← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

ثمّ إِنه رجع عنه. يعني ابن عباس". ثمّ ساق أبو داود بإِسناده الصحيح عن طاوس: "أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النّبيّ ﷺ ، وأبي بكر، وثلاثاً من إِمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم". وأخرجه مسلم في "صحيحه" والنسائي وأحمد وغيرهم. قال شيخنا ﵀: "وخلاصة كلام أبي داود أنّ ابن عباس ﵁ كان له في هذه المسألة وهي الطلاق بلفظ ثلاث قولان: أحدهما: وقوع الطلاق بلفظ ثلاث، وعليه أكثر الروايات عنه. والآخر: عدم وقوعه كما في رواية عكرمة عنه، وهي صحيحة. وهي وإنْ كان أكثر الطرق عنه بخلافها، فإِنَّ حديث طاوس عنه المرفوع يشهد لها. فالأخذ بها هو الواجب عندنا، لهذا الحديث الصحيح الثابت عنه من غير طريق، وإنْ خالفه الجماهير، فقد انتصر له شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم وغيرهما، فمن شاء تفصيل القول في ذلك، فليرجع إِلى كتبهما، ففيها الشفاء والكفاية -إِن شاء الله تعالى-". انتهى. قال العلامة أحمد شاكر ﵀ عقب حديث ابن عباس ﵄ بحذف وتصرّف يسير-: "وهذا الحديث أصل جليل من أصول التشريع في الطلاق والبحث فيه من مزالق الأقدام، فإِنه يصادم كثيراً مما يذهب إِليه جمهور العلماء وعامة الدّهماء في الطلاق. وقديماً كان موضع نزاع وخلاف واضطراب، ولشيخ الإِسلام ابن تيمية ثمّ تلميذه الإِمام ابن القيّم الباعُ

стр. 1927

الطويل في شرحه والكلام عليه، ونصرة القول بوقوع الطلاق الثلاث طلقة واحدة فقط، كما هو معروف مشهور. وأول ما نبحث فيه أن نحدد موضع الخلاف بين القائلين بوقوع الطلقات الثلاث مجموعة وبين القائلين وقوعها طلقة واحدة. فالذي يظنه كل الناس، والذي يفهم من أقوال جمهور من تعرضوا لهذا البحث من العلماء: أنهم يريدون بالطلاق الثلاث لفظ (طالق ثلاثاً) وما في معناه، أي: لفظ الطلاق موصوفاً بعدد لفظاً أو إِشارة أو نحو ذلك. ويعتبرون أنَّ الخلاف بين المتقدمين في وقوع الطلاق الثلاث أو عدم وقوعه؛ إِنما هو في هذه الكلمة وما في معناها، بل ويحملون كل ما ورد في الأحاديث والأخبار من التعبير عن إِيقاع طلقات ثلاث على أنه قول المطلِّق: (طالق ثلاثاً). وكل هذا خطأ صرف، وانتقال نظر غريب، وقلبٌ للأوضاع العربية في الكلام، وعدول عن استعمالٍ صحيحٍ مفهومٍ إِلى استعمال باطل غير مفهوم. ثمّ تغالوا في ذلك حتى قال قائلهم: إِذا خاطب أمرأته بلفظ من ألفاظ الطلاق، كقوله: أنت طالق أو بائن أو بَتّةٌ أو ما أشبهها ونوى طلقتين أو ثلاثاً وقع، فجعلوا النية تقوم مقام العدد اللفظي. ووجه الخطأ في ذلك: أن العقود كالبيع والنكاح، والفسوخ كالإِقالة والطلاق: حقائق معنوية، لا وجود لها في الخارج إِلا بإِيجادها بالدلالة عليها بالألفاظ التي وُضِعت لها، في العرف اللغوي في الجاهلية، ثمّ العرف الشرعي

стр. 1928

في الإِسلام، كقوله: بعت ونكحت وأقَلْت وطلّقْت. فهذه الحقائق توجد عند النطق بالألفاظ الموضوعة لها بشروطها، فقول القائل. أنت طالق يوجد به حين القول حقيقة معنوية (واقعيَّة: هي الطَّلاق، أو هي فسخٌ وإنْهاءٌ لعقد الزَّواج الذي بينهما) بصفة خاصة لها أحكام معينة، ووصفُهُ بعد ذلك هذا الفعل بالعدد (مرتين) أو (ثلاثاً) وصْفٌ باطل غير صحيح، وهو لغو من القول، إِذ إنَّ قوله: (ثلاثاً) -مثلاً- صفة لمفعول مطلق محذوف، هو مصدر الفعل، وهو (طلاقاً) وهذا المصدر هو الذي تحققت به الحقيقة المعنوية عند النطق بقوله: (أنت طالق)، وتحقُّقُها بهذا المصدر إِنما يكون مرة واحدة ضرورة، ولا تتحقق مرة أخرى إِلا بِنُطق آخر مثل سابقه، أي يقصد به الإِنشاء والإِيجاد (١). وأمَّا وصف المصدر بأنه مرتان أو ثلاث لا تتحقق به حقيقة جديدة، لأن الإِنشاء إِنما يكون في الحال -أعني حال النُّطق- ولا يكون ماضياً ولا مستقبلاً، والتكرار يستدعي زمناً آخر للثاني ثمّ الثالث، فلا يكون زمنها كلها حالاً، إِذ أنه محال عقلاً. وهكدا الشأن في نظائره، فلا يسوغ لك أن تقول: (بعت ثلاثاً) على معنى القصد إِلى إِيجاد عقد البيع وإنشائه، وكذلك في الجمل الإِنشائية الصرفة، لا يسوغ أن تقول: (سبحان الله ثلاثاً) -أعني هذه الجملة كما هي

стр. 1929

لأنك تقصد بها إِلى تسبيح الله -تعالى- فاللفظ بها تنزيه وتسبيح مرة واحدة، فصار قولك: (ثلاثاً) لغواً لا يتسق مع صواب القول في الوجه العربي. وأمّا قول القائل: (اضرب ثلاثاً) فإِنه نوع آخر، وذلك أنه إِنشاء للأمر -بالضرب- مرة واحدة أيضاً، وهو المعنى الوضعي لفعل الأمر، وكلمة (ثلاثاً) وصف أيضاً للمصدر المضمر في الفعل، أعني (ضرباً)، وهو الذي قد يحصل في المستقبل طاعة لمدلول صيغة الإِنشاء، وقد لا يحصل عند العصيان، وليس هو -أي المصدر- مدلول الصيغة؛ لأنه قد لا يحصل إِذا خالف المأمور الأمر فلم يفعل ما أمَره به، مع أن مدلول الصيغة قد تم وتحقق، وهو حصول الأمر من الأمر بخلاف أنواع الإِنشاء -اللفظي أو المعنوي- التي يكون مدلولها حقيقة لا تتحقق ولا توجد إِلا بنفس النطق بها وحده، فلا يمكن تكرار المدلول إِلا بتكرار اللفظ الدال عليه. ونظائر ذلك في الشريعة كثير. فإِنّ الملاعِن أُمِر بأن يقول أربع مرات: (أشهد بالله إِني لمن الصادقين) فلا بد لطاعة الأمر من أن يقول هذه الجملة مراراً أربعة مكررة في اللفظ. أمّا إِذا قال: (أشهد بالله أربع مرات إِني لمن الصادقين) لكان قوله معدوداً مرة واحدة، وبقي عليه ثلاث. لا أقول: إِن هذا إِجماع -وهو إِجماع فعلاً-؛ ولكن أقول: إِنه بالبداهة التي لا يقبل في العقل غيرها، ولا يتصور أحد سواها. قال ابن القيّم -رحمه الله تعالى- في "إِعلام الموقعين" (٣/ ٢٧) -بعد أنْ ذكَر أن الله -تعالى- جعل الطلاق مرة بعد مرة-: وما كان مرة بعد مرّة لم يملك

