← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

وجاء في تبويب "سنن ابن ماجه": (باب نكاح الصغار يزوّجهن غير الآباء). وجاء في "الفتاوى" (٣٢/ ١٩): "وسئل ﵀ عن وجل له بنت، وهي دون البلوغ، فزوَّجوها في غَيبة أبيها، ولم يكن لها ولي؛ وجعلوا أن أباها توفي -وهو حي- وشهدوا أن خالها أخوها؛ فهل يصح العقد أم لا؟ فأجاب: إِذا شهد وا أن خالها أخوها؛ فهذه شهادة زور، ولا يصير الخال ولياً بذلك؛ بل هذه قد تزوّجت بغير ولي، فيكون نكاحها باطلاً عند أكثر العلماء والفقهاء، كالشافعي وأحمد وغيرهما، وللأب أن يجدده، ومن شهد أن خالها أخوها وأن أباها مات؛ فهو شاهد زور، يجب تعزيره، ويعزر الخال، وإِن كان دخل بها فلها المهر، ويجوز أن يزوجها الأب في عدة النكاح الفاسد عند أكثر العلماء، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه، والله أعلم". السلطانُ وليُّ من لا ولي له: إذا لم يكن للمرأة وليّ؛ فوليّها السلطان. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أيّما امرأة نُكحت بغير إِذن مواليها؛ فنكاحها باطل -ثلاث مرات-، فإِنْ دخَل بها، فالمهر لها بما أصاب منها، فإِنْ تشاجروا فالسلطانُ وليُّ من لا وليّ له" (١). وقال الإِمام البخاري ﵀: (باب السلطان وليّ؛ لقول النّبيّ ﷺ "زوّجناكها بما معك من القرآن") (٢).

стр. 1787

قال القرطبي ﵀: "وإذا كانت المرأة بموضع لا سلطان فيه، ولا وليّ لها، فإِنها تُصيِّرُ أمرها إِلى من يوثَق به من جيرانها، فيزوجها ويكون هو وليّها في هذه الحال؛ لأن الناس لا بد لهم من التزويج، وإِنما يعملون فيه بأحسن ما يمكن. وعلى هذا، قال مالك في المرأة الضعيفة الحال: إِنه يزوجها مَن تُسند أمرها إِليه؛ لأنها ممن تضعُف عن السلطان، فأشبهت من لا سلطان بحضرتها، فرجعت في الجملة إِلى أن المسلمين أولياؤها" (١). وجاء في "المحلّى" (١١/ ٣٠): "وصح عن ابن سيرين في امرأة لا ولي لها، فولت رجلاً أمرها، فزوّجها، قال ابن سيرين: لا بأس بذلك، المؤمنون بعضهم أولياء بعض". عضْل الوليّ: عضْل المرأة: هو منْعها من التزوّج ظُلماً. وليس للولي أن يعضل من يلي أمرها دون مسوّغ، أو سبب شرعي، فتقدُّم من يُرضى عن دينه وخُلُقه -حين يدفع مهر المِثل- لا يجوز ردّه، ومن حقّها أن تشكو وليّها إِلى القاضي. قال الله -تعالى-: ﴿وإِذا طلَّقْتُم النَّسَاء فَبَلَغْن أجلهُنّ فلا تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزواجَهنّ إِذا تراضَوا بينهم بالمعروف﴾ (٢).

стр. 1788

وقد نزلت هذه الآية في معقل بن يسار -كما تقدّم-. فعن الحسن قال: ﴿فلا تَعْضُلُوهُنّ﴾ قال: حدثني معقل بن يسار أنها نزَلَت فيه قال: "زوجْتُ أختاً لي من رجل فطلَّقها، حتى إِذا انقضت عدّتها جاء يخطُبُها، فقلت له: زوجْتُك وأفرشتُك وأكرمتُك، فطلقتَها، ثمّ جئت تخطبها! لا والله لا تعود إِليك أبداً! وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إِليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فلا تَعْضُلُوهُنّ﴾، فقلت: الآن أفعل يا رسول الله! قال: فزوجها إِيّاه" (١). جاء في "المحلّى" (١١/ ٦١) تحت المسألة (١٨٤١): "ولا يكون الكافر وليّاً للمسلمة، ولا المسلم وليّاً للكافرة، الأب وغيره سواء، والكافر ولي للكافرة التي هي وليّته، يُنكحها من المسلم والكافر. برهان ذلك قول الله ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٢)، وقال -تعالى-: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ (٣)، وهو قول من حفِظْنا قوله، إِلا ابن وهب صاحب مالك قال: إِن المسلم يكون ولياً لابنته الكافرة في إِنكاحها من المسلم أو من الكافر! وهذا خطأ لما ذكرنا. وبالله -تعالى- التوفيق". وجاء فيه أيضاً (٤٣ - ٤٤) تحت المسألة (١٨٢٨): "وإذا أسلمت البكر ولم يسلم أبوها، أو كان مجنوناً؛ فهي في حُكم التي لا أب لها؛ لأن الله

стр. 1789

-تعالي- قطع الولاية بين الكفار والمؤمنين، قال -تعالى-: ﴿يا أيّها الذين آمنوا لا تَتَولَّوا قوماً غَضِبَ الله عليهم﴾ (١). وقال -تعالى-: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٢). وصح في المجنون قول رسول الله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة"؛ فذكر منهم: "المجنون حتى يفيق" (٣). وقد صحّ أنه غير مخاطب باستئمارها ولا بإِنكاحها، وإنما خاطب أولي الألباب، فلها أن تنكح من شاءت بإِذن غيره من أوليائها، أو السلطان". جاء في "الفتاوى" (٣٢/ ٣٥): "وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل أسلم: هل يبقى له ولاية على أولاده الكتابيِّين؟ فأجاب: لا ولاية له عليهم في النكاح، كما لا ولاية له عليهم في الميراث، فلا يزوج المسلم الكافرة، سواء كانت بنته أو غيرها، ولا يرث كافر مسلماً ولا مسلم كافراً، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وأصحابهم من السلف والخلف ... (٤) ".

стр. 1790

اليتيمة تُستأمر في نفسها: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تُسْتأمر (١) اليتيمة في نفسها، فإِنْ سكتت فهو إِذنها، وإن أبت فلا جواز عليها (٢) " (٣). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "توفي عثمان بن مظعون، وترك ابنة له من خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، قال: وأوصى إِلى أخيه قدامة بن مظعون، قال عبد الله: وهما خالاي، قال: فخطبت إِلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون، فزوَّجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة، يعني: إِلى أمّها، فأرغبها في المال، فحطَّتْ إِليه (٤)، وحطَّتْ الجارية إِلى هوى أمّها، فأبيا حتى ارتفع أمرهما إِلى رسول الله ﷺ ، فقال قدامة بن مظعون: يا رسول الله! ابنة أخي أوصى بها إِليّ، فزوجتها ابنَ عمتها عبدَ الله بن عمر، فلم أقصِّرْ بها في الصلاح، ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإِنما حطَّتْ إِلى هوى أمها! قال: فقال رسول الله ﷺ : هي يتيمة، ولا تنكح إِلا بإِذنها. قال: فانتُزعت -والله- مني، بعد أن ملكتها، فزوجوها المغيرة بن شعبة" (٥). جاء في "زاد المعاد" (٥/ ١٠٠): "وقضى رسول الله ﷺ أن اليتيمة

стр. 1791

تُستأمر في نفسها، و"لا يُتْمَ بعد احتلام (١) "، فدلّ ذلك على جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ، وهذا مذهب عائشة- رضى الله عنها-، وعليه يدلُّ القرآن والسّنّة، وبه قال أحمد وأبو حنيفة وغيرهما. قال -تعالى-: ﴿ويَستفتُونك في النّساء قُل الله يُفِتيكُم فيهنَّ وما يُتْلَى عليكم في الكتاب في يَتَامَى النِّساء اللاتي لا تُؤتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنّ وتَرغَبون أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (٢). قالت عائشة ﵂: هي اليتيمة تكون في حَجر وليها، فيرغب في نكاحها، ولا يُقْسِط لها سُنة صَداقها، فنهوا عن نكاحهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ سُنّة صَداقهنّ (٣) ". استئذان المرأة قبل النكاح: عن ابن عباس ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "الأيّم (٤) أحقّ بنفسها مِن وليّها، والبِكر تستأذن في نفسها، وإذنها صُمَاتها" (٥).

