← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

قال الإِمام الأوزاعي: "لا ندخل وليمة فيها طبل ولا مِعْزَافٌ" (١). انتهى كلام شيخنا ﵀. قال الإِمام ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (١١/ ٢١) تحت المسألة (١٨٢٤): " ... فإِن كان هنالك حرير مبسوط، أو كانت الدار مغصوبة، أو كان الطعام مغصوباً،. أو كان هنالك خمر ظاهر: فليرجع ولا يجلس .. "، ثمّ ذكر الأدلّة على ذلك. ٢٩ - الدعاء للعروسين بالخير والبركة: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "هلك أبي، وترك سبع بنات -أو تسع بنات-، فتزوّجت امرأة ثيّباً، فقال لي رسول الله ﷺ : تزوجتَ يا جابر؟! فقلت: نعم، فقال: بكراً أم ثيّباً، قلت: بل ثيباً، قال: فهلا جاريةً تُلاعبها وتلاعبُك، وتُضاحكها وتُضاحكك؟! قال فقلت له: إِنّ عبد الله هلك وترك بنات، وإِني كرهتُ أن أجِيئهنّ بمِثلهن، فتزوجتُ امرأة تقوم عليهنّ وتُصلحهن، فقال: بارَك الله لك -أو خيراً-" (٢). وفي حديث بريدة ﵁: " ... يا علي! إِنه لا بدّ للعروس من وليمة. فقال سعد؛ عندي كبش، وجمع له رهط من الأنصار أَصْوُعاً من ذُرَةٍ، فلمّا كانت ليلةُ البناءِ، قال: لا تُحْدِثْ شيئاً حتى تلقاني، فدعا رسول الله ﷺ

стр. 1857

بماء فتوضأ فيه، ثمّ أفرغَه على عليّ، فقال: اللهم بارِك فيهما، وبارِك لهما في بنائهما" (١). وعن عائشة ﵂ قالت: "تزوّجني النبيّ ﷺ ، فأتتني أُمّي، فأدخَلتني الدار، فإِذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر" (٢). وعن أبي هريرة: "أنّ النبي ﷺ كان إِذا رفّأ (٣) الإنسان إِذا تزوج، قال: بارك الله لك، وبارك الله عليك، وجمَع بينكما في (وفي رواية: على) خير" (٤). ٣٠ - بالرِّفاء (٥) والبنين تهنئة الجاهلية: ولا يقول: "بالرِّفاء والبنين"، فإِنه مِنْ عمل الجاهلية، فعن عَقِيلِ بن أبي طالب: "أنه تزوج امرأة من بني جُشَمٍ، فقالوا: بالرِّفاء والبنين، فقال: لا تقولوا

стр. 1858

هكذا، ولكن قولوا كما قال رسول الله ﷺ : اللهم بارِك لهم وبارِك عليهم" (١). ٣١ - الغناء والضرب بالدُّفِّ: ويجوز له أن يسمح للنساء (٢) في العرس يإِعلان النكاح بالضرب على الدفّ فقط، وبالغناء المباح الذي ليس فيه وصْف الجمال وذِكْر الفجور؛ فعن الرُّبيّع بنت مُعوِّذ قالت: "جاء النّبي ﷺ يدخل حين بُني عليّ، فجلس على فراشي كمجلسك منّيّ (٣)، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف، ويندبن من قُتل من آبائي يوم بدر، إِذ قالت إِحداهنّ: وفينا نبيٌّ يعلم ما في غد، فقال: دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين" (٤). وعن عائشة: "أنها زَفَّتِ امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله ﷺ : يا عائشة! ما كان معكم لهو؟! فإنّ الأنصار يُعجبهم اللهو؟ " (٥).

стр. 1859

وفي رواية بلفظ: "فقال: فهل بعَثتم معها جارية تضرب بالدفّ وتُغنّي؟ قلت: تقول ماذا؟ قال: تقول: أتيناكم أتيناكمْ ... فحيّونا نحيّيكمْ ولولا الذهب الأحمـ ... ـر ما حلّت بواديكمْ ولولا الحنطة السمرا ... ء ما سَمِنَتْ عذاريكمْ" (١). وعن أبي بَلْجٍ يحيى بن سُلَيْمٍ قال: "قلت لمحمد بن حاطب: تزوجتُ امرأتين، ما كان في واحدة منهما صوت -يعني دفّاً-؟ فقال محمّد ﵁: قال رسول الله ﷺ : فصْل ما بين الحلال والحرام: الصوت بالدف" (٢). وقال ﷺ : "أعلنوا النكاح" (٣). ٣٢ - الامتناع من مخالفة الشرع: ويجب عليه أن يمتنع من كل ما فيه مخالفة للشرع، وخاصة ما اعتاده الناس في مِثل هذه المناسبة، حتى ظنّ كثير منهم -بسبب سكوت العلماء- أنْ لا بأس فيها. قال شيخنا ﵀: وأنا أنبّه هنا على أمور هامّة منها:

стр. 1860

١ - تعليق الصُّوَر: تعليق الصُّوَرِ على الجدران، سواء أكانت مُجسّمة، أو غير مجسّمة، لها ظِلّ، أو لا ظلّ لها، يدويّة أو فوتوغرافية، فإِن ذلك كله لا يجوز، ويجب على المستطيع نَزْعُها إِن لم يستطع تمزيقها، فعن عائشة ﵂ قالت: "دخَل عليّ رسول الله ﷺ ؛ وقد سترتُ سهوةً (١) لي بِقرامٍ (٢) فيه تماثيل (وفي رواية: فيه الخيل ذوات الأجنحة)، فلمّا رآه هتَكَه، وتلوّن وجهه، وقال: يا عائشة! أشدّ الناس عذاباً عند الله يوم القيامة: الذين يضاهون بخلق الله (وفي رواية: إِنّ أصحاب هذه الصور يُعذّبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقْتُم، ثمّ قال: إِنّ البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة)! قالت عائشة: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين" (٣). وعنها ﵂ قالت: "حشوت للنّبيّ ﷺ وسادة فيها تماثيل، كأنها نُمْرُقة (٤)، فجاء فقام بين البابَيْنِ، وجعل يتغيَّرُ وجهه، فقالت: ما لنا يا رسول الله؟! قال: ما بالُ هذه؟ قلت: وسادة جعلتُها لك لتضطجع عليها، قال: أما علمتِ أنّ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة؟ وأنّ من صنع الصورة

стр. 1861

يُعذّب يوم القيامة، فيقول: أحيوا ما خلقتم" (١). وعن سعيد بن أبي الحسن قال: "كنت عند ابن عباس ﵄ إِذ أتاه رجل فقال: يا ابن عباس! إِني إِنسان إِنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التّصاوير، فقال ابن عباس: لا أُحدِّثك إِلا ما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعته يقول: من صوّر صورة؛ فإِنّ الله معذِّبه حتّى ينفخ فيها الرُّوح، وليس بنافخ فيها أبداً. فرَبا الرجل ربوة شديدة، واصفَرَّ وجهه، فقال: ويحك! إِن أبيْت إلاَّ أن تصنع؛ فعليك بهذا الشجر؛ كلِّ شيء ليس فيه روح" (٢). ٢ - نتف الحواجب وغيرها ! ما تفعله بعض النسوة من نتفهن حواجبهن حتى تكون كالقوس أو الهلال، يفعلق ذلك تجمُّلاً بزعمهن! وهذا مما حرّمه رسول الله ﷺ ، ولعَن فاعله بقوله: "لعَن الله الواشمات (٣)، والمستوشمات (٤)، والنامصات (٥)، والمتنمصات (٦)،

