بأنَّ جميع من لم يوجب الدَّلك أجازوا غَمْس اليد بالماء للمتوضئ من غير إِمرار، فبطلَ الإِجماع، وانتفت الملازمة".
قال الصنعاني (١) -رحمه الله تعالى-: "وقولها: "ثمَّ أفاض الماء": الإِفاضة: الإِسالة. وقد استدلَّ به على عدم وجوب الدَّلك، وعلى أنَّ مُسمَّى (غُسل) لا يدخل فيه الدَّلك؛ لأنَّها عبَّرت ميمونة بالغسل، وعبَّرت عائشة بالإِفاضة، والمعنى واحد، والإِفاضة لا دلْك فيها، فكذلك الغَسل ... " (٢).
قال في "المغني" (٣): "ولا يجب عليه إِمرار يده على جسده في الغُسل والوضوء إِذا تيقَّن أو غلب على ظنِّه وصول الماء إِلى جميع جسده، وهذا قول الحسن والنَّخعي والشَّعبي وحمَّاد والثَّوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ... " (٤).
ويرى شيخنا -حفظه الله تعالى- وجوب الدَّلك لمن كان ذا شعر كثير، ويسمَّى (الشَّعرانيّ) في اللغة كما تقدَّم.
وهذا كقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في مباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه؛ فقد قال: " ... ثمَّ هذا التَّخليل غير واجب اتِّفاقاً؛ إلاَّ إِنْ كان الشَّعر ملبَّداً بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إِلى أصوله، والله
стр. 212
أعلم" (١).
مُراعاة غَسل المرافغ (٢) عند الاغتسال:
عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إِذا أراد أن يغتسل من الجنابة؛ بدأ بكفَّيه، فغسلهما، ثمَّ غَسَل مرافِغَه، وأفاض عليه الماء، فإِذا أنقاهما؛ أهوى بهما إِلى حائط، ثمَّ يستقبل الوضوء، ويفيض الماء على رأسه" (٣).
стр. 213
مسائل في الاغتسال
النَّهي عن البول في المستحمّ:
عن عبد الله بن مغفَّل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يبولنَّ أحدُكم في مستحمِّه ثمَّ يغتسل فيه" (١).
"قال علي بن محمد: إِنَّما هذا في الحفيرة، فأمَّا اليوم؛ فلا، فمغتسلاتهم الجِصُّ (٢) والصَّاروج (٣) والقيرُ (٤)، فإِذا بال، فأرسَل عليه الماء؛ فلا بأس به" (٥).
وقال ابن المبارك: وقد وُسِّع في البول في المغتسل إِذا جرى فيه الماء" (٦).
جواز الاغتسال عُرياناً بحيث لا يُرى:
عن أبي هريرة ﵁ عن النّبي ﷺ ؛ قال: "بينا (٧) أيوب
стр. 214
يغتسل عُرياناً؛ خرَّ عليه رِجل جراد (١) من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فنادى ربُّه: يا أيُّوب! ألم أكنْ أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى يا ربِّ، ولكنْ لا غِنى لي عن برَكَتِكَ" (٢).
وعنه أيضاً عن النّبيّ ﷺ قال: "كانت بنو إِسرائيل يغتسلون عُراة، ينظر بعضهم إِلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده ... " (٣).
التَّستُّر في الغُسل:
عن أمّ هانئ ﵂ قالت: "ذهبتُ إِلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدتُه يغتسل وفاطمة تسترُه، فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أمُّ هانئ" (٤).
وعن ميمونة ﵂ قالت: "ستَرْتُ النّبيّ ﷺ وهو يغتسل من الجنابة، فغسَل يديه ... " (٥).
وعن أبي السَّمح ﵁ قال: "كنتُ أخدُم النّبيّ ﷺ ، فكان إِذا أراد أن يغتسل؛ قال: وَلِّني! فأوَلِّيه قفايَ، وأنشرُ الثَّوب، فأسترهُ به" (٦).
стр. 215
وعن يعلى بن أمية ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلاً يغتسل بالبَراز (١) بلا إِزار، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال ﷺ : "إِنَّ الله حييٌّ سِتير، يُحبُّ الحياء والسَّتر، فإِذا اغتسل أحدكم؛ فليستتر" (٢).
هل يجزئ غُسل عن غُسل إِذا كانا واجبين ؟
قال شيخنا: "الذي يتبيَّن لي أنَّه لا يجزئ ذلك، بل لا بدّ من الغسل لكلّ ما يجب الغُسل له غُسلاً على حِدة، فيغُتسل للحيض غسلاً، وللجنابة غُسلاً آخر، أو للجنابة غسلاً، وللجمعة غُسلاً آخر.
لأنَّ هذه الأغسال قد قام الدليل على وجوب كل واحد منها على انفراده، فلا يجوز توحيدها في عمل واحد، ألا ترى أنَّه لوكان عليه قضاء شهر رمضان أنَّه لا يجوز له أن ينوي قضاءه مع صيامه لشهر رمضان أداءً! وهكذا يقال عن الصلاة ونحوها، والتفريق بين هذه العبادات وبين الغسل لا دليل عليه، ومن ادَّعاه؛ فليتفضَّل بالبيان" (٣).
وقال -حفظه الله تعالى (٤) -: "وقد عكس ابن حزم، فاستدلَّ بالحديث على ما ذهَبنا إِليه، فقال بعد أن ذكَر أنَّ من أجنب يوم الجمعة فلا يجزيه إلاَّ
стр. 216
غُسلان: غُسل ينوي به الجنابة، وغُسل آخر ينوي به الجمعة ... إِلخ.
قال (٢/ ٤٣): برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿وما أُمِروا إِلاَّ ليَعْبُدوا الله مُخْلِصينَ له الدِّينَ﴾ (١)، وقول رسول الله ﷺ : "إِنَّما الأعمال بالنيات، ولكلّ امرئ ما نوى" وتقدّم، فصحّ يقيناً أنَّه مأمور بكل غُسل من هذه الأغسال، فإِذْ قد صحّ ذلك؛ فمن الباطل أن يجزئ عملٌ عن عملين أو أكثر، وصحّ يقيناً أنَّه إِنْ نوى أحدٌ ما عليه من ذلك؛ فإِنَّما له بشهادة رسول الله ﷺ الصادقة الذي نواه فقط؛ وليس له ما لم ينوه، فإِنْ نوى بعمله ذلك غُسلين فصاعداً؛ فقد خالف ما أمر به؛ لأنَّه مأمور بغسل تام لكل وجه من الوجوه التي ذكَرنا، فلم يفعل ذلك، والغُسل لا ينقسم، فبطل عمله كلّه؛ لقول رسول الله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ" (٢).
