحمه بين أنيابكما"؟! هل استشعرن في أنفسهنّ عذاب النّار، والمُثُولَ بين يدي العزيز الجبّار؟! هل تدبّرْن قوله -تعالى-: ﴿يومئذٍ تُعرضون لا تَخفى منكم خافية﴾ (١). وهل خَشِينَ على أنفسهنّ أن تُعرض فضائحهن أمام الخلق؟! وهل تدبّرن قوله -تعالى-: ﴿يوم تجد كلّ نفسٍ ما عملت من خيرٍ مُحضراً وما عملت من سوء تودُّ لو أنّ بينها وبينه أمداً بعيداً﴾ (٢)؟! وهل خِفْن على أنفسهنّ أن يجدن ما عملن من سوء وطعنٍ في النّاس مُحضَراً؟! كم أُشْفق على هؤلاء النسوة، وعلى ما فيهنّ من حالٍ؛ في محاربة الله ورسوله ﷺ -شعرْنَ أو لم يشعرن-!

стр. 1772

كم أرثي لحالهنّ وهنّ يَعِثن في الأرض فساداً! كم يتفطّر القلب عليهنّ؛ وهن يُمسِكْن معاول الهدم للإِسهام في هدم المجتمع -وإن زَعمنَ غير ذلك-! كم يتلوَّع الفؤاد عليهنّ في الجزم بالعِلم والمعرفة والخبرة والمصلحة؛ وهنّ أبعد النّاس من هذا كلّه! كم أرقُّ لهؤلاء المفلسات اللائي يضيّعن الثواب يوم القيامة؛ وقد اغْتَبْنَ هذا، وطَعَنَّ في هذا، وشَتَمْنَ هذا ... والثمن كله من الحسنات: يوم لا درهم ولا دينار! فهلمّ إِلى التوبة والإِنابة والاستغفار والندم ﴿من قبل أن يأتي يوم لا مردّ له من الله﴾ (١). فائدة: إِنّ ما جرى عند أُمّهات المؤمنين ﵅ من غَيرةٍ -والنصوص في ذلك كثيرة-: إِنّما هو توجيه وإرشاد للنّساء -ولا سيّما في زماننا- أن هذا حال البشر، وأنّ أمْر التعدّد لا يخلو ممّا تكرهه المرأة، ولا يعنى أنها إِذا لقيت أدنى ما تكره قذِرت التعدّد وجَحدته -عياذاً بالله تعالى-. وكأنّ ما جرى بين أزواج النبيّ ﷺ يقول: هذا هو التعدّد، وهذه هي بشريّة الإِنسان غير المعصوم، فَلَكُنّ في أزواج النّبيّ ﷺ ونساء السلف أسوة وقدوة في قَبوله وتحمُّله، مع ورود ما ذكَرْت. وهناك أمْرٌ هامّ؛ وهو أنّ ما جاء في مِثل هذه الأمور لا يعدو أن يكون بين

стр. 1773

أزواج النّبي ﷺ ، لا كحال أكثر النساء اليوم -مع الأسف- مِن تعدّي هذا؛ إِلى المجتمع: غيبةً ونميمةً وقدحاً وطعناً، وركوباً للهوى، بل إِنّك قد ترى من الكلام حول التعدُّد ما قد تحكمُ بِكفر بعضهنّ؛ عياذاً بالله -سبحانه-! ٧ - وندائي إِلى كلّ من يسعى إِلى مرضاة الله -تعالى-، ومن يرغب في التعدّد ويسعى إِليه؛ أن يتقي الله -تعالى-؛ ليمحو كثيراً من الصور المظلمة عن المعدّدين، فالقدوة العملية لها أثرها الكبير. مسائل في التعدّد: ١ - مَن أَوْلَمَ على بعض نسائه أكثر من بعض (١): عن ثابت قال: "ذُكر تزويج زينب بنت جحش عند أنس، فقال: ما رأيت النّبيّ ﷺ أَوْلَمَ على أحد من نسائه ما أولم عليها، أولم بشاة" (٢). قال الحافظ ﵀: " ... وأشار ابن بطال إِلى أن ذلك لم يقع قصداً لتفضيل بعض النساء على بعض، بل باعتبار ما اتفق، وأنه لو وجد الشاة في كل منهن لأولم بها، لأنه كان أجود الناس، ولكن كان لا يبالغ فيما يتعلّق بأمور الدنيا في التأنق. وجوَّز غيره أن يكون فعل ذلك لبيان الجواز". ٢ - إِذا تزوّج البكر على الثيّب، والثيب على البكر: عن أنس ﵁ قال: "من السّنّةَ إِذا تزوّج الرجلُ البكرَ على