стр. 1862

والمتفلجات (١) للحسن المغيرات خلق الله" (٢). ٣ - تدميم الأظفار وإِطالتها: وهذه العادة القبيحة الأخرى التي تسرّبت من فاجرات أوروبا إِلى كثيرٍ من المسلمات، وهي تدميمهن لأظفارهن بالصمغ الأحمر المعروف اليوم بـ (مينيكور)، وإِطالتهن لبعضها -وقد يفعلها بعض الشباب أيضاً-! فإِن هذا مع ما فيه من تغييرٍ لخلق الله، المستلزم لعْن فاعله، ومن التشبُّه بالكافرات المنهيّ عنه في أحاديث كثيرة التي منها قوله ﷺ : " ... ومن تشبه بقوم فهو منهم" (٣)؛ فإِنه أيضاً مخالف للفطرة ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾، وقد قال ﷺ : "الفطرة (٤) خمس: الختان، والاستحداد (٥)، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط" (٦). وقال أنس ﵁: "وُقِّت لنا (وفي رواية: وقَّت لنا رسول الله) في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإِبط، وحلق العانة: أن لا نَتْرُك أكثر من

стр. 1863

أربعين ليلة" (١). ٤ - حلْق اللحى: ومثلها في القُبح -إِن لم تكن أقبح منها عند ذوي الفطر السليمة- ما ابتلي به أكثر الرجال من التزيُّن بحلق اللحية، بحكم تقليدهم للأوروبيين الكفار، حتى صار من العار عندهم أن يدخل الرجل على عروسه وهو غير حليق! وفي ذلك عدّة مخالفات: ١ - تغيير خَلْق الله -تعالى-؛ وقد قال -تعالى- حكاية عن الشيطان: ﴿ولآمُرنّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذان الأنعام ولآمُرنّهم فليغيّرُنَّ خَلْق الله﴾ (٢). فهذا نصّ صريح في أنّ تغيير خلْق الله دون إِذْن منه -تعالى- إِطاعة لأمر الشيطان، وعِصيان للرحمن ﷻ ... وإنما قلتُ (٣): دون إِذْنٍ من الله -تعالى-؛ لكي لا يتوهم أنه يدخُل في التغيير المذكور مِثل حلْق العانة ونحوها ممّا أذِن فيه الشارع، بل استحبّه؛ بل أوجبَه. ٢ - مخالفة أمره ﷺ وهو قوله: "أنهكوا الشوارب، وأعفوا اللحى" (٤). ٣ - التشبّه بالكُفار؛ وقد قال ﷺ : "جزّوا الشوارب وأرخوا اللحى؛ خالفوا المجوس" (٥).

стр. 1864

٤ - التشبه بالنساء؛ وقد: "لعَن رسول الله ﷺ المتشبّهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال" (١). وانظر التفصيل القويّ في "آداب الزفاف" -إِن شئت المزيد-. ٥ - خاتم الخطبة: لُبْسُ بعض الرجال خاتم الذهب الذي يُسمّون بـ "خاتم الخِطبة"، فهذا فيه من تقليد الكُفار ما فيه؛ لأن هذه العادة سرَتْ إِليهم من النصارى. ويرجع ذلك إلى عادة قديمة لهم، عندما كان العروس يضع الخاتم على رأس إِبهام العروس اليسرى، ويقول: باسم الآب. ثمّ ينقله واضعاً له على رأس السبّابة، ويقول: وباسم الابن. ثمّ يضعه على رأس الوسطى، ويقول: وباسم الروح القدس، وعندما يقول: آمين، يضعه أخيراً في البنْصِر حيث يستقر. وهذا جاء جواباً من قِبَل محرّرة قسم أسئلة مجلة "المرأة" الصادرة في لندن عدد ١٩ آذار ١٩٦٠ (ص ٨). وانظر "آداب الزفاف" للمزيد من التفصيل والأدلّة في الوضوع. إِذا رأى المرء من امرأةٍ ما يعجبه؛ فليأت أهله: عن جابر ﵁: "أنّ رسول الله ﷺ رأى امرأةً، فأتى امرأته زينب، وهي تمعسُ (٢) منيئةً (٣) لها، فقضى حاجته، ثمّ خرج إِلى أصحابه،

стр. 1865

فقال: إن المرأة تُقبل في صورة شيطان، وتُدْبر في صورة شيطان، فإِذا أبصر أحدكم امرأة فلْيأت أهله، فإِنّ ذلك يردّ ما في نفسه" (١). وصايا الإِمام الألباني ﵀ إِلى العروسين (٢): أولاً: أن يتطاوعا ويتناصحا بطاعة الله ﵎ واتّباع أحكامه الثابتة في الكتاب والسّنّة، ولا يُقدِّما عليها تقليداً أو عادة غلبَت على النّاس، أو مَذْهباً، فقد قال : ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إِذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخِيَرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً﴾ (٣). ثانياً: أن يلتزم كل واحد منهما القيام بما فرض الله عليه من الواجبات والحقوق تجاه الآخر، فلا تطلب الزوجة -مثلاً- أن تساوي الرجل في جميع حقوقه، ولا يستغلّ الرجل ما فضّله الله -تعالى- به عليها من السيادة والرياسة؛ فيظلمها، ويضربها بدون حقّ، فقد قال الله : ﴿وَلَهُنَّ مثْل الذي عَلَيْهِنَّ بِالمعْرُوف ولِلرّجال عَلَيْهِنَّ دَرَجَة واللهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ (٤). وقال: ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ على النِّساء بِمَا فَضَّل اللهُ بعضهم على بعض وبمَا أنْفَقُوا مِنْ أمْوَالِهِم فَالصَّالحاتُ قانتاتٌ حافظاتٌ للغيبِ بِما حَفِظَ الله واللاتي

стр. 1866

تخافون نُشوزهنّ (١) فَعِظُوهُنَّ واهجروهنّ في المضاجع واضربوهن فإِنْ أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلاً إِنّ الله كان عليّاً كبيراً﴾ (٢). وقد قال معاوية بن حيدة ﵁: يا رسول الله! ما حقّ زوجةِ أحدِنا عليه؟ قال: "أن تُطعمها إِذا طَعِمْت، وتكسوها إِذا اكتسيت، ولا تقبح الوجه (٣)، ولا تضرب، [ولا تهجر إِلا في البيت، كيف وقد أفضى بعضكم إِلى بعض (٤)؛ إِلا بما حلّ عليهنّ (٥) " (٦). وقد قال ﷺ : "إِنّ المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين-؛ الذين يعدلون في حُكمهم وأهليهم وما وَلُوا" (٧). فإِذا هما عَرفا ذلك وعمِلا به، أحياهما الله ﵎ حياةً طيّبة، وعاشا -ما عاشا معاً- في هناء وسعادة، فقد قال : ﴿مَن عَمِل

