ذوي أرحامها، وإِذا لم توجد امرأة من أقربائها من جهة الأب متصفة بأوصاف الزوجة، التي نريد تقدير مهر المِثل لها، كان المعتبر مهر امرأة أجنبية، من أسرة تماثل أسرة أبيها"* (١).
عن عروة بن الزبير: "أنه سأل عائشة ﵂ عن قول الله -تعالى-: ﴿وإِنْ خفْتُمْ﴾ إِلى ﴿وَرُبَاعَ﴾؟ فقالت: يا ابن أختي! هي اليتيمة تكون في حَجْر وليَّها، تُشاركه في ماله، فيُعجبه مالها وجمالها، فيُريد وليُّها أن يَتَزَوَّجَها بغير أن يقسِط في صَداقها، فيُعطيها مثلَ ما يُعطيها غيره، فَنُهُوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا (٢) لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سُنّتِهنّ من الصَّداق (٣)، وأُمِروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ. قال عروة: قالت عائشة: ثمّ إِنَّ النّاس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية؟ فأنزل الله: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساء﴾ إِلى قوله: ﴿وتَرْغَبُون أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، والذي ذكر الله أنه يُتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي قال فيها: ﴿وإِنْ خِفتم أن لا تُقْسِطوا في اليتامى فانكحوا ما طابَ لكم من النساء﴾، قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: ﴿وَترغبون أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾؛ يعني: هي رغبة أحدكم ليتيمته التي تكون في حَجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنُهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها من يتامى النساء إِلا بالقسط؛ من أجل رغبتهم عنهنّ" (٤).
стр. 1822
ففي قول عائشة ﵂: "فنُهوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سُنّتهنّ من الصَّداق"؛ مراعاة مَهْر المِثل في النساء كما لا يخفى.
العدْل في المهور:
لحديث عروة بن الزبير السابق وفيه: " ... فيُريد وليُّها أن يَتَزَوّجها بغير أن يقسِط في صَداقها، فيُعطيها مثل ما يُعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهن أعلى سُنّتِهنّ من الصَّداق".
وكيف يقسط في صَداقها؟
قد بيّنته عائشة ﵂ بقولها: " .. فيعطيها مِثل ما يُعطيها غيره".
العَدْل في صداق اليتيمة:
للنصّ السابق، وفيه قول عائشة ﵂: "هي اليتيمة تكون في حجر وليّها، تُشاركه في ماله، فيُعجبه مالها وجمالها، فيُريد وليُّها أن يَتَزَوّجها بغير أن يقسِط في صَداقها، فيُعطيها مثل ما يُعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ".
الرجل هو الذي يحدّد المهر:
والرجل هو الذي يُحدّد المهر؛ لكن في ضوء ما تقدّم من توجيهات وقواعد، ويراعي مهر المِثل، ولا يُغالي في ذلك.
وفي بعض مجالس شيخنا ﵀: أفادنا أنّ الرجل هو الذي يحدّد
стр. 1823
ذلك، وذكر عدداً من الأدلّة؛ منها:
حديث أنس ﵁ قال: "سأل رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف -وتزوّج امرأة من الأنصار-: كم أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب" (١).
وذكَر ما يتعلّق بخاتمة الأمر، وعدم رفض ولي الزوجة.
متى يجب عليه نصف المهر ؟
إِذا طلّق الرجل زوجه قبل الدخول بها، وكان قد فرَض لها قدْراً مُعيناً؛ فإِنّه يجب عليه نصف المهر.
قال -تعالى-: ﴿وإِنْ طَلّقتُموهنّ من قبل أن تَمَسُّوهنّ وقد فَرَضْتم لهُنّ فَريضة فَنِصفُ ما فَرَضتُم إِلا أنْ يَعْفُون (٢) أو يَعْفُوَ الذي بِيَدِه عُقْدَةُ النكاح وأنْ تَعْفوا أقْرَبُ للتَّقْوَى ولا تَنْسَوا الفَضْلَ بَيْنَكُم إِنّ اللهَ بما تَعْمَلون بصير﴾ (٣).
ماذا يجب مِن المهر إِذا أغلق الباب وأرخى الستر ولم يدخل بزوجه ؟
عن زرارة بن أبي أوفى ﵁ قال: "قضى الخلفاءُ الراشدون
стр. 1824
المهديّون؛ أنّ مَن أغلق باباً، أو أرخى ستراً؛ فقد وجب المهر، ووجبت العدّة" (١).
وعن عمر ﵁ قال: "إِذا أُجيف الباب، وأُرخيت الستور؛ فقد وجب المهر" (٢).
هذا؛ وقد فصّل الإمام ابن حزم ﵀ في ذلك تفصيلاً قويّاً تحت المسألة (١٨٤٦)؛ فارجع إِليه -إِن شئت-. وقال في آخر المسألة:
"فإِن تعلّقوا بمن جاء ذلك عنه من الصحابة ﵃؛ فلا حُجّة في أحد دون رسول الله ﷺ .
وقد اختلفوا كما ذَكَرْنا (٣)؛ فوجَب الردّ عند التنازُع إِلى القرآن والسُّنّة".
جاء في "السيل الجرّار" (٢/ ٢٨١): " ... وأمّا الخلوة فلم يكن في المقام ما ينتهض للاحتجاج به، ولم يصحّ من المرفوع ما تقوم به الحُجّة ...
وقد قال : ﴿وإِنْ طَلّقتُموهنّ من قبل أن تَمَسّوهنّ وقد فَرَضْتُم لهُنّ فَريضة فَنِصفُ ما فَرَضتُم﴾، فإِن كان المراد بالمس الجماع؛ فظاهره أنَّ الخلوة ليست بجماع، وإِن كان المس أعمّ من الجماع، وهو وضع عضو منه على عضو منها؛ فليست الخلوة المجردة مَسّاً؛ وإن أرخى عليها مائة ستر، ونظر إِليها
стр. 1825
ألف نظرة! وإِذا عرفت هذا؛ فلا حاجة بنا إِلى التكلم على الخلوة الصحيحة والفاسدة".
وقال شيخنا ﵀ في "السلسلة الضعيفة" بعد الحديث (١٠١٩) -بحذف-: "من كشف خمار امرأة، ونظر إِليها، فقد وجَب الصَّداق؛ دخل بها أم لم يدخل" (١):
"وجُملة القول؛ أن الحديث ضعيف مرفوعاً، صحيح موقوفاً. ولا يقال: فالموقوف شاهد للمرفوع لأنه لا يقال بمجرد الرأي؛ لأمرين:
الأوّل: أنه مخالف لقوله -تعالى-: ﴿وإِنْ طَلّقتُمُوهنّ من قبل أن تَمَسُّوهنّ وقد فَرَضْتُم لهُنّ فَريضة فَنِصفُ ما فَرَضتم .. ﴾ (٢)؛ فهي بإِطلاقها تشمل التي خلا بها. وما أحسن ما قال شريح: "لم أسمع الله -تعالى- ذكر في كتابه باباً ولا ستراً، إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصَّداق" (٣).