стр. 1774

الثيب، أقام عندها سبعاً وقَسَم، وإذا تزوّج الثيّب على البكر؛ أقام عندها ثلاثاً ثمّ قَسَم. قال أبو قِلابة: ولو شئت لقلت. إِن أَنَسَاً رفعه إِلى النّبيّ ﷺ " (١). ٣ - القُرْعة بين النّساء إِذا أراد سفراً (٢): عن عائشة ﵂ " أنّ النّبيّ ﷺ كان إِذا أراد سفراً أقرع بين نسائه" (٣). ٤ - النهي عن افتخار الضَّرَّة (٤): عن أسماء: "أن امرأة قالت: يا رسول الله! إِن لي ضَرَّة، فهل عليَّ جُناحٌ إِن تَشبّعتُ من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال رسول الله ﷺ : المتشبّع (٥) بما لم يُعطَ كلابس ثَوبيْ زور" (٦). ٥ - استئذانُ الرجلِ نساءَهُ في أن يُمرَّض في بيت بعضهنّ: عن عائشة ﵂: "أنّ رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ يريد يوم عائشة، فأذِنَ له أزواجه يكون

стр. 1775

حيث شاء، فكان في بيت عائشة، حتى مات عندها، قالت عائشة: فمات في اليوم الذي كان يدور عليّ فيه في بيتي، فقبضه الله؛ وإنّ رأسه لبَين نحري (١) وسَحري (٢)، وخالط ريقه ريقي" (٣). فائدة: جاء في "الفتاوى" (٣٢/ ٢٦٩) -بحذف-: "وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل متزوّج بامرأتين، وإحداهما يحبُّها، ويكسوها، ويعطيها، ويجتمع بها أكثر من صاحبتها؟ فأجاب: الحمد لله، يجب عليه العدل بين الزوجتين باتفاق المسلمين"، وأشار إِلى الحديث: "من كانت له امرأتان ... "، ثمّ قال: "فعليه أن يعدل في القَسم، فإِذا بات عندها ليلة أو ليلتين أو ثلاثاً بات عند الأخرى بقدر ذلك، ولا يُفضّل إِحداهما في القَسم. لكن إِنْ كان يحبها أكثر، ويطأها أكثر فهذا لا حرج عليه فيه؛ وفيه أنزل الله -تعالى-: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ (٤)، أي: في الحب والجماع ... وأمّا العدل في النفقة والكسوة، فهو السنة أيضاً، اقتداءً بالنّبيّ ﷺ ، فإِنه كان يعدل بين أزواجه في النفقة؛ كما كان يعدل في القسمة".

стр. 1776

الولاية على الزّواج معنى الولاية (١): الولاية: حقٌّ شرعي، يُنفّذ بمقتضاه الأمر على الغير، جبراً عنه. وهي ولاية عامّة، وولاية خاصّة. والولاية الخاصّة؛ ولاية على النفس، وولاية على المال. والولاية على النفس هي المقصودة هنا، أي: ولاية على النفس في الزواج. من هو الوليّ ؟ الوليّ: هو قرابة المرأة؛ الأدنى فالأدنى الذين يلحقهم الغضاضة إِذا تزوّجت بغير كفء؛ وكان المزوّج لها غيرهم ... (٢). وأدلّة اشتراط الولي كثيرة؛ منها (٣): قوله -تعالى-: ﴿فلا تعضلوهنّ أن ينكحن أزواجهنّ﴾ (٤). قالى الإِمام الشافعي ﵀: "هي أصرح آية في اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى" (٥).