стр. 1930

المكلف إِيقاع مرَّاته جملة واحدة، كاللعان [وذكر الكلام السابق] ولو حَلَف في القسامة وقال: أقسم بالله خمسين يميناً أنّ هذا قاتِلُه؛ كان ذلك يميناً واحدة. ولو قال المقِرُّ بالزنى: أنا أقر أربع مرات أني زنيت؛ كان مرة واحدة، فمن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك إِلا إِقراراً واحداً (١). وقال النّبيّ ﷺ : "من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرّة حُطّت عنه خطاياه وإن كانت مِثل زبد البحر (٢) ". فلو قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة؛ لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة ... وكذلك قوله: "من قال: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له؛ له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير في يوم مائة مرة ... وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي (٣) ". لا يحصل هذا إِلا مرة بعد مرة. وهكذا قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحُلُمَ منكم ثلاث مرات﴾ (٤) وهكذا قوله في الحديث: "الاستئذان ثلاث مرّات فإِن أُذن لك وإلا فارجع" لو قال الرجل ثلاث مرات هكذا؛ كانت مرة واحدة، حتى يستأذن مرة بعد مرة (٥). ... [إِنَّ] قول القائل: "أنت طالق ثلاثاً" ونحوه -أعني إِيقاع الطلاق

стр. 1931

وإنشاءه بلفظ واحد موصوف بعدد- لا يكون في دلالة الألفاظ على المعاني لغة وفي بديهة العقل إلاَّ طلقة واحدة، وأن قوله: (ثلاثاً) في الإِنشاء والإِيقاع، قول محال عقلاً، باطل لغة، فصار لغواً من الكلام، لا دلالة له على شيء في تركيب الجملة التي وضع فيها، وإنْ دلّ في نفسه على معناه الوضعي دلالة الألفاظ المفردة على معانيها. كما إِذا ألحق المتكلم بأية جملة صحيحة كلمة لا تعلُّق لها بالكلام، فلا تزيد على أن تكون لغواً باطلاً. [وكذلك] الخلاف بين التابعين فمن بعدهم في الطلاق الثلاث ونحوه، إِنما هو في تكرار الطلاق. أعني: أن يطلق الرجل امرأته مرّة ثمّ يطلقها مرة أخرى ثمّ ثالثة؛ وأعني أيضاً: أن موضوع الخلاف هو: هل المعتدة يلحقها الطلاق؟ أي: إِذا طلقها المرة الأولى فصارت معتدة، ثمّ طلقها طلقةً ثانية في العدة؛ هل تكون طلقة واقعة ويكون قد طلقها طلقتين؛ فإِذا ألحق بهما الثالثة وهي معتدة من الأولى؛ هل تكون طلقة واقعة أيضاً ويكون قد أوقع جميع الطلقات التي له عليها وأبانها وبتّ طلاقها؟ أو أنّ المعتدة لا يلحقها الطلاق؟ فإِذا طلَّقها الطلقة الأولى كانت مطلقة منه، وهي في عدته، لا يملك عليها إلاَّ ما أَذِنه به الله: ﴿فإِمساك بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾ (١) إِن ندم على الفراق راجعها فأمسكها، وإِنْ أصرّ على الطلاق فليدعْها حتى تنقضي عدتها، ثمّ يسرِّحها بإِحسان من غير مُضارّة، ثمّ هو بالنسبة إليها بعد ذلك إِنْ رغب في عودتها كغيره من الرجال: خاطِبٌ من الخٌطَّاب؟ هذا هو موضع الخلاف على التحقيق، وأمّا كلمة (أنت طالق ثلاثاً)

стр. 1932

ونحوها فإِنما هي مُحال، وإِنما هي تلاعب بالألفاظ، بل هي تلاعُب بالعقول والأفهام!! ولا يعقل أن تكون موضع خلاف بين الأئمة من التابعين فمن بعدهم. وقال ﵀ (ص ٣٧) في التعليق: "وأما الأحاديث التي تجد فيها أن فلاناً أو رجلاً طلّق زوجته ثلاثاً: فإنما هي إخبار، أي أن الراوى يحكي عن المطلق ويخبر عنه أنه طلق ثلاثاً، فهذا إِخبار صادق، لأنه يحكي عن غيره أو عن نفسه أنه أوقع ثلاث تطليقات إِنشاءً لكل واحدة منها، كما تحكي عن نفسك أو عن غيرك، فتقول: صلى أربع ركعات، وسبح مائة تسبيحة، وهكذا ... (١) انتهى. وبعد: فإِذ قد تحققنا أن التطليق بلفظ: (أنت طالق ثلاثاً) ونحوه إِنما هو تطليق واحد قطعاً، وأنه ليس مما اختلف في وقوعه ثلاثاً أو واحدة: فلنرجع إِلى الخلاف في وقوع الطلاق الثلاث، أو بتعبير أدق: هل يقع طلاق آخر على المعتدة؟ ثمّ ذكَر حديث ابن عباس ﵁ في تطليق ركانة بن عبد يزيد -أخي بني مطلب- امرأته ثلاثاً في مجلس واحد. وقد اختلف فى إِسناده ولفظه، وللعلماء فيه أقوال (٢).

стр. 1933

[وبعد إِفاضة وتفصيل من شيخنا ﵀ ونقولات كثيرة للعلماء في "الإِرواء" تحت الحديث (٢٠٦٣) ذكَر حديث ابن عباس ﵄ وقال: " ... هذا الإِسناد صححه الإِمام أحمد والحاكم والذهبي وحسنه الترمذي في متن آخر تقدّم برقم (١٩٢١)، وذكرنا هناك اختلاف العلماء في داود بن الحصين وأنه حجة في غير عكرمة، ولولا ذلك لكان إسناد الحديث لذاته قوياً، ولكن ذلك لا يمنع من الاعتبار بحديثه والاستشهاد بمتابعته لبعض بني رافع، فلا أقل من أن يكون الحديث حسناً بمجموع الطريقين عن عكرمة، ومالَ ابن القيّم إِلى تصحيحه وذكر أن الحاكم رواه في "مستدركه" وقال: إِسناده صحيح، ولم أره في "المستدرك" لا في "الطلاق" منه، ولا في "الفضائل" والله أعلم، وقال ابن تيمية في "الفتاوى" (٣/ ١٨): "وهذا إِسناد جيد". وكلام الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٩/ ٣١٦) يشعر بإِنه يرجح صحته أيضاً ... "]. وفي "صحيح سنن أبي داود" (١٩٢٢): عن ابن عبَّاس ﵄ قال: "طلّق عبد يزيد -أبو ركانة وإِخوته- أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت النّبيّ ﷺ فقالت: ما يُغني عني، إِلا كما تغني هذه الشعرة -لشعرة أخذتها من رأسها- ففرّق بيني وبينه، فأخذت النّبي ﷺ حَمِيَّةٌ، فدعا بِركانة وإِخوته، ثمّ قال لجلسائه: أترون فلاناً يشبه منه كذا وكذا -من عبد يزيد-، وفلاناً يشبه منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم! قال النّبي ﷺ لعبد يزيد: طلقها ففعل، ثمّ قال: راجع امرأتك أم ركانة وإخوته، قال: إِني طلقتها ثلاثاً يا رسول الله، قال: قد علمت، راجعها وتلا: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلقتم النساء فطلقوهنّ لعدتهنّ﴾ ".

стр. 1934

قال أبو داود: وحديث نافع بن عجير، وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده: أن ركانة طلق امرأته البتة فردها إِليه النّبيّ ﷺ : أصح؛ لأن ولد الرجل وأهله أعلم به: إِنّ ركانة إِنما طلق امرأته البتة فجعلها النّبيّ ﷺ واحدة". انتهى. واستأنف العلامة أحمد شاكر ﵀ كلامه قائلاً: "وقال ابن عباس أيضاً: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إِنّ النّاس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم؟ فأمضاه عليهم" (١). وفي رواية في "صحيح مسلم" (١٤٧٢) عن طاوس: "أنّ أبا الصّهباء قال لابن عباس: هات من هَناتِك (٢)، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلمّا كان في عهد عمر تتايع (٣) النّاس في الطلاق فأجازه عليهم". وفي رواية "لمسلم" (١٤٧٢) أيضاً عن طاوس: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: "أتعلم أنما كانت الثلاث تُجعل واحدة على عهد النّبيّ ﷺ وأبي بكر وثلاثاً من إِمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم".