ثمَّ ذكَر أنَّه ذهب إِلى ما اختاره من عدم الإِجزاء جماعة من السّلف، منهم جابر بن زيد والحسن وقتادة وإِبراهيم النخعي والحكم وطاوس وعطاء وعمرو ابن شعيب والزهري وميمون بن مهران، قال: "وهو قول داود وأصحابنا".
وقد ساق الآثار بذلك عنهم فراجِعْها، ويحسُن أن يلحق بهم أبو قتادة الأنصاري ﵁ فقد رَوى الحاكم (١/ ٢٨٢) من طريق يحيى ابن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة قال: دخل عليّ أبي وأنا أغتسل يوم الجمُعة، فقال: غُسلك من جنابة أو للجمعة؟ قال: قلت: من جنابة. قال: أعِد غُسلاً آخر، فإِنّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من اغتسل يوم الجمعة
стр. 217
كان في طهارة إِلى الجمعة الأخرى" (١).
الطوف على جميع نسائه بغُسل واحد:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان النّبيّ ﷺ يدور على نسائه في السَّاعة الواحدة من الليل والنَّهار وهنَّ إِحدى عشْرة ... " (٢).
وفي "صحيح مسلم": (٣٠٩)، عنه بلفظ: "كان يطوف (٣) على نسائه بغُسل واحد".
الاغتسال عند كلّ واحدة غُسلاً:
عن أبي رافع: أنَّ النّبيّ ﷺ طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه وعند هذه. قال: فقلتُ له: يا رسول الله! ألا تجعله غُسلاً واحداً؟ قال: "هذا أزكى وأطيب وأطهر" (٤).
جواز نوم الجُنُب واستحباب الوضوء له:
عن عائشة ﵂ قالت: "كان النّبيُّ ﷺ إِذا أراد أن ينام وهو جُنب؛ غَسَل فرجه وتوضّأ للصّلاة" (٥).
стр. 218
وعن عبد الله بن أبي قيس؛ قال: سألْتُ عائشة عن وتْرِ رسول الله ﷺ ؟ (فذكَر الحديث، وفيه):
قلت: كيف كان يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟
قالت: كلّ ذلك قد كان يفعل، ربَّما اغتسل فنام، وربَّما توضّأ فنام.
قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سَعَة (١).
اغتسال الرجل مع امرأته من إِناء واحد من الجنابة واشتراكهما في ذلك:
لحديث أمّ سلمة: " ... وكنتُ أغتسل أنا والنّبيّ ﷺ من إِناء واحدٍ من الجنابة" (٢).
وعن عائشة ﵂ قالت: "كنتُ أغتسل أنا والنّبيّ ﷺ من إِناء واحد، تختلف أيدينا فيه" (٣).
وعنها ﵂ قالت: "كنتُ أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إِناء بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دَعْ لي، دَعْ لي. قالت: وهما جُنُبان" (٤).
стр. 219
وفي الباب عدّة أحاديث، أكتفي بما ذكَرت.
الاغتسال بفضل المرأة وما جاء في النهي عن ذلك:
عن ابن عبَّاس ﵄: "أنَّ رسول الله ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة" (١).
وعن ابن عباس ﵄ قال: اغتسل بعض أزواج النّبيّ ﷺ في جفنة، فجاء النّبيُّ ﷺ ليغتسل أو يتوضّأ، فقالت: يا رسول الله! إِنِّي كنتُ جُنُباً. فقال: "الماء لا يُجنب" (٢).
وعن حُميد بن عبد الرحمن الحِمْيَري؛ قال: لقيتُ رجلاً صَحِب النّبيّ ﷺ كما صحِبه أبو هريرة ﵁ أربع سنين؛ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدُنا كلَّ يوم، أو يبول في مغتسله، أو يغتسل الرَّجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرَّجل، وليغترفا جميعاً" (٣).
стр. 220
وحمَل بعض أهل العلم هذا الحديث وما في معناه على التَّنزيه جمعاً بين الأدلَّة، وإِلى هذا أشار الحافظ في "الفتح" (١).
стр. 221
خُلاصة ميسَّرة لأعمال الغُسل
* غَسل اليدين.
* غَسل القُبُل والدُّبر.
* مَسْح اليدين بالتُّراب، أو غسلهما بالصابون ونحوه، وضرورة غَسل اليدين قبل إِدخالهما الإِناء.
- التوضُّؤ كوضوء الصلاة سوى الرِّجلين، أو غسلهما إِنْ شاء (١).
* تخليل الشعر، وصبّ ثلاث غرف بيديه، والبدء بشقِّ أيمن الرَّأس، ثمَّ الأيسر.
* البدء بالشقِّ الأيمن دائماً من الجسد، ثمَّ الشقّ الأيسر.
* غَسل الرِّجلين إِن لم يفعل ذلك من قبل.
* تُراعى الأمور الآتية خلال الغسل:
١ - إِفاضة الماء على سائر الجسد والجلد كلِّه.
٢ - الإِقلال في استعمال الماء.
٣ - مراعاة غسل المرافغ (٢) ومطاوى الأعضاء.
٤ - ضرورة الدَّلك للشَّعراني.
٥ - عدم الوضوء بعد الغسل.
وأمَّا في السنَّة؛ ففيه أحاديث كثيرة، منها: ما رواه جابر بن عبد الله عن النّبيّ ﷺ قال: "أُعطيتُ خمساً لم يُعطهنَّ أحدٌ قبلي: نُصرتُ بالرُّعب مسيرة شهر، وجُعِلت ليَ الأرض مسجداً وطهوراً (١)؛ فأيُّما رجلٍ من أمَّتي أدركتْه الصَّلاة فليصلِّ، وأُحلَّت لي المغانم (٢) ولم تحلّ لأحدٍ قبلي، وأُعطيت الشفاعة وكان النّبيّ يُبعث إِلى قومه خاصَّة، وبُعِثْتُ إِلى النَّاسِ عامَّة" (٣).
أمّا الإِجماع، فقد ذكَره ابن قدامة ﵀ في "المُغني" (١/ ٢٣٣) فقال: "وأمَّا الإِجماع؛ فأجمعت الأمَّة على جواز التيمُّم في الجملة".