стр. 1777

وجاء في "سبل السلام" (٣/ ٢٣٣): "ويدلّ لاشتراط الولي ما أخرجه البخاري، وأبو داود، من حديث عروة، عن عائشة: أنها أخبرته أنّ النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاحٌ منها نكاح النّاس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فَيُصْدِقها، ثمّ ينكحها ... ثمّ قالت في آخره: فلمّا بُعث محمد ﷺ بالحق هدَم نكَاح الجاهلية كله إِلا نكاح النّاس اليوم (١). فهذا دالٌّ أنه ﷺ قرَّر ذلك النكاح المعتبر فيه الولي، وزاده تأكيداً بما قد سمعت من الأحاديث، ويدلّ له نكاحه ﷺ لأم سلمة، وقولها: إِنه ليس أحد من أوليائها حاضراً، ولم يقل ﷺ : أنكحي أنت نفسك، مع أنه مقام البيان. ويدل له قوله -تعالى-: ﴿ولا تُنْكِحُوا المشركين﴾ (٢) فإِنه خطاب للأولياء بأن لا يَنْكحوا المسلماتِ المشركين ... ". وجاء في "الروضة الندية" (٢/ ٢٩): " ... ولا شكّ أن بعض القرابة أَدْخَلُ في هذا الأمر من بعض، فالآباء والأبناء أولى من غيرهم، ثمّ الإِخوة لأبوين، ثمّ الإِخوة لأب أو لأمّ، ثمّ أولاد البنين وأولاد البنات، ثمّ أولاد الإِخوة وأولاد الأخوات، ثمّ الأعمام والأخوال، ثمّ هكذا من بعد هؤلاء. ومن زعَم الاختصاص بالبعض دون البعض؛ فليأتنا بحُجّة، وإن لم يكن بيده إِلا مجرد أقوال من تقدمه؛ فلسنا ممن يُعَوِّل على ذلك، وبالله التوفيق". وقال الإِمام ابن حزم ﵀ في "المحلى" (١١/ ٣٥): "وأمّا قولنا: إنه لا يجوز إِنكاح الأبعد من الأولياء مع وجود الأقرب، فلأن الناس كلّهم يلتقون

стр. 1778

في أب بعد أب إِلى آدم ﵇ بلا شكّ، فلو جاز إِنكاح الأبعد مع وجود الأقرب؛ لجاز إِنكاح كلّ من على وجه الأرض؛ لأنه يلقاها بلا شك في بعض آبائها! فإِنْ حَدُّوا في ذلك حدّاً كُلّفوا البرهان عليه -ولا سبيل إِليه-. فصحّ يقيناً أنه لا حقّ مع الأقرب للأبعد. ثمّ إِنْ عُدِمَ فَمَنْ فَوْقَهُ بِأَبٍ .. هكذا أبداً؛ ما دام يُعْلَمُ لها وليّ عاصب؛ كالميراث ولا فرق". وسألت شيخنا ﵀: "هل ينعقد نكاح المرأة بوليّ؛ مع وجود من هو أولى منه؟ ". فأجاب: "إِذا كان بإِذنه جاز؛ وإلا فلا". * شروط الوليّ: ويشترط في الولي: الحرية، والعقل، والبلوغ؛ سواء كان المُولَّى عليه مسلماً أو غير مسلم، فلا ولاية لعبد، ولا مجنون، ولا صبي؛ لأنه لا ولاية لواحد من هؤلاء على نفسه، فأولى ألا تكون له ولاية على غيره. ويزاد على هذه الشروط شرط رابع، وهو الإِسلام، إِذا كان المُولَّى عليه مسلماً؛ فإِنه لا يجوز أن يكون لغير المسلم ولاية على السلم؛ لقول الله -تعالى-: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ (١). عدم اشتراط العدالة: ولا تشترط العدالة في الولي؛ إِذ الفسق لا يسلب أهلية التزويج، إِلا إِذا خرج به الفسق إِلى حد التهتُّك؛ فإِنّ الولي في هذه الحالة لا يؤتمن على ما تحت