стр. 1792

وعن أبي هريرة ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "لا تُنكَح الأيّم حتى تُستأمَر، ولا تُنكَح البكر حتى تُستأذَن، قالوا: يا رسول الله! وكيف إِذنها؟ قال: أن تسكت" (١). قال الحافظ ﵀ في "الفتح": "أصل الاستئمار: طلبُ الأمر؛ فالمعنى: لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها. ويؤخذ من قوله: لا تستأمر؛ أنّه لا يعقد إِلا بعد أن تأمر بذلك". وعن خنساءَ بنت خذامٍ الأنصارية: "أنّ أباها زوّجها وهي ثيّب، فكرهَت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ ، فردّ نكاحها" (٢). وعن ابن عباس ﵄: "أنّ جارية بكراً أتت النّبيّ ﷺ ، فذكرت أن أباها زوّجها وهي كارهة، فخيرها النّبيّ ﷺ " (٣). وثبت عن النّبيّ ﷺ أنه: "كان إِذا أراد أن يُزوّج بنتاً من بناته جلس إِلى خدرها، فقال: إِنّ فلاناً يذكرُ فلانة -يسمّيها، ويسمّي الرجل الذي يذكُرها-! فإِنْ هي سكتت؛ زوَّجها، أو إِن كرهت نقرت الستر، فإِذا نقرته لم يزوجها" (٤). وقال الإِمام البخاري ﵀: "باب إِذا زَوّج الرجل ابنته وهي كارهة،

стр. 1793

فنكاحه مردود" (١). ثمّ ذكر حديث خنساء بنت خدام. جاء في "السيل الجرّار" (٢/ ٢٧٢) بعد أن ذكَر عدداً من الأدلّة المتقدّمة وقال: "والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وهي تفيد أنه لا يصح نكاح من لم ترْضَ؛ بِكْراً كانت أو ثيّباً". وقد فصل العلامة ابن القيّم ﵀ في "زاد المعاد" (٥/ ٩٥) فأجاد وأفاد. الوكالة في الزواج: *الوكالة من العقود الجائزة في الجملة؛ لحاجة الناس إِليها في كثير من معاملاتهم. وقد اتفق الفقهاء على أنّ كلّ عقد جاز أن يعقده الإِنسان بنفسه، جاز أن يُوكِّل به غيره، كالبيع، والشراء، والإِجارة، واقتضاء الحقوق، والخصومة في المطالبة بها، والتزويج، والطلاق، وغير ذلك من العقود التي تقبل النيابة. وقد كان النّبيّ -صلوات الله وسلامه عليه- يقوم بدور الوكيل في عقد الزواج، بالنسبة لبعض أصحابه؛ روى أبو داود عن عقبة بن عامر: أنّ النّبيّ ﷺ قال لرجل: "أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم! وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلاناً؟ قالت: نعم! فزوَّج أحدهما صاحبه، فدخَل بها الرجل، ولم يفرض لها صَداقاً، ولم يعطها شيئاً. وكان ممّن شهد الحديبية وكان مَن شهد الحديبية له سهم بخيبر، فلمّا

стр. 1794

حضرته الوفاة، قال: إِنّ رسول الله ﷺ زوّجني فلانة، ولم أفرِض لها صَداقاً، ولم أُعطها شيئاً، وإنّي أشهدكم: أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذَت سهماً، فباعته بمائة ألف" (١). وفي هذا الحديث دليل على أنه يصحّ أن يكون الرّجل وكيلاً عم الطرفين. عن أمّ حبيبة: "أنها كانت عند ابن جحش، فهلَك عنها، وكان فيمن هاجر إِلى أرض الحبشة، فزوّجها النجاشيُّ رسولَ الله ﷺ وهي عندهم" (٢). ويصح التوكيل من الرجل العاقل البالغ الحر؛ لأنه كامل الأهلية، وكلّ من كان كامل الأهلية، فإِنه يملك تزويج نفسه بنفسه، وكل من كان كذلك، فإِنه يصح أن يُوكِّل عنه غيره. أمّا إِذا كان الشخص فاقد الأهلية أو ناقصها، فإِنه ليس له الحق في توكيل غيره؛ كالمجنون، والصبي، والمعتوه، فإِنه ليس لواحد منهم الاستقلال في تزويج نفسه بنفسه. والتوكيل يجوز مطلقاً ومقيداً: فالمطلق: أن يُوكِّل شخص آخر في تزويجه، دون أن يقيده بامرأة معينة، أو بمهر، أو بمقدارٍ مُعين من المهر. والمقيّد: أن يوكّله في التزويج، ويقيده بامرأة معيّنة، أو امرأة من أسرة معينة، أو بقدر معين من المهر* (٣).

стр. 1795

جاء في "الروضة الندية" (٢/ ٣٢): "ويجوز لكل واحد من الزوجين أن يوكّل لعقد النكاح، ولو واحداً؛ لحديث عقبة بن عامر عند أبي داود أنّ النّبيّ ﷺ قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم، وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلاناً؟ قالت: نعم. فزوج أحدهما صاحبه ... الحديث. وقد ذهب إِلى ذلك جماعة من أهل العلم: الأوزاعي، وربيعة، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأكثر أصحابه، والليث، وأبو ثور. وحكى في "البحر" عن الشافعي، وزُفَر: أنه لا يجوز. وقال في "الفتح": وعن مالك: لو قالت المرأة لوليها: زوجني بمن رأيت، فزوّجها من نفسه أو ممن اختار؛ لزمها ذلك؛ ولو لم تعلم عين الزوج ... ". وسألت شيخنا ﵀: هل ترون صحّة عقد الزواج للغائب إِذا وُثّق؟ فقال: نعم؛ بالشرط المذكور. هل الكفاءة (١) في الزواج معتبرة؟ هذه من المسائل التي اختلف فيها العلماء؛ فمنهم من قال باعتبارها، ومنهم من لم يقُل بذلك. ومن الأحاديث التي ذكَرها القسم الأوّل في ذلك: ١ - ما روي عن علي ﵁ أنّ النبيّ ﷺ قال: "ثلاث لا يؤخَّرن: الصلاة إِذا أتت، والجنازة إِذا حضرت، والأيّم إِذا وجدت لها كفُؤاً" (٢)، وهو ضعيف. ٢ - ما رُوي عن ابن عمر ﵄ "أنّ النّبيّ ﷺ قال: العرب