الثاني: أنه قد صح خلافه موقوفاً، فروى الشافعي (٢/ ٣٢٥): ... عن ابن عباس ﵄: "أنه قال في الرجل يتزوج المرأة، فيخلو بها ولا يمسها، ثمّ يطلّقها: ليس لها إِلا نصف الصَّداق؛ لأن الله يقول: ﴿وإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنّ وَقَدْ فرَضْتُم لَهُنَّ فَرِيضَة﴾. ومن طريق
стр. 1826
الشافعي رواه البيهقي (٧/ ٢٥٤).
قلت: وهذا سند ضعيف، لكن قد جاء من طريق أخرى عن طاوس، أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن منصور: ثنا هُشيم: أنبأ الليث عن طاوس عن ابن عباس: "أنه كان يقول في الرجل أُدخلت عليه امرأته، ثمّ طلقها، فزعم أنه لم يمسها، قال. عليه نصف الصَّداق".
قلت: وهذا سند صحيح، فبه يتقوّى السند الذي قبله، والآتي بعده عن علي بن أبي طلحة.
ثمّ أخرج البيهقي عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله -تعالى-: ﴿وإِن طَلَّقْتُمُوهُنّ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنّ .. ﴾ الآية: "فهو الرجل يتزوّج المرأة، وقد سمى لها صَداقاً، ثمّ يطلقها من قبل أن يمسها، والمس الجماع، فلها نصف الصَّداق، وليس لها أكثر من ذلك.
قلت: وهذا ضعيف منقطع، ثم روى عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود قال: "لها نصف الصَّداق، وإِنْ جلس بين رجليها". وقال: "وفيه انقطاع بين الشعبي وابن مسعود".
فإِذا كانت المسألة مما اختلف فيه الصحابة، فالواجب حينئذ الوجوع إِلى النص، والآية مؤيدة لما ذهب اليه ابن عباس؛ على خلاف هذا الحديث، وهو مذهب الشافعي في "الأمّ" (٥/ ٢١٥). وهو الحق- إِن شاء الله تعالى-". انتهى كلام شيخنا ﵀.
قلت: ومِثل ذلك يُقال في أثر زرارة ﵁؛ لأن إِيجاب العدّة إِنما
стр. 1827
هو على مَنْ دخَل، وقد قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نَكَحْتُم المؤمنات ثمّ طَلَّقْتمُوهُنّ مِنْ قَبْلِ أن تَمَسُّوهَنّ فَمَا لَكُم عَلَيْهنّ من عدّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (١).
والراجح: أنه إِذا أَغلق الباب وأرخى الستر، ولم يدخل بزوجه؛ فلها نصف الصَّداق، ولا عدّة عليها -والله تعالى أعلم-.
قال ابن كثير ﵀: " ... وتشطير الصداق -والحالة هذه- أمْر مُجمعٌ عليه بين العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، فإِنه متى كان قد سَمَّى لها صَداقاً ثمّ فارقَها قبل دخوله بها، فإِنه يجب لها نصف ما سمّى من الصَّداق، إِلا أن عند الثلاثة أنه يجب جميع الصَّداق إِذا خلا بها الزوج، وإن لم يدخل بها ... " (٢).
فوائد متفرِّقة:
*جاء في "الفتاوى" (٣٢/ ١٩٧): "وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل اعتقلته زوجته عند الحاكم على الصَّداق مدة شهرين، ولم يوجد له موجود: فهل يجوز للحاكم أن يبقيه أو يُطْلِقه؟
فأجاب: إِذا لم يُعرَف له مال؛ حلّفه الحاكم على إِعساره وأطلقه، ولم يجز حبسه وتكليفه البينة والحالة هذه في المذاهب الأربعة".
*وسألتُ شيخنا ﵀: هل يسقط المهر إِذا فُسخ العقد لإِعسار الرجل أو لعيبٍ فيه؟!
فأجاب ﵀: إِذا بنى أو دخَل؛ فهو حقٌّ لها.
стр. 1828
* وسألت شيخنا ﵀: إِذا ارتدّت المرأة عن الإِسلام، فهل يسقط المهر عن الرجل قبل الدخول؟
فأجاب ﵀: لا يسقط حقّها؛ لأنّ حقّها تحقّق بمجرّد العقد، وكان العقد مشروعاً، والحقّ يبقى في ذمّته.
قلت: وبعد الدخول؛ هل هو من باب أولى؟
فأجاب ﵀: نعم.
* وسألت شيخنا ﵀: إِذا اكتشف الرجل عيباً بالمرأة؛ يمنَعه من الاستمتاع؛ فهل له أخْذ ما أعطاها من الصّداق؟
فأجاب ﵀: إِذا جامعها لا، وإذا لم يجامعها، فله ذلك.
الإِمهار عن غيره:
عن أمّ حبيبة: "أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، فمات بأرض الحبشة، فزوجها النجاشي النّبيّ ﷺ ، وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إلى رسول الله ﷺ مع شرحبيل ابن حسنة".
قال أبو داود: "حسنةُ هي أمّه" (١).
الرجل هو الذي يُعدّ البيت ويؤثثه ويجهّزه:
لا شكّ أنّ *المسؤول عن إِعداد البيت إِعداداً شرعياً، وتجهيز كل ما يحتاج له من الأثاث، والفرش، والأدوات: هو الزوج. والزوجة لا تسأل عن شيء من ذلك، مهما كان مهرها ... لأنّ المهر إِنما تستحقه الزوجة في مقابل الاستمتاع
стр. 1829
بها، لا من أجل إِعداد الجهاز لبيت الزوجية، فالمهر حقٌّ خالصٌ لها. ليس لأبيها، ولا لزوجها، ولا لأحد حقّ فيه* (١).
وقد قال الله -تعالى-: ﴿الرِّجال قَوّامون على النِّساء بمَا فَضَّل الله بَعضهم على بعض وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوَالِهم﴾ (٢).
قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: " ﴿وبمَا أنفقوا من أمْوَالِهِم﴾؛ أي: من المهور والنفقات والكُلَف التي أوجبها الله عليهم لهنّ في كتابه وسنة نبيه ﷺ ".
النفقة
المراد بالنفقة: الشيء الذي يبذله الإِنسان؛ فيما يحتاجه هو أو غيره؛ من الطعام والشراب وغيرهما (٣).
حُكمها:
النفقة واجبة بالكتاب والسّنّة والإِجماع.
قال الله -تعالى-: ﴿وعلى المولود له رِزقُهنّ وكِسْوَتُهُنّ بالمعروف لا تُكلَّف نفسّ إِلا وُسْعَها﴾ (٤).
قال ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسير هذه الآية: "أي: وعلى والد
стр. 1830
الطفل نفقة الوالدات، وكسوتهنّ بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهنّ في بلدهنّ؛ من غير إِسراف ولا إِقتار، بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره، كما قال -تعالى-: ﴿لينفق ذُو سَعَة من سَعَته ومن قُدرَ عليه رِزْقُهُ فَلْيُنْفِق ممَّا آتاه الله لا يُكَلّفُ الله نفساً إِلا ما آتاها سَيَجْعَل الله بعد عُسْرٍ يُسْراً﴾ (١). قال الضحاك: إِذا طلّق الرجل زوجته وله منها ولد، فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف.