стр. 1779

يده، فَيُسْلَبُ حقّه في الولاية؛ [وللسلطان في ذلك شأن وتدبير] * (١). جاء في "الفتاوى" (٣٢/ ١٠١): "وسئل ﵀ عن رجل تزوّج بامرأة، وليها فاسق يأكل الحرام ويشرب الخمر؛ والشهود أيضاً كذلك، وقد وقع به الطلاق الثلاث: فهل له بذلك الرخصة في رجعتها؟ فأجاب: إِذا طلقها ثلاثاً وقع به الطلاق. ومن أخذ ينظر بعد الطلاق في صفة العقد، ولم ينظر في صفته قبل ذلك: فهو من المتعدين لحدود الله، فإِنه يريد أن يستحل محارم الله قبل الطلاق، وبعده. والطلاق في النكاح الفاسد المختلف فيه عند مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة، والنكاح بولاية الفاسق: يصح عند جماهير الأئمة، والله أعلم". المرأة لا تزوّج نفسها: ليس للمرأة أن تزوّج نفسها؛ لأنّ الولاية شرط في صحّة العقد. ومن الأدلّة على ذلك: قوله -سبحانه-: ﴿وأنْكحُوا الأيَامَى منكم والصَّالحين مِن عبَادكُم وإِمَائِكم﴾ (٢). فكان الخطاب هنا للأولياء. وكذلك قوله -سبحانه-: ﴿وإِذا طلَّقتم النّساء فَبَلَغْنَ أجلهُنَّ فلا تَعضُلوهنّ أن يَنْكِحْنَ أزواجَهنَّ إِذا تَراضَوا بينهم بالمعروف ذلك يُوعَظُ به

стр. 1780

من كان مِنْكُم يُؤمن بالله واليوم الآخر ذلكُم أزكى لكُم وأطْهَر والله يَعْلم وأنتم لا تعلمون﴾ (١). قال ابن كثير ﵀ بحذف: " ... عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثمّ يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها. وكذا روى العوفي عنه. وكذا قال مسروق، وإِبراهيم النخعي، والزهري والضحاك أنها نزلت في ذلك. وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية. وفيها دلالة على أن المرأة لا تملك أن تُزوِّج نفسها، وأنه لا بدّ في تزويجها مِن وليّ؛ كما قاله الترمذي وابن جرير عند هذه الآية، كما جاء في الحديث: "لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها ... " (٢). ثمّ أشار إِلى ما ورد عن الحسن قال: ﴿فلا تَعْضُلُوْهُنّ﴾ قال: حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه، قال: "زوجتُ أختاً لي من رجل فطلَّقها، حتى إِذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وأفرشْتُك وأكرمتُك، فطلقتَها، ثمّ جئتَ تخطبها! لا والله لا تعود إِليك أبداً، وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إِليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فلا تَعْضُلُوْهُنّ﴾؛ فقلتُ: الآن أفعل يا رسول الله! قال: فزَوجها إِيّاه" (٣).

стр. 1781

وعن أبى موسى أنّ النبيّ ﷺ قال: "لا نكاح إِلا بوليّ" (١). وفي رواية: "لا نكاح إلاَّ بِوَلِيٍّ وشاهِدَيْ عدل" (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أيّما امرأة نُكحت بغير إِذن مواليها؛ فنكاحها باطل -ثلاث مرات-. فإِنْ دخَل بها؛ فالمهر لها بما أصاب منها، فإِنْ تشاجروا فالسلطان وليُّ من لا وليّ له" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: "كُنّا نعدُّ التي تنكح نفسها هي الزانية" (٤). وأمّا استدلال بعض الفقهاء بقول الله -تعالى-: ﴿فإنْ طَلّقَهَا فلا تَحِلُّ له من بَعْد حتَّى تًنْكِح زوجاً غَيْرَه﴾ (٥).

стр. 1782

وقوله -سبحانه-: ﴿وإِذا طَلَّقتُم النِّساء فبلَغْن أجَلَهُنّ فلا تَعْضُلُوهُنَّ أن يَنْكِحْنَ أزواجَهُنّ﴾ (١). وقولهم: في هاتين الآيتين إِسناد الزواج إِلى المرأة؛ فهو دليل على أنها تلي أمر نفسها في الزواج!! فالردّ عليه من وجوه كثيرة، أبرزها ما تقدّم من أدلّة، ثمّ إِن المعنى: حتى تنكح زوجاً غيره في ضوء الشروط المنصوص عليها؛ لا بمعزلٍ عنها، فلا ينبغي أن نضرب بعض النصوص ببعض. وفي الآية الأخرى في قوله: فـ ﴿لا تَعْضُلُوُهنَّ﴾ ما يدلّ على أن الخطاب للأولياء كما تقدّم. وجاء في "الفتاوى" (٣٢/ ٣١ - ٣٢): "وسئل ﵀ عن امرأة خلاها أخوها في مكان لتوفي عدة زوجها، فلمّا انقضت العدة هربت إِلى بلد مَسيرةَ يوم، وتزوّجت بغير إِذن أخيها، ولم يكن لها ولي غيره: فهل يصح العقد أم لا؟ فأجاب: إِذال يكن أخوها عاضلاً لها، وكان أهلاً للولاية: لم يصح نكاحها بدون إِذنه، والحال هذه، والله أعلم". إِذا كان الوليّ هو الخاطب (٢): قال الإِمام البخاري ﵀: "وخطب المغيرة بن شعبة امرأة هو أوْلى