стр. 1935

وفي رواية في "المستدرك" للحاكم (٢/ ١٩٦) عن ابن أبي مليكة أن أبا الجوزاء أتى ابن عباس فقال: أتعلم أن ثلاثاً كن يُرْدَدْنَ على عهد رسول الله ﷺ إِلى واحدة؟ قال: نعم. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإِسناد. وفي إِسناده عبد الله بن المؤمل، تَكلَّم فيه بعضهم، والحق أنه ثقة. وفي رواية عند الطحاوي في "معاني الآثار" (٢/ ٣٢) بإِسناد صحيح من طريق طاوس، قال ابن عباس: "فلما كان زمان عمر ﵁ قال: أيها الناس، قد كانت لكم في الطلاق أناة، وإنه من تعجّل أناة الله في الطلاق ألزمناه إِياه". فهذه الأحاديث تدل على أن إِيقاع طلقات ثلاث في مجلس واحد أو مجالس متعددة كان يُرَدُّ في عهد رسول الله ﷺ إِلى طلقة واحدة ... وهي موافقة لنظم القرآن ورسْمه في الطلاق. لأن الله شرع في طلاق غير المدخول بها أنها تبين بنفس الطلاق وليس للمطلق عليها عدة تعتدها، فبمجرد أن نطق بالطلاق وأنشأه بانت منه، فلا يمكنه أن يكرر طلاقها مرة أخرى إِلا أن يتزوجها بعقد جديد. وشرع في طلاق المدخول بها أنها تطلق مرتين، وفي كل مرة إما إِمساك بمعروف وإِمّا تسريح بإِحسان، ثمّ تبين منه في الثالثة، وعليها العدة، ولا يجوز له أن يراجعها فيتزوجها إِلا بعد زوج آخر. وقد قال حُجّة الإِسلام الجصاص في "أحكام القرآن" (١/ ٣٨٠): "إِن الله -تعالى- لم يُبحِ الطلاق ابتداءً لمن تجب عليها العدة إِلا مقروناً بِذكر الرجعة. منها قوله -تعالى-: ﴿الطلاق مرتان فإِمساك بمعروف﴾ (١) وقوله -تعالى-:

стр. 1936

﴿والمُطلقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو سرّحوهنّ بمعروف﴾ (٢) أي: فارقوهن بمعروف. فلم يبح الطلاق المبتدأ لذوات العدد إِلا مقروناً بذكر الرجعة. وليس المقصود من الطلاق اللعب واللهو، حتى يزعم الرجل لنفسه أنه يملك الطلاق كما شاء، وكيف شاء، ومتى شاء، وأنه إِن شاء أبان المرأة بتة، وإنْ شاء جعلها معتدة يملك عليها الرجعة. كلا ثمّ كلا، بل هو تشريع منظم دقيق من لدنْ حكيم عليم شرَعَه الله لعباده ترفيهاً لهم ورحمة بهم، وعلاجاً شافياً لما يكون في الأسرة بين الزوجين من شقاق وضِرار، ورسَم قواعده وحدَّ حدوده بميزان العدالة الصحيحة التامّة ونهى عن تجاوُزِها، وتَوعّد على ذلك. ولهذا تجد في آيات الطلاق تكرار ذِكر حدود الله، والنهي عن تعدِّيها وعن المضارة: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ (٣) ﴿وتلك حدود الله يبيّنها لقوم يعلمون﴾ (٤) ﴿ولا تمسكوهنّ ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله

стр. 1937

هُزُواً﴾ (١) ﴿واعلموا أنّ الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه﴾ (٢) ... ". انتهى (٣). وسألت شيخنا ﵀ عمَّن طلَّق أكثر من طلقة في عدَّة واحدة فأجاب: إِذا جمع الثَّلاث في عدَّة واحدة فإِنَّها تحسب طلقة واحدة، ثمَّ قال ﵀: لا يجوز جمع الثَّلاث في عدَّة واحدة. وقال شيخنا ﵀ في "السلسلة الضعيفة" (٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣) تحت الحديث (١١٣٤) بعد أن ساق حديث مسلم: "كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر ابن الخطاب: إِنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم". وهو نص لا يقبل الجدل على أن هذا الطلاق حُكْم مُحكَمٌ ثابت غير منسوخ لجريان العمل عليه بعد وفاته ﷺ في خلافة أبي بكر، وأول خلافة عمر، ولأن عمر ﵁ لم يخالفه بنص آخر عنده بل باجتهاد منه ولذلك تردَّد قليلاً أوّل الأمر في مخالفته كما يشعر بذلك قوله: "إِن الناس قد استعجلوا ... فلو أمضيناه عليهم .. "، فهل يجوز للحاكم مثل هذا التساؤل

стр. 1938

والتردد لو كان عنده نص بذلك؟! وأيضاً، فإِن قوله: "قد استعجلوا" يدل على أن الاستعجال حدث بعد أن لم يكن، فرأى الخليفة الراشد أن يمضيه عليهم ثلاثاً من باب التعزير لهم والتأديب، فهل يجوز مع هذا كله أن يترك الحكم المحكم الذي أجمع عليه المسلمون في خلافة أبي بكر وأول خلافة عمر، من أجل رأيٍ بدا لعمر واجتهد فيه، فيؤخذ باجتهاده، ويترك حكمه الذي حكم هو به أول خلافته تبعاً لرسول الله ﷺ وأبي بكر؟! اللهم إِن هذا لمن عجائب ما وقع في الفقه الإِسلامي، فرجوعاً إِلى السنة المحكمة أيها العلماء، لا سيما وقد كثرت حوادث الطلاق في هذا الزمن كثرة مدهشة تنذر بِشرٍّ مستطير تصاب به مئات العائلات. وأنَا حين أكتب هذا أعلم أن بعض البلاد الإِسلامية كمصر وسوريا قد أدخَلت هذا الحكم في محاكمها الشرعية، ولكن من المؤسف أن أقول: إِن الذين أدخلوا ذلك من الفقهاء القانونيين لم يكن ذلك منهم بدافع إِحياء السنة، وإِنما تقليداً منهم لرأي ابن تيميَّة ﵀ الموافق لهذا الحديث، أي إِنهم أخذوا برأيه لا لأنه مدعم بالحديث، بل لأن المصلحة اقتضت الأخذ به زعموا، ولذلك فإِنَّ جلّ هؤلاء الفقهاء لا يُدَعِّمون أقوالهم واختياراتهم التي يختارونها اليوم بالسنة، لأنهم لا عِلم لهم بها، بل قد استغنوا عن ذلك بالاعتماد على آرائهم، التي بها يحكمون، وإليها يرجعون في تقدير المصلحة التي بها يستجيزون لأنفسهم أن يغيروا الحكم الذي كانوا بالأمس القريب به يدينون الله -تعالى- كمسألة الطلاق هذه.

стр. 1939

فالذي أودُّه أنهم إِن غيَّروا حُكماً أو تركوا مذهباً إِلى مذهب آخر، أن يكون ذلك اتباعاً منهم للسنة، وأن لا يكون ذلك قاصراً على الأحكام القانونية والأحوال الشخصية، بل يجب أن يتعدوا ذلك إِلى عباداتهم ومعاملاتهم الخاصة بهم، فلعلهم يفعلون" انتهى. والخلاصة أنّ الثلاث تقع واحدة إِذْ خَيرُ الهدي هدي محمد ﷺ وهو عَمَلٌ بمقتضى قوله -تعالى-: ﴿الطلاق مرتان﴾ والنية لا تقوم مقام العدد اللفظي. وكما أنه لا يجزئ قول المرء: "سبحان الله وبحمده مائة مرة" -هكذا- للحصول على ثواب من يقول: "سبحان الله وبحمده" مرّة بعد مرّة؛ مِن حطِّ الخطايا ولو كانت مثل زبد البحر؛ فإِنه لا يجزئ قول المرء: طالق ثلاثاً جملة واحدة، ولا يكون إِلا مرّة بعد مرَّة، على النحو الذي بيّن الله -تعالى- في كتابه ورسوله ﷺ في سُنّته، وأنّ إِيقاع الثلاث وإمضاءَه؛ إِنّما هو تسوية بين المدخول بها وغير المدخول، وتجاوز للأحكام التي وضعها الحكيم العليم الرحمن الرحيم. وما ورَد عن بعض الصحابة ﵃ إِنما هو اجتهادٌ؛ كيلا تفشو هذه الألفاظ في النّاس وتشيع فيهم، والله -تعالى- أعلم. الإِشهاد على الطَّلاق: قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلّقتم النّساء فطلِّقوهنّ لعدَّتهنّ وأحصوا العِدَّة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ ولا يخرجن إِلا أن يأتين بفاحشة مُبيِّنة وتلك حدود الله ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً * فإِذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروفٍ

стр. 1940

أو فارقوهنّ بمعروف وأشهدوا ذَوَيْ عدلٍ منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتَّق الله يجعل له مخرجاً﴾ (١). وقد اختلف العلماء في معنى الإِشهاد في قوله -سبحانه-: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدْلٍ منكم﴾ أهو على الطلاق أم الرجعة أم عليهما معاً، وهذا له أثره الخلافي في المسألة. جاء في "صحيح البخاري" (٢) باب قول الله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلّقتم النّساء فطلِّقوهنّ لعدَّتهنّ وأحصوا العدة﴾ أحصيناه: حفظناه وعددناه، وطلاق السّنّة أن يُطلقها طاهراً من غير جماع، ويشهد شاهدين. قال الحافظ ﵀: "قوله: ويُشهد شاهدين: مأخوذ من قوله -تعالى-: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وهو واضح، وكأنه لمح بما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس قال: "كان نفر من المهاجرين يطلقون لغير عدة ويراجعون بغير شهود فنزلت". جاء في كتاب "الجامع في أحكام الطلاق" (٣): " ... [أخرج] ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٢٨/ ٨٨) من طريق أبي صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس (٤) قال: إِن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد رجلين

стр. 1941

كما قال الله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ عند الطلاق وعند المراجعة.