قال البخاري: "باب التيمُّم في الحضر إِذا لم يجد الماء وخاف فوت الصّلاة، وبه قال عطاء" (٤).
اختصاص أمَّة محمّد ﷺ به
لحديث جابر السابق: "أُعطيتُ خمساً لم يعطهنَّ أحد قبلي" منها:
стр. 224
"وجُعلَت لي الأرضُ مسجداً وطهوراً".
قال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (٢١/ ٣٤٧): "وهذا التيمُّم المأمور به في الآية؛ هو من خصائص المسلمين، وممَّا فضَّلهم الله به على غيرهم من الأمم، ففي "الصحيحين"؛ عن جابر بن عبد الله أنَّ النّبيّ ﷺ قال: "أُعطيتُ خمساً ... " وذكر الحديث.
سبب مشروعيَّته
عن عائشة ﵂ أنَّها استعارت من أسماءَ قِلادةً فهلكت، فبعث رسول الله ﷺ رجلاً فوجدها، فأدركتهم الصّلاة وليس معهم ماء، فصلَّوا، فشكَوا ذلك إِلى رسول الله ﷺ ، فأنزلَ الله آية التيمُّم، فقال أسيد بن حُضَير لعائشة جزاكِ الله خيراً؛ فوالله ما نَزل بك أمر تكرهينه؛ إلاَّ جعل الله ذلك لكِ وللمسلمين فيه خيراً" (١).
كيفيَّة التيمُّم
١ - النيَّة: ومحلّها القلب؛ كما تقدَّم في الوضوء والغُسل.
٢ - التسمية.
٣ - ضرب الكفَّين بالصعيد الطاهر، ثمَّ ينفخ فيهما، أو ينفضهما لتخفيف التُّراب -إِن وُجد- ثمَّ يمسح بهما الوجه والكفَّين؛ كما في حديث عمَّار بن ياسر ﵁: " ... إِنَّما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض،
стр. 225
ثمَّ تنفُخ (١)، ثمَّ تمسح بهما وجهك وكفَّيك" (٢).
وموضع المسح هو الموضع الذي يُقطع منه السارق.
قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (١/ ٢٥٨): "ويجب مسْح اليدين إِلى الموضع الذي يُقطع منه السارق، أومأ أحمد إِلى هذا لما سُئل عن التيمُّم؛ فأومأ إِلى كفَّيه ولم يجاوز، وقال: قال الله تعالى: ﴿والسَّارقُ والسَّارِقةُ فَاقْطَعوا أَيْديَهُمَا﴾ (٣)، من أين تقطع يد السارق؟ أليس من هاهنا، وأشار إِلى الرسغ، وقد روينا عن ابن عبَّاس نحو هذا".
٤ - ملاحظة الاكتفاء بضربة واحدة لقوله ﷺ : "التيمُّم ضربة للوجه والكفَّين" (٤).
стр. 226
نواقض التيمُّم
١ - ينقض التيمُّم كلَّ ما ينقض الوضوء، لأنَّه يقوم مقامه (١).
قال الحسن: "يُجزئه التيمُّم ما لم يُحدِث" (٢).
قال ابن حزم في "المحلّى" (مسألة ٣٣٣): "كلُّ حدث ينقض الوضوء؛ فإِنه ينقض التيمُّم، هذا ما لا خلاف فيه من أحد من أهل الإِسلام".
٢ - وجود الماء لقوله ﷺ : "إِنَّ الصعيد الطيِّب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجد الماء فليمِسَّه بشرته؛ فإِنَّ ذلك هو خير" (٣).
(وفي رواية: طهور المسلم).
قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (مسألة ٢٣٤): "وينقض التيمّم أيضاً وجود الماء، سواء وَجَده في صلاة (٤) أو بعد أن صلّى، أو قبل أن
стр. 227
يصلي ... ".
قال في "المغني" (١/ ٢٧٠): وإِذا وجد المتيمّم الماء وهو في الصلاة؛ خرج فتوضّأ أو اغتسل إِن كانْ جُنُباً واستقبل الصلاة.
قال: وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة وقال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر ... وقال أيضاً: "ولنا قوله ﵇: "الصعيد الطيّب وضوء المسلم، وإنْ لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك". أخرجه أبو داود والنسائي؛ دلَّ بمفهومه على أنَّه لا يكون طهوراً عند وجود الماء، وبمنطوقه على وجوب إِمساسه جلده عند وجوده، لأنَّه قدِرَ على استعمال الماء؛ فبطل تيمُّمه كالخارج من الصلاة، ولأنَّ التيمُّم طهارة ضرورة، فبطلت بزوال الضرورة ... ".
ما يُتيمَّم به وعدم اشتراط التراب:
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (١).
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-: وقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، نكرة في سياق الإِثبات، كقوله: ﴿إِنَّ الله يأمُرُكمْ أن تذْبَحوا بقَرَةً﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَتحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣)، وقوله: ﴿فصِيَامُ ثلاثَة أيَّامٍ في
стр. 228
الحَجِّ وسَبْعَةٍ إِذا رَجعْتُم﴾ (١)، وقوله: ﴿فَمَنْ لم يجِدْ فَصيامُ ثلاثَةِ أيامٍ﴾ (٢)، وهذه تسمّى مطلقة، وهي تفيد العموم على سبيل البدل لا على سبيل الجمع، فيدلّ ذلك على أنّه يتيمّم أيّ صعيد طيّب اتفق، والطيِّب هو الطاهر، والتُّراب الذي ينبعث مراد من النصّ بالإِجماع، وفيما سواه نزاع سنذكره إِن شاء الله تعالى (٣).
قال يحيى بن سعيد: "لا بأس بالصلاة على السَّبْخة (٤) والتيمّم بها" (٥).
وفي حديث عائشة الطويل: " ... قد أُريت دار هجرتكم رأيت سَبْخةً ذات نخْل بين لابتين وهما الحرَّتان" (٦).