стр. 1867

صالحاً مِن ذكر أو أُنثى وهو مؤمن فَلَنُحْيينّه حياةً طيبة ولَنَجْزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ (١). ثالثاً: وعلى المرأة بصورة خاصّة أن تطيع زوجها فيما يأمرها به، في حدود استطاعتها، فإِنّ هذا مما فضّل الله به الرجال على النساء؛ كما في الآيتين السابقتين: ﴿الرجال قوّامون على النساء﴾، ﴿وللرجال عليهنّ درجة﴾، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة مؤكِّدة لهذا المعنى، ومُبيِّنة بوضوح ما للمرأة، وما عليها إِذا هي أطاعت زوجها أو عصَتْه، فلا بد من إِيراد بعضها، لعلّ فيها تذكيراً لنساء زماننا، فقد قال -تعالى-: ﴿وذكّر فإِنّ الذكرى تنفع المؤمنين﴾. الحديث الأول: "لا يحلّ للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد (٢) إِلا بإِذنه [غير رمضان]، ولا تأذن في بيته إِلا بإِذنه" (٣). الثاني: "إذا دعا الرجل امرأته إِلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها، لعَنَتها الملائكة حتى تصبح (وفي رواية: أو حتى ترجع. وفي أخرى: حتى يرضى عنها) " (٤). الثالث: "والذي نفس محمد بيده، لا تؤدّي المرأة حقَّ ربّها حتى تؤدّي حقّ

стр. 1868

زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قَتَب (١)؛ لم تمنعه نفسها" (٢). الرابع: "لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا؛ إِلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلكِ الله، فإِنما هو عندك دخيل (٣)، يوشك أن يفارقك إِلينا" (٤). الخامس: عن حصين بن مُحصن قال: حدثتني عمّتي قالت: "أتيت رسول الله ﷺ في بعض الحاجة، فقال: أَيْ هذه! أَذاتُ بَعْلٍ؟ قلت: نعم، قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه (٥)؛ إِلا ما عَجَزت عنه، قال: [فانظري] أين أنت منه؟ فإِنما هو جنّتك ونارك" (٦). السادس: "إِذا صلَّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها؟ قيل لها: ادخلي الجنة من أيِّ أبواب الجنة شئت" (٧).

стр. 1869

جاء في "الفتاوى" (٣٢/ ٢٦١): "وسئل ﵀ عن امرأة تزوّجت، وخرجت عن حكم والديها؛ فأيهما أفضل: بِرُّها لوالديها، أو مطاوعة زوجها؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. المرأة إِذا تزوّجت كان زوجها أملك بها من أبويها، وطاعة زوجها عليها أوجب، قال الله -تعالى-: ﴿فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله﴾ ... ". ثمّ ذكَر ﵀ عدداً من الأحاديث في وجوب طاعة المرأة زوجها. ثمّ قال ﵀: "والأحاديث في ذلك كثيرة عن النَبيَ ﷺ ، وقال زيد ابن ثابت: الزوج سيِّد في كتاب الله، وقرأ قوله -تعالى-: ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾. وقال عمر بن الخطاب: النكاح رقّ فلينظر أحدكم عند من يُرِقُّ كريمته (١). وفي "الترمذي" وغيره عن النّبيّ ﷺ أنه قال: "استوصوا بالنساء خيراً، فإِنّما هنّ عندكم عوانٍ" (٢). فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق والأسير، فليس لها أن تخرج من منزله إِلا بإِذنه؛ سواءٌ أمَرها أبوها أو أمها، أو غير أبويها باتفاق الأئمة. وإِذا أراد الرجل أن ينتقل بها إِلى مكان آخر -مع قيامه بما يجب عليه وحِفْظِ حدود الله فيها- ونهاها أبوها عن طاعته في ذلك؛ فعليها أن تطيع زوجها دون أبويها؛ فإِن الأبوين هما ظالمان؛ ليس لهما أنْ يَنْهَيَاهَا عن طاعة مثل هذا

стр. 1870

الزّوج، وليس لها أن تطيع أمّها فيما تأمرها به من الاختلاع منه، أو مضاجرته حتى يطلقها؛ مثل أن تطالبه من النفقة والكسوة والصَّداق بما تطلبه ليطلقها، فلا يحل لها أن تطيع واحداً من أبويها في طلاقه إِذا كان متقياً لله. ففي "السنن الأربعة" و"صحيح أبي حاتم" عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنّة" (١). وفي حديث آخر: "المختلعات والمنتزعات هنّ المنافقات" (٢). وأمّا إِذا أمرها أبواها أو أحدهما بما فيه طاعة الله: مثل المحافظة على الصلوات؛ وصدق الحديث، وأداء الأمانة، ونهوها عن تبذير مالها وإضاعته، ونحو ذلك مما أمر الله ورسوله أو نهاها الله ورسوله عنه: فعليها أن تطيعهما في ذلك، ولو كان الأمر من غير أبويها، فكيف إِذا كان من أبويها؟! وإذا نهاها الزوج عما أمر الله، أو أمرها بما نهى الله عنه، لم يكن لها أن تطيعه في ذلك، فإِن النبيّ ﷺ قال: "إِنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (٣). بل المالك لو أمر مملوكه بما فيه معصية لله؛ لم يجز له أن يطيعه في معصية، فكيف يجوز أن تطيع المرأة زوجها أو أحد أبويها في معصية؟! فإن الخير كلّه في طاعة الله ورسوله، والشر كلّه في معصية الله ورسوله".

стр. 1871

وجوب خدمة المرأة لزوجها (١): قلت: وبعض الأحاديث المذكورة آنفاً (٢) ظاهرة الدلالة على وجوب طاعة الزوجة لزوجها، وخِدمتها إِياه في حدود استطاعتها، ومما لا شكّ فيه أنّ من أول ما يدخل في ذلك: الخدمةَ في منزله، وما يتعلق به من تربية أولاده ونحو ذلك. وقد اختلف العلماء في هذا، فقال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ في "الفتاوى" (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥): "وتنازع العلماء، هل عليها أن تخدمه في مِثل فراش المنزل، ومناولة الطعام والشراب، والخَبْزِ والطَّحْنِ والطعام لمماليكه وبهائمه؛ مِثل علف دابته ونحو ذلك؟ فمنهم من قال: لا تحب الخِدمة. وهذا القول ضعيف، كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة والوطء! فإِنّ هذا ليس معاشرة له بالمعروف، بل الصاحب في السفر الذي هو نظير الإِنسان، وصاحبه في المسكن؛ إِن لم يعاونه على مصملحته؛ لم يكن قد عاشره بالمعروف. وقيل -وهو الصواب-: وجوب الخدمة، فإِنّ الزوج سيّدها في كتاب الله، وهي عانية عنده بسُنّة رسول الله ﷺ ، وعلى العاني والعبد الخدمة، ولأن ذلك هو المعروف. ثمّ مِنْ هؤلاء مَنْ قال: تجب الخدمة اليسيرة، ومنهم من قال: تجب الخِدمة

