← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

فصعد رسول الله ﷺ المنبر فقال: يا أيها النّاس! ما بال أحدكم يزوّج عبده أَمَتهُ؛ ثمّ يريد أن يفرّق بينهما؟ إِنّما الطلاق لِمن أخذ بالساق" (١). جاء في "فيض القدير" (٤/ ٢٩٣) في تفسير "لمن أخذ بالساق": "يعني الزَّوج وإِنْ كان عبداً فإِذا أذِن السيد لعبده في النّكاح؛ كان الطلاق بيد العبد الآخذ بالساق؛ لا بِيَدِ سيده، فليس له إِجباره على الطلاق؛ لأنّ الإِذن في النّكاح إِذن في جميع أحكامه وتعلّقاته". تحريم سؤال الزَّوجة الطَّلاق من غير سبب موجبٍ له: عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيُّما امرأة سألت زوجها طلاقاً في غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنّة" (٢). من يقع منه الطلاق: يقع الطلاق من الزوج العاقل البالغ المختار، ولا يقع من المجنون أو الصبيّ أو المُكرَه. عن علي ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" (٣). وجاء في سنن النسائي "باب متى يقع طلاق الصّبي" تمَّ ذكر تحته حديث كثير بن السائب قال: حدَّثني أبناء قُريظة: أنَّهم عُرِضُوا على رسول الله ﷺ

стр. 1892

يوم قريظة، فمن كان محتلماً، أو نبتت عانته: قتل، ومن لم يكن محتلماً أو لم تنبت عانته: ترك (١). ثمَّ ذكر حديث عطيَّة القُرظي قال: كنت يوم حُكْمِ سعد في بني قُريظة، غلاماً، فشكُّوا فيَّ، فلم يجدوني أنبتُّ، فاستُبقيت، فها أنا ذا بين أظهركم (٢). ثمّ ذكر كذلك حديث ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ عرضه يوم أُحُد، وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزْه، وعرَضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، فأجازه (٣). قال نافع: فقدِمتُ على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة؛ فحدَّثته هذا الحديث فقال: إِنَّ هذا لحدٌّ بين الصَّغير والكبير، وكَتَب إلى عمَّاله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة (٤). قال ابن القيّم ﵀ في "تحفة المودود" (ص ٤٧٧): "وليس لوقت الاحتلام سنّ معتاد، بل من الصِّبيان من يحتلم لثنتي عشرة سنة، ومنهم من يأتي عليه خمس عشرة وستَّة عشرة سنة وأكثر من ذلك ولا يحتلم". قلت: الاحتلام أمْر يُعْرَف بِحُصوله، وقد ثبتَ اختلاف السِنِّ فيه، وتقدَّم القول في "كتاب الحيض" أنَّه ليس في السُّنَّة تحديدٌ لِسِنِّ البنت التي تحيض، وهذا يمضي في الاحتلام. والله -تعالى- أعلم.

стр. 1893

طلاق المكره والمجنون والسكران والغضبان والمدهوش ونحو ذلك: هذه الأمور صاحبها مجرّد من الإِرادة والاختيار والنيّة، والنصوص في ذلك كثيرة: فعن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِن الله تجاوز عن أُمَّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١). بل إِنّ مَن أُكره على الكُفر -إِنْ كان قلبه مطمئناً بالإِيمان- لا يكفر لقوله -سبحانه-: ﴿إِلا من أُكره وقلبه مطمئنٌّ بالإِيمان﴾ (٢). وعن عائشة ﵂ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "لا طلاق ولا عتاق في إِغلاق" (٣). قال الإِمام البخاري ﵀: "الطلاق (٤) في الإِغلاق والكُرْه، والسكران والمجنون وأمرهما، والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره: لقول النّبيّ ﷺ : "الأعمال بالنّية، ولكل امرئٍ ما نوى"، وتلا الشعبيُّ: ﴿لا تؤاخِذْنا إِن نَسِينا أو أخطأنا﴾ (٥) وما لا يجوز من إِقرار المُوَسْوِسِ، وقال

стр. 1894

النّبيّ ﷺ للذي أقرّ على نفسه: أَبِك جُنون؟ وقال علي: بقرَ حمزة خواصر شارفَيَّ (١)، فطفق النبي ﷺ يلوم حمزة، فإِذا حمزة ثَمِلٌ محمرّة عيناه، ثمّ قال حمزة: وهل أنتم إِلا عبيد لأبي؟ فعرف النّبيّ ﷺ أنه قد ثَمِلَ، فخرج وخرجنا معه. وقال عثمان: ليس لمجنون ولا لسكران طلاق. وقال ابن عباس: طلاقُ السكران والمستَكرَه ليس بجائز، وقال عقبة بن عامر: لا يجوز طلاق الموسوس، وقال عطاء: إِذا بدا بالطلاق فله شرطه، وقال نافع: طلق رجلٌ امرأته البتة إِن خرجت، فقال ابن عمر: إِن خرجت فقد بُتَّت منه، وإِن لم تخرج فليس بشيء، وقال الزُّهري فيمن قال: إِن لم أفعل كذا وكذا فامرأتي طالق ثلاثاً: يُسأل عمَّا قال وعقد عليه قلبه حين حلف بتلك اليمين، فإِن سمَّى أجلاً أراده وعقد عليه قلبه حين حَلَف؛ جُعلَ ذلك في دينه وأمانته، وقال إِبراهيم: إِن قال لا حاجة لي فيك نيته ... وقال الحسن: إِذا قال: الحَقي بأهلك نيته. وقال ابن عباس: الطلاق عن وطَر (٢)، والعتاق ما أُريد به وجه الله. وقال الزهري: إِن قال: ما أنت بامرأتي نيته، وإن نوى طلاقاً فهو ما نوى. وقال عليٌّ: ألم تعلم أن القلم رُفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ، وقال عليّ: وكلُّ الطلاق جائز إِلا طلاق المعتوه". ثمّ ذكر الإِمام البخاري ﵀ حديث جابر ﵁ "أنّ رجلاً مِن أسلم أتى النّبيّ ﷺ وهو في المسجد فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه،

стр. 1895

فتنحَّى لشقه الذي أعرض فشهد على نفسه أربع شهادات، فدعاه فقال: هل بك جُنون؟ هل أُحصنت؟ قال: نعم، فأمر به أن يرجم بالمصلّى، فلمّا أذْلَقَتْهُ الحجارة؛ جمز (١) حتى أُدرك بالحرّة فقتل" (٢). قلت: مراد الإِمام البخاري ﵀ من إِيراد هذا الحديث تحت هذا الباب؛ أن من به جنون وشهد على نفسه بالزنى فلا يقام عليه الحدّ، فمن باب أولى ألا يقع منه الطلاق، والله أعلم. قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٩/ ٣٨٩): "اشتملت هذه الترجمة [أي: ترجمة الباب] على أحكام يجمعها أن الحكم إِنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر، وشمل ذلك الاستدلال بالحديث؛ لأن غير العاقل المختار لا نية له فيما يقول أو يفعل، وكذلك الغالط والناسي والذي يُكره على الشيء". وفيه (ص٣٩٠): "واحتج عطاء بآية النحل: ﴿إِلا من أُكره وقلبُه مُطمئن بالإِيمان﴾ قال عطاء: الشرك أعظم من الطلاق، أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح وقرره الشافعي بأن الله لما وضع الكفر عمن تلفظ به حال الإِكراه، وأسقط عنه أحكام الكفر؛ فكذلك يسقط عن المكره ما دون الكفر؛ لأن الأعظم إِذا سقط سقط ما هو دونه بطريق الأولى، وإلى هذه النكتة أشار البخاري بعطف الشرك على الطلاق في الترجمة". وفي طلاق السكران خلاف بين العلماء، والسُّكر -عياذاً بالله- متفاوِتٌ في تأثيره.