وقال : ﴿أسكنوهنّ من حيث سَكَنْتُم من وُجْدِكم ولا تُضارُّوهنّ لتضيِّقوا عليهنّ وإِن كُنَّ أُولاتِ حملٍ فأنفقوا عليهنّ حتى يضعن حملهنّ فإِن أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهن وأْتَمِرُوا بينكم بمعروف وإِن تعاسرتم فَسَتُرْضِعُ له أخرى﴾ (٢).
*وقوله -سبحانه-: ﴿أسكنوهنّ من حيثُ سكنتم﴾، أَي: عندكم.
وقوله -تعالى-: ﴿مِن وُجْدِكُم﴾، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني سعتكم. حتى قال قتادة. إِن لم تَجِد إِلا جنب بيتك فأسكِنها فيه* (٣).
وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في حَجَّة الوداع: "اتقوا الله في النساء، فإِنكم أخذتموهنّ بأمان الله، واستحللتم فروجهنِّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فُرُشَكم أحداً تكرهونه، فإِن فَعَلْن ذلك؛ فاضربوهنّ
стр. 1831
ضرباً غير مبرِّح (١). ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف" (٢).
وعن عائشة ﵂: "أنّ هنداً قالت للنّبيّ ﷺ : إِنّ أبا سفيان رجل شحيح؛ فأحتاج أن آخذ من ماله؟ قال ﷺ : خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف" (٣).
وعن معاوية القُشَيْرِي قال: "قلت: يا رسول الله! ما حقُّ زوجة أحدِنا عليه؟ قال: أن تُطعِمَها إِذا طَعِمْت، وتَكْسُوَها إِذا اكتسيت، ولا تضربَ الوجه، ولا تُقَبِّحَ، ولا تهجرَ إِلا في البيت" (٤).
وعن جابر ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "ابدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإِن فَضَل شيء فلأهلك، فإِن فَضَل عن أهلك شيء فلذي قرابتك" (٥).
وجاء في "الروضة الندية" (٢/ ٧٩): "والواجب الأصلي هو المعاشرة بالمعروف، وبيّنها النّبيّ ﷺ بالرزق والكسوة وحُسن المعاملة، ولا يمكن في الشرائع المستندة إِلى الوحي أن يُعيّن جنس القوت وقدره مثلاً، فإِنه لا يكاد يتفق أهل الأرض على شيء واحد، ولذلك إِنما أمر أمراً مطلقاً".
وجاء في "السيل الجرّار": "ثبت الإِجماع على وجوب نفقة الزوجات على
стр. 1832
الأزواج، ولم يَرِد في ذلك خلاف".
ماذا إِذا كان الزوج بخيلاً ؟
للزوجة أن تطلب فرض نفقةٍ لها ولأبنائها؛ مما تحتاجه من طعام أو كِسوة أو مسكن أو نحو ذلك.
ولها حين يقصّر الزوج أن تأخذ من ماله ما يكفيها بالمعروف -من غير إِسراف ولا مخيلة-، وإن لم يعلم بذلك.
عن عائشة ﵂: "أنّ هنداً قالت للنّبيّ ﷺ : إِنّ أبا سفيان رجل شحيح؛ فأحتاج أن آخذ من ماله؟ قال النّبيّ ﷺ : خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف" (١).
قال النووي ﵀ في "شرحه" (١٢/ ٧، ٨): "في هذا الحديث فوائد: منها: وجوب نفقة الزوجة. ومنها: وجوب نفقة الأولاد الفقراء الصغار. ومنها: أن النفقة مقدرة بالكفاية ...
قال أصحابنا: إِذا امتنع الأب من الإِنفاق على الولد الصغير، أو كان غائباً؛ أذِن القاضي لأمّه في الأخذ من آل الأب، أو الاستقراض عليه والإِنفاق على الصغير؛ بشرط أهليتها. وهل لها الاستقلال بالأخذ من ماله بغير إِذْن القاضي؟ فيه وجهان مبنيان على وجهين لأصحابنا؛ في أنّ إِذْن النّبيّ ﷺ لهند امرأة أبي سفيان كان إِفتاءً أم قضاءً؟ والأصح أنه كان إِفتاءً، وأن هذا يجري في كل امرأة أشبهتها، فيجوز. والثاني: كان قضاءً، فلا يجوز لغيرها إِلا بإِذن القاضي. والله أعلم".
стр. 1833
قلت: والقول: إنه إِفتاء أصحّ. وعلى افتراض أنه كان قضاءً؛ فلا ينفي أن يكون ذلك إِفتاءً لمن احتاج إِلى الإِفتاء، وقضاءً لمن احتاج إِلى القضاء، فمقتضى الفقه أن يستفاد منه في الإِفتاء والقضاء.
وليست كل امرأةٍ بمستطيعة أن تشكو إِلى القاضي، إذ ربما يؤدي ذلك إِلى مفاسد أخرى، والله -تعالى- أعلم.
ويُشترط الرُشد في المرأة؛ لأخْذ النفقة من الزوج بغير علمه، قال الله -تعالى-: ﴿ولا تُؤتوا السفهاء أموالكم﴾ (١).
نفقة زوجة الغائب:
وإذا غاب الرجال عن النّساء؛ لم تسقط عنهم النفقة.
فعن ابن عمر أنّ عمر بن الخطاب ﵄: "كتب إِلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم يأمرهم أن ينفقوا أو يُطلّقوا، فإِنْ طلّقوا بعثوا بنفقة ما مضى". قال ابن المنذر: ثبت ذلك عن عمر (٢).
جاء قي "السيل الجرّار" (٢/ ٢٥٦): "أقول: قد أمَر الله -سبحانه- بإِحسان عِشرة ﷺ زوجات فقال: ﴿وعاشِرُوهُنّ بِالمَعْرُوف﴾ (٣)، ونهى عن إِمساكهن ضراراً فقال: ﴿ولا تمسكوهنّ ضراراً﴾ (٤)، وأمَر بالإِمساك بالمعروف أو
стр. 1834
التسريح بإِحسان فقال: ﴿فإِمساك بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾ (١)، ونهى عن مضارتهن فقال: ﴿ولا تُضَاروُّهنّ﴾ (٢). فالغائب إِن حصل مع زوجته التضرّر بغيبته جاز لها أن ترفع أمرها إِلى حُكّام الشريعة، وعليهم أن يخلِّصوها من هذا الضرار البالغ. هذا على تقدير أنّ الغائب تَرَك لها ما يقوم بنفقتها، وأنها لم تتضرر من هذه الحيثية، بل من حيثية كونها لا مزوجة ولا أيمّة. أمّا إِذا كانت متضررة بعدم وجود ما تستنفقه مما تركه الغائب؛ فالفسخ بذلك على انفراده جائز ولو كان حاضراً؛ فضلاً عن أن يكون غائباً، وهذه الآيات التي ذكَرناها وغيرها تدل على ذلك.
فإِن قلت: هل تعتبر مدة مقدرة في غيبة الغائب؟
قلت: لا؛ بل مجرد حصول التضرر من المرأة مُسوِّغ للفسخ بعد الإِعذار إِلى الزوج؛ إِن كان في محلٍّ معروف، لا إِذا كان لا يعرف مستقره، فإِنه يجوز للحاكم أن يفسخ النكاح بمجرد حصول التضرر من المرأة، ولكن إِذا كان قد ترك الغائب ما يقوم بما تحتاج إِليه، ولم يكن التضرر منها إِلا لأمر غير النفقة ونحوها؛ فينبغي توقيفها مدة، يخبر مَنْ له عدالة من النساء؛ بأن المرأة تتضرر بالزيادة على تلك المدة.