стр. 1783

النّاس بها، فأمَر رجلاً فزوّجه (١). وقال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم بنت قارظ: أتجعلين أمرك إِليّ؟ قالت: نعم، فقال: قد تزوجتك (٢). وقال عطاء: ليُشهد أني قد نكحتكِ، أو ليأمر رجلاً من عشيرتها (٣) ". قال شيخنا ﵀ في "مختصر البخاري" (٣/ ٣٦٦): "المفهوم من كلام الشارح أنّ عطاء بن أبي رباح قاله في امرأة خطبها ابن عمّ لها؛ لا رجل لها غيره، قال حين سألوه عنها: "فلتشهد أنّ فلاناً خطبها، وإني أشهدكم أني قد نكحته"، أو تفوض الأمر إِلى الوليّ الأبعد، وهو معنى قوله بعد هذا: "أو ليأمر رجلاً من عشيرتها"، والكلام جرى على التذكير في ضبط الشارح، ونحن أتينا البيوت من أبوابها". قال الحافظ في "الفتح" بعد تبويب الإِمام البخاري -رحمهما الله تعالى-: "الذي يظهر من صنيعه أنه يرى الجواز، فإِنّ الآثار التي فيها أمر الولي غيره أن يزوجه ليس فيها التصريح بالمنع من تزويجه نفسه، وقد أورد في الترجمة أثر عطاء الدالّ على الجواز، وإنْ كان الأولى عنده أن لا يتولى أحد طرفَي العقد. وقد اختلف السلف في ذلك، فقال الأوزاعي وربيعة والثوري ومالك وأبو حنيفة وأكثر أصحابه والليث: يزوج الولي نفسه، ووافقهم أبو ثور: وعن

стр. 1784

مالك: لو قالت الثيب لوليها: زوِّجني بمن رأيت، فزوَّجها من نفسه أو ممن اختار؛ لَزِمها ذلك، ولو لم تعلم عين الزوج. وقال الشافعي: يزوجهما السلطان، أو ولي آخر مثله، أو أقعد منه. ووافقه زفر وداود. وحُجّتهم أنّ الولاية شرط في العقد، فلا يكون الناكح مُنكحاً كما لا يبيع من نفسه". انتهى. وقال ابن حزم ﵀: "وأمّا قولهم: إِنه لا يجوز أن يكون الناكح هو المُنْكِح! ففي هذا نازعناهم، بل جائز أن يكون الناكح هو المُنْكِح، فدعوى كدعوى. وأمّا قولهم: كما لا يجوز أن يبيع من نفسه! فهي جملة لا تصحّ كما ذكروا، بل جائز إِن وُكِّل ببيع شيء أن يبتاعه لنفسه، إن لم يُحابها بشيء". ثمّ ساق البرهان على صحة ما رجّحه (١)، من أن البخاري روى عن أنس: أن رسول الله ﷺ أعتق صفية، وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، وأولم عليها بِحيس (٢). قال: "فهذا رسول الله ﷺ زوَّج مولاته من نفسه، وهو الحُجّة على من سواه". ثمّ قال: "قال الله -تعالى-: ﴿وأنْكحُوا الأيَامَىَ منكم والصَّالحين من عِبَادِكُم وإِمَائِكُم إِن يَكُونوا فُقَرَاء يُغْنهم الله من فضله والله واسعٌ عليم﴾ (٣). فمن أنكح أيّمة من نفسه برضاها، فقد فعل ما أمره الله -تعالى- به، ولم يمنع