стр. 1896

قال الحافظ (٩/ ٣٩٠): "وقد يأتي السكران في كلامه وفِعله بما لا يأتي به وهو صاح لقوله -تعالى-: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ (١) فإِن فيها دلالة على أن من علم ما يقول لا يكون سكراناً". وهذا كلام قويّ يجعلنا نحكم على وقوع طلاق السكران الذي يعلم ما قال، وعدم وقوع طلاق السكران الذي لا يعلم ما قال. وربما أقَرَّ هذا السكران بعد يقظته أنه طلّق وأنه متيقّظ لما قال، وربّما أنكر ذلك، فإِنكاره قد يدلُّ على ذَهاب عقْله. والله -تعالى- أعلم. طلاق الهازل: يقع طلاق الهازل؛ كالجادّ. فعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "ثلاث جِدّهن جِدّ وهزلهن جِدّ: النكاح والطلاق والرجعة" (٢). جاء في "الروضة الندية" (٢/ ٩٩ - ١٠٠) في معنى الهازل والجاد: "وهو الذي يتكلّم من غير قصد لموجبه وحقيقته؛ بل على وجه اللعب، ونقيضه الجاد من الجِد بكسر الجيم وهو نقيض الهزل". قال ابن القيّم ﵀ في "إِعلام الموقعين" (٣/ ١٣٦): "فأمَّا طلاق الهازل فيقع عند الجمهور، وكذلك نكاحه صحيح كما صرح به النص، وهذا

стр. 1897

هو المحفوظ عن الصحابة والتابعين، وهو قول الجمهور، وحكاه أبو حفص أيضاً عن أحمد، وهو قول أصحابه، وقول طائفة من أصحاب الشافعي، وذكر بعضهم أن الشافعي نصَّ على أن نكاح الهازل لا يصح بخلاف طلاقه، ومذهب مالك الذي رواه ابن القاسم عنه، وعليه العمل عند أصحابه أن هزل النكاح والطلاق لازم، بخلاف البيع". الطلاق قبل الزواج: لا يقع الطلاق قبل النكاح؛ كان يقول الرجل: إِنْ تزوجت فلانة فهي طالق. عن عبد الله بن عمرو أنّ النّبيّ ﷺ قال: "لا طلاق إِلا فيما تملك" (١). وقال الإِمام البخاري (٢) ﵀: "باب لا طلاق قبل نكاح، وقول الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدُّونها فمتعوهنّ وسرّحوهنّ سراحاً جميلاً﴾ (٣). وقال ابن عباس: جعل الله الطلاق بعد النكاح، ويروى في ذلك عن عليّ وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبان بن عثمان وعليّ بن حسين وشريح وسعيد بن جبير

стр. 1898

والقاسم وسالم وطاوُس والحسن وعكرمة وعطاء وعامر بن سعد وجابر بن زيد ونافع بن جبير ومحمد بن كعب وسليمان بن يسار ومجاهد والقاسم بن عبد الرحمن وعمرو بن هرم والشعبيّ أنها لا تطلق (١) ". وعنه ﵄ قال: "لا طلاق إلاَّ بعد نكاح، ولا عتق إِلا بعد ملك" (٢). وعن ابن عباس ﵄ أيضاً قال: "ما قالها ابن مسعود، وإن يكن قالها فزلَّة من عالم، في الرجل يقول؛ إِن تزوجت فلانة فهي طالق، قال الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ﴾، ولم يقل: إِذا طلقتم المؤمنات ثمّ نكحتموهنّ" (٣). جاء في "المحلّى" (١١/ ٥٢٩): "ومن قال: إِنْ تزوجتُ فلانة فهي طالق، أو قال: فهي طالقٌ ثلاثاً فكلُّ ذلك باطل، وله أن يتزوّجها ولا تكون طالقاً؛ وكذلك لو قال: كلُّ امرأة أتزوجها فهي طالق -وسواءٌ عيَّن مدّة قريبة أو بعيدة أو قبيلة أو بلدة- كل ذلك باطل لا يلزم، وقد اختلف الناس في هذا ... ".

стр. 1899

ثمّ قال ﵀ (ص ٥٣٠). "ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج قال: سمعتُ عطاءً يقول: قال ابن عباس: لا طلاق إِلا من بعد نكاح، قال عطاء: فإِن حلف بطلاق ما لم ينكح فلا شيء قال ابن جريج. بلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول: إِن طلق ما لم ينكح فهو جائز؟ فقال ابن عباس: أخطأ في هذا؛ إِن الله يقول: ﴿إِذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ﴾، ولم يقل: إِذا طلقتم المؤمنات ثمّ نكحتموهنّ". ثمّ ذكر بعض الآثار المتعلِّقة بذلك. بماذا يقع الطلاق: يقع الطلاق بكل ما يدل على إِنهاء العلاقة الزوجية، سواءٌ أكان ذلك باللفظ، أم بالكتابة إِلى الزوجة، أم بالإِشارة من الأخرس، أو بإِرسال رسول. وجاء في تبويب سنن النسائي (١): (باب الطَّلاق بالإِشارة المفهومة)؛ ثمَّ ذكر حديت أنس ﵁ قال: "كان لرسول الله ﷺ جار فارسيّ؛ طيِّب المرقة، فأتى رسولَ الله ﷺ ذات يومٍ وعنده عائشة، فأومأ إِليه بيده: أن تعال، وأومأ رسول الله ﷺ إِلى عائشة؛ أي: وهذه؟ فأومأ إِليه الآخر هكذا بيده: أن لا؛ مرَّتين أو ثلاثاً ... " (٢).

стр. 1900

الطلاق باللفظ: واللفظ قد يكون صريحاً، وقد يكون كناية، فالصريح هو الذي يُفهم من معنى الكلام عند التلفظ به، مثل: أنت طالق، ومطلقة، وكل ما اشتق من لفظ الطلاق. ولو قال من طلَّق بلفظٍ صريح: لم أُرِد الطلاق ولم أقصده؛ وإِنما أردت معنى آخر؛ لا يُصدّق قضاءً، ويقع طلاقه (١). الطلاق بالكناية: يقع الطلاق بالكناية مع النية. عن عائشة ﵂ "أنّ أبنة الجَوْنِ لما أُدخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: لقد عُذتِ بعظيم، الحقي بأهلك" (٢). وعن كعب بن مالك ﵁ في قصة تخلُّفه قال: " .. إِذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني فقال: إِن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أُطلّقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها ... فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك" (٣). فكلمة "الحقي بأهلك" أفادت في الحديث الأول الطلاق مع القصد، ولم

стр. 1901

تُفِد الطلاق في الحديث الثاني لعدم القصد. *والحاصل أن "ما يحتمل الطلاق وغيره، مثل: أنتِ بائن، فهو يحتمل البينونة عن الزواج، كما يحتمل البينونة عن الشر، ومثل: أمرك بيدك، فإِنها تحتمل تمليكها عصمتها ... كما تحتمل تمليكها حرية التصرّف. عن أبي الحلال أنّه وفد إِلى عثمان فقال قلت: "رجلٌ جعَل أمْرَ امرأته بيدها؟ قال: فأمْرها بيدها" (١). وقال الزهري: إِن قال: ما أنتِ بامرأتي نيّته، وإن نوى طلاقاً فهو ما نوى (٢). ومثل: أنتِ عليّ حرام، فهي تحتمل حرمة المتعة بها، وتحتمل حرمة إِيذائها ... والصريح: يقع به الطلاق من غير احتياج إِلى نية تبين المراد منه، لظهور دلالته ووضوح معناه. ولو قال الناطق بالكناية: لم أنوِ الطلاق بل نويت معنى آخر؛ يُصدّق قضاءً، ولا يقع طلاقه لاحتمال اللفظ معنى الطلاق وغيره. والذي يُعيِّن المراد هو النيّة والقصد* (٣). والحديثان المتقدمان دليل ذلك.