стр. 1942

وجاء في "تفسير ابن كثير" ﵀: "وقوله -تعالى-: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾ أي: على الرجعة إِذا عزمتم عليها، كما رواه أبو داود، وابن ماجه عن عمران بن حصين، أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثمّ يقع بها، ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، فقال: طلقت لغير سُنَّة وراجعت لغير سُنَّة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تَعُد (١). وقال ابن جريج: كان عطاء يقول: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾ قال: لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا إرجاع إلاَّ شاهدا عدل، كما قال الله إِلا أن يكون من عذر". وجاء في "تفسير القرطبي" ﵀: "قوله -تعالى-: ﴿وأشهِدوا﴾ أمرٌ بالإِشهاد على الطلاق، وقيل: على الرجعة. والظاهر رجوعه إِلى الرجعة لا إِلى الطلاق، فإِن راجع من غير إِشهاد؛ ففي صحة الرجعة قولان للفقهاء، وقيل: المعنى: وأشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعاً. وهذا الإِشهاد مندوب إِليه عند أبي حنيفة؛ كقوله -تعالى-: ﴿وأشهدوا إِذا تبايعتم﴾. وعند الشافعي واجب في الرجعة، مندوب إِليه في الفرقة".

стр. 1943

وجاء في "تفسير الإِمام البغوي" -رحمه الله تعالى-: " ﴿وأشهدوا﴾ على الرجعة أو الفراق، أمر بالإِشهاد على الرجعة وعلى الطلاق ... ". وقال العلامة السعدي ﵀ في "تفسيره": " ﴿وأشهدوا﴾ على طلاقها ورجعتها ﴿ذوي عدل منكم﴾ أي: رجلين مسلمين عدلين لأن في الإِشهاد المذكور سداً لباب المخاصمة وكتمان كل منهما ما يلزم بيانه". قال العلامة أحمد شاكر ﵀ في كتاب "نظام الطلاق في الإِسلام" (ص ٨٠) -بحذف-: "والظاهر من سياق الآيتين أنَّ قوله: ﴿وأشهدوا﴾ راجع إِلى الطلاق وإلى الرجعة معاً والأمر للوجوب، لأنه مدلوله الحقيقي، ولا ينصرف إِلى غير الوجوب -كالندب- إِلا بقرينة، ولا قرينة هنا تصرفه عن الوجوب، بل القرائن هنا تؤيد حمْله على الوجوب: لأن الطلاق عمل استثنائي يقوم به الرجل -وهو أحد طرفي العقد- وحده. سواء أوافقته المرأة أم لا، كما أوضحنا ذلك مراراً، وتترتب عليه حقوق للرجل قِبَلَ المرأة، وحقوق للمرأة قِبَلَ الرجل، وكذلك الرجعة، ويخشى فيهما الإِنكار من أحدهما، فإِشهاد الشهود يرفع احتمال الجحد، ويثبت لكل منهما حقه قِبَلَ الآخر. فمن أشهد على طلاقه فقد أتى بالطلاق على الوجه المأمور به، ومن أشهد على الرجعة فكذلك، ومن لم يفعل فقد تعدى حد الله الذي حده له، فوقع عمله باطلاً، لا يترتب عليه أي أثر من آثاره. وهذا الذي اخترنا هو قول ابن عباس. فقد روى عنه الطبري في التفسير (٢٨ - ٨٨) قال: إِنْ أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد رجلين، كما قال الله: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدلٍ منكم﴾ عند الطلاق وعند المراجعة.

стр. 1944

وهو قول عطاء أيضاً. فقد روى عنه عبد الرزاق وعبد بن حميد قال: "النكاح بالشهود، والطلاق بالشهود، والمراجعة بالشهود" نقله السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٢٣٢) والجصاص في أحكام القرآن بمعناه (٣/ ٤٥٦) وكذلك هو قول السدي. فقد روى عنه الطبري قال في قوله: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدلٍ منكم﴾. على الطلاق والرجعة. وأمّا ابن حزم فإِنَّ ظاهر قوله في "المحلى" (١) (١٠/ ٢٥١) يفهم منه أنه يرى اشتراط الإِشهاد في الطلاق وفي الرجعة، وإن لم يذكر هذا الشرط في مسائل الطلاق؛ بل ذكره في الكلام على الرجعة فقط، قال: "فإنْ راجع ولم يُشهِد فليس مراجعاً، لقول الله -تعالى-: ﴿فإِذا بلغن أجلهن فأمسكوهنّ بمعروفٍ أو فاوقوهنّ بمعروف وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾ لم يفرق (٢) بين المراجعة والطلاق والإِشهاد، فلا يجوز إِفراد ذلك عن بعض، وكل من طلّق ولم يشهد ذوَي عدل، أو رجع ولم يشهد ذوي عدل: متعدياً لحدود الله -تعالى- وقال رسول الله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (٣). قال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (٣٣/ ٣٣): "وقد ظن بعض

стр. 1945

الناس: أن الإِشهاد هو الطلاق، وظن أن الطلاق الذي لا يشهد عليه لا يقع. وهذا خلاف الإِجماع (١)، وخلاف الكتاب والسّنة، ولم يقل أحد من العلماء المشهورين به؛ فإِن الطلاق أذن فيه أولاً، ولم يأمر فيه بالإِشهاد، وإِنما أمر بالإِشهاد حين قال: ﴿فإِذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف﴾ والمراد هنا بالمفارقة تخلية سبيلها إِذا قضت العدة، وهذا ليس بطلاق ولا برجعة ولا نكاح. والإِشهاد في هذا باتفاق المسلمين، فعلم أن الإِشهاد إِنما هو على الرجعة، ومن حكمة ذلك: أنه قد يطلقها ويرتجعها، فيزين له الشيطان كتمان ذلك حتى يطلقها بعد ذلك طلاقاً محرماً ولا يدري أحد، فتكون معه حراماً، فأمر الله أن يشهد على الرجعة ليظهر أنه قد وقعت به طلقة". وإِذا عَرف المرء رأي شيخ الإِسلام ﵀ في الإِشهاد في النكاح؛ وأنه يرى حصولَه مع الإِعلان ولو لم يَشْهَد شاهدان، إِذا كان كذلك؛ انقدح في ذهنه أنّ هذا له أثره في فتواه ﵀ في مسألة عدم إِيجاب الإِشهاد في الطلاق، علماً أنّ الإِشهاد في النكاح أقوى نصّاً وفقهاً من الإِشهاد في الطلاق كما هو ظاهر النُّصوص. جاء في "الفتاوى" (٣٢/ ١٢٧): "واشتراط الإِشهاد وحده ضعيف؛ ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة، فإِنه لم يثبت عن النّبيّ ﷺ فيه حديث (٢).