стр. 1872

بالمعروف. وهذا هو الصواب، فعليها أن تَخْدُمَهُ الخدمة المعروفة من مثلها لِمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال، فخِدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة". قال شيخنا ﵀: "وهذا هو الحقّ -إِن شاء الله تعالى- أنه يجب على المرأة خدمة البيت، وهو قول مالك وأصبغ، كما في "الفتح" (٩/ ٤١٨)، وأبي بكر بن أبي شيبة، وكذا الجُوزَجَانِيِّ من الحنابلة، كما في "الاختيارات" (ص ١٤٥)، وطائفة من السلف والخلف، كما في "الزاد" (٤/ ٤٦)، ولم نجد لمن قال بعدم الوجوب دليلاً صالحاً. وقول بعضهم: "إِنّ عقد النكاح إِنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام"! مردود بأنّ الاستمتاع حاصل للمرأة أيضاً بزوجها، فهما متساويان في هذه الناحية، ومن المعلوم أنّ الله ﵎ قد أوجب على الزوج شيئاً آخر لزوجته، ألا وهو نفقتها وكسوتها ومسكنها، فالعدل يقتضي أن يجب عليها مقابل ذلك شيء آخر أيضاً لزوجها، وما هو إِلا خِدمتها إِيّاه، ولا سيما أنه القوّام عليها بنص القرآن الكريم، وإذا لم تقم هي بالخدمة فسيُضْطَرُّ هو إِلى خدمتها في بيتها، وهذا يجعلها هي القوّامة عليه، وهو عكس للآية القرآنية كما لا يخفى، فثَبتَ أنه لا بدّ لها من خِدمته، وهذا هو المراد! وأيضاً؛ فإِنّ قيام الرجل بالخدمة يؤدّي إِلى أمرين متباينين تمام التباين؛ أن ينشغل الرجل بالخدمة عن السعي وراء الرزق وغير ذلك من المصالح، وتبقى المرأة في بيتها عُطَلاً عن أي عمل يجب عليها القيام به! ولا يخفى فساد هذا في الشريعة التي سوَّت بين الزوجين في الحقوق، بل وفضّلت الرجل عليها

стр. 1873

درجة، ولهذا لم يُزِل الرسول ﷺ شكوى ابنته فاطمة [﵂] حينما: "أتت النّبيّ ﷺ تشكو إِليه ما تلقى في يدها من الرَّحَى، وبَلَغَها أنه جاءه رقيق، فلم تصادفه، فذكَرت ذلك لعائشة، فلما جاء، أخبرته عائشة، قال علي ﵁: فجاءنا وقد أخذْنا مضاجعنا، فذهبْنا نقوم، فقال: على مكانكما! فجاء، فقعد بيني وبينها، حتى وجدت بَرْدَ قدميه على بطني، فقال: ألا أدلكما على خير ممّا سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما -أو أويتما إِلى فراشكما- فسبِّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبّرا أربعاً وثلاثين، فهو خير لكما من خادم. قال علي: فما تركْتها منذ سمعته من النّبيّ ﷺ . قيل له: ولا ليلة صِفّين؟ قال: ولا ليلة صفّين" (١). فأنت ترى أنّ النّبيّ ﷺ لم يقل لعليّ: لا خِدمة عليها، وإنما هي عليك، وهو ﷺ لا يحابي في الحُكم أحداً كما قال ابن القيّم ﵁. ومن شاء زيادة البحث في هذه المسألة فليرجع إِلى كتابه القيم "زاد المعاد" (٤/ ٤٥ - ٤٦). هذا وليس فيما سَبق من وجوب خِدمة المرأة لزوجها ما ينافي استحباب مشاركة الرجل لها في ذلك، إِذا وجد الفراغ والوقت، بل هذا من حُسْنِ المعاشرة بين الزوجين، ولذلك قالت السيدة عائشة ﵂: "كان ﷺ يكون في مهنة أهله -تعني خِدمة أهله-، فإِذا حضرت الصلاة خرج إِلى الصلاة" (٢). انتهى كلام شيخنا ﵀. وذكر بعض العلماء في وجوب خدمة المرأة زوجها لقوله -سبحانه-:

стр. 1874

﴿ولهنّ مِثلُ الذي عليهنّ بالمعروف﴾ (١)؛ أي: ولهنّ على الرجال من الحقّ مِثل ما للرجال عليهنّ، فليؤدّ كل واحدٍ منهما إِلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف. قاله ابن كثير ﵀. فإِن لم تكن الخدمة من ذلك؛ فماذا يكون عليها؟! وذكروا كذلك حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "تزوّجني الزُّبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء؛ غير ناضح (٢)، وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه، وأستقي الماء، وأخرِز (٣)، غَرَبهُ (٤)، وأعجن، ولم أكن أُحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار -وكُنَّ نِسْوةَ صِدْقٍ- وكنت أنقل النّوى من أرض الزبير -التي أقطعه رسول الله ﷺ - على رأسي، وهي مِنّي على ثُلُثَيْ فرسخٍ (٥) " (٦). وفي بعض مجالس شيخنا ﵀ سُئل: هل للمرأة أن تَخْدُمَ إِخوان الزوج؟ فأجاب ﵀: الزوج هو الذي يُخْدَمُ فقط لا غيره؛ إِلا إِذا كان قد اشترط بخدمة أخ أو والد أو والدة؛ فيجب.

стр. 1875

حقّ الزوجة على زوجها (١) ١ - حُسن المعاشرة: قال الله -تعالى-: ﴿وعاشروهنّ بالمعروف فإِنْ كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعلَ الله فيه خيراً كثيراً﴾ (٢). قال ابن كثير ﵀ بتصرُّف: "أي: طيّبوا أقوالكم لهنّ، وحسِّنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحبّ ذلك منها، فافعل أنت بها مِثله، كما قال -تعالى-: ﴿ولهنّ مِثل الذي عليهنّ بالمعروف﴾ (٣) وقال رسول الله ﷺ : "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (٤). وكان من أخلاقه ﷺ أنه جميل العشرة دائم البِشر، يُداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى إِنه كان يسابق عائشة أمّ المؤمنين يتودّد إِليها بذلك: عن عائشة ﵂ قالت: "كُنْتُ مع النّبيّ ﷺ في سفر، فسابقْتُه فسبَقْته على رِجْلَيَّ، فلمّا حَملتُ اللحم؛ سابقْتُه فسبقَني، فقال: هذه بتلك السّبْقة" (٥).