قال ابن خزيمة عقب الحديث السابق في "صحيحه" (١/ ١٣٤): "ففي قول النّبيّ ﷺ أُريت سبْخة ذات نخل بين لابتين؛ وإعلامه إِيَّاهم أنها دار هجرتهم -وجميع المدينة، كانت هجرتهم- دلالة على أنَّ جميع المدينة سبخة، ولو كان التيمُّم غير جائز بالسّبخة وكانت السَّبخة على ما توهَّم بعض أهل عصرنا، أنَّه من البلد الخبيث، بقوله: ﴿والذي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا﴾، لكان قول هذه المقالة أنَّ أرض المدينة خبيثة لا طيِّبة، وهذا قول بعض أهل العناد لمَّا ذمَّ أهل المدينة، فقال: إِنها خبيثة فاعلم أنَّ النّبيّ ﷺ
стр. 229
سمّاها طيبة -أو طابة- فالأرض: السبخة هي طيبة على ما أخبر النّبيّ ﷺ أن المدينة طيبة، وإِذا كانت طيبة وهي سبخة؛ فالله قد أمر بالتيمّم بالصعيد الطيب في نصِّ كتابه، والنّبيّ ﷺ قد أعلم أن المدينة طيبة -أو طابة- مع إِعلامهم إِياهم أنها سبخة، وفي هذا ما بان وثبت أنَّ التيمُّم بالسباخ جائز".
أمَّا تسمية طابة؛ فقد وردت في البخاري (١٨٧٢) كما في حديث أبي حُميد ﵁ قال: "أقبَلنْا مع النّبيّ ﷺ من تبوك؛ حتى أشرَفْنا على المدينة فقال: هذه طابة".
وروى مسلم (١٣٨٥) وغيره عن جابر بن سمرة وقد قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ الله تعالى سمّى المدينة طابة".
وأما تسمية طَيْبَة؛ فقد ثبتت في "صحيح مسلم" (١٣٨٤) أيضاً عن زيد بن ثابت ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "إِنها طَيْبَة (يعني: المدينة) وإِنِّها تنفي الخبث كما تنفي النّار خَبث الفضة".
قال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (٢١/ ٣٦٤): "وأمّا الصعيد ففيه أقوال؛ فقيل: يجوز التيمُّم بكلِّ ما كان من جنس الأرض، وإِن لم يعلَق بيده، كالزرنيخ (١)، والنُّورة (٢)، والجصّ (٣)، وكالصخرة الملساء، فأمّا ما لم يكن من جنسها كالمعادن فلا يجوز التيمُّم به، وهو قول أبي حنيفة،
стр. 230
ومحمّد يوافقه، لكن بشرط أن يكون مُغبراً؛ لقوله: (منه) (١).
وقيل: يجوز بالأرض، وبما اتّصل بها حتى بالشَّجر، كما يجوز عنده وعند أبي حنيفة بالحجر والمدر (٢)، وهو قول مالك، ...
وقيل: لا يجوز إلاَّ بتراب طاهر، له غبار يعلق باليد، وهو قول أبي يوسف والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى.
واحتج هؤلاء بقوله: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيدِيكم منه﴾، وهذا لا يكون إلاَّ فيما يعلق بالوجه واليد، والصَّخر لا يعلق لا بالوجه ولا باليد، واحتجُّوا بقول النّبيّ ﷺ : "جُعلت لي الأرض مسجداً، وجُعلت تربتها طَهوراً". قالوا: فعمَّ الأرض بحُكم المسجد، وخصّ تربتها -وهو ترابها- بحُكم الطهارة.
واحتجّ الأولون بقوله تعالى: ﴿صعيداً﴾، قالوا: والصَّعيد هو الصَّاعد على وجه الأرضِ، وهذا يعمُّ كلَّ صاعد؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وإِنَّما لجاعِلُون ما عليها صعِيداَ جُرُزاً﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَتُصبحَ صعيداً زلقاً﴾ (٤).
واحتجّ من لم يخصّ الحكم بالتراب بأنَّ النّبيّ ﷺ قال: "جُعلت لي
стр. 231
الأرض مسجداً وطَهوراً؛ فأيّما رجل من أمّتي أدركتْهُ الصلاة فليصلِّ"، وفي رواية: "فعنده مسجده وطَهوره". فهذا يُبيِّن أنّ المسلم في أيّ موضع كان عنده مسجده وطهوره.
ومعلوم أنَّ كثيراً من الأرض ليس فيها تراب حرث، فإِن لم يجُز التيمُّم بالرّمل؛ كان مخالفاً لهذا الحديث، وهذه حجة من جوَّز التيمُّم بالرمل دون غيره، أو قرن بذلك السّبخة؛ فإِنَّ من الأرض ما يكون سبخة، واختلاف التُّراب بذلك كاختلافه بالألوان؛ بدليل قول النّبيّ ﷺ :
"إِنَّ الله خلق آدم من قبضة قبَضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسّهل والحزَن، والخبيث والطيب" (١).
وآدم إِنّما خُلق من تراب، والتُّراب الطيب والخبيث، الذي يخرج بإِذن ربّه، والذي خبُث لا يخرج إلاَّ نكدا، لا يجوز التيمُّم به فعُلم أنَّ المراد بالطيِّب الطاهر، وهذا بخلاف الأحجار والأشجار؛ فإِنها ليست من جنس التراب، ولا تعلق باليد، بخلاف الزرنيخ والنورة، فإِنها معادن في الأرض، لكنها لا تنطبع كما ينطبع الذهب والفضة والرصاص والنحاس". اهـ.
قال ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" (١/ ٢٠٠) في هديه في التيمُّم: "وكذلك كان يتيمّم بالأرض التي يصلَّي عليها؛ تراباً كانت أو سبخة أو رملاً، وصحَّ عنه أنه قال: "حيثما أدْركَتْ رجلاً من أمتي الصلاة فعنده
стр. 232
مسجدُه وطَهوره" (١).
وهذا نصٌّ صريح في أنّ من أدركته الصلاة في الرّمل؛ فالرمل لى طهور، ولمّا سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك، قطعوا تلك الرّمال في طريقهم وماؤهم في غاية القلَّة، ولم يُروَ عنه أنَّه حملَ معه التراب، ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه، مع القطع بأنَّ في المفاوز الرمال أكثر من التراب، وكذلك أرض الحجاز وغيره، ومن تدبَّر هذا؛ قطع بأنَّه يتيمّم بالرمل، والله أعلم، وهذا قول الجمهور".
قال في "نيل الأوطار" (١/ ٣٢٨): "ويؤيد حمْل الصعيد على العموم تيمّمه ﷺ من الحائط ... ".
وقال أيضاً: "قال ابن دقيق العيد: "ومن خصّص التيمُّم بالتراب، يحتاج إِلى أن يقيم دليلاً يخص به هذا العموم (٢) ... " (٣).
وسألتُ شيخنا -حفظه الله- عن اشتراط بعض العلماء الغبار والتراب في التيمُّم فقال:
"إِنَّ الغبار ليس من شروط الصعيد، والصعيد هو وجه الأرض، فيشمل الصخرة والرمل والتراب.