وأمّا إِذا لم يترك لها ما تحتاج إِليه؛ فالمسارعة إِلى تخليصها، وفكِّ أسْرها ودفْع الضرار عنها واجب. ثمّ إِذا تزوجت بآخر؛ فقد صارت زوجته، وإِنْ عاد الأول فلا يعود نكاحه؛ بل قد بطل بالفسخ".
стр. 1835
نفقة المعتدة (١):
للمعتدّة الرجعيَّة النفقة؛ لقول الله -تعالى-: ﴿أسْكِنُوهُنّ من حَيثُ سَكَنْتم مِن وُجدكم﴾ (٢) -والسياق في الطلاق الرجعي-. وكذلك للمعتدّة الحامل النفقة لقول الله -تعالى- فيهنّ: ﴿وإِن كُنّ أولات حملٍ فأنفقوا عليهنّ حتى يضعن حملهنّ﴾ (٣).
*وهذه الآية تدلّ على أنّ وجوب النفقة للحامل؛ سواءٌ أكانت في عدّة الطلاق الرجعي أم البائن، أم كانت عدتها عدّة وفاة* (٤).
وقد اختلف العلماء في شأن النفقة والسُّكنى إِذا لم تكن حاملاً.
والراجح أنه لا نفقة لها ولا سكنى. فعن الشعبي قال: "دخلتُ على فاطمة بنت قيس، فسألتها عن قضاء رسول الله ﷺ عليها؟ فقالت: طلَّقها زوجها البتة، فقالت: فخاصمتُه إِلى رسول الله ﷺ في السكنى والنّفقة، قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وأمرني أن أعتدّ في بيت ابن أم مكتوم" (٥).
وفي رواية: "إِنما النفقة والسكنى للمرأة إِذا كان لزوجها عليها رجعة" (٦).
стр. 1836
وعنها كذلك: أن النّبيّ ﷺ قال لها: "لا نفقة لك إِلا أن تكوني حاملاً" (١).
لا تنتهك المرأة شيئاً من مالها الا بإِذن زوجها:
لقوله ﷺ : "لا يجوز لامرأة عطيّةٌ في مالها إِلا بإذن زوجها" (٢).
ولقوله ﷺ : "ليس للمرأة أن تنتهك شيئاً من مالها إِلا بإِذن زوجها" (٣).
قال شيخنا ﵀ عقب هذا الحديث: "وهذا الحديث -وما أشرنا إِليه ممّا في معناه- يدل على أنّ المرأة لا يجوز لها أن تتصرف بمالها الخاص بها إِلا بإِذن زوجها، وذلك من تمام القوامة التي جعلها ربنا ﵎ له عليها، ولكن لا ينبغي للزوج -إِذا كان مسلماً صادقاً- أن يستغل هذا الحكم؛ فيتجبر على زوجته، ويمنعها من التصرف في مالها فيما لا ضير عليهما منه. وما أشبهَ هذا الحقَّ بحق وليّ البنت التي لا يجوز لها أن تُزوّج نفسها بدون إِذن وليها، فإِذا أعضلها رفعت الأمر إِلى القاضي الشرعي لينصفها، وكذلك الحكم في مال المرأة إِذا جار عليها زوجها؛ فمنعها من التصرف المشروع في مالها؛ فالقاضي ينصفها أيضاً. فلا إِشكال على الحكم نفسه، وإِنما الإِشكال في سوء التصرّف به. فتأمّل".
متى يستحبّ البناء بالنساء (٤)؟
عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: "تزوجني رسول الله ﷺ في
стр. 1837
شوال، وبنى بي في شوال. فأيُّ نساء رسول الله ﷺ كان أحظى عنده منّي؟
قال: وكانت عائشة تستحب أن تُدخل نساءها في شوال" (١).
موعظةُ الرّجلِ ابْنَتَهُ لِحَالِ زَوَاجها (٢):
فيه حديث ابن عباس ﵄ الطويل وفيه: " ... فنزلتُ فدخلت [أي: عمر ﵁] على حفصة، فقلت لها. أي حفصةُ! أتغاضِب إِحداكنّ النّبي ﷺ اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم، فقلت: قد خبتِ وخسرتِ، أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسول الله ﷺ "؛ فَتَهْلَكِي؟ لا تستكثري النَّبيّ ﷺ ، ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لكِ، ولا يغرنّك أن كانت جارتك أَوْضَأَ منك، وأحبَّ إِلى النّبيّ ﷺ -يريد عائشهّ-" (٣).
ذهاب النّساء والصبيان إِلى العُرس (٤):
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "أبصر النّبي ﷺ نساءً وصبياناً مُقبلين من عُرس، فقام مُمْتنّاً (٥)، فقال: اللهمّ أنتم من أحبّ النّاس إِليّ" (٦).
стр. 1838
استعارة الثياب للعروس (١):
عن عائشة ﵂، "أنها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فأرسل رسول الله ﷺ ناسًا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة، فصلَّوا بغير وضوء، فلما أتوا النّبيّ ﷺ ؛ شّكَوا ذلك إِليه، فنزلت آية التيمم.
فقال أُسيد بن حُضَير: جزاكِ الله خيراً، فوالله ما نزل بكِ أمرٌ قطُّ إِلا جعل الله لكِ منه مخرجاً، وجعل للمسلمين فيه بركة" (٢).
الهديّة للعروس (٣):
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان النبي ﷺ عروساً بزينب، فقالت لي أمُّ سُليم: لو أهدَينا لرسول الله ﷺ هدية، فقلت لها: افعلي. فعَمَدَتْ إِلى تمر وسمن وأَقِطٍ، فاتخذت حَيْسة في بُرْمة (٤)، فأرسلت بها معي إِليه، فانطلقت بها إِليه، فقال لي: ضعها، ثمّ أمرني فقال: ادعُ لي رجالاً -سمّاهم- وادعُ من لَقِيتَ، قال: ففعلت الذي أمرني ... " (٥).
стр. 1839
آداب الزِّفاف (١)
١ - ملاطفة الزوجة عند البناء بها:
يُستحبّ له إِذا دخَل على زوجته أن يلاطفها، كأنْ يقدّم إليها شيئاً من الشراب ونحوه؛ لحديث أسماء بنت يزيد بن السكن، قالت: "إِنّي قَيَّنت (٢) عائشة لرسول الله ﷺ ، ثمّ جئته، فدعوته لجلوتها (٣)، فجاء فجلَس إِلى جنبها، فأُتي بعُسّ (٤) لبن، فشرب، ثمّ ناوَلها النّبيّ ﷺ ، فخفضَت رأسها واستحيت.
قالت أسماء: فانتهرتها، وقلت لها: خذي من يد النّبيّ ﷺ ، قالت: فأخذَت، فشربَتْ شيئاً، ثمّ قال لها النبيّ ﷺ : أعطي تِرْبَكِ (٥) " (٦).