стр. 1946

ومن الممتنع أن يكون الذي يفعله المسلمون دائماً له شروط لم يُبِنْها رسول الله ﷺ وهذا مما تعمُّ به البلوى، فجميع المسلمين يحتاجون إِلى معرفة هذا. وإذا كان هذا شرطاً كان ذِكره أولى من ذِكر المهر وغيره، مما لم يكن له ذِكر في كتاب الله ولا حديث ثابت عن رسول الله ﷺ [فتبين] أنه ليس مما أوجبه الله على المسلمين في مناكحهم. قال أحمد بن حنبل وغيره من أئمَّة الحديث: لم يثبت عن النّبيّ ﷺ في الإِشهاد على النكاح شيء، ولو أوجبه لكان الإِيجاب إِنما يعرف من جهة النّبيّ ﷺ ، وكان هذا من الأحكام التي يجب إِظهارها وإعلانها، فاشتراط المهر أولى؛ فإِن المهر لا يجب تقديره في العقد بالكتاب والسّنة والإِجماع، ولو كان قد أظهر ذلك لنقل ذلك عن الصحابة: ولم يضيعوا حِفْظ ما لا بُدّ للمسلمين عامة من معرفته، فإِنَّ الهمم والدواعي تتوافر على نقل ذلك، والذي يأمر بحفظ ذلك. وهم قد حفظوا نهيه عن نكاح الشغار، ونكاح المحرم، ونحو ذلك من الأمور التي تقع قليلاً؛ فكيف النكاح بلا إِشهاد إِذا كان الله ورسوله قد حرَّمه وأبطله؛ كيف لا يحفظ في ذلك نص عن رسول الله ﷺ ؟! بل لو نقل في ذلك شيء من أخبار الآحاد لكان مردوداً عند من يرى مثل ذلك، فإِن هذا من أعظم ما تعمّ به البلوى أعظم من البلوى بكثير من الأحكام، فيمتنع أن يكون كل نكاح للمسلمين لا يصح إِلا بإِشهاد، وقد عقد المسلمون من عقود الأنكحة ما لا يحصيه إِلا رب السماوات؛ فعُلم أنَّ اشتراط الإِشهاد دون غيره باطل قطعاً. ولهذا كان المشترطون للإِشهاد مضطربين اضطراباً يدل على فساد الأصل،

стр. 1947

فليس لهم قول يثبت على معيار الشرع، إِذا كان فيهم من يجوزه بشهادة فاسقين، والشهادة التي لا تجب عندهم قد أمر الله فيها بإِشهاد ذوي العدل، فكيف بالإِشهاد الواجب؟! ". وقال ﵀ (ص ١٢٩): "وأمَّا النكاح فلم يرد الشرع فيه بإِشهاد واجب ولا مستحب، وذلك أن النكاح أُمِر فيه بالإِعلان، فأغنى إِعلانه مع دوامه عن الإِشهاد، فإِن المرأة تكون عند الرجل والناس يعلمون أنها امرأته، فكان هذا الإِظهار الدائم مُغنياً عن الإِشهاد كالنسب؛ فإِن النسب لا يحتاج إِلى أن يُشهِد فيه أحداً على ولادة امرأته؛ بل هذا يظهر ويعرف أن امرأته ولدت هذا فأغنى هذا عن الإِشهاد؛ بخلاف البيع؛ فإِنّه قد يجحد ويتعذر إِقامة البينة عليه. ولهذا إِذا كان النكاح في موضع لا يظهر فيه كان إِعلانه بالإِشهاد، فالإِشهاد قد يجب في النكاح؛ لأنَّه بِهِ يُعلَن ويُظهَر؛ لا لأنَّ كل نكاح لا ينعقد إِلا بشاهدين؛ بل إِذا زَوَّجَهُ وَلِيَّتَهُ ثمّ خرجا فتحدثا بذلك وسمع الناس، أو جاء الشهود والناس بعد العقد فأخبروهم بأنه تزوجها؛ كان هذا كافياً، وهكذا كانت عادة السلف، لم يكونوا يكلَّفون إِحضار شاهدين، ولا كتابة صَداق". وقال ﵀ (ص ١٣٠): "فالذي لا ريب فيه أن النكاح مع الإِعلان يصح، وإِن لم يشهد شاهدان. وأمّا مع الكتمان والإِشهاد فهذا مما ينظر فيه. وإذا اجتمع الإِشهاد والإِعلان، فهذا الذي لا نزاع في صحته. وإِن خلا عن الإِشهاد والإِعلان: فهو باطل عند العامَّة فإِن قُدِّرَ فيه خلاف فهو قليل. وقد يظن أن في ذلك خلافاً في مذهب أحمد، ثم يقال: ما يميز

стр. 1948

هذا عن المتخذات أخداناً؟ وفي المشترطين للشهادة من أصحاب أبي حنيفة من لا يعلل ذلك بإِثبات الفراش؛ لكن كان المقصود حضور اثنين تعظيماً للنكاح. وهذا يعود إِلى مقصود الإِعلان، وإذا كان الناس ممن يجهل بعضهم حال بعض، ولا يعرف من عنده هل هي امرأته أو خدينة، مثل الأماكن التي يكثر فيها الناس المجاهيل: فهذا قد يقال: يجب الإِشهاد هنا". وجاء في "تبين المسالك بتدريب السالك" (٣/ ١٥٩). " قال الموَّاق: من المدونة: من طلق زوجته فليشهد على طلاقه وعلى رجعته، وقال مالك فيمن منعت نفسها وقد ارتجع حتى يشهد: قد أصابت. ابن عرفة: وهذا دليل على وجوب الإِشهاد. وعلى ندبه درج خليل قال: وندب الإِشهاد وأصابت من منعت له. والأصل في مشروعية الإِشهاد قوله -تعالى-: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾. وذكر كلام القرطبي ﵀ المتقدّم، ثمّ ذكر كذلك أثر عمران بن الحصين ﵁ ثمَّ قال: ومذهب الثلاثة: عدم وجوب الإِشهاد. وجاء في "الاستئناس لتصحيح أنكحة النّاس" (ص ٥١) للعلامة القاسمي ﵀ (١): "ممّن ذهب إِلى وجوب الإِشهاد واشتراطه لصحته من الصحابة: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعمران بن حصين -رضي الله

стр. 1949

عنهما- ومن التابعين الإِمام محمد الباقر (١)، والإِمام جعفر الصادق (١)، وبنوهما أئمة آل البيت -رضوان الله عليهم- وكذلك عطاء، وابن جريج، وابن سيرين ﵏. وروى أبو داود في "سننه" عن عمران بن حصين ﵁ أنه سئل عن الرجل يُطلّق امرأته ثمّ يقع بها ولم يُشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال: طلقت لغير سنّة وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها

стр. 1950

ولا تعد (١). وقد تقرر في الأصول أن قول الصحابي: من السّنة كذا في حُكم المرفوع إِلى النّبيّ ﷺ على الصحيح، لأن مُطلق ذلك إِنما ينصرف بظاهره إِلى من يجب اتباع سنته وهو رسول الله ﷺ ، ولأن مقصود الصحابي بيان الشرع لا اللغة والعادة كما بُسط في موضعه. ... [وفي] "الدر المنثور" آية: ﴿فإِذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾ الآية. عن عبد الرزاق عن ابن سيرين أن رجلاً سأل عمران بن حصين عن رجل طلّق ولم يشهد وراجع ولم يُشهد قال: بئسما صنع، طلّق لبدعة وراجع لغير سنّة، فليشهد على طلاقه وعلى مراجعته وليستغفر الله. فإِنكار ذلك من عمران ﵁ والتهويل فيه وأمره بالاستغفار لعده إِياه معصية ما هو إِلا لوجوب الإِشهاد عنده ﵁ كما هو ظاهر. ... [وفي] "الدر المنثور" عن عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء قال: النكاح بالشهود والطلاق بالشهود والمراجعة بالشهود. ثمّ ذَكر قول ابن كثير ﵀ المتقدّم عن عطاء (٢) ثمَّ قال العلامة القاسمي ﵀: فقوله: لا يجوز، صريح في وجوب الإِشهاد على الطلاق عنده ﵁ لمساواته له بالنكاح، ومعلوم ما اشتُرط فيه من

стр. 1951

البينة. إِذا تبين لك أن وجوب الإِشهاد على الطلاق هو مذهب هؤلاء الصحابة والتابعين المذكورين، تعلم أن دعوى الإِجماع على ندبه المأثورة في بعض كتب الفقه مراد لها الإِجماع المذهبي لا الإِجماع الأصولي الذي حدُّه -كما في "المستصفى"- اتفاق أمَّة محمد ﷺ خاصَّة على أمرٍ من الأمور الدينية، لانتقاضه بخلاف كما ذكر كما الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المجتهدين". وجاء في كتاب "الجامع في أحكام الطلاق" (ص ١٥٦): "وأما من قال بوجوب الإشهاد على الطلاق والرجعة من السلف فجماعة منهم: عطاء بن أبي رباح -رحمه الله تعالى- فقال: الفرقة والرجعة بالشّهود (١). وصح عنه أنه لم يجز طلاق من أشهد شهيدين متفرقين. فعند عبد الرزاق (٦/ ٣٧٤) عن ابن جريج، قال: سئل عطاء عن رجل طلّق عند رجل واحدة، وعند رجل واحدة، قال. ليستا بشىء، إِنما شهد رجل على واحدة. وسنده صحيح أيضاً. وأورده ابن كثير في "التفسير" (٤/ ٣٧٩) عن ابن جريج، قال: كان عطاء يقول: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدلٍ منكم﴾. قال: لا يجوز في نكاح، ولا طلاق، ولا رجاع إلاَّ شاهدان كما قال الله إِلا أن يكون من عذر [وتقدّم].