стр. 1902

حُكم الطلاق بلفظ التحريم: لا يقع الطّلاق بالتحريم إِذا لم يُرِد الطّلاق. عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁: "أنه كان يقول في الحرام: يمينٌ يكفّرها. وقال ابن عباسٍ: " ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة﴾ (١) " (٢). وفي لفظ: "إِذا حرَّم الرَّجل عليه امرأته؛ فهي يمينٌ يكفِّرها" (٣). وجاء في تبويب "صحيح مسلم" (باب وجوب الكفّارة على من حرّم امرأته ولم ينوِ الطلاق)، ثمَّ ذكر أثر ابن عباس ﵄. جاء في "الروضة" (٢/ ١٢٠): "وفي هذه المسألة مذاهب قد ذكر الحافظ ابن القيّم منها ثلاثة عشر مذهباً، وقال: إِنها تزيد على عشرين مذهباً، والذي أرجِّحُه منها: هو أن التحريم ليس من صرائح الطلاق، ولا من كناياته، بل هو يمين من الإِيمان كما سمَّاه الله في كتابه، فقال: ﴿يا أيها النّبيّ لِمَ تُحرّم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تَحِلّة أيمانكم﴾ (٤) فهذه الآية مصرحة بأن التحريم يمين، والسبب وإن كان

стр. 1903

خاصّاً وهو العسل (١)، الذي حرَّمه على نفسه، أو الأَمَة التي كان يطؤها؛ فلا اعتبار بخصوص السبب، فإِنَّ لفظ: ﴿ما أحل الله لك﴾ عامّ، وعلى فرض عدم العموم فلا فرق بين الأعيان التي هي حلال". وفيه (ص ١٢١): "وفي الباب عن جماعة من الصحابة في تفسير الآية بمثل ما ذكرناه، وبالجملة: الحق ما ذكَرناه، وقد ذهب إِليه جماعة من الصحابة، ومن بعدهم، وجميع أهل الظاهر، وأكثر أصحاب الحديث، وهذا إِذا أراد تحريم العين، وأمَّا إِذا أراد الطلاق بلفظ التحريم؛ غير قاصد لمعنى اللفظ؛ بل قصد التسريح فلا مانع من وقوع الطلاق بهذه الكناية كسائر الكنايات". الطلاق بالكتابة: الكتابة من الوسائل التي تُعبّر عمّا في القلب كما يعبّر اللسان، وكثير من الخير والشرّ انتشر عن طريق الكتابة، وتشهد البشريَّة الآن كيف ينتشر الخير

стр. 1904

والشر؛ عقيدةً ومنهجاً وسلوكاً من خلال الكتابة المجرّدة عن النطق؛ بالإِفادة من التقنيات الحديثة وتطوّر الأجهزة وتقدّم العلوم. والطّلاق فرْع من ذلك وجزء منه، فمن كتَب إِلى زوجه: أنتِ طالق مثلاً؛ مضى هذا الطلاق. وهذا كما لو كتَب شخص عبارةً أخبرَ فيها أنه يبغض الله ورسوله ﷺ ، فهذا يُحكم عليه بالخروج عن الإِسلام، ولا يُقال: لا يُحكَم عليه بالكفر إِلا أن ينطِق بذلك!! جاء في "المحلَّى" (١١/ ٥١٤): "وقد اختلف الناس في هذا: فروينا عن النخعي والشعبي والزهري إِذا كتب الطلاق بيده فهو طلاق لازم، وبه يقول الأوزاعي، والحسن بن حي، وأحمد بن حنبل. وروينا عن سعيد بن منصور نا هشيم أنا يونس، ومنصور عن الحسن، في رجل كتب بطلاق امرأته ثمّ محاه؟ فقال: ليس بشيء إِلا أن يمضيه، أو يتكلم به. وروينا عن الشعبي مثله. وصح أيضاً عن قتادة. وقال أبو حنيفة: إنْ كتب طلاق امرأته في الأرض لم يلزمه طلاق وإن كتبه في كتاب ثمّ قال: لم أنوِ طلاقاً؛ صُدِّقَ في الفتيا، ولم يُصَدَّق في القضاء. وقال مالك: إِنْ كَتَبَ طلاقَ امرأته؛ فإِن نوى بذلك الطلاق فهو طلاق، وإن لم ينو به طلاقاً فليس بطلاق، وهو قول الليث، والشافعي. قال أبو محمد: قال الله -تعالى-: ﴿الطلاق مرتان﴾ (١)، وقال -تعالى-:

стр. 1905

﴿فطلقوهنّ لعدتهنّ﴾ (١)، ولا يقع في اللغة التي خاطبنا الله -تعالى- بها ورسوله ﵌ اسم تطليق على أن يكتب إِنما يقع ذلك اللفظ به فصح أن الكتاب ليس طلاقاً حتى يلفظ به إِذ لم يوجب ذلك نص. وبالله -تعالى- التوفيق". انتهى. قلت: ومن خلال الآثار التي ذكَرها ابن حزم ﵀ هناك من قال بوقوع الطلاق كما هو في الأثرين الأوليين لأنه لو لم يمْحُه لمضى، كما صرّح بقوله: "ليس بشيء إِلا أن يُمضيه" يعني: يتراجع عن المحو ويعيده حالته الأولى. وكذا الأثر الثالث لقوله: وروّينا عن الشعبي مثله، وصحّ أيضاً عن قتادة، وأمّا قوله: "قال أبو حنيفة: إِن كتَب طلاق امرأته في الأرض لم يلزمه طلاق وإنْ كتبه في كتاب ثمّ قال: لم أنوِ طلاقاً، صدق في الفتيا ولم يصدق في القضاء. فالكلام الآن متعلّق بالنيّة لا بالكتابة، فماذا إِذا كتب وقال: نويت الطّلاق؟ فهذا يُفضي في رأي الإِمام أبي حنيفة ﵀ إِلى أنه صدِّق في الفتيا والقضاء. وأمّا قوله: "قال الإِمام مالك: إِن كتَبَ طلاق امرأته؛ فإِن نوى بذلك الطلاق فهو طلاق، وإن لم ينو به طلاقاً فليس بطلاق؛ وهو قول الليث، والشافعي". فهو كالمسألة التي قبلها بمعنى أن الكتابة معتبرة. وأمّا استدلاله بقوله -تعالى-: ﴿الطلاق مرتان﴾ فالكلام عن العدد لا عن

стр. 1906

الكيف فقد تكونان بالكتابة، أو اللفظ، وقد تكون إِحداهما بالكتابة والأُخرى باللفظ. وكذا استدلاله بقوله -تعالى-: ﴿فطلّقوهنّ لعدَّتهن﴾ فالكلام عن العدّة والمدّة، والحال التي يصلّقها عليه؛ لا عن كيفية الطلاق لفظاً أو كتابة. وأمّا قوله: ولا يقع في اللغة التي خاطبنا الله -تعالى- بها ورسوله ﵌ اسم تطليق على أن يكتب إِنما يقع ذلك اللفظ به فصح أن الكتاب ليس طلاقاً حتى يلفظ به إِذ لم يوجب ذلك نص. فأقول: اللغة لفظ وكتابة، فماذا يقول في مِثل قوله -تعالى-: ﴿إِنّي أُلقي إِليّ كتاب كريم إِنه من سليمان وإِنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ (١) -وهذا كلّه كان كتابةً- فهل يقول: إِنه ليس من اللغة. وهناك كلام حول وجوب شاهدين عدلين لإِثبات الكتاب بالطلاق ... فارجع إِليه -إِن شئت التفصيل- في كتاب "المغني" (٨/ ٤١٥). طلاق الأبكم ومن لا يُحسن العربية: "يطلّق من لا يُحسن العربية بلغته؛ باللفظ الذي يترجم عنه في العربية بالطلاق، ويطلق الأبكم والمريض بما يقدر عليه من الصوت أو الإِشارة؛ التي يوقن بها من سمعهما قطعاً أنهما أرادا الطلاق. وبرهان ذلك: قول الله : ﴿لا يكلّف الله نفساً إِلا وسعها﴾ (٢)، وقول رسول الله ﵌: "إِذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما

стр. 1907

استطعتم". فصحّ أن ما ليس في وسع المرء ولا يستطيعه فقد سقط عنه، وأنه يؤدي مما أمر به ما استطاع فقط. وبالله -تعالى- التوفيق" انتهى (١). طلاق كلّ قوم بلسانهم: قال الإمام البخاري ﵀ ... قال إِبراهيم [هو: النخعي]: " ... وطلاق كلّ قوم بلسانهم" (٢). إذا طلّق في نفسه فلا يقع الطلاق: عن أبي هريرهّ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنّ الله تجاوز عن أمّتي ما حدَّثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تتكلَّم" (٣). وقال قتادة: "إذا طلَّق في نفسه فليس بشيء". قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٩/ ٣٩٤): "وصله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة والحسن قالا: من طلق سرَّاً في نفسه فليس طلاقه ذلك بشيء، وهذا قول الجمهور وخالفهم ابن سيرين وابن شهاب فقالا: تطلق، وهي رواية

стр. 1908

عن مالك (١). قلت: وقول الجمهور هو الأرجح؛ لأنّ النّكاح كما لا يكون في النّفس فالطّلاق كذلك والحديث المتقدِّم: "إِن الله تجاوز عن أمَّتي .. " بيِّن الدّلالة. وإيراد الإِمام البخاري ﵀ تحت باب الطَّلاق في الإِغلاق والكره ... يدلُّ على عدم وقوعه لأنَّه داخلٌ في الباب نفسه، والله أعلم. الوكالة في الطلاق: وما مضى عن الوكالة في النكاح يمضي في الطلاق ولا فرق. والله -تعالى- أعلم. التعليق والتنجيز (٢): (٣) صيغة الطلاق، إِمّا أن تكون مُنَجَّزة، وإمّا أن تكون مُعلّقة، وإمّا أن تكون مضافة إِلى مستقبل. فالمنجزة، هي الصيغة التي ليست معلّقة على شرط، ولا مضافة إِلى زمن مستقبل، بل قَصد بها من أصدرها وقوع الطلاق فى الحال، كأن يقول الزوج لزوجته: أنتِ طالق. وحُكم هذا الطلاق، أنه يقع في الحال متى صدر من أهله، وصادف محلاً له. وأمّا المعلَّق، وهو ما جعل الزوج فيه حُصولَ الطلاقِ معلّقاً على شرط، مِثل

стр. 1909

أن يقول الزوج لزوجته: إِنْ ذهبتِ إِلى مكان كذا، فأنتِ طالق. ويُشترط في صحة التعليق، ووقوع الطلاق به ثلاثة شروط: الأول: أن يكون على أمر معدوم، ويمكن أن يوجد بعد، فإِنْ كان على أمر موجود فعلاً، حين صدور الصيغة، مثل أن يقول: إِنْ طلع النهار، فأنت طالق. والواقع أن النهار قد طلع فعلاً، كان ذلك تنجيزاً، وإنْ جاء في صورة التعليق. فإِنْ كان تعليقاً على أمْرٍ مستحيل، كان لغواً مثل: إِنْ دخَل الجمل في سمّ الخياط، فأنتِ طالق. الثاني: أن تكون المرأة -حين صدور العقد- محلاً للطلاق، بأن تكون في عصمته. الثالث: أن تكون كذلك، حين حصول المعلّق عليه. والتعليق قسمان: القسم الأول: يُقصد به ما يقصد من القَسم، للحَمل على الفعل أو الترك، أو تأكيد الخبر، ويسمّى التعليق القَسَمِيَّ، مِثل أن يقول لزوجته: إِنْ خرجت، فأنت طالق. مريداً بذلك منْعها من الخروج إِذا خَرَجَت، لا إِيقاع الطلاق (١). القسم الثاني: ويكون القصد منه إِيقاع الطلاق عند حصول الشرط، ويُسمّى التعليق الشرطي، مِثل أن يقول لزوجته: إِن أبرأتني من مؤخر

стр. 1910

صداقك، فأنت طالق. وهذا التعليق -بنوعيه- واقع عند جمهور العلماء، ويرى ابن حزم أنه غير واقع. وفصَّل ابن تيمية، وابن القيّم، فقالا: إِنّ الطلاق المعلق الذي فيه معنى اليمين، غير واقع، وتجب فيه كفّارة اليمين إِذا حصل المحلوف عليه؛ وهي إِطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإِنْ لم يجد، فصيام ثلاثة أيام. وقالا في الطلاق الشرطي: إِنه واقع عند حصول المعلَّق عليه. قال شيخ الإِسلام ﵀: والألفاظ، التي يتكلم بها الناس في الطلاق، ثلاثة أنواع: الأول: صيغة التنجيز والإِرسال، كقوله: أنتِ طالق. فهذا يقع به الطلاق، وليس بحلف، ولا كفّارة فيه، اتفاقاً. الثاني: صيغة تعليق، كقوله: الطلاق يلزمني، لأفعلنّ هذا. فهذا يمين، باتفاق أهل اللغة، واتفاق طوائف العلماء، واتفاق العامّة. الثالث: صيغة تعليق، كقوله: إِن فعلتُ فامرأتي طالق. فهذا إِن قصد بِهِ اليمين، وهو يكره وقوع الطلاق، كما يكره الانتقال عن دينه، فهو يمين، حُكمه حُكم الأوَّل، الذي هو صيغة القسم؛ باتفاق الفقهاء. وإنْ كان يريد وقوع الجزاء عند الشرط، لم يكن حالفاً، كقوله: إِنْ أعطيتني ألفاً، فأنتِ طالق وإذا زنيتِ فأنتِ طالق. وقصد إِيقاع الطلاق عند وقوع الفاحشة، لا مجرد الحلف عليها، فهذا ليس بيمين، ولا كفّارة في هذا عند

стр. 1911

أحد من الفقهاء -فيما عَلِمناه- بل يقع به الطلاق إِذا وُجدَ الشرط. *وسألت شيخنا الألباني ﵀: ماذا إِذا قال: إِذا فعلتِ كذا فأنتِ طالق؟ فأجاب ﵀ "إِذا وقع الشَّرط وكان قصده تأديبها فلا يقع الطَّلاق، وإِذا وقع الشرط وكان يقصد الطَّلاق؛ فلا بُدَّ من إِشهادٍ إنْ أراد الطَّلاق؛ وإلا فلا يقع هذا الطَّلاق". وقال ﵀ في بعض مجالسه في موضعٍ آخر: "إِذا علَّق الطَّلاق من باب التَّخويف ولا يقصد التَّطليق؛ مثلاً عنده زوجة كثيرة الزِّيارات ووعظها، فمن باب التَّخويف قال لها: "إِن زرت؛ فأنتِ طالق" يريد تربيتها فهنا لا يقع الطَّلاق. أمّا إِنْ رأى امرأته مع جاره، فقال: إِن رأيتك مع الجار طلَّقتكِ، فإِنَّه يقع الطَّلاق؛ لأنَّه يقصد الطَّلاق"* (١) انتهى. وأمّا ما يقصد به الحضّ، أو المنع، أو التصديق، أو التكذيب بالتزامه -عند المخالفة- ما يكره وقوعه؛ سواء كان بصيغة القسم، أو الجزاء، فهو يمين عند جميع الخلق، من العرب وغيرهم. وإنْ كان يميناً، فليس لليمين إِلا حُكمان: إِمّا أن تكون منعقدة، فتكفّر، وإمّا ألا تكون منعقدة، كالحلف بالمخلوقات، فلا تُكفّر. وأمّا أن تكون يميناً منعقدة محترمة، غير مكفّرة، فهذا حُكم ليس في كتاب الله، ولا سنّة رسول الله ﷺ ، ولا يقوم عليه دليل.