٢ - وضْعُ اليدِ على رأس الزوجة والدعاءُ لها:
وينبغي أن يضع يده على مقدّمة رأسها عند البناء بها -أو قبل ذلك-، وأن يسميَ الله ﵎، ويدعو بالبركة، ويقول ما جاء في قوله ﷺ : "إِذا تزوج أحدكم امرأة، أو اشترى خادماً، [فليأخُذ بناصيتها] (٧)، [وليُسَمِّ الله -عزّ
стр. 1840
وجلّ-]، [وليدْعُ بالبركة]، وليقل: اللهم إِني أسألك من خيرها وخير ما جَبَلتها (١) عليه، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما جَبلْتَها عليه" (٢).
٣ - صلاة الزوجين معاً:
ويُستحبّ لهما أن يُصلّيا ركعتين معاً، لأنّه منقولٌ عن السلف، وفيه أثران:
الأول: عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: "تزوجتُ وأنا مملوك، فدعوتُ نفراً من أصحاب النّبيّ ﷺ -فيهم ابن مسعود وأبو ذرّ وحذيفة-، قال: وأقيمت الصلاة، قال: فذهب أبو ذرّ ليتقدّم، فقالوا: إِليك! قال: أوَكَذَلك؟! قالوا: نعم (٣)، قال: فتقدمت بهم وأنا عبد مملوك، وعلَّموني فقالوا: إِذا دخَل عليك أهلك؛ فصلّ ركعتين، ثمّ سل الله من خير ما دخل عليك، وتعوَّذ به من شرِّه، ثمّ شأنَك وشأنَ أهلك" (٤).
الثاني: عن شقيق قال: "جاء رجل يقال له: أبو حريز، فقال: إِني تزوجتُ جارية شابّة [بكراً]، وإني أخاف أن تَفْرَكَنِي (٥)! فقال عبد الله (يعني: ابن
стр. 1841
مسعود): إِنّ الإِلْفَ من الله، والفِرْكَ من الشيطان، يريد أن يكرّه إِليكم ما أحل الله لكم؛ فإِذا أتتك فَأْمُرها أن تصلي وراءك ركعتين -زاد في رواية أخرى عن ابن مسعود-، وقل: اللهم بارِك لي في أهلي، وبارِك لهم فيَّ، اللهم اجمع بيننا ما جمعت بخير؛ وفرِّق بيننا إِذا فرَّقتَ إلى خير" (١).
٤ - ما يقول حين يجامعها:
وينبغي أن يقول حين يأتي أهله: "بسم الله، اللهمّ جنّبنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رَزَقْتَنَا".
عن ابن عباس ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "لو أنّ أحدكم إِذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهمّ جنّبنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رَزَقْتَنَا، فقُضي بينهما ولد لم يَضُرَّه" (٢).
٥ - كيف يأتيها ؟
ويجوز له أن يأتيها في قُبُلها من أيِّ جهةٍ شاء، مِن خَلْفها أو من أمامها، لقول الله ﵎: ﴿نِسَاؤُكم حَرثٌ لكم فَأتُوا حَرْثَكُم أنّى شِئْتُم﴾، أي: كيف شئتم؛ مُقبلة ومدبرة.
عن جابر ﵁ قال: "كانت اليهود تقول: إِذا أتى الرجل امرأته من دُبُرها في قُبُلها؛ كان الولد أحول! فنزلت ﴿نِسَاؤُكُم حَرثٌ لكم فَأتُوا حَرْثَكُم أنّى شِئْتُم﴾، [فقال رسول الله ﷺ : مقبلة ومدبرة؛ إِذا كان ذلك في
стр. 1842
الفرج] " (١).
جاء في "سبل السلام" (٣/ ٢٦٥): "فأباح موضع الحرث، والمطلوب من الحرث نبات الزرع، فكذلك النساء؛ الغرض من إِتيانهن هو طلب النسل؛ لا قضاء الشهوة [فحسب]، وهو لا يكون إِلا في القبل، فيحرم ما عدا موضع الحرث، ولا يقاس عليه غيره؛ لعدم المشابهة في كونه محلاً للزرع، وأمّا حل الاستمتاع فيما عدا الفرج؛ فمأخوذ من دليل آخر، وهو جواز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج ... ".
٦ - تحريم الدُّبُر:
ويحرم عليه أن يأتيها في دُبُرها؛ لمفهوم الآية السابقة: ﴿نسَاؤُكُم حَرثٌ لكم فَأتُوا حَرْثَكُم أنّى شِئْتُم﴾، ولما رواه ابن عباس ﵄ قال: "جاء عمر بن الخطاب إِلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! هلَكتُ! قال: وما الذي أهلكَك؟ قال: حولتُ رحْلي الليلة (٢)، فلم يَرُدَّ عليه شيئاً، فأُوحِي إِلى رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُم حَرثٌ لكم فَأتُوا حَرْثَكُم أنّى شِئتُم﴾، يقول: أقْبِلْ وأدْبر، واتق الدُّبُر والحيضة" (٣).
стр. 1843
لا كراهة في الكلام حال الجماع:
جاء في "الروضة الندية" (٢/ ٨٣): "وأمّا الكلام حال الجماع؛ فقد استدل بعض أهل العلم على كراهة الكلام حال الجماع، بالقياس على كراهته حال قضاء الحاجة، فإِنْ كان ذلك بجامع الاستخباث؛ فباطل؛ فإِنّ حالة الجماع حالة مُستلذَّة، لا حالة مُستخبثة، وفي المكالمة -حَالَتَهُ- نوع من إِحسان العشرة؛ بل فيه لذة ظاهرة؛ كما قال بعض الشعراء:
وَيُعْجِبُنِي مِنْكِ حَالَ الجِمَاعِ ... لِينُ الكَلامِ وَضَعْفُ النَّظَرْ
وإِنْ كان الجامع شيئاً آخر؛ فما هو؛ فإِنّ النّبيّ ﷺ قد شرع الملاعبة والمداعبة، ووقتُ الجماع أولى بذلك من غيره".
٧ - الوضوء بين الجماعين:
وإِذا أرادَ أن يعود إِليها توضّأ؛ لقوله ﷺ : "إِذا أتى أحدُكم أهلَه، ثمّ أراد أن يعود، فليتوضأ" (١).
وفي رواية: "فإِنه أنشط في العَوْدِ" (٢).
٨ - الغُسل أفضل:
لكن الغسل أفضل من الوضوء؛ لحديث أبي رافع ﵁: "أنّ النّبيّ ﷺ طاف ذاتَ يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه، قال: فقلت له: يا رسول الله! ألا تجعله غُسلاً واحداً؟ قال: هذا أزكى وأطيب وأطهر" (٣).
стр. 1844
٩ - اغتسال الزوجين معاً:
ويجوز لهما أن يغتسلا معاً في مكان واحد، ولو رأى منها ورأت منه.
عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إِناء بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دَعْ لي، دَعْ لي، قالت: وهما جُنُبان" (١).
وعن معاوية بن حيدة ﵁ قال: "قلتُ: يا رسول الله! عوراتنا؛ ما نأتي منها وما نذَر؟
قال: احفظ عورتك؛ إِلا من زوجتك أو ما ملكَت يمينك" (٢).