стр. 1876

وقوله -تعالى-: ﴿فإِنْ كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويَجْعَلَ الله فيه خيراً كثيراً﴾، أي: فعسى أن يكون صبركم -مع إِمساككم لهنّ وكراهتهن- فيه خير كثير لكم في الدنيا والآخرة، كما قال ابن عباس ﵄ في هذه الآية: هو أن يعطف عليها، فيرزق منها ولداً، ويكون في ذلك الولد خير كثير. وفي الحديث الصحيح: "لا يَفْرَك (١) مؤمن مؤمنة، إِن كره منها خلقاً رضي منها آخر" (٢). انتهى. وعن عائشة ﵂ قالت: "كنت أشرب وأنا حائض، ثمّ أناوله النّبيّ ﷺ ، فيضع فاه على موضع فيَّ، فيشرب، وأتعرّقُ العَرْق (٣) وأنا حائض، ثمّ أناوله النّبيّ ﷺ ، فيضع فاه على موضع فيّ" (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "استوصوا بالنساء، فإِنّ المرأةَ خُلِقَتْ من ضِلَع أعوج، وإن أعوج شيء في الضلَع أعلاه، فإِنْ ذهبتَ تقيمه كسرته، وإنْ تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء" (٦).

стр. 1877

وعن عمرو بن الأحوص: "أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه، وذكَّر ووعظ، ثمّ قال: استوصوا بالنّساء خيراً، فإِنّهنّ عندكم عوانٍ، ليس تملكون منهنّ شيئاً غير ذلك، إِلا أنْ يأتين بفاحشة مبينة، فإِنْ فعلن فاهجروهنّ في المضاجع، وإضربوهنّ ضرباً غير مُبرّح، فإِد أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلاً، إِنّ لكم من نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً. فأمّا حقُّكم على نسائكم: فلا يوطئن فُرشكم من تكرهون، ولا يَأذَنَّ في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقّهُنَّ عليكم: أن تُحسنوا إِليهن في كسوتهنّ وطعامهنّ" (١). فينبغي في ضوء ما تقدّم ألا يتعامل الرجل مع زوجه على أنها كاملة معصومة، بل خطّاءة خُلقت من ضِلَع أعوج، فإِذا جاء التصرّف الأعوج تذكّر أصْل خلقتها، فصبَر عليها، وتذكّر ما لها من محاسن السلوك والأخلاق، والأقوال والأفعال، فازداد صبراً، ولم يبْدُ منه ما يعكّر صفو حياته الزوجيّة. ٢ - صيانتها (٢): ويجب على الزوج أن يصون زوجتَه، ويحفظها من كل ما يخدش شرفَها، ويثلم عرضها، ويمتهن كرامتها، ويُعرّض سمعتها لقالة السوء، وهذا من الغيرة التي يحبها الله؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنّ الله يغار، وإِنّ المؤمن يغار، وغيرةُ الله أن يأتي المؤمن ما حَرّم عليه" (٣).

стр. 1878

وعن المغيرة قال: "قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربتُه بالسيف غيرَ مُصْفَح (١). فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: تعجبون من غيرة سعد، واللهِ لأنا أغيرُ منه، واللهُ أغيرُ منّي، ومِن أجل غيرة الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحدَ أحبُّ إِليه العُذْرُ من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذِرين، ولا أحدَ أحبُّ إِليه المِدحةُ من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة" (٢). وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا ينظر الله إِليهم يوم القيامة: العاقُّ لوالديه، والمرأة المترجّلة (٣)، والديّوث (٤) " (٥). وعن عمّار بن ياسر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة لا يدخلون الجنّة أبداً: الديّوث، والرَّجُلة من النساء، ومدمن الخمر. قالوا: يا رسول الله! أما مُدمن الخمر فقد عرفناه، فما الديُّوث؟ قال: الذي لا يبالي مَن دخل على أهله. قلنا: فما الرَّجُلَة من النساء؟ قال: التي تَشَبَّهُ بالرجال" (٦). وكما يجب على الرجل أن يغار على زوجته، فإِنه يُطلَبُ منه أن يعتدل في

стр. 1879

هذه الغَيرة، فلا يبالغ في إِساءة الظن بها، ولا يسرف في تَقَصِّي كل حركاتها وسكناتها، ولا يحصي جميع عيوبها؛ فإِن ذلك يفسد العلاقة الزوجية، ويقطع ما أمر الله به أن يوصَل. عن جابر بن عَتِيكِ أن نبيَّ الله ﷺ كان يقول: "من الغَيرة ما يحبُّ الله، ومنها ما يُبْغِض الله؛ فأمَّا التي يُحبّها الله فالغيرة في الريبة، وأمّا التي يبغضها الله فالغَيرة في غير ريبة. وإنّ من الخيلاء ما يبغض الله، ومنها ما يحبُّ الله، وأمّا الخُيلاء التي يحبُّ الله؛ فاختيال الرجل نفسه عند القتال، واختياله عند الصدقة، وأمّا التي يبغض الله؛ فاختياله في البغي والفخر" (١). ٣ - إِتيانها ووطْؤُها: قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (١١/ ٢٣٦): "وفرْض على الرجل أن يُجامع امرأته التي هي زوجته، وأدنى ذلك مرة في كلّ طُهر -إِنْ قَدَرَ على ذلك-؛ وإِلا فهو عاص لله -تعالى-. بُرهان ذلك: قول الله : ﴿فإذا تطهرن فَأْتُوهُنّ من حَيْثُ أَمَرَكُم الله﴾ ". ثمّ روى بإِسناده عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: "إِنّا لنسير مع عمر بن الخطاب ﵁ بالرف من جُمْدان؛ إِذ عرضت له امرأة -من خزاعة- شَابة، فقالت: يا أمير المؤمنين! إِني امرأة أحبّ ما تحب النساء من الولد وغيره، ولي زوج شيخ، ووالله ما برِحْنا حتى نظرنا إِليه يهوي -شيخ كبير-، فقال

стр. 1880

لعمر: يا أمير المؤمنين! إِني لمحسن إِليها وما آلوها؟ فقال له عمر: أتقيم لها طُهرها؟ فقال: نعم، فقال لها عمر: انطلقي مع زوجك، والله إِنّ فيه لما يجزي -أو قال: يغني- المرأة المسلمة". قال أبو محمد ﵀: "ويُجبَر على ذلك من أبى بالأدب، لأنه أتى منكراً من العمل". ثمّ ذكَر قول سلمان لأبي الدرداء ﵄: " ... ولأهلك عليك حقّاً"، ولفظه كما في حديث أبي جُحَيْفَة ﵁ قال: "آخى النّبيّ ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أمّ الدّرداء متبذّلة (١)، فقال لها: ما شأنُك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا! فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعاماً فقال له: كُل، قال: فإِني صائم، قال: ما أنا بآكلٍ حتى تأكل، قال: فأكل. فلمّا كان الليل؛ ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثمّ ذهب يقوم، فقال: نم، فلمّا كان من آخر الليل؛ قال سلمان: قُم الآن، فصلَّيا. فقال له سلمان: إِنّ لربّك عليك حقّاً، ولنفسك عليك حقّاً، ولأهلك عليك حقّاً، فأعط كلّ ذي حقٍّ حَقَّهُ، فأتى النّبيَّ ﷺ ، فذكَر ذلك له؟ فقال له النّبيّ ﷺ : صدَق سلمان" (٢). وفي رواية: " ... وائت أهلك" (٣).