стр. 1785

الله من أن يكون المنكح لأيمة هو الناكح لها، فصح أنه الواجب" (١). غَيْبَةُ الوليّ: لا ولاية للبعيد مع وجود الوليّ الأقرب؛ فبحضور الأب لا ولاية للأخ أو العمّ؛ فضلاً عن غيرهما، وعقد هؤلاء موقوف على صاحب الولاية: الأب. وفي حالة غياب الأقرب يأتي من يليه؛ لعموم قوله -تعالى-: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (٢). ولقوله ﷺ : "إِذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٣). فلا يمكن تعطيل الزواج لغيابه وصعوبة الاتصال به وأخْذِ رأيه، وذلك حين لا يترجّح أوان عودته، ولا يخفى ما يترتّب على ذلك من تفويت مصالح النكاح العامّة والخاصّة، وليس لهذا الوليّ الغائب أن يعترض على ما كان. ولاية غير الآباء على الصغار: عن ابن عمر ﵄: "أنه حين هلَك عثمان بن مظعون ترك ابنة له. قال ابن عمر: فزوّجنيها خالي قُدامة -وهو عمها- ولم يشاورها، وذلك بعدما هلك أبوها، فكرهت نكاحه، وأحبت الجارية أن يزوجها المغيرة بن شعبة، فزوجها إِياه" (٤).

стр. 1786

وجاء في تبويب "سنن ابن ماجه": (باب نكاح الصغار يزوّجهن غير الآباء). وجاء في "الفتاوى" (٣٢/ ١٩): "وسئل ﵀ عن وجل له بنت، وهي دون البلوغ، فزوَّجوها في غَيبة أبيها، ولم يكن لها ولي؛ وجعلوا أن أباها توفي -وهو حي- وشهدوا أن خالها أخوها؛ فهل يصح العقد أم لا؟ فأجاب: إِذا شهد وا أن خالها أخوها؛ فهذه شهادة زور، ولا يصير الخال ولياً بذلك؛ بل هذه قد تزوّجت بغير ولي، فيكون نكاحها باطلاً عند أكثر العلماء والفقهاء، كالشافعي وأحمد وغيرهما، وللأب أن يجدده، ومن شهد أن خالها أخوها وأن أباها مات؛ فهو شاهد زور، يجب تعزيره، ويعزر الخال، وإِن كان دخل بها فلها المهر، ويجوز أن يزوجها الأب في عدة النكاح الفاسد عند أكثر العلماء، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه، والله أعلم". السلطانُ وليُّ من لا ولي له: إذا لم يكن للمرأة وليّ؛ فوليّها السلطان. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أيّما امرأة نُكحت بغير إِذن مواليها؛ فنكاحها باطل -ثلاث مرات-، فإِنْ دخَل بها، فالمهر لها بما أصاب منها، فإِنْ تشاجروا فالسلطانُ وليُّ من لا وليّ له" (١). وقال الإِمام البخاري ﵀: (باب السلطان وليّ؛ لقول النّبيّ ﷺ "زوّجناكها بما معك من القرآن") (٢).

стр. 1787

قال القرطبي ﵀: "وإذا كانت المرأة بموضع لا سلطان فيه، ولا وليّ لها، فإِنها تُصيِّرُ أمرها إِلى من يوثَق به من جيرانها، فيزوجها ويكون هو وليّها في هذه الحال؛ لأن الناس لا بد لهم من التزويج، وإِنما يعملون فيه بأحسن ما يمكن. وعلى هذا، قال مالك في المرأة الضعيفة الحال: إِنه يزوجها مَن تُسند أمرها إِليه؛ لأنها ممن تضعُف عن السلطان، فأشبهت من لا سلطان بحضرتها، فرجعت في الجملة إِلى أن المسلمين أولياؤها" (١). وجاء في "المحلّى" (١١/ ٣٠): "وصح عن ابن سيرين في امرأة لا ولي لها، فولت رجلاً أمرها، فزوّجها، قال ابن سيرين: لا بأس بذلك، المؤمنون بعضهم أولياء بعض". عضْل الوليّ: عضْل المرأة: هو منْعها من التزوّج ظُلماً. وليس للولي أن يعضل من يلي أمرها دون مسوّغ، أو سبب شرعي، فتقدُّم من يُرضى عن دينه وخُلُقه -حين يدفع مهر المِثل- لا يجوز ردّه، ومن حقّها أن تشكو وليّها إِلى القاضي. قال الله -تعالى-: ﴿وإِذا طلَّقْتُم النَّسَاء فَبَلَغْن أجلهُنّ فلا تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزواجَهنّ إِذا تراضَوا بينهم بالمعروف﴾ (٢).