стр. 1912

وأمّا الصيغة المضافة إِلى مستقبل؛ فهي ما اقترنت بزمن، يقصد وقوع الطلاق فيه متى جاء، مثل أن يقول الزوج لزوجته: أنت طالق غداً أو إِلى رأس السنة فإِنّ الطلاق يقع في الغد، أو عند رأس السنة، إِذا كانت المرأة في ملكه عند حلول الوقت، الذي أضاف الطلاق إِليه. قال الإِمام البخاري ﵀. "قال عطاء: إِذا بدا بالطلاق فله شرطه. وقال نافع: طلق وجلٌ امرأتَهُ البتة إن خرجت، فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بُتَّت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء. وقال الزهريّ فيما قال: إن لم أفعل كذا وكذا فامرأتي طالق ثلاثاً: يُسأل عمّا قال وعقد عليه قلبه حين حلف بتلك اليمين، فإِن سمّى أجلاً أراده وعقد عليه قلبه حين حلف؛ جعل ذلك في دينه وأمانته. وقال قتادة: إِذا قال: إِذا حملت فأنت طالق ثلاثاً يغشاها عند كل طهرٍ مرة، فإِن استبان حملها فقد بانت منه" (١). وسألت شيخنا ﵀ عن رجل فَعَل الفاحشة -عياذاً بالله- وقال لزوجه: إِذا أخبرْتِ أحداً؛ فأنت طالق؛ ثم أخبرَت، فهل تُطلَّق؟ فأجاب ﵀: أيّ طلاق لا يقع إِلا بشاهدَين. انتهى (٢).

стр. 1913

الطلاق السُّني والبدعي يقسم الطلاق إلى قِسمين: ١ - الطلاق السُّنّي: وهو أن يطلّقها في طُهرها الذي لم يجامِعها فيه، أو أن تكون حاملاً قد استبان حمْلها ويطلقها طلقة واحدة؛ أو كانت يائسةً من المحيض، أو لمَّا تَحِضْ؛ ولو جامعها؛ لعدم وقوع الحمل. وأمّا اشتراط ألا تكون حائضاً فلقوله -سبحانه-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلقتم النساء فطلّقوهن لعدّتهنّ﴾ (١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " ﴿فطلّقوهن لعدّتهنّ﴾ قال: طاهراً في غير جماع" (٢). وعن عبد الله ﵁ أيضاً أنَّه قال: "طلاق السنَّة تطليقها وهي طاهر؛ في غير جماع، فإِذا حاضت وطهرت؛ طلَّقها أخرى؛ فإِذا حاضت وطهرت طلَّقها أخرى؛ ثمَّ تعتدَّ بعد ذلك بحيضة (٣) ".

стр. 1914

وجاء في "المغني": (٨/ ٢٣٦) بعد أن ذكر الأثر السَّابق: "ولنا ما روي عن علي ﵁ أنه قال: لا يطلِّق أحد للسنَّة فيندم. رواه الأثرم وهذا إِنَّما يحصل في حقّ من لم يطلِّق ثلاثاً". ولقوله- ﵊ في حديث ابن عمر ﵄: " ... ثمّ ليمسكها حتى تطهر، ثمّ تحيض ثمّ تطهر، ثمّ إِن شاء أمسك بعد، وإِن شاء طلّق قبل أن يمسّ، فتلك العِدَّة التي أمر الله أن تطلّق لها النساء" (١). وأمّا اشتراط أن تكون في طُهر لم يجامِعها فيه فلقوله ﷺ : "وإن شاء طلّق قبل أن يمسّ" يعني في ذلك الطُّهر. ودليل كونها حاملاً: حديث ابن عمر ﵄: "أنه طلّق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنّبيّ ﷺ فقال: مُرْهُ فليراجعها ثمّ ليطلقها طاهراً أو حاملاً" (٢). وأمّا اشتراط ألا يطلّقها في ذلك الطُّهر أكثر من طلقة فلقوله -تعالى-: ﴿الطلاق مرّتان﴾ قال ابن القيّم ﵀ في "الزاد" (٥/ ٢٤٤): "ولم يشرع الله -سبحانه- إِيقاع الثلاث جُملة واحدة ألبتة؟ قال -تعالى-: ﴿الطلاق مرّتان﴾، ولا تعقل العرب في لغتها وقوع المرتين إِلا متعاقبتين، كما قال النّبيّ ﷺ : "من سبّح الله في دُبُرِ كلّ صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله

стр. 1915

ثلاثاً وثلاثين، وكبّر الله ثلاثاً وثلاثين" (١)، ونظائره فإِنه لا يُعقل من ذلك إِلا تسبيح وتكبير وتحميد متوالٍ يتلو بعضه بعضاً، فلو قال: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين بهذا اللفظ، لكان ثلاث مرات فقط. وأصرح من هذا قوله -سبحانه-: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إِلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ (٢) فلو قال: أشهد بالله أربع شهادات إِني لمن الصادقين، كانت مرّة، وكذلك قوله: ﴿ويدرأُ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إِنّه لمن الكاذبين﴾ (٣) فلو قالت: أشهد بالله أربع شهادات إِنه لمن الكاذبين، كانت واحدة، وأصرح من ذلك قوله -تعالى-: ﴿سنعذّبهم مرتين﴾ (٤) فهذا مرة بعد مرة. ومما يدل على أنّ الله لم يشرع الثلاث جملة، أنه ﵎ قال: ﴿والمطلقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ إِلى أن قال: ﴿وبعولتهنّ أحقُّ بردّهنّ في ذلك إِنْ أرادوا إِصلاحاً﴾ (٥)، فهذا يدلُّ على أن كلّ طلاق بعد الدخول، فالمطلّق أحقُّ فيه بالرجعة سوى الثالثة المذكورة بعد هذا، وكذلك قوله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلّقتم النّساء فطلّقوهنّ لعدتهنّ﴾ إِلى

стр. 1916

قوله: ﴿فإِذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف﴾ (١) فهذا هو الطلاق المشروع. وقد ذكَر الله أقسام الطلاق كُلها في القرآن، وذكر أحكامها، فذكَر الطلاق قبل الدخول، وأنه لا عدّة فيه، وذكَر الطلقة الثالثة، وأنها تُحرِّم الزوجة على المطلِّق حتى تنكح زوجاً غيره، وذكَر طلاق الفداء الذي هو الخلع، وسمَّاه فدية، ولم يحسبه من الثلاث ... وذكر الطلاق الرجعيّ الذي المُطلِّق أحقُّ فيه بالرجعة، وهو ما عدا هذه الأقسام الثلاثة. ٢ - الطّلاق البدعي: وهو أن يطلّقها في حيضٍ أو نفاس أو في طُهرٍ جامعَها فيه ولا يدري أحملت أم لا، أو أن يطلّقها ثلاثاً فيقول: أنت طالق ثلاثاً أو يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. طلاق الآيسة والصغيرة ومنقطعة الحيض: وطلاق هؤلاء إِنَّما يكون للسُّنّة؛ إِذا كان طلاقاً واحداً؛ ولا يشترط له شرطٌ آخر غير ذلك (٢). وجاء في "المحلّى" (١١/ ٤٥٢): "وأمّا التي لم تحض -أو قد انقطع حيضها- فإِن الله أجمل لنا إِباحة الطلاق، وبين لنا طلاق الحامل، وطلاق التي تحيض، ولم يَحُدَّ لنا -تعالى- في التي لم تحض، ولا في التي انقطع حيضها حداً، فوجب أنه -تعالى- أباح طلاقها متى شاء الزوج، إِذ لو كان له