стр. 1881

قال الحافظ ﵀: "وقد يُؤخذ منه ثبوت حقّها في الوطءِ لقوله: "ولأهلك عليك حقّاً" ثمّ قال: "وائت أهلك"؛ وقرّرهُ النّبيّ ﷺ على ذلك". انتهى. قلت: وقول ابن حزم ﵀: " ﴿فإذا تَطَهَّرْنَ فَأتُوهُنّ من حَيْثُ أَمَرَكُم الله﴾ "؛ جاء بعد حظر، فمن العلماء من يقول: إِنه للإِباحة *والتحقيق أن يقال: صيغة: (افْعَلْ) بعد الحَظر لرفع ذلك الحظر، وإعادة حال الفعل إِلى ما كان قبل الحَظر؛ فإِنْ كان مباحاً كان مباحاً، وإنْ كان واجباً أو مستحباً كان كذلك، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿فإِذا انْسَلَخَ الأشهر الحُرُم فاقْتلوا المشركين﴾ (١)؛ فإِنّ الصيغة رفَعت الحظر، وأعادته إِلى ما كان أوّلاً، وقد كان واجباً* (٢). وبذا عُدْنا إِلى الحوار في أصْل الحُكم. والذي يبدو أنّ هذا يَتْبَعُ حال الرجل والمرأة، فإِذا احتاجا إِليه؛ وجب؛ لتحقيق الإِحصان وغضّ البصر والإِعفاف، فقد جاء الحثّ على الزّواج من أجل ذلك، كما في قوله ﷺ : "يا معشر الشباب! من استطاع الباءة فليتزوج، فإِنه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنه له وجاء" (٣). والأثر الذي ذكَره الإِمام ابن حزم ﵀ فيه أنّ المرأة اشتكَت، وكذا في توجيه سلمان أبا الدرداء ﵄، فقد أجابت أمّ الدرداء سلمان ﵄ حين سألها: ما شأنك؟ فقالت: أخوك أبو الدرداء ليس له

стр. 1882

حاجةٌ في الدنيا. فالوجوب الذي أشار إِليه ابن حزم ﵀ كان مبعثُهُ الحاجةَ أو الشكوى، فماذا إِذا لم تكن ثمّة حاجة أو شكوى؟! ثمّ رأيت ابن كثير ﵀ يقول في تفسير قوله -تعالى-: ﴿فإذا تَطَهَّرْنَ فَأتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ الله﴾: "فيه ندْب وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال، وذهب ابن حزم إِلى وجوب الجماع بعد كل حيض، لقوله: ﴿إذا تَطَهَّرْنَ فَاْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾! وليس له في ذلك مستند؛ لأنّ هذا أمر بعد الحظر، وفيه أقوال لعلماء الأصول، منهم من يقول: إِنه للوجوب كالمطلق، وهؤلاء يحتاجون إِلى جواب ابن حزم. ومنهم من يقول: إِنه للإِباحة، ويجعلون تقدّم النهي عليه قرينة صارفة له عن الوجوب، وفيه نظر! والذي ينهض عليه الدليل أنه يُردّ الحكم إِلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، فإِن كان واجباً فواجب؛ كقوله -تعالى-: ﴿فإِذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾ (١)، أو مباحاً فمباح؛ كقوله -تعالى-: ﴿وإِذا حللتم فاصطادوا﴾ (٢)، ﴿فإِذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ (٣). وعلى هذا القول تجتمع الأدلّة ... ". وجاء في "الفتاوى" (٣٢/ ٢٧١): "وسئل -رحمه الله تعالى- عن الرجل إِذا صبر على زوجته الشهر والشهرين لا يطؤها؛ فهل عليه إِثم أم لا؟ وهل يطالب الزوج بذلك؟

стр. 1883

فأجاب: يجب على الرجل أن يطأ زوجته بالمعروف؛ وهو من أوكد حقها عليه: أعظم من إِطعامها. والوطء الواجب قيل: إِنه واجب في كل أربعة أشهر مرة. وقيل: بقدر حاجتها وقدرته؛ كما يطعمها بقدر حاجتها وقدرته، وهذا أصح القولين. والله أعلم". حقّ الزوج على زوجته: من حقّ الرجل على زوجته أن تطيعه في غير معصية الله -سبحانه-، فللرجل القوامة، وعليها الاستجابة والطاعة. قال الله -تعالى-: ﴿الرِّجال قوّامون على النساء بما فضّل اللهُ بعضَهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم (١) فالصَّالحات قانتاتٌ (٢) حافظات للغيب (٣) بما حفظ الله﴾ (٤). وعن قيس بن سعد أنّ النّبيّ ﷺ قال: "لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد؛ لأمرتُ النساء أن يسجدن لأزواجهنّ؛ لِما جعل الله لهم عليهنّ من الحقّ" (٥).

стр. 1884

وتقدّم أنّ خير النساء: التي تسر زوجها إِذا نظرَ إِليها، وتطيعه إِذا أمرها، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره. فعن أبي هريرة ﵁ قال: "قيل لرسول الله ﷺ : أي النساء خير؟ قال: التي تسرّه إِذا نظر، وتطيعه إِذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره" (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "أتى رجل بابنته إِلى رسول الله ﷺ ، فقال: إِنّ ابنتي هذه أبت أن تتزوّج؟ فقال لها رسول الله ﷺ : أطيعي أباك. فقالت: والذي بعثك بالحق؛ لا أتزوّج حتى تخبرني ما حقّ الزوج على زوجته؟ قال: حق الزوج على زوجته؛ لو كانت به قُرْحة، فلحستها، أو انتثر منخراه صديداً أو دماً، ثمّ ابتلعته؛ ما أدّت حقّه. قالت: والذي بعثك بالحق لا أتزوّج أبداً! فقال النّبيّ ﷺ : لا تنْكِحُوهنَّ إِلا بِإِذْنِهِنَّ" (٢). وجاء في "الفتاوى" (٣٢/ ٢٧١ - ٢٧٧) -بحذف-: "وسئل -رحمه الله تعالى- عمن له زوجة لا تصلّي: هل يجب عليه أن يأمرها بالصلاة؟ وإذا لم تفعل: هل يجب عليه أن يفارقها، أم لا؟ فأجاب: نعم، عليه أن يأمرها بالصلاة، ويجب عليه ذلك؛ بل يجب عليه

стр. 1885

أن يأمر بذلك كل من يقدر على أمره به إِذا لم يقم غيره بذلك، وقد قال -تعالى-: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصَّلاة وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفُسَكم وأهلِيكُم ناراً وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ (٢). وينبغي مع ذلك الأمر أن يَحُضَّها على ذلك بالرغبة، كما يَحُضُّها على ما يحتاج إِليها، فإِن أصرّت على ترْك الصلاة؛ فعليه أن يطلّقها، وذلك واجب في الصحيح. وتارك الصلاة مستحق للعقوبة حتى يصلّي -باتفاق المسلمين-؛ بل إِذا لم يصلِّ قُتِل، وهل يُقْتَل كافراً مرتداً؟ على قولين مشهورين. والله أعلم". ويجب عليها أن تلبّي دعوته إِلى الفراش حين يطلبها. عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "إِذا دعا الرجل امرأته إِلى فراشه، فأبت أن تجيء، لعنتها الملائكة حتى تصبح" (٣). ولقوله ﷺ : "إِذا دعا الرجل زوجته لحاجته؛ فلتأته وإن كانت على التنّور" (٤). ولقوله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده؛ لا تؤدّي المرأة حقّ ربّها حتى تؤدّي حقّ زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه" (٥).