стр. 1952

وأخرج عبد الرزاق (٦/ ٣٢٧): عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: رجل طلّق امرأته تطليقة ولم يشهد، ولم يُعلمها، لم نرد على هذا. وسنده صحيح. عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج رحمه الله تعالى- قال: لا يجوز نكاح، ولا طلاق، ولا ارتجاع إِلا بشاهدَيْن، فإن ارتجع وجهل أن يشهد وهو يدخل ويصيبها، فإِذا علم فليعد إِلى السنة إِلى أن يشهد شاهدين عدل (١) ". انتهى. وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (٤/ ١٩٣) برقم (١٩١٨٤) عن الشعبي ﵀ "أنّه سُئل عن رجل طلّق امرأته عند رجلين وامرأة فشهد أحد الرجلين والمرأة وغاب الآخر قال: تعزل عنه حتى يجيء الغائب". ورأي شيخنا ﵀ أن الطّلاق لا يقع إِلا بشاهدين، فقد قال لي مجيباً عن بعض أسئلتي: "أيّ طلاق لا يقع إِلا بشاهدَين". وسألت شيخنا ﵀ عن شخصٍ طلّق بلا إشهاد، ثمّ أخبرَ إخوانه، أنَّه قد طلّق؟ فأجاب ﵀: إِذا رأى أنه طلّق؛ فقد وقع الطلاق وإِذا أفتاه بعض العلماء بوقوع الطلاق؛ فإِنَّه يقع أيضاً. والحاصل أن شيخنا ﵀ يرى أن من استفتى في الطَّلاق، فقول من أفتاه من العلماء في الطَّلاق ماضٍ، وكذلك إِذا طلّق بلا إِشهاد؛ معتمداً على فتاوى أهل العِلم.

стр. 1953

وسألته ﵀: ماذا إِذا طلّق ولم يُشهد؟ فأجاب: يكون معلّقاً؛ فإِن شاء أمضاه، وإلا ترك". قلت: وأمّا قول عمران بن حصين ﵁: طلّقت لغير سُنّة، وراجعْت لغير سُنّة، أشهد على طلاقها وعلى رجْعتها ولا تعُد. فقد أفاد أنّ من السّنّة النبوية الإِشهاد على الطلاق فقول الصحابي: من السّنّة له حُكم الرفع كما تقدّم، وهذا يبيّن أن الإِشهاد في الآية الكريمة: ﴿وأشهدوا ذَوَي عدل منكم﴾ يتضمّن الطلاق والرجعة والله -تعالى- أعلم. وانقدح في نفسي أنه لو لم يقع طلاق ذاك الرجل بلا إِشهاد؛ لما قال له عمران ﵁: أشهد على طلاقها، ولا سيّما أنه راجع امرأته بل ينبغي أن يقول له: طلاقُك لم يقع لأنه بلا إِشهاد، ثمّ بدا لي أن قول عمران ﵁ من باب التعليم وبيان القاعدة. وهذه الصورة تختلف عن صورة عدم الإِشهاد على النكاح. فلو أنّ رجلاً حصل نكاحُه بلا شهود ثمّ طلّقها، فهذا يُقال له: ما بُني على فاسد فهو فاسد؛ وأصل النكاح لم يقع أصْلاً؛ لأن شروطه المطلوبة لم تتحقّق أو تكتمل. وهل صورة الطلاق بلا إِشهاد؛ كرجل أعطى رجُلاً ديناً ولم يُشهد عليه، فهو عاصٍ دعاؤه لا يستجاب كما ثبت عن النّبيّ ﷺ (١)، لكن لا يعني عدم الإِشهاد إِسقاط حقّه من مالٍ على الآخرين؟؟

стр. 1954

أم أنّ الطلاق لا يتمّ إِلا بالإِشهاد؛ كما هو في حدّ القذف الذي لا يثبت إِلا بأربعة شهود؛ فإِن شهد شاهدان أو ثلاثة، فإِنّه يمضي فيهم قوله -تعالى-: ﴿فإِذْ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ (١) فأولئك عند الله هم الكاذبون ولو كانوا في أنفسهم صادقين فيما رأوا. وجاء في كتاب "الجامع لأحكام الطلاق" (ص ١٦١): "وعلى تقدير أن الأمر في الآية يقتضي الوجوب، فمخالفته لا تبطل أثر الطلاق ولا المراجعة، والدليل على ذلك: أن الله قد أمرنا في الطلاق باستقبال النساء في عدتهن في طهر لم يجامعها فيها زوجها، فلمّا خالف ابن عمر ﵄ هذا الأمر، وطلّق امرأته وهي حائض، أجازه النّبيّ ﷺ عليه، فهو قد خالف الأمر الوارد في آية الطلاق، ولم يمنع هذا من أن تُحسب عليه طلقة، فكذلك هو الحال بالنسبة لمن خالف الأمر في الإِشهاد، والله أعلم. قلت: ويؤيد هذا ما تقدّم من قول الإِمام البخاري ﵀ في كتاب الطلاق: (باب قول الله -تعالى-: ﴿يا أيّها النّبي إِذا طلَّقتم النّساء ... ﴾ ... وطلاق السّنّة أن يطلِّقها طاهراً من غير جماع، ويشهد شاهدَين). ثمّ ذَكَر حديث ابن عمر ﵄ في قصة تطليقه امرأته وهي حائض. فإِيقاع طلاق الحائض على بدعيته، إِيقاع للطلاق بلا إِشهاد على مخالفته للسّنّة، وإيرادهما تحت بابٍ واحد يُفهم هذا، لكن سيأتي عمّا قريب -إن شاء

стр. 1955

الله تعالى- الإِجابة عن هذه المسألة. وبعد أنْ أخذَت المسألة من تفكيري مأخَذَها، وبعد انهماك شديد في غالب وقتي، رأيتُ ما يأتي: ١ - أنَّ استحلال الفُروج وتحريمها لا بدّ أنْ يخضع إِلى نُصوصٍ ثابتة، وكيفيَّةٍ شرعيَّة، وبِذا؛ فإِنّنا نُطالب بالدَّليل على إِيقاع الطَّلاق لِمَنْ لم يُشهِد. وتحرير هذا؛ أنَّ أساس الخلاف هو: هل للإِنسان أنْ يُطلِّق كيفما اتَّفق أمْ أنَّ للطَّلاق أُصولاً وقواعد؟ وهل الأصل إِيقاع الطَّلاق بلا إِشهاد والمراد من الإِشهاد التوثيق ودفع التهمة والالتباس فحسب؟ أم الأصل إِيقاع الطَّلاق بالإِشهاد ولا يتمّ إِلا بذلك؟ وما الدَّليل على هذا وذاك؟ وما هو الأقرب للصواب؟ والذي بدا لي؛ أنَّ إِيقاع الطَّلاق يحتاج إِلى نصٍّ؛ فلا يكون إِلا بالإِشهاد، فالأصل عدم إِيقاع الطلاق إِلا على وجهٍ شرعيٍّ منصوصٍ عليه، وهذا إِنَّما يكون بنصٍّ من كتابٍ أو سنّة وما كان إِلى هذا أقرب؛ فهو أمثل. ٢ - وأنَّ أقرب شيءٍ إِلى الدّليل والنَّصّ الذي سَبق ذِكْرُه بما يتَّصِل بمسألتنا السَّابقة هو: أوَّلاً: قوله -تعالى-: ﴿فإِذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فأمْسِكوهُنَّ بِمعروف أو فارِقوهُنَّ بِمعروفٍ وأشْهِدوا ذَوَيْ عَدْلِ منكُم﴾، وقد سبق قول ابن عباس ﵄ في تأويلها: "عند الطَّلاق وعند والمراجعة" وكذا قول عطاء في تأويلها: "لا يجوز في نكاحٍ ولا طلاق ولا إِرجاعٍ إِلا شاهدا عدلٍ، كما قال الله ؛ إلاَّ أنْ يكون من عُذرٍ". وقوله: "النِّكاح بالشُّهود، والطَّلاق بالشُّهود، والمراجعة بالشُّهود". وغير ذلك من الآثار المتقدِّمة.