стр. 1796

أكفاءٌ بعضهم لبعض، قبيلة لقبيلة، وحيٌّ لحي، ورجلٌ لرجل؛ إِلا حائك أو حجّام" (١). وهو موضوع. وعن بريدة ﵁ قال: "جاءت فتاة إِلى النّبيّ ﷺ فقالت: إِنّ أبي زوَّجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته! قال: فجعل الأمر إِليها، فقالت: قد أجزْتُ ما صنَع أبي، ولكن أردتُ أن تعلم النساء أَنْ ليس إِلى الآباء من الأمر شيء"، وهو ضعيف (٢). وعلى افتراض ثبوته أقول بما جاء في "الروضة" (٢/ ١٧): "ومحلّ الحُجّة منه قولها: ليرفع بي خسيسته، فإِنّ ذلك مُشعِر بأنه غير كفؤ لها، ولا يخفى أن هذا إِنما هو من كلامها، وإنما جعل النّبيّ ﷺ الأمر إِليها؛ لكون رضاها مُعتَبراً. فإِذا لم ترض، لم يصح النكاح، سواء كان المعقود له كفؤاً، أو غير كفؤ. وأيضاً هو زوَّجها بابن أخيه؛ وابن عمّ المرأة كفؤ لها"، ثُمَّ ذكَّرني أحد الإِخوة بتراجع شيخنا ﵀ في "الصحيحة" تحت الحديث (٣٣٣٧) عن إِعلاله بالانقطاع فثبت وصْلُه. ٣ - وذكروا أثر عمر ﵁: "لأمنعنّ تزوُّج ذوات الأحساب إِلا من الأكفاء". وقد أخرجه الدارقطني، وفيه انقطاع؛ فإِن إِبراهيم بن محمد بن طلحة لم يد رك عمر ﵁. وانظر "الإِرواء" (١٨٦٧). وهناك من استدلّ بأحاديث ثابتة، لكنها لا تدلّ على المطلوب. ومِن ذلك

стр. 1797

حديث: "خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إِذا فقهوا" (١). فهو كما جاء في "الروضة الندية" (٢/ ١٤٣) -بتصرّف-: "ليس فيه دلالة على المطلوب؛ لأن إِثبات كون البعض خيراً من بعض؛ لا يستلزم أنّ الأدنى غير كفؤ للأعلى. وهكذا حديث: "إِنّ الله اصطفى كنانة من ولد إِسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (٢). وكذلك حديث سمرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "الحسب: المال، والكرم: التقوى" (٣). وأيضاً حديث بريدة ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "إِنّ أحساب أهل الدنيا الذين يذهبون إِليه: المال" (٤). فهذا ليس فيه إِقرار على ما ذهب إِليه أهل الدنيا، وإنما هو إِيضاحٌ للمعاني، وحكاية عن صنيعهم، قال صاحب "الروضة" (٢/ ١٨): " ... فيكون في حُكم التوبيخ لهم والتقريع". والخلاصة؛ أنّ أحاديث هذا الباب -كما قال بعض العلماء في غير هذا

стр. 1798

الموضوع- صحيحها غير صريح، وصريحها غير صحيح، وسيأتي ما أستطيعه -إِن شاء الله- من البيان. قال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (١٩/ ٢٩): "وليس عن النّبيّ ﷺ نصٌّ صحيح صريح في هذه الأمور [عدم اعتبار الكفاءة] ". وجاء في "الفتح" (٩/ ١٣٣): "ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث". ومنهم من قال بعدم اعتبار الكفاءة في النكاح؛ وأنها لا تكون إِلا في الدين والخُلُق. قال الله -تعالى-: ﴿إنَّ أكْرَمَكُم عِنْدَ الله أتْقَاكُم﴾ (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "النّاسُ وَلدُ آدم، وآدم من تراب" (٢). قال الإِمام البخاري ﵀: "وقوله: ﴿وهو الذي خلَق من الماء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وصِهْراً وكان ربّك قديراً﴾ (٣) ". وهذا يُشعِر من الإِمام البخاري ﵀ أنه يرى اعتبار الكفاءة في الدين فحسب؛ إِذ البشر من الماء، فلا بغي ولا تفاخر، ولا ترفُّع في النكاح. ومما ذكَره الإِمام البخاري ﵀: حديث أبي هريرة ﵁

стр. 1799

عن النّبيّ ﷺ قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" (١). فالذي ينبغي أن يصار إِليه؛ الظَّفَرُ بذات الدين. ثمّ ذكر ﵀ حديث سهل ﵁ قال: "مرّ رجل على رسول الله ﷺ ، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌّ إِنْ خطب أن يُنْكَحَ، وإِن شَفِعَ أن يُشفّع، وإن قال أن يُستمَع! قال: ثمّ سكت. فمرّ رجلٌ من فُقراء المسلمين؛ فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌّ إِن خطب أن لا يُنْكَح، وإن شفع أن لا يشفَّع، وإن قال أن لا يُستمع! فقال رسول الله ﷺ : هذا خيرٌ من ملء الأرض مِثل هذا" (٢). والحديث في غاية التصريح إِلى ما يذهب إِليه من يقول باعتبار الكفاءة في الدين والخُلُق. وفي رواية: "مرّ رجل على رسول الله ﷺ ، فقال لرجلٍ عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس ... " (٣). وعن أبي هريرة ﵁: "أنّ أبا هند حَجَمَ النَّبيَّ ﷺ في اليافوخ (٤)، فقال النَّبيّ ﷺ : يا بني بياضة! أنكحوا أبا هند، وانكحوا إِليه" (٥).

стр. 1800

وجاء في "سُبل السلام" (٣/ ٢٥٠) عقب هذا الحديث: " ... فنبه على الوجه المقتضي لمساواتهم [أي: المسلمين]، وهو الاتفاق في وصف الإِسلام. وللناس في هذه المسألة عجائب، لا تدور على دليل غير الكبرياء والترفع، ولا إِله إِلا الله! كم حُرِمت المؤمناتُ النكاحَ لكبرياء الأولياء واستعظامهم أنفسهم، اللهم إِنّا نبرأ إِليك من شَرْطٍ ولّده الهوى، وربّاه الكبرياء ... ". وعن عائشة ﵂: "أنّ أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس -وكان ممن شهد بدراً مع النّبيّ ﷺ تبنّى سالماً وأنكحه بنت أخيه هنداً بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار" (١). وعن فاطمة بنت قيس -رضي الله تعالى عنها- أنّ النّبيّ ﷺ قال لها: "انكحي أُسامة" (٢). جاء في "سُبل السلام" (٣/ ٢٥٠): "وفاطمة قرشية فِهْرِيَّة، أخت الضحاك بن قيس، وهي من المهاجرات الأُوَل، كانت ذات جمال وفضل وكمال، جاءت إِلى رسول الله ﷺ بعد أن طلّقها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة بعد انقضاء عدتها منه، فأخبرته أنّ معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطَباها، فقال رسول الله ﷺ : "أما أبو جهم؛ فلا يضع عصاه عن عاتقه. وأمّا معاوية؛ فصعلوك لا مال له. انكحي أسامة بن زيد ... " الحديث، فأمرَها بنكاح أسامة مولاه ابن مولاه، وهي قرشية، وقدّمه على أكفائها ممن ذَكَر، ولا أعلم أنه طلب

стр. 1801

من أحد من أوليائها إِسقاط حَقّه". وعن أبي حاتم المُزَنِيِّ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا جاءكم من ترضون دينه. وخُلُقه فأنكحوه، إِلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد، قالوا: يا رسول الله! وإن كان فيه؟ قال: إِذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه. ثلاث مرات" (١). وجاء في "الروضهَ الندية" (٢/ ٢٠ - ٢١): "وأعلى الصنائع المعتبرة في الكفاءة في النّكاح على الإِطلاق: العلمُ؛ لحديث: "العلماء ورثة الأنبياء" (٢). والقرآن الكريم شاهد صدق على ما ذكرناه، فمن ذلك قوله -تعالى-: ﴿قُل هل يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لا يعلمون﴾، وقوله -تعالى-: ﴿يرفعِ الله الذيق آمنو امِنْكُم والذين أُوتُوا العلم درجات﴾، وقوله -تعالى-: ﴿شهد الله أنّه لا إِله إلاَّ هُوَ والملائِكَة وأولو العلم﴾، وغير ذلك من الآيات والأحاديث المتكاثرة، منها حديث: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإِسلام إِذا فقهوا"، وقد تقدّم. وبالجملة؛ إِذا تقرر لك هذا، عرفتَ أن المعتبر هو الكفاءة فى الدين والخلُق، لا في النسب (٣) ". انتهى.