стр. 1886

جاء في "الفتاوى" (٣٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤): "وسئل ﵀ عن رجل تزوّج امرأة، وكتب كتابها، ودفع لها المال بكماله؛ وبقي المقسّط من ذلك، ولم تستحق عليه شيئاً؛ وطلبها للدخول فامتنعت؛ ولها خالة تمنعها: فهل تجبر على الدخول؟ ويلزم خالتها المذكورة تسليمها إِليه؟ فأجاب: ليس لها أن تمتنع من تسليم نفسها -والحالُ هذه- باتفاق الأئمة، ولا لخالتها ولا غير خالتها أن يمنعها؛ بل تعزَّر الخالة على منعها من فعل ما أوجب الله عليها، وتُجْبر المرأة على تسليم نفسها للزّوج". ومن حقّه ألا تصوم بحضوره إِلا بإِذنه. "لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إِلا بإِذنه [غير رمضان]، ولا تأذن في بيته إِلا بإِذنه" (١). ولا تأذن في بيته إِلا بإِذنه؛ للحديث السابق، ولقوله ﷺ : "ألا إِنّ لكم على نسائكم حقّاً، ولنسائكم عليكم حقّاً. فأمّا حقّكم على نسائكم؛ فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقّهُنّ عليكم أن تُحسنوا إِليهنَّ في كسوتهنّ وطعامهنّ" (٢).

стр. 1887

الطَّلاق

стр. 1888

الطلاق معناه: الطلاق في اللغة. حلّ الوثاق مشتق من الإطلاق وهو الإرسال والترك، [ويقال]: فلان طلْق اليد بالخير أي؛ كثير البذل وأطلقْتُ الرجل من حبسه. وفي الشرع: حلُّ عقدة التزويج وإزالة ملك النكاح، وهو موافق لبعض أفراد مدلوله اللغوي (١). مشروعيته (٢): والأصل في مشروعيته الكتاب والسُّنة والإِجماع. أمّا الكتاب. فلقول الله -تعالى-: ﴿الطلاق مرّتان فإِمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإِحسان﴾ (٣). ولقوله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلّقتم النساء فطّلقوهنّ لعدّتهنّ﴾ (٤). وأمّا السّنّة: فلحديث سالم: "أنّ عبد الله بن عمر ﵄ أخبره

стр. 1889

أنه طلّق امرأته وهي حائض، فَذَكَرَ ذلك عمر لرسول الله ﷺ ، فتغيّظ فيه رسول الله ﷺ ثمّ قال: لِيراجعها، ثمّ يمسكها حتى تطهر، ثمّ تحيض فتطهر، فإِنْ بدا له أن يُطلّقها فليطلِّقها طاهراً قبل أن يمسَّها، فتلك العدّة كما أمَره الله" (١). وأجمع المسلمون على جواز الطلاق والعِبرة دالّةٌ على جوازه، فإِنه ربّما فسدت الحال بين الزوجين؛ فيصير بقاء النّكاح مفسدة محضة وضرراً مجرّداً؛ بإِلزام الزَّوج النفقة والسُّكنى وحبس المرأة؛ مع سوء العِشرة والخصومة الدائمة مِن غير فائدة؛ فاقتضى ذلك شرْع ما يزيل النكاح؛ لتزول المفسدة الحاصلة منه. حُكمه: الطّلاق على أضرُب (٢): واجب: وهو طلاق المولي (٣) بعد التربُّص إِذا أبى الفيئة، وطلاق الحَكَمين في الشقاق إِذا رأيا ذلك. وكذلك إِذا كانت المرأة سيئة الخُلُق لقوله ﷺ : "ثلاثة يدعون فلا يستجاب لهم: رجلٌ كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلّقها، ورجلٌ كان له على رجل مال فلم يُشهد عليه، ورجل آتى سفيهاً ماله وقد قال الله : ﴿ولا تُؤتُوا السُّفهاء أموالكم﴾ (٤) (٥).

стр. 1890

قال الإِمام أحمد ﵀: "لا ينبغي له إِمساكها، وذلك لأن فيه نقصاً لدينه، ولا يأمن إِفسادها لفراشه وإِلحاقها به ولداً ليس هو منه، ولا بأس بعضلها في هذه الحال والتضييق عليها لتفتدي منه. قال الله -تعالى-: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لتذهبوا بِبَعض ما آتيتموهنّ إِلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ (١) ". ومكروه: وهو الطلاق من غير حاجة إِليه، وقال بعضهم: إِنه محرّم لأنّه ضررٌ بنفسه وزوجته، وإعدام المصلحة الحاصلة لهما من غير حاجة إِليه؛ فكان حراماً كإِتلاف المال، ولقول النّبيّ ﷺ : "لا ضرر ولا ضِرار" (٢). ومحظور: وهو أن يكون الطلاق في الحيض أو في طُهرٍ جامَعها فيه، ويُسمّى طلاق البدعة؛ لأنّ المطلِّق خالف السُّنّة وترَك أمْر الله -تعالى- ورسوله ﷺ ولأنه إِذا طلَّق في الحيض طَوَّل العدة عليها، فإِن الحيضة التي طلَّق فيها لا تحسب من عدتها، ولا الطهر الذي بعدها عند من يجعل الأقراء الحيض، وإِذا طلّق في طهرٍ أصابها فيه؛ لم يأمن أن تكون حاملاً؛ فيندم وتكون مرتابة لا تدري أتعتد بالحمل أو الأقراء (٣). وهناك أضرُبٌ أُخرى؛ تَرَكْتُها لاختلاف القول فيها. الطلاق من حق الرجل وحده: عن ابن عبّاس ﵄ قال: "أتى النّبيّ ﷺ رجل فقال: يا رسول الله! إِن سَيّدي زوَّجني أَمَتهُ، وهو يريد أن يفرِّق بيني وبينها، قال:

стр. 1891

فصعد رسول الله ﷺ المنبر فقال: يا أيها النّاس! ما بال أحدكم يزوّج عبده أَمَتهُ؛ ثمّ يريد أن يفرّق بينهما؟ إِنّما الطلاق لِمن أخذ بالساق" (١). جاء في "فيض القدير" (٤/ ٢٩٣) في تفسير "لمن أخذ بالساق": "يعني الزَّوج وإِنْ كان عبداً فإِذا أذِن السيد لعبده في النّكاح؛ كان الطلاق بيد العبد الآخذ بالساق؛ لا بِيَدِ سيده، فليس له إِجباره على الطلاق؛ لأنّ الإِذن في النّكاح إِذن في جميع أحكامه وتعلّقاته". تحريم سؤال الزَّوجة الطَّلاق من غير سبب موجبٍ له: عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيُّما امرأة سألت زوجها طلاقاً في غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنّة" (٢). من يقع منه الطلاق: يقع الطلاق من الزوج العاقل البالغ المختار، ولا يقع من المجنون أو الصبيّ أو المُكرَه. عن علي ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" (٣). وجاء في سنن النسائي "باب متى يقع طلاق الصّبي" تمَّ ذكر تحته حديث كثير بن السائب قال: حدَّثني أبناء قُريظة: أنَّهم عُرِضُوا على رسول الله ﷺ