والصخرة التي هطلت عليها الأمطار فلا غبار عليها، فهل حين التيمُّم بها
стр. 233
حقَّق قوله تعالى: ﴿فتيمَّموا صَعِيداً طيِّباً﴾ (١) أم لا؟
وكذلك الأرض الرملية سواء مُطرت أم لم تُمطر؛ عند الضرب فلا غبار عليها، فهذا تكليف بما لا يُطاق.
ثمَّ ذكر سفر النّبيّ ﷺ من المدينة إِلى تبوك وأكثرها رملية، ولم يصطحب عليه الصلاة السلام معه تراباً عند سفره.
ومن اشترط التراب فقد أوجب على المسافرين الذين يجتازون تلك المناطق؛ أن يصطحبوا معهم التراب.
وهذا يتناسب مع قاعدة: "يسِّروا ولا تعسِّروا"؛ وهو المُطابق لمزيَّة ما خَصَّه الله تعالى للنّبيّ ﷺ في قوله: "أعطيت خمساً لم يعطهنَّ أحد قبلي: نُصرت بالرُّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ ... " (٢). فإِذا أدركته في الرِّمال فهل يبحث عن الغُبار؟ واشتراط خروج شيء من الممسوح غير وارد" (٣). وخلاصة القول: يجوز التيمُّم بالصعيد الطيّب سواء كان له غبار أم لا، وسواء كان تراباً أم لا، كما يجوز التيمُّم بالسبخة والرمال والجدار والصخرة الملساء ونحو ذلك، والله أعلم.
من يستباح له التيمُّم:
يُستباح التيمُّم لمن أحدث حدثاً أصغر أو أكبر، سواء كان في سفر أو
стр. 234
حضر، للأسباب الآتية:
١ - إِذا لم يجد الماء، لقوله تعالى: ﴿ ... فَلَمْ تَجِدوا مَاءً فَتَيَمَّموا صَعِيداً طيباً﴾ (١).
ولحديث عمران بن حصين "أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلاً معتزلاً لم يُصلِّ في القوم، فقال: يا فلان! ما منَعك أن تصلي في القوم، فقال: يا رسول الله! أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإِنَّه يكفيك" (٢).
ولحديث أبي ذر ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "إِنَّ الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإِن لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجد الماء فليُمسّه بشره (٣) فإِنَّ ذلك خير" (٤).
ويدخل في معنى عدم وجود الماء؛ بُعده أو وجوده في بئر عميقة، أو صعوبة استخراجه لفقد الحبل أو الدلو، أو وجود حيوان مفترس عنده أو عدوّ آدمي؛ بحيث يتعذَّر الانتفاع به أو إِذا احتاجه لشُرب (٥) أو لعجن، أو طبخ" أو
стр. 235
إِزالة نجاسة.
قال الحسن في المريض عنده الماء ولا يجد من يُناوله: "يتيمّم" (١).
جاء في "المغني" (١/ ٢٣٨): "ومن حال بينه وبين الماء سبع أو عدو أو حريق أو لص فهو كالعادم، ولو كان الماء بمجمع الفساق، تخاف المرأة على نفسها منهم فهي عادمة ... ".
وفيه أيضاً (١/ ٢٣٩): "ومن كان مريضاً لا يقدر على الحركة ولا يجد من يناوله الماء، فهو كالعادم ... ".
قال في "الدراري" (١/ ٨٥): "فإِنَّ من تعذّر عليه استعمال الماء فهو عادم للماء، إِذ ليس المراد الوجود الذي لا ينفع؛ فمن كان يشاهد ماءً في قعر بئر يتعذّر عليه الوصول إِليه بوجه من الوجوه؛ فهو عادم.
٢ - إِذا خشي الضرر من استعمال الماء؛ لمرض أو جرح أو شدَّة برودة، وكان عاجزاً عن تسخينه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللهَ كان بكم رحيماً﴾ (٢).
وعن جابر قال: "خرجنا في سفر؛ فأصاب رجلاً منّا حجر، فشجّه في رأسه، ثمَّ احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمُّم؟
стр. 236
فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلمّا قدِمنا على النّبيّ ﷺ أُخبر بذلك فقال: قتلوه قتَلهم الله، ألا سألوا إِذ لم يعلموا؛ فإِنّما شفاء العِيّ السؤال" (١).
وعن عمرو بن العاص ﵁ قال: احتلمتُ في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفَقتُ إِن اغتسلتُ أن أهلِك، فتيمَّمْتُ، ثمَّ صلّيت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنّبيّ ﷺ فقال: "يا عمرو! صلّيت بأصحابك وأنت جُنُب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إِني سمعت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنْفُسَكم إِنَّ اللهَ كان بكم رحيماً﴾.
فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً" (٢).
وفي رواية: "فغسَل مغابنه وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثمَّ صلّى بهم، فذكر نحوه ... " (٣).
стр. 237
وقال البخاري: (باب إِذا خاف الجُنُب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش يتيمّم). وأورد حديث عمرو بن العاص مُعلّقاً بصيغة التمريض.
هل يتيمّم من خاف فوت الرفقة ؟
أجاز ذلك ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (٢/ ١٦٥) (المسألة ٢٢٩) وغيره.
وسألت شيخنا -حفظه الله تعالى- عن ذلك فقال: "إِنَّ خوف فَوْت الرفقة مسألة مطاطة، فربما فوت الرفقة عرَّض للهلاك، فله أن يتيمّم، وربما لم يؤدِّ ذلك إِلى ضرر، وإِنّما هو مجرّد فقْد الصحبة، فقد يكون خوف فوت الصحبة عذراً وقد لا يكون، والشخص نفسه هو الذي يقدّر ذلك لا المفتي".
التيمُّم لردِّ السلام في الحضر أو السفر بوجود الماء:
عن ابن عباس ﵄ قال: أقبلتُ أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النّبيّ ﷺ حتى دخَلنا على أبي جُهيم بن الحارث بن الصِّمّة الأنصاري، فقال أبو الجُهيم: "أقبَل النّبيّ ﷺ من نحو بئر جَمَل (١) فلقيه رجل فسلَّم عليه، فلم يردّ عليه النّبيّ ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثمَّ ردَّ ﵇" (٢).
قال ابن خزيمة (١/ ١٣٩) في "صحيحه" -عقب الحديث السابق-:
стр. 238
(باب استحباب التيمُّم في الحضر لرد السلام وإِن كان الماء موجوداً) .