стр. 1802

وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "تخيّروا لنُطفِكم، وانكحوا الأكفاء، وانكحوا إِليهم" (١). وقال شيخنا ﵀ في "الصحيحة" (٣/ ٥٧) عقب الحديث: "ولكن يجب أن يُعلم أنّ الكفاءَة إِنّما هي في الدين والخُلُق فقط". المهر حُكمه: جعل ديننا الحنيف للمرأة مهراً يُدفع من قِبَل الزوج وأوجبه عليه. جاء في "الروضة الندية" (٢/ ٧١): "ودليل وجوبه: أنّه ﵌ لم يسوّغ نكاحاً بدون مهر أصلاً. وفي الكتاب العزيز: ﴿وآتوا النساء صَدُقاتهنَّ نِحْلَةً﴾ (٢)، وقوله: ﴿فلا تأخذوا منه شيئاً﴾ (٣)، وقال: ﴿وكيف تأخذُونَه وقد أفْضى بعْضُكُم إَلى بعض﴾ (٤) الآية، وقال -تعالى-: ﴿ولا جُنَاح عَليْكُم أنْ تنْكِحُوهُنَّ إِذا

стр. 1803

آتَيتُمُوهُنَّ أُجورَهنَّ﴾ (١) ". انتهى. وهذا بما استحلّ من فرجها، كما في الآية المتقدّمة. وقال -سبحانه-: ﴿وكيف تأخذُونَه وقد أفْضَى بعْضُكم إِلى بعض﴾. قال العلامة السعدي ﵀: "وبيان ذلك: أنّ الزوجة -قبل عقد النكاح- مُحرّمة على الزوج، ولم ترض بحلّها له إِلا بذلك المهر، الذي يدفعه لها. فإِذا دخَل بها وأفضى إِليها، وباشَرها المباشرة التي كانت حراماً قبل ذلك [وهي الجماع]، والتي لم ترض ببذلها إِلا بذلك العِوض، فإِنه قد استوفى المُعوَّض، فثبت عليه العِوض، فكيف يستوفي المُعوَّض، ثمّ بعد ذلك يرجع في العِوض؟ هذا من أعظم الظلم والجور، وكذلك أخذ الله على الأزواج ميثاقاً غليظاً بالعقد، والقيام بحقوقها". وعن ابن عمر ﵄: أنّ رسول الله ﷺ قال للمتلاعِنَين: "حسابكما على الله، أحدُكما كاذبٌ، لا سبيل لك عليها، قال: مالي؟! قال: لا مال لك، إِنْ كنت صدقتَ عليها؛ فهو بما استحللت من فرجها. وإنْ كنتَ كذبتَ عليها؛ فذاك أبعدُ لك" (٢). *وهذا المهر المفروض للمرأة، كما أنه يحقق هذا المعنى، فهو يطيّب نفس المرأة ويرضيها بقوامة الرجل عليها؟ قال -تعالى-: ﴿الرِّجال قَوّامُون على النّساء بما فضَّل الله بَعْضَهُم على بَعْضٍ وبما أنْفَقوا من أمْوَالِهم﴾ (٣)، مع ما

стр. 1804

يضاف إِلى ذلك من توثيق الصِّلات، وإِيجاد أسباب المودة والرحمة* (١). وقال الله -تعالى-: ﴿وآتوا النِّساء صَدُقاتِهِنَّ نحْلَة فإِنْ طبْنَ لكم عن شيء مِنْهُ نَفْساً فكُلوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ (٢). أي: آتوا النساء مهورهن فريضةً مُسمّاة. قال ابن كثير ﵀ بعد ذِكْر عدد من أقوال السلف: "ومضمون كلامهم: أنّ الرجل يجب عليه دفْع الصَّداق إلى المرأة حتماً، وأن يكون طَيِّبَ النفس بذلك، كما يمنح المنيحة ويعطي النِّحلة طَيِّباً بها، كذلك يجب أن يعطي المرأة صَداقها طيِّباً بذلك، فإِن طابت هي له به بعد تسميته، أو عن شيء منه؛ فليأكله حلالاً طيبّاً، ولهذا قال: ﴿فإِن طِبْنَ لكم عن شيء منه نَفْساً فكلوه هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ ". قدْر المهر: *لم تجعل الشريعة حدّاً لقلّته ولا لكثرته، إِذ الناس يختلفون في الغنى والفقر، ويتفاوتون في السعة والضيق، ولكل جهة عاداتها وتقاليدها، فترَكت التحديد؛ ليعطي كل واحد على قدر طاقته، وحسب حالته ... وكل النصوص جاءت تشير إِلى أنّ المهر لا يشترط فيه إِلا أن يكون شيئاً له قيمة [وثمن]؛ بقطع النظر عن القلة والكثرة؛ فيجوز أن يكون خاتماً من حديد [مبالغة في تقليله]، أو قدحاً من تمر، أو تعليماً لكتاب الله، وما شابَه ذلك،

стр. 1805

إِذا تراضى عليه المتعاقدان* (١). وقال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (١١/ ٩٧) تحت المسألة (١٨٥١) فيما يجوز من الصَّداق." ... ولو أنه حبَّة بُرٍّ أو حبَّة شعير أو غير ذلك، وكذلك كل عمل حلال موصوف؛ كتعليم شيء من القرآن أو من العلم أو البناء أو الخياطة أو غير ذلك إِذا تراضيا بذلك. وورد في هذا اختلاف". وقوله -تعالى-: ﴿ ... وآتَيتُم إِحْداهُنَّ قِنْطَاراً﴾ (٢) يدل على جواز الكثرة، وعدم تحريم ذلك. قال العلامة السعدى ﵀: "مع أنّ الأفضل واللائق؛ الاقتداء بالنّبيِّ ﷺ في تخفيف المهر ... لكن قد يُنهى عن كثرة الصَّداق؛ إِذا تضمّن مفسدةَ دينية، وعدم مصلحة تُقاوَم". وجاء في "الفتاوى" (٣٢/ ١٩٢): "السُّنّة تخفيف الصّداق وأن لا يزيد على نساء النّبيّ ﷺ وبناته ... ". وجاء في "الروضة الندية" (٢/ ٧٣): "قال: في "الحجة": ولم يضبط النّبيّ ﷺ المهر بحدٍّ لا يزيد ولا ينقص؛ إِذ العادات في إِظهار الاهتمام مختلفة، والرغبات لها مراتب شتى، ولهم في المشاحَّة طبقات؛ فلا يمكن تحديده عليهم؛ كما لا يمكن أن يضبط ثمن الأشياء المرغوبة بحدٍّ مخصوص". عن سهل بن سعد الساعدي يقول: "إِني لفي القوم عند رسول الله ﷺ ؛ إِذْ

стр. 1806

قامت امرأة فقالت: يا رسول الله! إِنها قد وَهَبت نفسها لك، فرَ (١) فيها رأيك، فلم يجبها شيئاً، ثم قامت فقالت: يا رسول الله! إِتها قد وَهَبت نفسها لك، فرَ فيها رأيك، فلم يُجبها شيئاً، ثمّ قامت الثالثة فقالت: إِنها قد وَهَبت لك، فرَ فيها رأيك، فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله! أنكِحْنيها، قال: هل عندك من شيء؟ قال: لا، قال: اذهب فاطلب ولو خاتماً من حديد، فذهب وطلب، ثمّ جاء فقال: ما وجدتُ شيئاً، ولا خاتماً في حديد، قال: هل معك من القرآن شيء؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا، قال: اذهب فقد أنكحتُكها بما معك من القرآن" (٢). وعن أنس قال: "خطب أبو طلحة أم سليم، فقالت: والله ما مِثلك يا أبا طلحة! يُردّ، ولكنك رجل كافر، وأنا مسلمة، ولا يحلّ لي أن أتزوجك، فإِنْ تُسلِم فذاك مهري، وما أسألك غيره. فأسلَم؛ فكان ذلك مهرها" (٣). وقد يكون المهر على العمل يُعمل؛ وجاء في تبويب "سنن أبي داود": (باب، في التزويج على العمل يُعمَل). ثم ذكر حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁؛ وفيه: "هل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا -لسُورٍ سمّاها-، فقال له رسول الله ﷺ : قد زوجتُكَها بما معك من القرآن" (٤).