стр. 1917

في وقت طلاقها شرع لبيَّنه علينا". هل يقع طلاق الحائض ؟ جاء في "الروضة الندية" (٢/ ١٠٥): "هذه المسألة من المعارك التي لا يجول في حافاتها إِلا الأبطال، ولا يقف على تحقيق الحق في أبوابها إِلا أفراد الرجال، والمقام يضيق عن تحريرها على وجه ينتج المطلوب. فمن رام الوقوف على سرِّها؛ فعليه بمؤلَّفات ابن حزم كـ "المحلّى" ومؤلَّفات ابن القيِّم كـ "الهدي". وقد جمع السيد العلامة محمد بن إِبراهيم الوزير في ذلك مصنَّفاً حافلاً، وجمع الإِمام الشوكاني رسالة ذكَر فيها حاصل ما يحتاج إِليه من ذيول المسألة، وقرر ما ألهم الله إِليه، وذكر في "شرح المنتقى" أطرافاً من ذلك. وخلاصة ما عوَّل عليه القائلون بوقوع الطلاق البدعي؛ هو اندراجه تحت الآيات العامَّة، وتصريح ابن عمر بأنها حسبت تلك طلقة. وأجاب القائلون بعدم الوقوع عنهم بمنع اندراجه تحت العمومات لأنه ليس من الطلاق الذي أذن الله به؛ بل هو من الطلاق الذي أمر الله بخلافه قال: ﴿فطلِّقوهنّ لعدتهنّ﴾. وقال ﷺ : "مره فليراجعها". وصح أنه غضب عند أن بلغه ذلك، وهو لا يغضب مما أحلَّه الله ... " (١). وقد خاض غمار هذه المعركة شيخنا ﵀ فانظر ما فصّله في "الإِرواء" تحت الحديث (٢٠٥٩) في قرابة أربع عشرة صفحة أفاض فيها بالطُّرق والروايات والألفاظ؛ أحاديث وآثاراً ثمّ بدأ ﵀ بالترجيح

стр. 1918

بطريقة عجيبة تروي الغليل؛ مفيداً من علم مصطلح الحديث والفقه وأصوله، فارجع إِلى المصدر المشار إِليه للمزيد من الفائدة. والحاصل أنه رأى إيقاع طلاق الحائض، وانظر ما قاله (٨/ ١٣٣) في إِجابته على ابن القيّم -رحمهما الله تعالى- في عدم وقوعها. والنصّ المشار إِليه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أنّه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك فقال رسول الله ﷺ : مُره فلْيراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثمّ تحيض ثمّ تطهر، ثمّ إِن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق بها النساء" (١). جاء في "المغني" (٨/ ٢٣٧): "فإِنْ طلَّق للبدعة وهو أن يطلقها حائضاً، أو في طهر أصابها فيه؛ أثِم ووقع طلاقه في قول عامَّة أهل العلم. قال ابن المنذر وابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إِلا أهل البدع والضلال وحكاه أبو نصر عن ابن علية وهشام بن الحكم والشيعة قالوا: لا يقع طلاقه لأنّ الله -تعالى- أمر به في قبل العدة فإِذا طلّق في غيره لم يقع كالوكيل إِذا أوقعه في زمن أمره موكله بإِيقاعه في غيره ولنا حديث ابن عمر أنّه طلق امرأته وهي حائض فأمره النّبيّ ﷺ أن يراجعها ... ". عدد الطلقات: إِذا بنى الرَّجل بأهله ملَك عليها ثلاث طلقات، وأُمِر أن يكون ذلك على

стр. 1919

مرات، قال -سبحانه-: ﴿الطلاق مرتان فإِمساك بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾ (١). قال ابن كَثير ﵀ في "تفسيره": "هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإِسلام، من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته، وإنْ طلّقها مائة مرّة ما دامت في العدّة، فلمّا كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصَرهم الله إِلى ثلاث طلقات، وأباح الرجعة في المرّة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال: ﴿الطَّلاق مَرَّتان فإِمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإِحسان﴾ قال أبو داود ﵀ في "سننه": "باب في نسْخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث". ثمّ ساق بإِسناده إِلى ابن عباس -رضي الله- قال: ﴿والمطلقات يتربَصنّ بأنفسهنَّ ثلاثة قروء ولا يحلُّ أن يكتُمن ما خَلَق الله في أوحامهنّ﴾ (٢)." الآية، وذلك أنّ الرجل كان إِذا طلّق امرأته فهو أحق برجعتها، وإنْ طلقها ثلاثاً، فَنُسِخ ذلك وقال: ﴿الطلاق مرّتان﴾ (٣) " (٤). قال العلاّمة أبو بكر الجصَّاص ﵀: "تضمّنت [الآَية] الأمر بإيقاع

стр. 1920

الاثنتين في مرتين، فمن أوقع الاثنتين في مرّة؛ فهو مخالف لحُكمها" (١)، هل يقع طلاق الثلاث جملةً أم يُحسب طلقة ؟ قال الله -تعالى-: ﴿الطلاق مرّتان﴾. وعن ابن عباس ﵄ قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إِن الناس قد استعجلوا في أمرٍ قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم" (٢). وجاء في "الفتاوى" (٣٣/ ٧): "وإن طلَّقها ثلاَثاً في طُهر واحد بكلمة واحدة أو كلمات؛ مِثل أن يقول. أنتِ طالق فلاناً، أو أنتِ طالق وطالق وطالق، أو أنت طالق، ثمّ طالق، ثم طالق. أو يقول: أنت طالق، ثمّ يقول: أنت طالق، ثمّ يقول: أنت طالق، أو يقول: أنت طالق ثلاثاً، أو عشر طلقات أو مائة طلقة، أو ألف طلقة ونحو ذلك من العبارات: فهذا للعلماء من السلف والخلف فيه ثلاثة أقوال، سواء كانت مدخولاً بها أو غير مدخول بها، وكما السلف من فرّق ببن المدخول بها وغير المدخول بها، وفيه قول رابع محدث مبتدع. أحدها: أنه طلاقٌ مباح لازم، وهو قول الشافعي، وأحمد في الرواية القديمة عنه: اختارها الخرقي.

стр. 1921

الثاني: أنه طلاقٌ مُحرَّم لازم وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في الرواية المتأخرة عنه، اختارها أكثر أصحابه، وهذا القول منقول عن كثير من السلف من الصحابة والتابعين، والذي قبله منقول عن بعضهم. الثالث: أنه مُحرَّم، ولا يلزم منه إِلا طلقة واحدة، وهذا القول منقول عن طائفة من السلف والخلف من أصحاب رسول الله ﷺ مِثل الزبير بن العوَّام، وعبد الرحمن بن عوف، ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس القولان؛ وهو قول كثير من التابعين ومن بعدهم: مِثل طاوس وخلاس بن عمرو، ومحمد بن إِسحاق وهو قول داود وأكثر أصحابه؛ ويروى ذلك عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر بن محمد، ولهذا ذهب إِلى ذلك من ذهب من الشيعة، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل. وأمّا القول الرابع الذي قاله بعض المعتزلة والشيعة فلا يعرف عن أحد من السلف، وهو أنه لا يلزمه شيء. والقول الثالث هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة؛ فإِنَّ كلَّ طلاق شرَعَه الله في القرآن في المدخول بها إِنما هو الطلاق الرجعي؛ لم يشرع الله لأحد أن يُطلِّق الثلاث جميعاً، ولم يشرع له أن يطلق المدخول بها طلاقاً بائناً، ولكن إِذا طلقها قبل الدخول بها بانت منه، فإِذا انقضت عدتها بانت منه". وفيه (٣٣/ ٩٢): "وليس في الأدلة الشرعية: الكتاب والسنة والإِجماع والقياس ما يوجب لزوم الثلاث له، ونكاحه ثابت بيقين، وامرأته مُحرَّمة على الغير بيقين، وفي إِلزامه بالثلاث إِباحتها للغير مع تحريمها عليه وذريعة إِلى نكاح