تيمّم المريض:
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١).
ويتيمّم المريض إِذا وجدَ مشقَّة أو حرجاً في الوضوء بالماء أو الغسل به، أو خشي زيادة علة أو مرض.
وتقدّم قول الحسن في المريض عنده الماء ولا يجد من يُناوله: "يتيمّم" (٢).
قال ابن حزم في "المحلى" (٢/ ١٥٨) (مسألة ٢٢٤): "لا يتيمّم من المرضى إِلا من لا يجد الماء، أو من عليه مشقَّة وحرج في الوضوء بالماء، أو في الغسل به، أو المسافر الذي لا يجد الماء الذي يقدر على الوضوء به أو الغسل به". ثمَّ ذكر الآية السابقة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى" (٢١/ ٣٩٩): "والذي عليه الجمهور: أنَّه لا يُشترط فيه خوف الهلاك؛ بل من كان الوضوء يزيد مرضه، أو
стр. 239
يؤخر برْأه يتيمّم، وكذلك في الصيام والإِحرام، ومن يتضرَّر بالماء لبرد؛ فهو كالمريض عند الجمهور".
تيمُّم المسافر:
قال الله تعالى: ﴿وإِن كنتم مَرْضَى أو على سَفَرٍ أو جَاء أحَدٌ منْكُم مِنَ الغائِطِ أو لامَسْتُمِ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدوا مَاءً فَتَيَمَّموا صَعِيداً طَيِّباً﴾ (١).
قال ابن المنذر في "الأوسط" (٢/ ٢٨): "أجمع كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم؛ على أن المسافر إِذا خشي على نفسه العطش ومعه مقدار ما يتطهَّر به من الماء؛ أنَّه يُبقي ماءَه للشرب ويتيمّم.
رويَ هذا القول عن علي وابن عباس والحسن ومجاهد وعطاء وطاوس وقتادة والضحاك".
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "الفتاوى" (٢١/ ٣٥٠): "اتفق المسلمون على أنّه إِذا لم يجد الماء في السفر تيمّم وصلَّى إِلى أن يجد الماء، فإِذا وجد الماء فعليه استعماله.
وكذلك يتيمّم الجنب، ذهب الأئمة الأربعة وجماهير السلف والخلف؛ إِلى أنَّه يتيمّم إِذا عدم الماء في السفر إِلى أن يجد الماء، فإِذا وجده كان عليه استعماله".
وقال ﵀: "والمسافر إنّما يتيمّم إِذا لم يجد الماء" (٢).
стр. 240
وقال ﵀ أيضاً: "كما أن المسافر قد لا يكون معه إِلا ما يكفيه لشربه وشرب دوابِّه، فهذا عند الجمهور عادم للماء فيتيمّم" (١).
تيمّم الجُنُب:
قال الله- : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٢).
وعن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: "جاء رجل إِلى عمر بن الخطَّاب فقال: إِني أجنبتُ فلم أصب الماء، فقال عمّار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكرُ أنَّا كنّا في سفر أنا وأنت، فأمّا أنت فلم تُصلِّ، وأمَّا أنا فتمعَّكْتُ (٣) فصلّيتُ، فذكرتُ للنّبيّ ﷺ فقال النبيّ ﷺ : "كان يكفيك هذا" فضرب النّبيّ ﷺ بكفيه الأرض ونفخ (٤)، فيهما، ثمَّ مسح بهما وجهه وكفَّيه" (٥).
стр. 241
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-: "وقد ثبت تيمُّم الجنب في أحاديث صحاح وحِسَان كحديث عمَّار بن ياسر ﵁ وهو في "الصحيحين"، وحديث عمران بن حصين ﵁ وهو في البخاري، وحديث أبي ذر وعمرو بن العاص وصاحب الشجَّة ﵃ وهو في "السنن" ... " (١).
وقال ابن حزم ﵀: "ويتيمّم الجُنُب والحائض، وكلّ من عليه غُسل واجب؛ كما يتيمّم المُحدِث ولا فرق" (٢).
وقال ابن قدامة ﵀ عن تيمّم الجُنُب: " ... وهو قول جمهور العلماء: منهم علي وابن عباس وعمرو بن العاص وأبو موسى وعمّار، وبه قال الثوري ومالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي ... " (٣).
هل التيمُّم إِلى المناكب والآباط صحيح ؟
قال إِسحاق بن إِبراهيم بن مخلد الحنظليّ: "حديث عمّار في التيمُّم
للوجه والكفين: هو حديث حسن صحيح، وحديث عمّار: تيمّمنا مع النّبيّ ﷺ إِلى المناكب والآباط؛ ليس هو بمخالف لحديث الوجه والكفين، لأنَّ عمّاراً لم يذكر أنَّ النّبيّ ﷺ أمَرهم بذلك، وِإنّما قال: فعلْنا كذا وكذا. فلما سأل النّبيّ ﷺ أمَره بالوجه والكفين، فانتهى إِلى ما علّمه رسول الله ﷺ : "الوجه والكفين".
стр. 242
والدليل على ذلك: ما أفتى به عمّار بعد النّبيّ ﷺ في التيمُّم أنَّه قال: "الوجه والكفين" ففي هذا دلالة على أنَّه انتهى إِلى ما علمه النّبيّ ﷺ فعلَّمه إِلى "الوجه والكفين" (١).
التيمُّم ضربة أم ضربتان ؟
قد تقدّم حديث عمّار ﵁: "التيمُّم ضربة للوجه والكفَّين" وما في معناه، وفيه إِفادة الاقتصار على الضربة الواحدة للوجه والكفين.
قال في "الدراري المضَيَّة" (١/ ٨٥): "وقد ذهب إِلى كون التيمُّم ضربة واحدة للوجه والكفين الجمهور ... ".
قال شيخنا في "الإِرواء" (١/ ١٨٥): "واعلم أنّه قد روي هذا الحديث (٢) عن عمّار بلفظ ضربتين؛ كما وقع في بعض طُرقه، وكل ذلك معلول لا يصحّ.
قال الحافظ في "التلخيص" (ص٥٦): وقال ابن عبد البر: أكثر الآثار المرفوعة عن عمّار ضربة واحدة، وما روي عنه من ضربتين فكلها مضطربة، وقد جمع البيهقي طُرق حديث عمَّار فأبلغ".