стр. 1807

و (العمل يُعمل) هنا: إِفادة زوجِهِ من السور التي يحفظها، وذلك أنّ المهر المادّي إِنما هو بما يستحلّه الرجل من فرج المرأة، فينبغي إِذاً أن نحمل المهر هنا؛ على إِفادتها من خلال تعليمه لها ما استطاع من هذه السُّور، وانتفاعها بعمله بمقتضاها -ما استطاع إِلى ذلك سبيلاً-. فليس المراد من حفظه القرآن الا ما تستفيد منه هي ليكون مهرها. وبذا، فيفيدنا ما جاء من تبويب في "سنن أبي داود" قوله: "التزويج على العمل يُعمل" أن يقدّم أعمالاً أو خدماتٍ معيّنة للزوجة؛ فقد يعلّمها القراءة أو الكتابة، وقد يتعهّد بعلاجها إِنْ كان مختصاً بذلك ... إِلخ. والله -تعالى- أعلم. مسألة: إِذا اختلف ما اتفق عليه العاقدان في السرّ والعلانية. جاء في "الفتاوى" (٣٢/ ١٩٩): "وسئل ﵀ عن رجل تزوج امرأة وأعطاها المهر، وكُتب عليه صَداقاً ألف دينار، وشرطوا عليه أننا ما نأخذ منك شيئاً إِلا عندنا عادة وسمعة، والآن توفي الزوج، وطلبت المرأة كتابها من الورثة على التمام والكمال؟ فأجاب: إِذا كانت الصورة ما ذُكِر؛ لم يجُز لها أن تطالب إِلا ما اتفقا عليه، وأمّا ما ذُكر على الوجه المذكور؛ فلا يحلّ لها المطالبة به، بل يجب لها ما اتفقا عليه". وسألت شيخنا ﵀: إِذا اتفق العاقدان في السرّ على المهر، ثمّ تعاقدا في العلانية بأكثر منه واختلفا؛ فبِمَ يكون الحُكم؟ فأجابني شيخنا ﵀: الحُكم بالمعلَن.

стр. 1808

وقال الإِمام البخاري ﵀: (باب تزويج المعسر الذي معه القرآن والإِسلام (١)). قال الله -تعالى-: ﴿إِنْ يَكُونوا فُقَراء يُغْنِهِم اللهُ مِنْ فَضْلِه﴾ (٢). وذكر حديث سهل بن سعد. قال الحافظ: "قوله [أي: الإِمام البخاري]: لقوله -تعالى-: ﴿إِنْ يَكُونوا فُقَراء يُغْنِهِم اللهُ مِنْ فَضلِه﴾: هو تعليل لحُكم الترجمة، ومحصّله أن الفقر في الحال لا يمنع التزويج؛ لاحتمال حصول المال في المآل، والله أعلم". وقال الإِمام البخاري (٣) ﵀: (باب المهر بالعُروض وخاتمٍ من حديد). والعُروض ما يقابل النقد، كما قال الحافظ ﵀. فائدة: جاء في "السلسلة الضعيفة" (٤): "قد اعتاد كثير من الآباء مثل هذا الشرط [أي: أن يشترط لنفسه سوى المهر]، وأنا وإنْ كنتُ لا أستحضر الآن ما يدلّ على تحريمه، ولكني أرى -والعلم عند الله تعالى- أنه لا يخلو من شيء، فقد

стр. 1809

صحّ أن النبيّ ﷺ قال: "إِنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق (١) "، ولا أظن مسلماً سليم الفطرة، لا يرى أن مثل هذا الشرط ينافي مكارم الأخلاق، كيف لا؟! وكثيراً ما يكون سبباً للمتاجرة بالمرأة إِلى أن يحظى الأب أو الولي بالشرط الأوفر، والحظ الأكبر، وإلا أعضلها! وهذا لا يجوز؛ لنهي القرآن عنه" (٢). انتهى. النهي عن المغالاة في المهور: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِنّ مِن يمُن (٣) المرأة تيسير خِطبتها، وتيسير صَداقها، وتيسير رحمها". قال عروة: يعني: "تيسير رحمها للولادة". قال عروة: "وأنا أقول مِن عندي: مِن أوّل شُؤمها: أن يكثر صَداقها" (٤). وعن أنس: "أنّ رسول الله ﷺ رأى عبد الرحمن بن عوف وعليه وَضَرٌ (٥) من

стр. 1810

صُفرةٍ، فقال النّبيّ ﷺ : مَهْيَمْ (١)؟! فقال: يا رسول الله! تزوجت امرأة من الأنصار، قال: ما سُقت إِليها؟ قال: وزن نواة (٢) من ذهب، قال: أوْلِمْ ولو بشاة" (٣). وعن أبي سلمة قال: "سألت عائشة: كم كان صَداق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان صَداقه لأزواجه ثنتي عشرة أُوقية ونشّاً. قالت: أتدري ما النشُّ؟ قال: قلت: لا. قالت: نصف أوقية (٤) " (٥). وعن أبي العجفاء السلمي، قال: "خطَبنا عمر فقال: ألا لا تغالوا بصُدُق النساء، فإِنها لو كانت مَكرُمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها النّبيّ ﷺ ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه، ولا أُصْدِقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية" (٦). وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير النكاح أيسره" (٧).

стр. 1811

وعن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء رجل إِلى النّبيّ ﷺ فقال: إِنّي تزوّجتُ امرأةً من الأنصار، فقال له النّبيّ ﷺ : هل نظرت إِليها؟ فإِنّ في عيون الأنصار شيئاً، قال: قد نظرت إِليها، قال: على كم تزوجتها؟ قال: على أربع أواقٍ. فقال له النّبيّ ﷺ : على أربع أواقٍ؟ كأنّما تنحِتون الفضّة من عُرْض هذا الجبل" (١). جاء في "الفتاوى" (٣٢/ ١٩٢ - ١٩٤): "ويُكره للرجل أن يصدق المرأة صدقاً فيضرّ به إِنْ نَقَده، ويعجز عن وفائه إِنْ كان ديناً. قال أبو هريرة ﵁: جاء رجل إِلى النّبيّ ﷺ فقال: إِني تزوجت امرأة من الأنصار. فقال ﷺ : على كم تزوّجتها؟ قال: على أربع أواقٍ. فقال له النّبيّ ﷺ : على أربع أوَاقٍ؟ فكأنما تنحتون الفضة من عُرْض هذا الجبل! ما عندنا ما نعطيك؛ ولكن عسى أن نبعثك في بعْث تصيب منه! قال: فبعث بعثاً إِلى بني عبس، بعث ذلك الرجل فيهم. رواه مسلم في "صحيحه" (٢). والأوقية عندهم: أربعون درهماً، وهي مجموع الصَّداق، ليس فيه مقدم ومؤخر. وعن أبي عمرو الأسلمي: أنه أتى النّبيّ ﷺ يستعينه في مهر امرأة، فقال: كم أمهرتها؟ فقال: مائتي درهم. فقال: لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم (٣).