стр. 1956

وتقدّم قول العلاَّمة أحمد شاكر ﵀: "والظَّاهر من سياق الآيتين أنَّ قوله: ﴿وأشهِدوا﴾ راجِعٌ إِلى الطلاق وإلى الرّجعة معاً، والأمر للوجوب". ثانياً: وأقرب شيء إِلى الدَّليل والنّص كذلك حديث عمران بن الحصين ﵁: "طلَّقتَ لغير سنّة، وراجعتَ لغير سنّة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعُد" فقوله. طلَّقتَ لغير سنّة؛ دل على أنّ السنّة هو الإِشهاد، والبدعة عدم الإِشهاد، وقولُه: من السنّة في حُكْم المرفوع كما تقدّم، ولنا أنْ نقول بقول النّبي ﷺ : "من عمِل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو ردٌّ" (١)، بمعنى: رُدَّ هذا الطلاق (٢). لكنّ إِمضاء طلاق ورجعة هذا الذي سُئل عنه عمران بن الحصين ﵁ فهو من باب قول المفتي: "قُضِيَ الأمر" فحين يأتي شخصٌ يستفتي في الطَّلقة الثّالثة مثلاً، فيُفتي له عالمٌ بإِيقاعها وبينونة زوجته بينونْةً كُبرى، ثُمّ بعد مُدَّة تزوّجت من آخر، فليس للزَّوج المُطلِّق أن يطلُب إِلغاء النِّكاح الآخر؛ لتعود إِليه زوجته، لسببٍ يتعلَّق في الفتوى السَّابقة؛ ولِقَناعةٍ شرعيّةٍ ما تستند على نُصوص أخَذ بها عُلماء؛ لأنّ هذا يُفضي إِلى التّلاعب في النِّكاح والطلاق، بل في كثيرٍ من مسائل الدّين. وهذا ما كان يقوله شيخنا ﵀ كما تقدّم. ومن هذا الباب ما رواه ابن أبي شيبة في "المصنّف" (٤/ ١٩٦) برقم (١٩٢٠٨): "وساق إِسناده إِلى الشعبي ﵀ أنه سئل عن رجلٍ شهد

стр. 1957

عليه رجلان بطلاق امرأته، ففرّق القاضي بينهما فرجع أحد الشاهدين وتزوجها الآخر قال: فقال الشعبي: مضى القضاء ولا يلتفت إِلى رجوع الذي رجع". وبذا فمن رأى أنّه قد طلَّق، أو أُفْتيَ بالطلاق فقد وقع طلاقه لأنّ له قولاً من أهل العلم. فأصل القاعدة التي يُستفاد منها من حديث عمران بن الحصين أنّ السنّة هو الإِشهاد وهذا من باب التّأصيل وبيان القاعدة؛ ولا بُدّ لنا أن نتأمّل قول عمران ابن الحصين ﵁ فإِنه لم يقل: "طلقتَ لغير سُنّة وراجعت لغير سُنّة" وسكت، ولكنه قال: "أشهِد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعُد". فدلّ على عدم الجواز -والله أعلم-. ٣ - لقد عَهِدنا في الأبحاث الفقهية ذكر المشروعيّة مع الدليل على ذلك، فيقولون مثلاً: مشروعيّة الوضوء، مشروعيَّة الأذان، مشروعيّة الصيام ... إِلخ. فهل لقائلٍ أن يقول: مشروعيّة عدم الإِشهاد على الطلاق؟! علماً بأن المشروعيّة تمضي على الرّكن والواجب والمستحبّ. ٤ - أنّ الطلاق لا يقع إِلا بنيَّة وعَزْمٍ، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فإِنْ عَزَمُوا الطَّلاق﴾ فما من شخصٍ طلب الإِشهاد على الطّلاق، إِلا ظهر إِنْ كان له عزمٌ في ذلك أم لا، إِذ هو بلا إِشهادٍ يُمضيه فيندم، ويقول: لا، والله ما أردته! ولا أدري كيف كان ذلك! أمَّا حين ينتظر وصول شاهدي عدلٍ، فتسكن نفسُه ويهدأُ فؤاده، وتذهب عنه الوساوس، وقد يُسهم الشَّاهدان في الإِصلاح، فلا يُطلِّق إِلا من أراد الطَّلاق حقَّاً وقل: لا يُطلِّق إِلا من عزم ذلك.

стр. 1958

والعزم هو القوَّة والصَّبر على الأمر، والجدّ والقطعُ فيه؛ وقال القرطبي ﵀ في قوله تعالى: ﴿ولم نجد له عزماً﴾ (١): قال ابن عباس وقتادة: لم نجد له صبراً عن أكل الشّجرة، ومواظبة على التزام الأمر، قال النّحاس: وكذلك هو في اللغة، يقال: لفلان عزمٌ أي: صبرٌ وثباتٌ على التّحفُّظ من المعاصي ... وقال ابن كيسان: ﴿ولم نجد له عزماً﴾: إِصراراً. وقال ﵀ في قوله تعالى-: ﴿وإِنْ عزموا الطَّلاق﴾ (٢) العزيمة: تتميم العقد على شيء ... وعزمتُ عليكَ لتفعلنَّ: أي أقسمت عليك. قال شَمِر: العزيمة والعزم: ما عقدت عليه نفسك من أمرٍ أنّك فاعله. والطَّلاق: حلُّ عُقدة النِّكاح. فتأمَّل -رحمني الله وإياك- معنى العزم وهل يتحقَّقُ في كثيرٍ ممن يُطلِقون كلمة "الطَّلاق" ولعلَّ هذا الإِشكالَ يزول بِشاهِدَيْ عدل. ٥ - وأمّا من قاس إِيقاع طلاق من لم يُشهد على إِيقاع طلاق الحائض -مع الخلاف المعروف فيه- فالجواب عليه؛ أنّ قياس الإِشهاد على الطلاق على إِشهاد النِّكاح أولى؛ لأنَّ موضوع الإِشهاد في النِّكاح والطلاق ألصق بالموضوع من بدعيَّة عدم الإِشهاد وطلاق الحائض، وجامع الإِشهاد في الموضوعَين أولى من جامع البدعيَّة فيهما، فتأمّل. والأقرب إِلى الصَّواب في هذا الحال أن يُقال: كما أنّ النِّكاح لا يقع إِلا بشاهدي عدل، فالطَّلاق لا يقع إِلا كذلك، ولا سيَّما مع ورود نصوص في الإِشهاد -مع اختلاف الفهم فيها-.

стр. 1959

ومهما كان من خلاف في مسألة الإِشهاد على الطلاق، وسواءٌ قيل بِإِيقاعه أو عدمه، فإِنّ أقلَّ ما يُقال فيه الإِيجاب، وتأثيم من لم يُشهد؛ لقول عمران بن حُصَيْن ﵁: "طلَّقتَ لغير سُنَّة ... أَشهد على طلاقها ... " وكذلك أقوال السَّلف المتقدِّمة في تأويل الآية: ﴿وأَشهِدوا ذَوَيْ عدلٍ منكم﴾. وعليه: فلا يجوز لمن أراد الطلاق أنْ يُسارع به، اِلا بعد إِحضار شاهِدَي عدل (١)؛ وإلا فإِنّه يَحمِلُ يوم القيامة وِزْراً. وختاماً: فمع ترجيحي عدم وقوع الطلاق إِلا بشاهدي عدل؛ فإِنّني أُحيلُ كُلَّ حالةٍ من هذه الحالات إِلى حكم القاضي العادل الذي لا تأخُذه في الله لومة لائم؛ ليحكم بما يلهمه الله في هذا الأمر. وهذا ما بدا لي في هذه المسألة، فإِن أصبتُ فمن الله -تعالى-، وإن أخطأتُ فمنِّي ومن الشّيطان، والله -تعالى- أعلم بالصّواب.