стр. 1892

يوم قريظة، فمن كان محتلماً، أو نبتت عانته: قتل، ومن لم يكن محتلماً أو لم تنبت عانته: ترك (١). ثمَّ ذكر حديث عطيَّة القُرظي قال: كنت يوم حُكْمِ سعد في بني قُريظة، غلاماً، فشكُّوا فيَّ، فلم يجدوني أنبتُّ، فاستُبقيت، فها أنا ذا بين أظهركم (٢). ثمّ ذكر كذلك حديث ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ عرضه يوم أُحُد، وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزْه، وعرَضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، فأجازه (٣). قال نافع: فقدِمتُ على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة؛ فحدَّثته هذا الحديث فقال: إِنَّ هذا لحدٌّ بين الصَّغير والكبير، وكَتَب إلى عمَّاله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة (٤). قال ابن القيّم ﵀ في "تحفة المودود" (ص ٤٧٧): "وليس لوقت الاحتلام سنّ معتاد، بل من الصِّبيان من يحتلم لثنتي عشرة سنة، ومنهم من يأتي عليه خمس عشرة وستَّة عشرة سنة وأكثر من ذلك ولا يحتلم". قلت: الاحتلام أمْر يُعْرَف بِحُصوله، وقد ثبتَ اختلاف السِنِّ فيه، وتقدَّم القول في "كتاب الحيض" أنَّه ليس في السُّنَّة تحديدٌ لِسِنِّ البنت التي تحيض، وهذا يمضي في الاحتلام. والله -تعالى- أعلم.

стр. 1893

طلاق المكره والمجنون والسكران والغضبان والمدهوش ونحو ذلك: هذه الأمور صاحبها مجرّد من الإِرادة والاختيار والنيّة، والنصوص في ذلك كثيرة: فعن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِن الله تجاوز عن أُمَّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١). بل إِنّ مَن أُكره على الكُفر -إِنْ كان قلبه مطمئناً بالإِيمان- لا يكفر لقوله -سبحانه-: ﴿إِلا من أُكره وقلبه مطمئنٌّ بالإِيمان﴾ (٢). وعن عائشة ﵂ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "لا طلاق ولا عتاق في إِغلاق" (٣). قال الإِمام البخاري ﵀: "الطلاق (٤) في الإِغلاق والكُرْه، والسكران والمجنون وأمرهما، والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره: لقول النّبيّ ﷺ : "الأعمال بالنّية، ولكل امرئٍ ما نوى"، وتلا الشعبيُّ: ﴿لا تؤاخِذْنا إِن نَسِينا أو أخطأنا﴾ (٥) وما لا يجوز من إِقرار المُوَسْوِسِ، وقال

стр. 1894

النّبيّ ﷺ للذي أقرّ على نفسه: أَبِك جُنون؟ وقال علي: بقرَ حمزة خواصر شارفَيَّ (١)، فطفق النبي ﷺ يلوم حمزة، فإِذا حمزة ثَمِلٌ محمرّة عيناه، ثمّ قال حمزة: وهل أنتم إِلا عبيد لأبي؟ فعرف النّبيّ ﷺ أنه قد ثَمِلَ، فخرج وخرجنا معه. وقال عثمان: ليس لمجنون ولا لسكران طلاق. وقال ابن عباس: طلاقُ السكران والمستَكرَه ليس بجائز، وقال عقبة بن عامر: لا يجوز طلاق الموسوس، وقال عطاء: إِذا بدا بالطلاق فله شرطه، وقال نافع: طلق رجلٌ امرأته البتة إِن خرجت، فقال ابن عمر: إِن خرجت فقد بُتَّت منه، وإِن لم تخرج فليس بشيء، وقال الزُّهري فيمن قال: إِن لم أفعل كذا وكذا فامرأتي طالق ثلاثاً: يُسأل عمَّا قال وعقد عليه قلبه حين حلف بتلك اليمين، فإِن سمَّى أجلاً أراده وعقد عليه قلبه حين حَلَف؛ جُعلَ ذلك في دينه وأمانته، وقال إِبراهيم: إِن قال لا حاجة لي فيك نيته ... وقال الحسن: إِذا قال: الحَقي بأهلك نيته. وقال ابن عباس: الطلاق عن وطَر (٢)، والعتاق ما أُريد به وجه الله. وقال الزهري: إِن قال: ما أنت بامرأتي نيته، وإن نوى طلاقاً فهو ما نوى. وقال عليٌّ: ألم تعلم أن القلم رُفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ، وقال عليّ: وكلُّ الطلاق جائز إِلا طلاق المعتوه". ثمّ ذكر الإِمام البخاري ﵀ حديث جابر ﵁ "أنّ رجلاً مِن أسلم أتى النّبيّ ﷺ وهو في المسجد فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه،

стр. 1895

فتنحَّى لشقه الذي أعرض فشهد على نفسه أربع شهادات، فدعاه فقال: هل بك جُنون؟ هل أُحصنت؟ قال: نعم، فأمر به أن يرجم بالمصلّى، فلمّا أذْلَقَتْهُ الحجارة؛ جمز (١) حتى أُدرك بالحرّة فقتل" (٢). قلت: مراد الإِمام البخاري ﵀ من إِيراد هذا الحديث تحت هذا الباب؛ أن من به جنون وشهد على نفسه بالزنى فلا يقام عليه الحدّ، فمن باب أولى ألا يقع منه الطلاق، والله أعلم. قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٩/ ٣٨٩): "اشتملت هذه الترجمة [أي: ترجمة الباب] على أحكام يجمعها أن الحكم إِنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر، وشمل ذلك الاستدلال بالحديث؛ لأن غير العاقل المختار لا نية له فيما يقول أو يفعل، وكذلك الغالط والناسي والذي يُكره على الشيء". وفيه (ص٣٩٠): "واحتج عطاء بآية النحل: ﴿إِلا من أُكره وقلبُه مُطمئن بالإِيمان﴾ قال عطاء: الشرك أعظم من الطلاق، أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح وقرره الشافعي بأن الله لما وضع الكفر عمن تلفظ به حال الإِكراه، وأسقط عنه أحكام الكفر؛ فكذلك يسقط عن المكره ما دون الكفر؛ لأن الأعظم إِذا سقط سقط ما هو دونه بطريق الأولى، وإلى هذه النكتة أشار البخاري بعطف الشرك على الطلاق في الترجمة". وفي طلاق السكران خلاف بين العلماء، والسُّكر -عياذاً بالله- متفاوِتٌ في تأثيره.
следующие страницы →