стр. 1812

رواه الإِمام أحمد في "مسنده". وإذا أصدقها ديناً كثيراً في ذمته وهو ينوي أن لا يعطيها إِياه؛ كان ذلك حراماً عليه (١). وما يفعله بعض أهل الجفاء والخيلاء والرياء، من تكثير الهر للرياء والفخر، وهم لا يقصدون أخْذه من الزوج، وهو ينوي أن لا يعطيهم إِياه؛ فهذا منكر قبيح، مخالف للسنة، خارج عن الشريعة. وإِنْ قصد الزوج أن يؤديه، وهو في الغالب لا يطيقه؛ فقد حمَّل نفسه، وشغل ذمّته، وتعرّض لنقص حسناته، وارتهانه بالدَّين؛ وأهل المرأة قد آذوا صهرهم وضرّوه. والمستحب في الصَّداق -مع القدرة واليسار- أن يكون جميع عاجله وآجله لا يزيد على مهر أزواج النّبيّ ﷺ ولا بناته، وكان ما بين أربعمائة إِلى خمسمائة بالدراهم الخالصة، نحواً من تسعة عشر ديناراً. فهذه سُنّة رسول الله ﷺ . مَنْ فَعَلَ ذلك فقد استن بسنة رسول الله ﷺ في الصَّداق، قال أبو هريرة ﵁: كان صَداقنا إِذ كان فينا رسول الله ﷺ عشر أواق، وطبق بيديه، وذلك أربعمائة درهم. رواه الإِمام أحمد في "مسنده"، وهذا لفظ أبي داود في "سننه" (٢). وقال أبو سلمة: سألْت عائشة: كم كان صَداق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان

стр. 1813

صَداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشاً. قالت: أتدري ما النشّ؟ قال: قلت: لا. قالت: نصف أوقية: فتلك خمسمائة درهم. رواه مسلم (١) في "صحيحه". وقد تقدّم عن عمر أن صَداق بنات رسول الله ﷺ كان نحواً من ذلك. فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صَداق ابنته على صَداق بنات رسول الله ﷺ اللواتي هن خير خلق الله في كل فضيلة، وهنّ أفضل نساء العالمين في كل صفة: فهو جاهل أحمق. وكذلك صَداق أمهات المؤمنين، وهذا مع القدرة واليَسار. فأمّا الفقير ونحوه فلا ينبغي له أن يصدق المرأة إِلا ما يقدر على وفائه من غير مشقة. والأولى فعجيل الصَّداق كله للمرأة قبل الدخول إِذا أمكن، فإِنْ قدّم البعض وأخّر البعض: فهو جائز، وقد كان السلف الصالح الطيب يرخصون الصَّداق. فتزوّج عبد الرحمن بن عوف في عهد رسول الله ﷺ على وزن نواة من ذهب. قالوا: وزنها ثلاثة دراهم وثلث. وزوّج سعيد بن المسيب بنته على درهمين، وهي من أفضل أَيِّمِ من قريش، بعد أن خطبها الخليفة لابنه، فأبى أن يزوجها به، والذي نُقل عن بعض السلف من تكثير صَداق النّساء؛ فإِنما كان ذلك لأن المال اتسع عليهم، وكانوا يعجلون الصَّداق كلّه قبل الدخول؛ لم يكونوا يؤخرون منه شيئاً. ومن كان له يَسار ووجد، فأحب أن يعطي امرأته صَداقاً كثيرًا؛ فلا بأس بذلك، كما قال -تعالى-: ﴿وآتيتم إِحداهنّ قِنْطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً﴾ (٢). أمّا من يشغل ذمّته بصَداق لا يريد أن يؤديه، أو يعجز عن وفائه، فهذا مكروه، كما تقدّم. وكذلك من جعل في ذمّته صَداقاً كثيراً

стр. 1814

من غير وفاء له: فهذا ليس بمسنون. والله أعلم". وليُعلم أنّ ابتعاد الناس عن هذه النصوص والعمل بمقتضاها؛ قد أدّى إِلى العزوف عن الزواج، أو أنه جرّ أزمات اقتصادية للأُسر بعد الزواج، وأضحى الفُحش أقرب من النكاح الحلال عند عددٍ من الشباب والشابّات. فلنحذر من مظهريات النكاح، والمغالاة في المهور التي تقتُل العفّة والطُّهر، وتعسّر الحلال، وتيسّر الحرام، وتستجلب الهموم والكُربات. إِثقال الصَّداق يجعل العداوة في نفس الزوج: عن أبي العجفاء السُلمي قال: قال عمر بن الخطاب: "لا تغالوا صَداق النساء، فإِنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، كان أولاكم وأحقّكم بها محمد ﷺ ، ما أَصدق امرأة من نسائه، ولا أُصْدِقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإنّ الرجل ليثقل صدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه، ويقول: قد كَلِفتُ إليك علَقَ القِربة -أو عَرَق القربة (١) -. وكنت رجلاً عربياً مولَّداً (٢)، ما أدري ما عَلَق القِرية -أو عَرَق القِربة-؟ " (٣).

стр. 1815

هل يدخل على زوجه إِذا لم يُمْهِرْهَا (١)؟ عن ابن عباس ﵄ قال: "لمّا تزوج عليّ فاطمة، قال له رسول الله ﷺ : أعطها شيئاً، قال: ما عندي شيء، قال: أين درعك الحُطميّة؟ " (٢). وجاء في تبويب "سنن أبي داود" قبل هذا الحديث: (باب في الرجل يدخل بامرأته قبل أن ينقدها). وجاء في تبويب "سنن النسائي" تحت (باب نِحْلة الخلوة) بلفظ: " ... أنّ علياً قال: تزوّجْتُ فاطمة ﵂ فقلتُ: يا رسول الله! ابْنِ بي. قال: أعطها شيئاً ... " (٣). قال ابن حزم ﵀: "*ومن تزوج، فسمّى صَداقاً أو لم يُسمّ، فله الدخول بها؛ أحبَّت أم كرهت، ويقضى لها بما سمّى لها؛ أحبّ أم كره، ولا يُمْنَعُ من أجل ذلك من الدخول بها، لكن يُقضى له عاجلاً بالدخول، ويقضى لها عليه، حسب ما يوجد عنده من الصَّداق، فإِن كان لم يُسم لها شيئاً، قضي عليه بمهر مِثلها، إِلا أن يتراضيا؛ بأكثر أو بأقل". قال ابن المنذر ﵀: "أجمع كل من يُحْفَظُ عنه من أهل العلم، أن للمرأة أن تمتنع من دخول الزوج عليها، حتى يعطيها مهرها".