стр. 1922

التحليل الذي حرَّمه الله ورسوله. و"نكاح التحليل" لم يكن ظاهراً على عهد النّبيّ ﷺ وخلفائه. ولم يُنقل قط أنّ امرأة أُعيدت بعد الطلقة الثالثة على عهدهم إِلى زوجها بنكاح تحليل؛ بل "لعَن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له" (١). وفيه (٣٢/ ٣١٠): " ... وكما قال طائفة من السلف فيمن طلّق ثلاثاً بكلمة: هو جاهلٌ بالسُّنة؛ فيُردّ إِلى السُّنة". وفيه (٣٢/ ٣١٢): "وذِكر كلام الناس على "الإِلزام بالثلاث": هل فعَله مَن فَعَلَه من الصحابة لأنه شرع لازم من النّبيّ ﷺ ؟ أو فعله عقوبة ظهور المنكر وكثرته؟ وإِذا قيل: هو عقوبة: فهل موجبها دائم لا يرتفع؟ أو يختلف باختلاف الأحوال؟ وبين أن هذا لا يجوز أن يكون شرعاً لازماً، ولا عقوبة اجتهادية لازمة؛ بل غايته أنه اجتهاد سايغ مرجوح، أو عقوبة عارضة شرعية، والعقوبة إِنما تكون لمن أقدم عليها عالماً بالتحريم. فأمّا من لم يعلم بالتحريم، ولمَّا علمَه تاب منه؛ فلا يستحق العقوبة، فلا يجوز إِلزام هذا بالثلاث المجموعة؛ بل إِنما يلزم واحدة، وهذا إِذا كان الطلاق بغير عِوَض فأمّا إذا كان بعوض فهو فدية". وقال ابن القيّم ﵀ في "إِعلام الموقعين" (٣/ ٤٧): "والمقصود أنّ هذا القول (٢) قد دلّ عليه الكتاب والسّنة والقياس والإِجماع القديم، ولم يأت

стр. 1923

بعده إِجماع يبطله، ولكن رأى أمير المؤمنين عمر ﵁ أنّ الناس قد استهانوا بأمر الطلاق، وكثُر منهم إِيقاعه جملة واحدة؛ فرأى من المصلحة عقوبتهم بإِمضائه عليهم؛ ليعلموا أنّ أحَدَهم إِذا أوقعه جملةً؛ بانت منه المرأة، وحرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة؛ يراد للدوام لا نكاح تحليل، فإِنه كان من أشد الناس فيه، فإِذا علموا ذلك كَفُّوا عن الطلاق المحرّم، فرأى عمر أنّ هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أنّ ما كانوا عليه في عهد النّبيّ ﷺ وعهد الصِّدِّيق وصدراً من خلافته كان الأليق بهم؛ لأنهم لم يتتابعوا فيه، وكانوا يتَّقون الله في الطلاق، وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجاً، فلما تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله وطلّقوا على غير ما شرعه الله ألزمهم بما التزموه عقوبةَ لهم؛ فإِنّ الله -تعالى- إِنّما شرع الطلاق مرة بعد مرة، ولم يشرعه كله مرة واحدة، فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدّى حدود الله، وظلم نفسه، ولعب بكتاب الله، فهو حقيق أن يُعاقب، ويُلْزَمَ بما التزمه، ولا يُقرّ على رخصهّ الله وسعَتِه، وقد صعَّبها على نفسه، ولم يتق الله ولم يُطلِّق كما أمَره الله وشرع له، بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه رحمة منه وإحساناً، ولبّس على نفسه، واختار الأغلظ والأشد؛ فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان، وعلم الصحابة ﵃ حُسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه على ما ألزم به، وصرحوا لمن استفتاهم بذلك ... " (١). وأما فتاوى بعض الصَّحابة ﵃ التي نصّت على إِيقاع من طلّق ثلاثاً في مجلسٍ واحد ووقوعه ثلاثاً؛ ففيها آثار ثابتة.

стр. 1924

فعن مجاهد قال: "جلست عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إِنه طلق امرأته ثلاثاً فسكت حتى ظننت أنه رادّها إليه ثمّ قال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثمّ يقول: يا ابن عباس، وإنَّ الله قال: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً﴾ (١) وإِنك لم تتق الله، فلم أجد لك مخرجاً؛ عصيت ربك فبانت منك امرأتك". وفي زيادة: "وإِنّ الله قال: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلقتم النساء فطلقوهنّ﴾ في قبل عدتهن" (٢). وعن مجاهد أيضاً: "أنّ ابن عباس سُئِلَ عن رجل طلق امرأته مائة، فقال: عصيت ربك وفارقْتَ امرأتك". وفي زيادة: "لم تتق الله فيجعل لك مخرجاً" (٣). وعن ابن عباس ﵄ " أنّ رجلاً طلَّق امرأته ألفاً قال: يكفيك من ذلك ثلاث". وفي زيادة: "وتدَع تسعمائة وسبعاً وتسعين" (٤).

стр. 1925

وعن سعيد بن جبير قال: "جاء رجل إِلى ابن عباس فقال: إِني طلقت امرأتي ألفاً؟ قال: أمّا ثلاث فتحرم عليك امرأتك، وبقيتهن وزر. اتَّخذْتَ آيات الله هزواً" (١). انتهى. قلت: وهذه الآثار في إِيقاع بعض الصحابة ﵃ الطَّلاق جملة واحدة؛ إِنما كانت اجتهاداً في إِمضاء العقوبة، كيلا تفشو وتشيع في النّاس، فإِيقاعها على عدد قليل تأديباً وتربية يعيد واقع الناس إِلى ما كان عليه النّبيّ ﷺ وأبو بكر وأوَّل خلافة: عمر ﵄. وحديث النّبيّ ﷺ هو المقدَّم. فلا تقع هذه الألفاظ، ومع ذلك فقد ثبتَ عن ابن عباس ﵄: "أن الرجل إِذا قال: أنت طالقٌ ثلاثاً بفم واحد فهي واحدة". جاء في "الإِرواء" (٧/ ١٢١): "قال أبو داود: وروى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: "إِذا قال: أنت طالق ثلاثاً بفم واحد، فهي واحدة". ورواه إِسماعيل بن إِبراهيم عن أيوب عن عكرمة هذا قوله، لم يذكر ابن عباس، وجعله قول عكرمة". ثمّ قال أبو داود: "وقول ابن عباس هو أن الطلاق الثلاث تبين من زوجها مدخولاً بها وغير مدخول بها، لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، هذا مثل خبر الصرف قال فيه،

стр. 1926

ثمّ إِنه رجع عنه. يعني ابن عباس". ثمّ ساق أبو داود بإِسناده الصحيح عن طاوس: "أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النّبيّ ﷺ ، وأبي بكر، وثلاثاً من إِمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم". وأخرجه مسلم في "صحيحه" والنسائي وأحمد وغيرهم. قال شيخنا ﵀: "وخلاصة كلام أبي داود أنّ ابن عباس ﵁ كان له في هذه المسألة وهي الطلاق بلفظ ثلاث قولان: أحدهما: وقوع الطلاق بلفظ ثلاث، وعليه أكثر الروايات عنه. والآخر: عدم وقوعه كما في رواية عكرمة عنه، وهي صحيحة. وهي وإنْ كان أكثر الطرق عنه بخلافها، فإِنَّ حديث طاوس عنه المرفوع يشهد لها. فالأخذ بها هو الواجب عندنا، لهذا الحديث الصحيح الثابت عنه من غير طريق، وإنْ خالفه الجماهير، فقد انتصر له شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم وغيرهما، فمن شاء تفصيل القول في ذلك، فليرجع إِلى كتبهما، ففيها الشفاء والكفاية -إِن شاء الله تعالى-". انتهى. قال العلامة أحمد شاكر ﵀ عقب حديث ابن عباس ﵄ بحذف وتصرّف يسير-: "وهذا الحديث أصل جليل من أصول التشريع في الطلاق والبحث فيه من مزالق الأقدام، فإِنه يصادم كثيراً مما يذهب إِليه جمهور العلماء وعامة الدّهماء في الطلاق. وقديماً كان موضع نزاع وخلاف واضطراب، ولشيخ الإِسلام ابن تيمية ثمّ تلميذه الإِمام ابن القيّم الباعُ