وجاء في "السلسلة الضعيفة" (٣) -بعد حديث موضوع يمنع النظر إِلى فرج الزوجة-: "والنظر الصحيح يدل على بطلان هذا الحديث، فإِن تحريم النظر بالنسبة للجماع: من باب تحريم الوسائل، فإِذا أباح الله -تعالى- للزوج أن يجامع زوجه، فهل يُعقل أن يمنعه من النظر إِلى فرجها؟! اللهم لا. ويؤيد هذا من النقل حديث عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إِناءٍ بيني وبينه واحد، فيُبادرني؛ حتى أقول: دَع لي، دَع لي". أخرجه الشيخان وغيرهما.
فإِن الظاهر من هذا الحديث جواز النظر، ويؤيده رواية ابن حبان من طريق
стр. 1845
سليمان بن موسى: أنه سُئِل عن الرجل ينظر إِلى فرج امرأته؟ فقال: سألت عطاءً؟ فقال: سألت عائشة؟ ... فذكرت هذا الحديث بمعناه.
وهو نص في جواز نظر الرجل إِلى عورة امرأته -وعَكْسِهِ- وإذا تبيّن هذا؛ فلا فرق حينئذ بين النظر عند الاغتسال أو الجماع، فثبت بطلان الحديث".
١٠ - توضُّؤ الجُنُب قبل النوم:
ولا ينامان جُنُبين إِلا إِذا توضآ؛ فعن عائشة ﵂ قالت: "كان النّبيّ ﷺ إِذا أراد أن ينام وهو جُنُب؛ غَسَل فرجه، وتوضأ [وضوءه] للصلاة" (١).
١١ - حُكم هذا الوضوء:
وليس ذلك على الوجوب، وإنما للاستحباب المؤكّد، لحديث عمر: "أنه سأل رسول الله ﷺ : أينام أحدنا وهو جُنُب؟ فقال: نعم، ويتوضأ إِنْ شاء" (٢).
ويؤيده حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ ينام وهو جُنُب من غير أن يمس ماءً؛ [حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل] " (٣).
١٢ - تيمُّم الجُنُب بدل الوضوء:
ويجوز لهما التيمم بدل الوضوء أحياناً؛ لحديث عائشة قالت: "كان رسول
стр. 1846
الله ﷺ إذا أجنب فأراد أن ينام، توضأ أو تيمّم" (١).
١٣ - اغتساله قبل النوم أفضل:
واغتسالهما أفضل؛ لحديث عبد الله بن قيس قال: "سألتُ عائشة قلت: كيف كان ﷺ يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام، أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كلَّ ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سَعة" (٢).
١٤ - تحريم إِتيان الحائض:
ويحرُم عليه أن يأتيها في حيضها؛ لقوله ﵎. ﴿ويسألونك عن المحيض قُل هو أذىً فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهنّ حتى يطهرن فإِذا تطهّرن فأتوهن من حيث أمركم الله إِنّ الله يحبّ التوابين ويحبّ المتطهرين﴾ (٣).
ومن الأحاديث الدالّة على ذلك قوله ﷺ : "من أتى حائضاً، أو امرأة في دُبُرها، أو كاهناً؛ فصدَّقه بما يقول، فقد كفَر بما أُنزل على محمد" (٤).
١٥ - ما يحِلّ له من الحائض:
ويجوز له أن يتمتّع بما دون الفرج من الحائض، ومن الأدلة على ذلك:
стр. 1847
قوله ﷺ : " ... اصنعوا كلّ شيء إِلا النكاح (١) " (٢).
وعن بعض أزواج النّبيّ ﷺ قالت: "إِنّ النّبيّ ﷺ كان إِذا أراد من الحائض شيئاً؛ ألقى على فرجها ثوباً؛ [ثمّ صنع ما أراد] " (٣).
١٦ - ولا يأتيها بعد الطُّهر إِلا أن تغتسل:
قال الله -تعالى-: ﴿فإِذا تطهّرن فأتوهنّ من حيثُ أمَركم الله﴾ (٤).
وقد فصّلتُ القول في هذه المسألة من كتابي هذا: "الموسوعة" (١/ ٢٧٦).
١٧ - جواز العزل:
ويجوز له أن يعزل عنها ماءَه.
عن جابر ﵁ قال: "كنّا نعزل والقرآن ينزل" (٥).
وفي رواية: "كنّا نعزِل على عهد رسول الله ﷺ ، فبلَغ ذلك نبيّ الله ﷺ ، فلم يَنْهَنا" (٦).
١٨ - الأوْلى ترْك العزل:
ولكن ترْكه أولى لأمور:
стр. 1848
الأول: أنّ فيه إِدخالَ ضررٍ على المرأة لما فيه من تفويت لذتها (١).
فإِنْ وافقَت عليه (٢)؛ ففيه ما يأتي، وهو:
الثاني: أنه يُفوِّت بعض مقاصد النكاح، وهو تكثير نَسْل أمّة نبيِّنا ﷺ ، وذلك قوله ﷺ : "تزوَّجوا الودود الولود، فإِني مُكاثِرٌ بكم الأم (٣) " (٤).
ولذلك وصَفَه النّبيّ ﷺ بالوأد الخفي حين سألوه عن العزل.
عن جُذَامة بنت وهب قالت: "حضرتُ رسول الله ﷺ في أناس سألوه عن العزل؟ فقال ﷺ : ذلك الوأد الخفي" (٥).
ولهذا أشار ﷺ إِلى أن الأوْلى تركه في حديث أبي سعيد الخدري أيضاً، قال: "ذُكر العزل عند رسول الله ﷺ ، فقال: ولِمَ يفعل ذلك أحدكم؟! -ولَمْ يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم-؛ فإِنه ليست نفس مخلوقة إِلا الله خالقها".
стр. 1849
وفي رواية: "فقال لنا: وإِنكم لتفعلون، وإنكم لتفعلون، وإنكم لتفعلون؟ ما مِن نسمة كائنةٍ إِلى يوم القيامة، إِلا وهي كائنة" (١). انتهى كلام شيخنا ﵀. وانظر للمزيد -إِن شئت- ما قاله العلامة ابن القيّم ﵀ في "زاد المعاد" (٥/ ١٤).
وقال شيخنا ﵀ في "الصحيحة" (٤/ ٣٨٥): "كراهة تحديد النسل أو تنظيمه والنهي عن الرهبانية"؛ ثم ذكر الحديث (١٨٧٢): "تزوّجوا فإِني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ولا تكونوا كرهبانية النصارى".
جاء في "الروضة الندية" (٢/ ٨٥): "قال في "المُسَوَّى": اختلف أهل العلم في العزل، فرخّص فيه غير واحد من الصحابة والتابعين، وكرهه جمع منهم، ولا شكّ أنّ تركه أولى".
١٩ - ما ينويان بالنكاح:
وينبغي لهما أن ينويا بنكاحهما إعفاف نفسَيْهما، وإحصانهما من الوقوع فيما حرّم الله عليهما، فإِنه تكتب مباضعتهما صدقة لهما، لحديث أبي ذر ﵁: "أنّ ناساً من أصحاب النّبيّ ﷺ قالوا للنّبيّ ﷺ : يا رسول الله! ذهب أهل الدثور (٢) بالأُجور، يصلّون كما نُصلّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفُضول أموالهم! قال: أوَلَيْسَ قد جعل الله لكم ما تصّدّقون؟ إِنّ بكلّ تسبيحةٍ صدقة، وكلّ تكبيرة صدقة، وكُلّ تحميدةٍ صدقة،
стр. 1850
وكلّ تهليلةٍ صدقة، وأمْرٌ بالمعروف صدقة، ونهْيٌ عن منكر صدقة، وفي بُضع أحدكم (١) صدقة. قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام؛ أكان عليه فيها وِزر؟ فكذلك إِذا وضَعَها في الحلال؛ كان له أجراً" (٢).