стр. 1788

وقد نزلت هذه الآية في معقل بن يسار -كما تقدّم-. فعن الحسن قال: ﴿فلا تَعْضُلُوهُنّ﴾ قال: حدثني معقل بن يسار أنها نزَلَت فيه قال: "زوجْتُ أختاً لي من رجل فطلَّقها، حتى إِذا انقضت عدّتها جاء يخطُبُها، فقلت له: زوجْتُك وأفرشتُك وأكرمتُك، فطلقتَها، ثمّ جئت تخطبها! لا والله لا تعود إِليك أبداً! وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إِليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فلا تَعْضُلُوهُنّ﴾، فقلت: الآن أفعل يا رسول الله! قال: فزوجها إِيّاه" (١). جاء في "المحلّى" (١١/ ٦١) تحت المسألة (١٨٤١): "ولا يكون الكافر وليّاً للمسلمة، ولا المسلم وليّاً للكافرة، الأب وغيره سواء، والكافر ولي للكافرة التي هي وليّته، يُنكحها من المسلم والكافر. برهان ذلك قول الله ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٢)، وقال -تعالى-: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ (٣)، وهو قول من حفِظْنا قوله، إِلا ابن وهب صاحب مالك قال: إِن المسلم يكون ولياً لابنته الكافرة في إِنكاحها من المسلم أو من الكافر! وهذا خطأ لما ذكرنا. وبالله -تعالى- التوفيق". وجاء فيه أيضاً (٤٣ - ٤٤) تحت المسألة (١٨٢٨): "وإذا أسلمت البكر ولم يسلم أبوها، أو كان مجنوناً؛ فهي في حُكم التي لا أب لها؛ لأن الله

стр. 1789

-تعالي- قطع الولاية بين الكفار والمؤمنين، قال -تعالى-: ﴿يا أيّها الذين آمنوا لا تَتَولَّوا قوماً غَضِبَ الله عليهم﴾ (١). وقال -تعالى-: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٢). وصح في المجنون قول رسول الله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة"؛ فذكر منهم: "المجنون حتى يفيق" (٣). وقد صحّ أنه غير مخاطب باستئمارها ولا بإِنكاحها، وإنما خاطب أولي الألباب، فلها أن تنكح من شاءت بإِذن غيره من أوليائها، أو السلطان". جاء في "الفتاوى" (٣٢/ ٣٥): "وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل أسلم: هل يبقى له ولاية على أولاده الكتابيِّين؟ فأجاب: لا ولاية له عليهم في النكاح، كما لا ولاية له عليهم في الميراث، فلا يزوج المسلم الكافرة، سواء كانت بنته أو غيرها، ولا يرث كافر مسلماً ولا مسلم كافراً، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وأصحابهم من السلف والخلف ... (٤) ".

стр. 1790

اليتيمة تُستأمر في نفسها: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تُسْتأمر (١) اليتيمة في نفسها، فإِنْ سكتت فهو إِذنها، وإن أبت فلا جواز عليها (٢) " (٣). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "توفي عثمان بن مظعون، وترك ابنة له من خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، قال: وأوصى إِلى أخيه قدامة بن مظعون، قال عبد الله: وهما خالاي، قال: فخطبت إِلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون، فزوَّجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة، يعني: إِلى أمّها، فأرغبها في المال، فحطَّتْ إِليه (٤)، وحطَّتْ الجارية إِلى هوى أمّها، فأبيا حتى ارتفع أمرهما إِلى رسول الله ﷺ ، فقال قدامة بن مظعون: يا رسول الله! ابنة أخي أوصى بها إِليّ، فزوجتها ابنَ عمتها عبدَ الله بن عمر، فلم أقصِّرْ بها في الصلاح، ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإِنما حطَّتْ إِلى هوى أمها! قال: فقال رسول الله ﷺ : هي يتيمة، ولا تنكح إِلا بإِذنها. قال: فانتُزعت -والله- مني، بعد أن ملكتها، فزوجوها المغيرة بن شعبة" (٥). جاء في "زاد المعاد" (٥/ ١٠٠): "وقضى رسول الله ﷺ أن اليتيمة
следующие страницы →