ثمَّ قال شيخنا: "وفي الضربتين أحاديث أخرى، وهي معلولة أيضاً كما بيّنه الحافظ في "التلخيص" وحقَّقْتُ القول على بعضها في "ضعيف سنن أبي داود" (٥٨ و٥٩) " (٣).
стр. 243
هل التيمُّم يقوم مقام الماء ؟
قال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" (٢١/ ٣٥٢): "وتنازعوا هل يقوم (١) مقام الماء، فيتيمّم قبل الوقت، كما يتوضّأ قبل الوقت، ويصلّي به ما شاء من فروض ونوافل، كما يصلّي بالماء، ولا يبطل بخروج الوقت، كما لا يبطل الوضوء؟
على قولين مشهورين، وهو نزاع عمليّ ... ".
وقال -رحمه الله تعالى-: "وهذا القول هو الصحيح (٢)، وعليه يدّل الكتابُ والسنّة والاعتبار؛ فإِن الله جعَل التيمُّم مُطهِّراً؛ كما جعَل الماء مطهِّراً، فقال تعالى: ﴿ ... فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (٣) فأخبر تعالى أنَّه يريد أن يُطهِّرنا بالتراب؛ كما يطهِّرنا بالماء" (٤).
وقال ﵀: "ولنا أنّه قد ثبت بالكتاب والسنّة أنَّ التراب طهور، كما أنَّ الماء طهور، وقد قال النّبيّ ﷺ : "الصَّعيد الطيِّب طهور المسلم، ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإِذا وجدت الماء فأمِسّه بشرتك، فإِن ذلك خير" (٥). فجعله مطهِّراً عند عدم الماء مطلقاً، فدلَّ على أنَّه مطهّر للمتيمّم،
стр. 244
وإِذا كان قد جعل المتيمّم مطهراً؛ كما أن المتوضئ مطهر، ولم يقيّد ذلك بوقت، ولم يقُل إِنَّ خروج الوقت يبطله، كما ذكر أنّه يبطله القدرة على استعمال الماء، دلّ ذلك على أنّه بمنزلة الماء عند عدم الماء، وهو موجب الأصول، فإِنَّ التيمُّم بدل عن الماء، والبدل يقوم مقام المُبدل في أحكامه، وإن لم يكن مماثلاً له في صفته، كصيام الشهرين؛ فإِنّه بدل عن الإِعتاق، وصيام الثلاث والسبع؛ فإِنّه بدل عن الهَدي في التمتُّع، وكصيام الثلاثة الأيام في كفّارة اليمين؛ فإِنّه بدل عن التكفير بالمال، والبدل يقوم مقام المُبدل ... " (١).
وقال ﵀ أيضاً: "والشارع حكيم إِنّما يُثبت الأحكام ويبطلها بأسباب تُناسبها، فكما لا يُبطل الطهارة بالأمكنة؛ لا يبطل بالأزمنة وغيرها؛ من الأوصاف التي لا تأثير لها في الشرع" (٢).
وقال ﵀ أيضاً: "والتيمّم كالوضوء فلا يبطل تيمّمه إلاَّ ما يبطل الوضوء، ما لم يقدر على استعمال الماء، وهذا بناءً على قولنا، وقول من وافَقنا على التوقيت في مسح الخفّين، وعلى انتقاض الوضوء بطهارة المستحاضة، فإِنَّ هذا مذهب الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد" (٣).
وقال ﵀ كذلك: "وِإذا كان تطهّر قبل الوقت (٤)، كان قد
стр. 245
أحسن، وأتى بأفضل ممّا وجب عليه، وكان كالمتطهر للصلاة قبل وقتها، وكمن أدَّى أكثر من الواجب في الزّكاة وغيرها، وكمن زاد على الواجب في الركوع والسجود، وهذا كلّه حسَن إِذا لم يكن محظوراً؛ كزيادة ركعة خامسة في الصلاة.
والتيمّم مع عدم الماء حسَن ليس بمحرّم، ولهذا يجوز قبل الوقت للنافلة ولمسّ المصحف وقراءة القرآن" (١).
وذكر ﵀ "أنَّ هذا هو مذهب أبي حنيفة، وهو قول سعيد بن المسيّب، والحسن البصري، والزهري، والثوري، وغيرهم، وهو إِحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل" (٢).
قال ابن حزم ﵀: "والمتيمّم يصلي بتيمّمه ما شاء من الصلوات: الفرض والنوافل ما لم ينتقض تيمّمه بحدَث أو بوجود الماء؛ وأمّا المريض؛ فلا ينتقض طهارته بالتيمّم إلاَّ ما ينقض الطهارة من الأحداث فقط؛ وبهذا يقول أبو حنيفة، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وداود.
وروينا أيضاً: عن حمّاد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: يصلي الصلوات كلها بتيمّم واحد مِثل الوضوء ما لم يُحدث.
وعن معمر قال: سمعتُ الزهري يقول: التيمُّم بمنزلة الماء، يقول: يصلّي به ما لم يُحدِث.
وعن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: صلّ بتيمّم واحد الصلوات كلها ما
стр. 246
لم تُحدِث، هو بمنزلة الماء. وهو قول يزيد بن هارون، ومحمد بن علي بن الحسين وغيرهم" (١).
وقال ﵀ أيضاً: "والتيمّم جائز قبل الوقت وفي الوقت، إِذا أراد أن يصلي به نافلة أو فرضاً كالوضوء ولا فرق؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالوضوء والغسل والتيمّم عند القيام إِلى الصلاة، ولم يقُل تعالى: إِلى صلاة فرض دون النافلة؛ فكلّ مريد الصلاة: فالفرض عليه أن يتطهّر لها بالغسل إِن كان جنباً، وبالوضوء أو التيمُّم إِن كان محدثاً؛ فإِذ ذلك كذلك، فلا بد لمريد الصلاة من أن يكون بين تطهره وبين صلاته مُهلة من الزمان؛ فإِذ لا يمكن غير ذلك فمن حدّ في قدْر تلك المهلة حدّاً فهو مبطل؛ لأنه يقول من ذلك ما لم يأت به قرآن ولا سنّة ولا إِجماع ولا قياس ولا قول صاحب؛ فإِذ هذا كما ذكَرنا؛ فلا ينقض الطهارة بالوضوء ولا بالتيمّم: طول تلك المهلة ولا قِصَرها وهذا في غاية البيان، والحمد لله رب العالمين" (٢).
وقال في موطن آخر (٢٢/ ٣٣): "وكلّ ما يباح بالماء يباح بالتيمّم".