٢٠ - ما يفعل صبيحةَ بنائه:
ويُستحب له صبيحةَ بنائه بأهله؛ أن يأتي أقاربه الذي أتوه في داره، ويُسلّم عليهم، ويدعو لهم، وأن يُقابِلوه بالمِثل؛ لحديث أنس ﵁ قال: "أَوْلَم رسول الله ﷺ إِذ بنى بزينب، فأشبع المسلمين خُبزاً ولحماً، ثمّ خرَج إِلى أُمّهات المؤمنين فسلّم عليهنّ، ودعا لهنّ، وسلّمن عليه ودعَون له، فكان يفعل ذلك صبيحة بنائه" (٣).
٢١ - تحريم نشْر أسرار الاستمتاع:
ويحرُم على كلٍّ منهما أن ينشر الأسرار المتعلقة بالوقاع، فعن أسماء بنت يزيد ﵂: "أنها كانت عند رسول الله ﷺ ، والرجال والنساء قعود، فقال: لعلّ رجلاً يقول ما يفعل بأهله، ولعلّ امرأة تُخبِر بما فعَلَت مع زوجها؟! فأرَمّ القوم (٤)، فقلت: إِي والله يا رسول الله! إِنهن ليفعلن، وإنهم
стр. 1851
ليفعلون، قال: فلا تفعلوا، فإِنّما ذلك مَثَلُ الشيطان لقي شيطانة في طريق، فغَشِيَها والناس ينظرون" (١).
قلت: أمّا إِذا كانت هناك حاجة أو ضرورة للتحدُّث بشيء من ذلك؛ فلا حرج.
عن عكرمة: "أنّ رِفاعة طلّق امرأته، فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القُرَظي، قالت عائشة: وعليها خمارٌ أخضر، فشكت إِليها، وأرتها خُضرةً بجِلدها، فلما جاء رسول الله ﷺ -والنساء ينصر بعضهنّ بعضاً- قالت عائشة: ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات، لَجِلْدُها أشدُّ خُضْرَةً من ثوبها! قال: وسمع أنها قد أتت رسول الله ﷺ ، فجاء ومعه ابنان له من غيرها، قالت: والله ما لي إِليه من ذنب، إِلا أنّ ما معه ليس بأغنى عني من هذه -وأخذت هُدبة (٢) من ثوبها-! فقال: كذبت والله يا رسول الله! إِني لأنفضُها نفض الأديم (٣)، ولكنها ناشزٌ تريد رِفاعة، فقال رسول الله ﷺ : فإِن كان ذلك؛ لم تحلّي له -أو لم تصلحي له- حتى يذوق عُسَيلتك! قال: وأبصر معه ابنَين له فقال: بنوك هؤلاء؟ قال: نعم. قال: هذا الذي تزعمين ما تزعمين؟ فوالله لهم أشبه به من الغراب بالغراب" (٤).
стр. 1852
٢٢ - وجوب الوليمة:
ولا بد له مِن وليمةٍ بعد الدخول؛ لأمر النّبيّ ﷺ عبدَ الرحمن بن عوف بها كما تقدّم، ولحديث بُرَيْدة بن الحُصَيْب، قال: "لمّا خطَب عليٌّ فاطمة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : إنه لا بد للعُرْس (وفي رواية: للعروس) من وليمة" (١). انتهى كلام شيخنا ﵀.
قال الإِمام ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (١١/ ٢١) تحت المسألة (١٨٢٣): "وفَرْضٌ على كلّ من تزوّج أن يولم بما قلّ أو كثُر ... " ثمّ ذكر الأدلّة على ذلك.
٢٣ - السُّنة في الوليمة:
وينبغي أن يلاحظ فيها أموراً:
الأول: أن تكون ثلاثة أيام عَقِب الدخول، لأنه هو المنقول عن النّبيّ ﷺ ، فعن أنس ﵁ قال: "بنى النّبيّ ﷺ بامرأة، فأرسَلَني، فدعوت رجالاً على الطعام" (٢).
وعنه قال: "تزوج النّبيّ ﷺ صفية، وجعل عتْقها صداقها، وجعَل الوليمة ثلاثة أيام" (٣).
الثاني: أن يدعو الصالحين إِليها، فقراءَ كانوا أو أغنياءَ، لقوله ﷺ : "لا
стр. 1853
تُصاحِبْ إِلا مؤمناً، ولا يأكل طعامَك إِلا تقيّ" (١).
الثالث: أن يولم بشاة أو أكثر -إِن وجد سَعة-.
عن أنس أيضاً قال: "ما رأيتُ رسول الله ﷺ أولَم على امرأةٍ من نسائه ما أولَم على زينب؛ فإِنه ذبَح شاة، [قال: أطعمهم خبزاً ولحماً حتى تركوه] " (٢).
٢٤ - جواز الوليمة بغير لحم:
ويجوز أن تُؤدّى الوليمة بأي طعامٍ تيسّر، ولو لم يكن فيه لحم، لحديث أنس ﵁ قال: "أقام النّبيّ ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاثَ ليالٍ؛ يُبنى عليه بصفيّة، فدعوت المسلمين إِلى وليمته، وما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إِلا أنْ أمَر بلالاً بالأنطاع (٣) فبُسطت (وفي رواية: فُحِصَت الأرض أفاحِيصَ (٤)، وجيء بالأنطاع فوُضعت فيها)، فأُلقي عليها التمر والأقط والسمن [فشبع الناس] " (٥).
стр. 1854
٢٥ - مشاركة الأغنياء بمالهم في الوليمة:
يُستحبّ أن يشارك ذوو الفضل والسَّعة في إعدادها؛ لحديث أنس في قصة زواجه ﷺ بصفية قال: "حتى إِذا كان بالطريق؛ جهَّزَتْها له أُمّ سليم، فأهدَتْها له من الليل، فأصبح النّبيّ ﷺ عروساً (١)، فقال: من كان عنده شيء فَلْيَجِئْ به (وفي رواية: من كان عنده فضل زاد فليأتنا به)، قال: وبسط نِطعاً، فجعل الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل يجيء بالسمن، فحاسوا حَيْساً، فكانت وليمةَ رسول الله ﷺ " (٢).
٢٦ - تحريم تخصيص الأغنياء بالدعوة:
ولا يجوز أن يخصّ بالدعوة الأغنياء دون الفقراء؛ لقوله ﷺ : "شرّ الطعام طعام الوليمة، يُدعى لها الأغنياء، ويُمْنَعُهَا المساكين، ومن لم يُجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" (٣).
٢٧ - وجوب إِجابة الدعوة:
ويجب على من دُعي إِليها أن يحضرها.
عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إِذا دعي أحدكم إِلى الوليمة؛ فليأتها" (٤).
стр. 1855
وعن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: "من ترك الدعوة؛ فقد عصى الله ورسوله" (١).