стр. 1816

وقد ناقش صاحب "المحلّى" هذا الرأي، فقال: "لا خلاف بين أحد من المسلمين في أنه من حين يعقد الزواج؛ فإِنها زوجة له، فهو حلال لها، وهي حلال له، فمن منَعَها منه، حتى يعطيها الصَّداق أو غيره، فقد حال بينه وبين امرأته، بلا نصٍّ من الله -تعالى- ولا من رسوله ﷺ ، لكن الحق ما قلنا: ألا يمنع حقّه منها، ولا تمنع هي حقّها من صَداقها، لكن يطلق الدخول عليها؛ أحبَّت أم كَرِهت، ويُؤخَذ مما يوجد له صَداقها؛ أحب أم كره، وصح عن النّبيّ ﷺ تصويب قول القائل: "أعط كلّ ذي حقٍّ حقّه" (١) * (٢). وسألتُ شيخنا ﵀: هل يتحقّق النكاح بالوليّ والشاهدين؛ وبه تستحلّ الفروج، أم أنّ للمهر علاقة؟ فأجاب ﵀: "ليس له علاقة، فيمكن أن يبني بزوجته؛ بالشرطين المذكورين في الحديث، وأن يؤخّر المهر لها؛ دون الاتفاق على كميّة المهر، وإِذا اختلفوا، فهو مُكلّف شرعاً بأن يدفع لها مهر المِثل -أي: مثيلاتها من نساء قبيلتها-: سنّها، ثيّب، بِكر، قبيحة، جميلة، ويمكن في صورة نادرةٍ جدّاً؛ أن يجعل مهرها تعليمها القرآن، بل ثبتَ أن أمّ سليم قد جعلَت مهر أبي طلحة ﵄ إِسلامه، فأسلم، وكان مهرَ زوجه". ثمّ قرأْتُ ما جاء في "السيل الجرّار" (٢/ ٢٧٦) وهو قوله: " ... أقول: لم يَرِدْ ما يدلّ على أنّ المهر شرطٌ مِن شروط العقد أو رُكن من أركانه. وأمّا قوله

стр. 1817

-سبحانه-: ﴿ولا جُناح عليكم أن تنكحُوهنّ إِذا آتيتموهنّ أجورهنّ﴾ (١)، فالمراد أنّ المهر واجب للمنكوحة لا يجوز مَطْلُهَا منه، ولو كان العقد لا يصحّ إِلا بالمهر؛ لم يقل الله : ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنّ أو تفرضوا لهنّ فريضة﴾ (٢)؛ فإِنّ هذه الآَية تفيد أنّ العقد قد يقع قبل فرض المهر". ثمّ ذكَر بعض الأدلّة على ذلك. وقال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (٣٢/ ٢٠٧): "إِذا خلا الرجل بالمرأة، فمنعته نفسها من الوطء ولم يطأها؛ لم يستقر مهرها في مذهب الإِمام أحمد -الذي ذكره أصحابه: كالقاضي أبي يعلى، وأبي البركات، وغيرهما-، وغيره من الأئمة: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وإذا اعترفت بأنها لم تمكّنه من وطئها؛ لم يستقر مهرها باتفاقهم. ولا يجب لها عليه نفقة ما دامت كذلك باتفاقهم، وإِذا كانت مبغضة له مختارة سواه؛ فإِنها تفتدي نفسها منه". ماذا إِذا دخَل بها ولم يفرض لها صَداقاً ؟ عن عقبة بن عامر ﵁: "أنّ النّبيّ ﷺ قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم! وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلاناً؟ قالت نعم! فزوّج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صَداقاً، ولم يعطها شيئاً -وكان ممن شهد الحديبية، وكان مَنْ شهد الحديبية له سهم بخيبر- فلمّا

стр. 1818

حضرته الوفاة قال: إِنّ رسول الله ﷺ زوّجني فلانة، ولم أفرِض لها صَداقاً، ولم أُعطها شيئاً، وإني أشهدكم: أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذَت سهماً، فباعته بمائة ألف" (١). وكنت قد سألت شيخنا ﵀ في موطن آخر. هل يمكن الدخول بدون مهر ثمّ يدفع؟ فقال ﵀: نعم؛ يدفع لها مهر مَثِيلاتها. الزواج بغير ذِكر المهر: يجب الاتفاق على المهر للأحاديث المتقدّمة -قلّ أو كثُر-، ولكن إذا وقَع الزواج بغير ذكر المهر صحّ، قال الله -تعالى-: ﴿لا جُناح إنْ طَلَّقْتُم النّساءَ ما لم تَمَسّوهُنَّ أو تَفْرِضُوا لهُنَّ فريضة﴾ (٢). وإِذا دخَل بها الزوج، أو تُوفّي قبل ذلك؛ فإِن للزوجة مهرَ المِثل والميراث. عن ابن مسعود ﵁: "أنه سئل عن امرأة تزوجها رجل، ولم يفرض لها صَداقاً، ولم يدخل بها حتى مات؟ فقال ابن مسعود: لها صَداق نسائها؛ لا وكس (٣) ولا شطط (٤)، وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله ﷺ في بروَع (٥) بنت واشق -أمرأة لنا-

стр. 1819

مثل ما قضيت" (١). وفي رواية: "أنه أتاه (٢) قوم فقالوا: إِنّ رجلاً منّا تزوج امرأة، ولم يفرض لها صَداقاً، ولم يجمعها إِليه، حتى مات؟ فقال عبد الله: ما سئلت -منذ فارقت رسول الله ﷺ - أشد علي من هذه! فأْتوا غيري، فاختلفوا إِليه فيها شهراً، ثم قالوا له في آخر ذلك: من نسأل إِن لم نسألك؟! وأنت من جلة أصحاب محمد ﷺ بهذا البلد، ولا نجد غيرك؟ قال: سأقول فيها بجهد رأيي، فإِنْ كان صواباً، فمن الله وحده لا شريك له، وإِن كان خطأً، فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، أرى أن أجعل لها صَداق نسائها، لا وكس ولا شطط، ولها الميراث، وعليها العدة أربعة أشهر وعشراً، قال: وذلك بسمْع أُناسٍ من أشجع، فقاموا فقالوا: نشهد أنك قضيت بما قضى به رسول الله ﷺ في امرأة منّا -يقال لها: بروع بنت واشق-. قال: فما رُئي عبد الله فرح فرحته يومئذ إِلا بإِسلامه". وفي رواية: "وذلك بحضرة ناس من أشجع، فقام رجل -يقال له: معقل بن سنان الأشجعي- فقال: أشهد أنك قضيت بمِثل الذي قضى به رسول الله ﷺ ، في امرأة منا -يقال لها: بْروَع بنت واشق-، فما رُئي عبد الله فرح بشيء بعد الإِسلام كفرحه بهذه القصة" (٣). جاء في "سُبُل السلام" (٣/ ٢٨٩): "والحديث دليل على أنّ المرأة

стр. 1820

تستحق كمال المهر بالموت، وإن لم يُسَمِّ لها الزّوج ولا دخل بها، وتستحق مهر مِثلها". فيمن تزوّج ولم يُسمِّ صداقاً حتى مات (١): فيه الحديث المتقدّم عن عبد الله، في رجل تزوّج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها الصَّداق، فقال: لها الصَّداق كاملاً، وعليها العدة، ولها الميراث. فقال معقل بن سنان: سمعت رسول الله ﷺ قضى به في بَرْوَعَ بنت واشق (٢). وجاء في "السيل الجرّار" (٢/ ٢٨٠): "فيه دليل على ثبوت المهر بالموت بطريق الأولى؛ لأنّه إِذا ثبت مع عدم التسمية؛ يثبت معها بفحوى الخطاب، فهذا الحديث يكفي في الاستدلال به على أن الموت يجب به المهر والميراث". مهر المِثل: *مهر المِثل؛ هو المهر الذي تستحقه المرأة، مِثل مهر من يماثلها وقت العقد في السنّ، والجمال، والمال، والعقل، والدين، والبكارة، والثيوبة، والبلد، وكل ما يختلف لأجله الصَّداق؛ كوجود الولد، أو عدم وجوده؛ إِذ إِن قيمة المهر للمرأة تختلف عادة باختلاف هذه الصفات، والمعتبر في المماثلة من جهة عصبتها، كأختها، وعمّتها، وبنات أعمامها. وقال أحمد ﵀: "هو معتبر بقراباتها من العصبات، وغيرهم من