стр. 1927

الطويل في شرحه والكلام عليه، ونصرة القول بوقوع الطلاق الثلاث طلقة واحدة فقط، كما هو معروف مشهور. وأول ما نبحث فيه أن نحدد موضع الخلاف بين القائلين بوقوع الطلقات الثلاث مجموعة وبين القائلين وقوعها طلقة واحدة. فالذي يظنه كل الناس، والذي يفهم من أقوال جمهور من تعرضوا لهذا البحث من العلماء: أنهم يريدون بالطلاق الثلاث لفظ (طالق ثلاثاً) وما في معناه، أي: لفظ الطلاق موصوفاً بعدد لفظاً أو إِشارة أو نحو ذلك. ويعتبرون أنَّ الخلاف بين المتقدمين في وقوع الطلاق الثلاث أو عدم وقوعه؛ إِنما هو في هذه الكلمة وما في معناها، بل ويحملون كل ما ورد في الأحاديث والأخبار من التعبير عن إِيقاع طلقات ثلاث على أنه قول المطلِّق: (طالق ثلاثاً). وكل هذا خطأ صرف، وانتقال نظر غريب، وقلبٌ للأوضاع العربية في الكلام، وعدول عن استعمالٍ صحيحٍ مفهومٍ إِلى استعمال باطل غير مفهوم. ثمّ تغالوا في ذلك حتى قال قائلهم: إِذا خاطب أمرأته بلفظ من ألفاظ الطلاق، كقوله: أنت طالق أو بائن أو بَتّةٌ أو ما أشبهها ونوى طلقتين أو ثلاثاً وقع، فجعلوا النية تقوم مقام العدد اللفظي. ووجه الخطأ في ذلك: أن العقود كالبيع والنكاح، والفسوخ كالإِقالة والطلاق: حقائق معنوية، لا وجود لها في الخارج إِلا بإِيجادها بالدلالة عليها بالألفاظ التي وُضِعت لها، في العرف اللغوي في الجاهلية، ثمّ العرف الشرعي

стр. 1928

في الإِسلام، كقوله: بعت ونكحت وأقَلْت وطلّقْت. فهذه الحقائق توجد عند النطق بالألفاظ الموضوعة لها بشروطها، فقول القائل. أنت طالق يوجد به حين القول حقيقة معنوية (واقعيَّة: هي الطَّلاق، أو هي فسخٌ وإنْهاءٌ لعقد الزَّواج الذي بينهما) بصفة خاصة لها أحكام معينة، ووصفُهُ بعد ذلك هذا الفعل بالعدد (مرتين) أو (ثلاثاً) وصْفٌ باطل غير صحيح، وهو لغو من القول، إِذ إنَّ قوله: (ثلاثاً) -مثلاً- صفة لمفعول مطلق محذوف، هو مصدر الفعل، وهو (طلاقاً) وهذا المصدر هو الذي تحققت به الحقيقة المعنوية عند النطق بقوله: (أنت طالق)، وتحقُّقُها بهذا المصدر إِنما يكون مرة واحدة ضرورة، ولا تتحقق مرة أخرى إِلا بِنُطق آخر مثل سابقه، أي يقصد به الإِنشاء والإِيجاد (١). وأمَّا وصف المصدر بأنه مرتان أو ثلاث لا تتحقق به حقيقة جديدة، لأن الإِنشاء إِنما يكون في الحال -أعني حال النُّطق- ولا يكون ماضياً ولا مستقبلاً، والتكرار يستدعي زمناً آخر للثاني ثمّ الثالث، فلا يكون زمنها كلها حالاً، إِذ أنه محال عقلاً. وهكدا الشأن في نظائره، فلا يسوغ لك أن تقول: (بعت ثلاثاً) على معنى القصد إِلى إِيجاد عقد البيع وإنشائه، وكذلك في الجمل الإِنشائية الصرفة، لا يسوغ أن تقول: (سبحان الله ثلاثاً) -أعني هذه الجملة كما هي

стр. 1929

لأنك تقصد بها إِلى تسبيح الله -تعالى- فاللفظ بها تنزيه وتسبيح مرة واحدة، فصار قولك: (ثلاثاً) لغواً لا يتسق مع صواب القول في الوجه العربي. وأمّا قول القائل: (اضرب ثلاثاً) فإِنه نوع آخر، وذلك أنه إِنشاء للأمر -بالضرب- مرة واحدة أيضاً، وهو المعنى الوضعي لفعل الأمر، وكلمة (ثلاثاً) وصف أيضاً للمصدر المضمر في الفعل، أعني (ضرباً)، وهو الذي قد يحصل في المستقبل طاعة لمدلول صيغة الإِنشاء، وقد لا يحصل عند العصيان، وليس هو -أي المصدر- مدلول الصيغة؛ لأنه قد لا يحصل إِذا خالف المأمور الأمر فلم يفعل ما أمَره به، مع أن مدلول الصيغة قد تم وتحقق، وهو حصول الأمر من الأمر بخلاف أنواع الإِنشاء -اللفظي أو المعنوي- التي يكون مدلولها حقيقة لا تتحقق ولا توجد إِلا بنفس النطق بها وحده، فلا يمكن تكرار المدلول إِلا بتكرار اللفظ الدال عليه. ونظائر ذلك في الشريعة كثير. فإِنّ الملاعِن أُمِر بأن يقول أربع مرات: (أشهد بالله إِني لمن الصادقين) فلا بد لطاعة الأمر من أن يقول هذه الجملة مراراً أربعة مكررة في اللفظ. أمّا إِذا قال: (أشهد بالله أربع مرات إِني لمن الصادقين) لكان قوله معدوداً مرة واحدة، وبقي عليه ثلاث. لا أقول: إِن هذا إِجماع -وهو إِجماع فعلاً-؛ ولكن أقول: إِنه بالبداهة التي لا يقبل في العقل غيرها، ولا يتصور أحد سواها. قال ابن القيّم -رحمه الله تعالى- في "إِعلام الموقعين" (٣/ ٢٧) -بعد أنْ ذكَر أن الله -تعالى- جعل الطلاق مرة بعد مرة-: وما كان مرة بعد مرّة لم يملك

стр. 1930

المكلف إِيقاع مرَّاته جملة واحدة، كاللعان [وذكر الكلام السابق] ولو حَلَف في القسامة وقال: أقسم بالله خمسين يميناً أنّ هذا قاتِلُه؛ كان ذلك يميناً واحدة. ولو قال المقِرُّ بالزنى: أنا أقر أربع مرات أني زنيت؛ كان مرة واحدة، فمن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك إِلا إِقراراً واحداً (١). وقال النّبيّ ﷺ : "من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرّة حُطّت عنه خطاياه وإن كانت مِثل زبد البحر (٢) ". فلو قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة؛ لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة ... وكذلك قوله: "من قال: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له؛ له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير في يوم مائة مرة ... وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي (٣) ". لا يحصل هذا إِلا مرة بعد مرة. وهكذا قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحُلُمَ منكم ثلاث مرات﴾ (٤) وهكذا قوله في الحديث: "الاستئذان ثلاث مرّات فإِن أُذن لك وإلا فارجع" لو قال الرجل ثلاث مرات هكذا؛ كانت مرة واحدة، حتى يستأذن مرة بعد مرة (٥). ... [إِنَّ] قول القائل: "أنت طالق ثلاثاً" ونحوه -أعني إِيقاع الطلاق
следующие страницы →