٢٨ - ترْك حضور الدعوة التي فيها معصية:
ولا يجوز حضور الدعوة إِذا اشتملت على معصية، إِلا أن يقصد إِنكارها ومحاولة إِزالتها، فإِن أُزيلت؛ وإلا وجب الرجوع.
عن علي قال: "صنعتُ طعاماً، فدعوتُ رسول الله ﷺ ، فجاء فرأى في البيت تصاوير، فرجع، [قال: فقلت: يا رسول الله! ما أرجعَك بأبي أنت وأمّي؟! قال: إِنّ في البيت ستراً فيه تصاوير، وإنّ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تصاوير] " (٢).
وفي الحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يقعُدنّ على مائدة يُدار عليها الخمر" (٣).
وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو: "أنّ رجلاً صنَع له طعاماً، فدعاه، فقال: أفي البيت صورة؟ قال: نعم، فأبى أن يدخل حتى كسَر الصورة، ثمّ دخَل" (٤).
стр. 1856
قال الإِمام الأوزاعي: "لا ندخل وليمة فيها طبل ولا مِعْزَافٌ" (١). انتهى كلام شيخنا ﵀.
قال الإِمام ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (١١/ ٢١) تحت المسألة (١٨٢٤): " ... فإِن كان هنالك حرير مبسوط، أو كانت الدار مغصوبة، أو كان الطعام مغصوباً،. أو كان هنالك خمر ظاهر: فليرجع ولا يجلس .. "، ثمّ ذكر الأدلّة على ذلك.
٢٩ - الدعاء للعروسين بالخير والبركة:
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "هلك أبي، وترك سبع بنات -أو تسع بنات-، فتزوّجت امرأة ثيّباً، فقال لي رسول الله ﷺ : تزوجتَ يا جابر؟! فقلت: نعم، فقال: بكراً أم ثيّباً، قلت: بل ثيباً، قال: فهلا جاريةً تُلاعبها وتلاعبُك، وتُضاحكها وتُضاحكك؟! قال فقلت له: إِنّ عبد الله هلك وترك بنات، وإِني كرهتُ أن أجِيئهنّ بمِثلهن، فتزوجتُ امرأة تقوم عليهنّ وتُصلحهن، فقال: بارَك الله لك -أو خيراً-" (٢).
وفي حديث بريدة ﵁: " ... يا علي! إِنه لا بدّ للعروس من وليمة. فقال سعد؛ عندي كبش، وجمع له رهط من الأنصار أَصْوُعاً من ذُرَةٍ، فلمّا كانت ليلةُ البناءِ، قال: لا تُحْدِثْ شيئاً حتى تلقاني، فدعا رسول الله ﷺ
стр. 1857
بماء فتوضأ فيه، ثمّ أفرغَه على عليّ، فقال: اللهم بارِك فيهما، وبارِك لهما في بنائهما" (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: "تزوّجني النبيّ ﷺ ، فأتتني أُمّي، فأدخَلتني الدار، فإِذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر" (٢).
وعن أبي هريرة: "أنّ النبي ﷺ كان إِذا رفّأ (٣) الإنسان إِذا تزوج، قال: بارك الله لك، وبارك الله عليك، وجمَع بينكما في (وفي رواية: على) خير" (٤).
٣٠ - بالرِّفاء (٥) والبنين تهنئة الجاهلية:
ولا يقول: "بالرِّفاء والبنين"، فإِنه مِنْ عمل الجاهلية، فعن عَقِيلِ بن أبي طالب: "أنه تزوج امرأة من بني جُشَمٍ، فقالوا: بالرِّفاء والبنين، فقال: لا تقولوا
стр. 1858
هكذا، ولكن قولوا كما قال رسول الله ﷺ : اللهم بارِك لهم وبارِك عليهم" (١).
٣١ - الغناء والضرب بالدُّفِّ:
ويجوز له أن يسمح للنساء (٢) في العرس يإِعلان النكاح بالضرب على الدفّ فقط، وبالغناء المباح الذي ليس فيه وصْف الجمال وذِكْر الفجور؛ فعن الرُّبيّع بنت مُعوِّذ قالت: "جاء النّبي ﷺ يدخل حين بُني عليّ، فجلس على فراشي كمجلسك منّيّ (٣)، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف، ويندبن من قُتل من آبائي يوم بدر، إِذ قالت إِحداهنّ: وفينا نبيٌّ يعلم ما في غد، فقال: دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين" (٤).
وعن عائشة: "أنها زَفَّتِ امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله ﷺ : يا عائشة! ما كان معكم لهو؟! فإنّ الأنصار يُعجبهم اللهو؟ " (٥).
стр. 1859
وفي رواية بلفظ: "فقال: فهل بعَثتم معها جارية تضرب بالدفّ وتُغنّي؟ قلت: تقول ماذا؟ قال: تقول:
أتيناكم أتيناكمْ ... فحيّونا نحيّيكمْ
ولولا الذهب الأحمـ ... ـر ما حلّت بواديكمْ
ولولا الحنطة السمرا ... ء ما سَمِنَتْ عذاريكمْ" (١).
وعن أبي بَلْجٍ يحيى بن سُلَيْمٍ قال: "قلت لمحمد بن حاطب: تزوجتُ امرأتين، ما كان في واحدة منهما صوت -يعني دفّاً-؟ فقال محمّد ﵁: قال رسول الله ﷺ : فصْل ما بين الحلال والحرام: الصوت بالدف" (٢).
وقال ﷺ : "أعلنوا النكاح" (٣).
٣٢ - الامتناع من مخالفة الشرع:
ويجب عليه أن يمتنع من كل ما فيه مخالفة للشرع، وخاصة ما اعتاده الناس في مِثل هذه المناسبة، حتى ظنّ كثير منهم -بسبب سكوت العلماء- أنْ لا بأس فيها.
قال شيخنا ﵀: وأنا أنبّه هنا على أمور هامّة منها:
стр. 1860
١ - تعليق الصُّوَر:
تعليق الصُّوَرِ على الجدران، سواء أكانت مُجسّمة، أو غير مجسّمة، لها ظِلّ، أو لا ظلّ لها، يدويّة أو فوتوغرافية، فإِن ذلك كله لا يجوز، ويجب على المستطيع نَزْعُها إِن لم يستطع تمزيقها، فعن عائشة ﵂ قالت: "دخَل عليّ رسول الله ﷺ ؛ وقد سترتُ سهوةً (١) لي بِقرامٍ (٢) فيه تماثيل (وفي رواية: فيه الخيل ذوات الأجنحة)، فلمّا رآه هتَكَه، وتلوّن وجهه، وقال: يا عائشة! أشدّ الناس عذاباً عند الله يوم القيامة: الذين يضاهون بخلق الله (وفي رواية: إِنّ أصحاب هذه الصور يُعذّبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقْتُم، ثمّ قال: إِنّ البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة)! قالت عائشة: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين" (٣).
وعنها ﵂ قالت: "حشوت للنّبيّ ﷺ وسادة فيها تماثيل، كأنها نُمْرُقة (٤)، فجاء فقام بين البابَيْنِ، وجعل يتغيَّرُ وجهه، فقالت: ما لنا يا رسول الله؟! قال: ما بالُ هذه؟ قلت: وسادة جعلتُها لك لتضطجع عليها، قال: أما علمتِ أنّ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة؟ وأنّ من صنع الصورة