стр. 1821

ذوي أرحامها، وإِذا لم توجد امرأة من أقربائها من جهة الأب متصفة بأوصاف الزوجة، التي نريد تقدير مهر المِثل لها، كان المعتبر مهر امرأة أجنبية، من أسرة تماثل أسرة أبيها"* (١). عن عروة بن الزبير: "أنه سأل عائشة ﵂ عن قول الله -تعالى-: ﴿وإِنْ خفْتُمْ﴾ إِلى ﴿وَرُبَاعَ﴾؟ فقالت: يا ابن أختي! هي اليتيمة تكون في حَجْر وليَّها، تُشاركه في ماله، فيُعجبه مالها وجمالها، فيُريد وليُّها أن يَتَزَوَّجَها بغير أن يقسِط في صَداقها، فيُعطيها مثلَ ما يُعطيها غيره، فَنُهُوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا (٢) لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سُنّتِهنّ من الصَّداق (٣)، وأُمِروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ. قال عروة: قالت عائشة: ثمّ إِنَّ النّاس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية؟ فأنزل الله: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساء﴾ إِلى قوله: ﴿وتَرْغَبُون أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، والذي ذكر الله أنه يُتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي قال فيها: ﴿وإِنْ خِفتم أن لا تُقْسِطوا في اليتامى فانكحوا ما طابَ لكم من النساء﴾، قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: ﴿وَترغبون أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾؛ يعني: هي رغبة أحدكم ليتيمته التي تكون في حَجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنُهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها من يتامى النساء إِلا بالقسط؛ من أجل رغبتهم عنهنّ" (٤).

стр. 1822

ففي قول عائشة ﵂: "فنُهوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سُنّتهنّ من الصَّداق"؛ مراعاة مَهْر المِثل في النساء كما لا يخفى. العدْل في المهور: لحديث عروة بن الزبير السابق وفيه: " ... فيُريد وليُّها أن يَتَزَوّجها بغير أن يقسِط في صَداقها، فيُعطيها مثل ما يُعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهن أعلى سُنّتِهنّ من الصَّداق". وكيف يقسط في صَداقها؟ قد بيّنته عائشة ﵂ بقولها: " .. فيعطيها مِثل ما يُعطيها غيره". العَدْل في صداق اليتيمة: للنصّ السابق، وفيه قول عائشة ﵂: "هي اليتيمة تكون في حجر وليّها، تُشاركه في ماله، فيُعجبه مالها وجمالها، فيُريد وليُّها أن يَتَزَوّجها بغير أن يقسِط في صَداقها، فيُعطيها مثل ما يُعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ". الرجل هو الذي يحدّد المهر: والرجل هو الذي يُحدّد المهر؛ لكن في ضوء ما تقدّم من توجيهات وقواعد، ويراعي مهر المِثل، ولا يُغالي في ذلك. وفي بعض مجالس شيخنا ﵀: أفادنا أنّ الرجل هو الذي يحدّد

стр. 1823

ذلك، وذكر عدداً من الأدلّة؛ منها: حديث أنس ﵁ قال: "سأل رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف -وتزوّج امرأة من الأنصار-: كم أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب" (١). وذكَر ما يتعلّق بخاتمة الأمر، وعدم رفض ولي الزوجة. متى يجب عليه نصف المهر ؟ إِذا طلّق الرجل زوجه قبل الدخول بها، وكان قد فرَض لها قدْراً مُعيناً؛ فإِنّه يجب عليه نصف المهر. قال -تعالى-: ﴿وإِنْ طَلّقتُموهنّ من قبل أن تَمَسُّوهنّ وقد فَرَضْتم لهُنّ فَريضة فَنِصفُ ما فَرَضتُم إِلا أنْ يَعْفُون (٢) أو يَعْفُوَ الذي بِيَدِه عُقْدَةُ النكاح وأنْ تَعْفوا أقْرَبُ للتَّقْوَى ولا تَنْسَوا الفَضْلَ بَيْنَكُم إِنّ اللهَ بما تَعْمَلون بصير﴾ (٣). ماذا يجب مِن المهر إِذا أغلق الباب وأرخى الستر ولم يدخل بزوجه ؟ عن زرارة بن أبي أوفى ﵁ قال: "قضى الخلفاءُ الراشدون

стр. 1824

المهديّون؛ أنّ مَن أغلق باباً، أو أرخى ستراً؛ فقد وجب المهر، ووجبت العدّة" (١). وعن عمر ﵁ قال: "إِذا أُجيف الباب، وأُرخيت الستور؛ فقد وجب المهر" (٢). هذا؛ وقد فصّل الإمام ابن حزم ﵀ في ذلك تفصيلاً قويّاً تحت المسألة (١٨٤٦)؛ فارجع إِليه -إِن شئت-. وقال في آخر المسألة: "فإِن تعلّقوا بمن جاء ذلك عنه من الصحابة ﵃؛ فلا حُجّة في أحد دون رسول الله ﷺ . وقد اختلفوا كما ذَكَرْنا (٣)؛ فوجَب الردّ عند التنازُع إِلى القرآن والسُّنّة". جاء في "السيل الجرّار" (٢/ ٢٨١): " ... وأمّا الخلوة فلم يكن في المقام ما ينتهض للاحتجاج به، ولم يصحّ من المرفوع ما تقوم به الحُجّة ... وقد قال : ﴿وإِنْ طَلّقتُموهنّ من قبل أن تَمَسّوهنّ وقد فَرَضْتُم لهُنّ فَريضة فَنِصفُ ما فَرَضتُم﴾، فإِن كان المراد بالمس الجماع؛ فظاهره أنَّ الخلوة ليست بجماع، وإِن كان المس أعمّ من الجماع، وهو وضع عضو منه على عضو منها؛ فليست الخلوة المجردة مَسّاً؛ وإن أرخى عليها مائة ستر، ونظر إِليها

стр. 1825

ألف نظرة! وإِذا عرفت هذا؛ فلا حاجة بنا إِلى التكلم على الخلوة الصحيحة والفاسدة". وقال شيخنا ﵀ في "السلسلة الضعيفة" بعد الحديث (١٠١٩) -بحذف-: "من كشف خمار امرأة، ونظر إِليها، فقد وجَب الصَّداق؛ دخل بها أم لم يدخل" (١): "وجُملة القول؛ أن الحديث ضعيف مرفوعاً، صحيح موقوفاً. ولا يقال: فالموقوف شاهد للمرفوع لأنه لا يقال بمجرد الرأي؛ لأمرين: الأوّل: أنه مخالف لقوله -تعالى-: ﴿وإِنْ طَلّقتُمُوهنّ من قبل أن تَمَسُّوهنّ وقد فَرَضْتُم لهُنّ فَريضة فَنِصفُ ما فَرَضتم .. ﴾ (٢)؛ فهي بإِطلاقها تشمل التي خلا بها. وما أحسن ما قال شريح: "لم أسمع الله -تعالى- ذكر في كتابه باباً ولا ستراً، إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصَّداق" (٣). الثاني: أنه قد صح خلافه موقوفاً، فروى الشافعي (٢/ ٣٢٥): ... عن ابن عباس ﵄: "أنه قال في الرجل يتزوج المرأة، فيخلو بها ولا يمسها، ثمّ يطلّقها: ليس لها إِلا نصف الصَّداق؛ لأن الله يقول: ﴿وإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنّ وَقَدْ فرَضْتُم لَهُنَّ فَرِيضَة﴾. ومن طريق
следующие страницы →