وذكَر لي شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى- " أنَّ كلَّ أحكام التيمُّم تنسحب على أحكام الوضوء، إلاَّ أن وجود الماء يُبطله". اهـ.
والنّبيّ ﷺ أمَر المستحاضة أن تتوضّأ لكلّ صلاة؛ ولم يأمر مَن فقَد الماء أن يتيمّم لكلّ صلاة.
والخلاصة: إِن التيمُّم بدل من الماء عند عدمه؛ فيباح به الصلاة وغيرها،
стр. 247
ويصلّي بالتيمّم الواحد ما تيسَّر له من الفرائض والنوافل، كما لا يشترط دخول الوقت فيتيمّم قبل دخول الوقت، ولا يبطل بخروج الوقت.
اشتراط طهارة الصعيد للمتيمّم:
لا بُدَّ من طهارة الصعيد للمتيمّم وإِنْ ضرب بيده غير طاهر لم يجْزه، لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّموا صَعِيداً طيباً﴾. والنجس ليس بطيّب.
وفي الحديث: "جُعلت لي كلّ أرض طيبة مسجداً وطهوراً" (١).
قال في "المغني" (١/ ٢٦٠) (٢): "وإن كان ما ضرب بيده غير طاهر لم يجزه.
لا نعلم في هذا خلافاً، وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي.
ولنا قول الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّموا صَعِيداً طيِّباً﴾ والنجس ليس بطيِّب، ولأن التيمُّم طهارة، فلم يَجُز بغير طاهر كالوضوء ... ".
جواز تيمّم جماعة من موضع واحد:
يجوز تيمّم جماعة من موضع واحد؛ لأنَّ القول بطهورية الصعيد المستعمل؛ كالقول بطهورية الماء المستعمل (٣).
стр. 248
قال في "المغني" (١/ ٢٦٠): "ويجوز أن يتيمّم جماعة من موضع واحد بغير خلاف؛ كما يجوز أن يتوضّأ جماعة من حوض واحد ... ".
إِذا كان التراب على بساط أو ثوب؛ فلا مانع من التيمُّم به، وذكر ذلك ابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ١٣٢).
صحَّة اقتداء المتوضّئ بالمتيمّم:
لحديث عمرو بن العاص ﵁ فقد أمَّ قومه بعد أن تيمّم من الجنابة كما تقدّم (١). وبه استدلَّ الشوكاني في "نيل الأوطار" (١/ ٣٢٥).
وأيضاً لأنَّ التيمُّم يقوم مقام الماء مطلقاً كما تقدّم.
وجاء في البخاري: "وأَمَّ ابن عباس وهو متيمّم" (٢).
قال مالك في "الموطأ": "من قام إِلى الصلاة فلم يجد ماءً فعمل بما أمره الله به من التيمُّم، فقد أطاع الله ، وليس الذي وجد الماء بأطهر منه ولا أتمّ صلاة؛ لأنهما أُمِرا جميعاً؛ فكلُّ عمل بما أمره الله به؛ وإِنّما العمل بما أمر الله تعالى به من الوضوء؛ لمن وجد الماء والتيمّم لمن لم يجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة".
عدم الإِعادة لمن صلّى بالتيمّم وإِن لم يفت الوقت:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رجلان في سفر،
стр. 249
فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمّما صعيداً طيباً فصلَّيا، ثمَّ وجد الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يُعِد الآخر، ثمَّ أتيا رسول الله ﷺ ، فذكرا ذلك له فقال للذي لم يُعد: "أصبْت السنّة وأجزأَتْك صلاتك"، وقال للذي توضّأ وأعاد: "لك الأجر مرتين" (١).
وهذا يُرجِّح عدم الإِعادة لقوله ﷺ لمن لم يُعِد، "أصبْتَ السنّة وأجزأتك صلاتك"، وهذا يُفهم أن الثاني قد أخطأ السنّة، وأما أجر المرتين؛ فعلى الصلاة وإِعادتها بالاجتهاد، والله أعلم.
وبعد أن عرفْنا السُّنّة الصحيحة في هذا الأمر؛ فلا يجوز لنا أن نُخالف عنها. وفي الحديث: "لا تُصلّوا صلاة في يوم مرتين" (٢).
قال في "نيل الأوطار" (١/ ٣٢٥) -تعليقاً على حديث عمرو بن العاص ﵁: استدل بهذا الحديث الثوري ومالك وأبو حنيفة وابن المنذر، على أنَّ مَن تيمّم لشدة البرد وصلّى لا تجب عليه الإِعادة، لأنَّ النّبيّ ﷺ لم يأمره بالإِعادة، ولو كانت واجبة لأمره بها، ولأنَّه أتى بما أُمر به وقدر عليه، فأشبه سائر من يصلّي بالتيمّم ... ".
وعن عمران قال: "كنّا في سفَر مع النّبيّ ﷺ وإِنَّا أسرينا حتى كُنّا في آخر الليل؛ وقعنا وقعة ولا وقعةَ أحلى عند المسافر منها، فما أيقَظَنا إلاَّ حرّ الشمس، فذكر بعض الحديث وقال: ونودي بالصلاة فصلّى بالناس، فلما
стр. 250
انفتل من صلاته؛ إِذا هو برجل معتزلٍ، لم يصلِّ مع القوم قال: ما منعك يا فلان أن تصلّي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد، فإِنَّه يكفيك.
ثمَّ سار النّبيّ ﷺ فاشتكى إِليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلاناً كان يُسمِّيه أبو رجاء -نسيهُ عَوْفٌ- ودعا عليّاً فقال: اذهبا فابتغيا الماء بين مزادتين (١) أو سطيحتين من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة ونفرْنا خُلُوفاً (٢)، قالا لها: انطلقي إِذاً، قالت: إِلى أين؟ قالا: إِلى رسول الله ﷺ . قالت: الذي يُقال له الصَّابيُّ.
قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي فجاءا بها إِلى النّبيّ ﷺ وحدَّثاه الحديث قال: فاستنزلوها عن بعيرها ودعا النّبيّ ﷺ بإِناء ففُرّغ فيه من أفواه المزادتين أو سطيحتين، وأوكأ أفواههما، وأطلق العزاليَ (٣)، ونودي في الناس اسقوا واستقوا، فسقى مَن شاء واستقى مَن شاء، وكان آخر ذاك أن أعطي الذي أصابته الجنابة إِناء من ماء، قال: اذهب فأفرِغه عليك" (٤).