стр. 1960

الطلاق الرجعي وأحكامه الطلاق الرجعي: هو الذي يكون فيه الزوج مخيّراً ما دامت زوجته في العدّة بين تركها لا يراجعها حتى تنقضي عدتها، فتملك أمرها، فلا يراجعها إِلا بولي ورضاها، وصَداق، وبين أن يُشهد على ارتجاعها فقط؛ فتكون زوجته -أحبّت أم كرهت- بلا ولي ولا صَداق، لكن بإِشهاد فقط؛ ولو مات أحدهما قبل تمام العدة وقبل الراجعة ورثه الباقي منهما- وهذا لا خلاف فيه من أحد من الأئمة (١). وجاء في "سبل السلام" (٣/ ٣٤٧): "وقد أجمع العلماء على أنّ الزوج يملك رجعة زوجته في الطلاق الرجعي؛ ما دامت في العدة من غير اعتبار رضاها ورضا وليّها إِذا كان الطلاق بعد المسيس". [والرجعة] ثابتة بالكتاب والسّنة والإِجماع، أمّا الكتاب فقول الله -سبحانه-: ﴿والمطلقات يتربصنَ بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ إِلى قوله: ﴿وبعولَتُهُنَّ أحقُّ بردِّهنّ في ذلك إِن أرادوا إِصلاحاً﴾ (٢) والمراد به الرجعة عند جماعة العلماء وأهل التفسير، وقال -تعالى-: ﴿وإِذا طلَّقتم النساء فبلغن أجلهنّ فأمسكوهن بمعروف﴾ (٣). أي بالرَّجعة ومعناه إِذا قاربن بلوغ أجلهن أي: انقضاء عدتهنّ" (٤).

стр. 1961

وقال -تعالى-: ﴿الطلاق مرَّتان فإِمساكٌ بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾ (١). *أي: أنَّ الطلاق الذي شرَعَه الله يكون مرة بعد مرة، وأنه يجوز للزوج أن يمسك زوجته، بعد الطلقة الأولى بالمعروف، كما يجوز له ذلك بعد الطلقة الثانية، والإِمساك بالمعروف معناه مراجعتها وردّها إِلى النكاح، ومعاشرتها بالحسنى، ولا يكون له هذا الحق، إِلا إِذا كان الطلاق رجعياً* (٢). وأمّا السّنة فما روى ابن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك فقال رسول الله ﷺ : "مُرْه فليراجعها" متفق عليه (٣). وروى أبو داود عن عمر: "أنّ رسول الله ﷺ طلَّق حفصة ثمّ راجعَها" (٤). وعن عمران بن حصين أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته، ثم يقع بها، ولم يُشهِد على طلاقها، ولا على رجعتها، فقال: "طلّقت لغير سنة، وراجعت لغير سُنة، أشهد على طلاقها، وعلى رجعتها، ولا تَعُد" (٥).

стр. 1962

وتستثنى بعض الحالات من الطلاق الرجعي: كأن يكون الطلاق مكمّلاً للثلاث؛ فهو *يُبينُ المرأة، ويُحرِّمها على الزوج، ولا يحل له مراجعتها، حتى تنكح زوجاً آخر، نكاحاً لا يقصد به التحليل؛ قال الله -تعالى-: ﴿فإِنْ طلَّقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ (١) أي: فإِن طلقها الطلقة الثالثة، بعد طلقتين، فلا تحل له من بعد الطلاق المكمل للثلاث، حتى تتزوج غيره زواجاً صحيحاً. والطلاق قبل الدخول يُبِينُهَا كذلك؛ لأن المطلقة في هذه الحالة لا عدة عليها، والمراجعة إِنما تكون في العدة، وحيث انتفت العدة، انتفت المراجعة؛ قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدونها فمتعوهنّ وسرّحوهنّ سراحاً جميلاً﴾ (٢) * (٣). والطلاق الرجعي لا يمنع الاستمتاع بالزوجة (٤) لأنه لا يرفع عقد الزواج، ولا يزيل الملك، ولا يؤثر في الحل، فهو وإن انعقد سبباً للفرقة، إِلا أنه لا يترتب عليه أثره، ما دامت المطلقة في العدة، وإنما يظهر أثره بعد انقضاء العدة دون مراجعة، فإِذا انقضت العدة ولم يراجعها، بانت منه، وإذا كان ذلك كذلك،

стр. 1963

فإِنَّ الطلاق الرجعي لا يمنع من الاستمتاع بالزوجة، وإِذا مات أحدهما ورثه الآخر، ما دامت العدة لم تَنْقَضِ، ونفقتها واجبة عليه (١). ومن قال لامرأته: أنت طالق طلقة لا رجعة لي فيها عليك، بل تملكين بها نفسك، فإِن الناس اختلفوا في ذلك. قال ابن حزم ﵀ في "المحلَّى" (١١/ ٥٥٠): "قال أبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهما، وابن وهب -صاحب مالك-: هي طلقة يملك فيها زوجها رجعتها، وقوله بخلاف ذلك لغو. وقالت طائفة: هي ثلاث، وهو قول ابن الماجشون -صاحب مالك-. وقالت طائفة: هي كما قال، وهو قول ابن القاسم صاحب مالك. والذي نقول به: أنه كلام فاسد لا يقع به طلاق أصلاً، لأنه لم يطلق كما أمَره الله ولا طلاق إِلا كما أمَر الله -تعالى-. قال رسول الله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢). ولا بُدّ من الإِشهاد على الرجعة لقوله -تعالى-: ﴿أشهدوا ذَوَي عدْلٍ منكم﴾ (٣). ولحديث عمران بن الحصين ﵁ المتقدّم. "أشهد على طلاقها وعلى رجعتها". وقال العلامة الشوكاني ﵀ في "نيل الأوطار" (٧/ ٤٢) -بحذف-:

стр. 1964

"واختلف السلف فيما يكون به الرجل مراجعاً فقال الأوزاعي: إِذا جامعَها فقد راجعَها، ومثله أيضاً روى عن بعض التابعين. وبه قال مالك وإسحاق بشرط أن ينوي به الرجعة. وقال الكوفيون كالأوزاعى وزادوا: ولو لمسها شهوة أو نظر إِلى فرجها لشهوة، وقال الشافعي: لا تكون الرجعة إِلا بالكلام. وحُجَّة الشافعي أن الطلاق يزيل النكاح. وإِلى ذلك ذهب الإِمام يحيى والظاهر ما ذهب إِليه الأولون؛ لأن العدة مدة خيار والاختيار يصح بالقول والفعل. وأيضاً ظاهر قوله -تعالى-: ﴿وبعولتهن أحق بردهنّ﴾ (١)، وقوله ﵌: "مره فليراجعها": أنها تجوز المراجعة بالفعل؛ لأنه لم يخصَّ قولاً مِنْ فِعْلٍ، ومن ادعى الاختصاص فعليه الدليل، وقد حكى في "البحر" عن العترة ومالك أن الرجعة بالوطء ومقدماته محظورة وإن صحت، ثم قال: قلت: إِن لم يَنوِ بِهِ الرجعة فنعم لعزمه على قبيح وإلا فلا لما مرَّ، وقال أحمد بن حنبل: بل مباح لقوله -تعالى-: ﴿إلاَّ على أزواجهم﴾ (٢) والرجعية زوجة بدليل صحة الإِيلاء". انتهى. وجاء في "الفتاوى" (٢٠/ ٣٨١): " ... ومسألة الرجعة بالفِعْل، كما إِذا طلّقها: فهل يكون الوطء رجعة؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يكون رجعة كقول أبي حنيفة. والثاني: لا يكون كقول الشافعي. والثالث. يكون رجعة مع النية وهو المشهور عند مالك، وهو أعدل الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد".

стр. 1965

وقال لنا شيخنا ﵀ في بعض مجالسه: "إِذا جامعها؛ فهذا يعني إِرجاعها". الطلاق البائن وأحكامه هو الطلاق المكمّل للثلاث، والطلاق قبل الدخول، والطلاق على مال وهو ما يسمّى بالخلع كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى-، ويبقى به الزوج خاطباً من الخُطّاب لا تباحُ له إِلا بعقد جديد، إِلا إِذا طلَّقها ثلاثاً؛ فلا تحلّ له حتَّى تنكح زوجاً غيره. أقسامه: ينقسم الطلاق البائن إِلى قسمين: بائن بينونة صُغرى، وهو ما كان دون الثلاث، وبائن بينونة كُبرى، وهو المكمّل للثلاث. حُكم البائن بينونة صُغرى: *الطلاق البائن بينونةً صغرى يزيل قيد الزوجية، بمجرد صُدوره، وإذا كان مزيلاً للرابطة الزوجية، فإِنّ المطلقة تصير أجنبية عن زوجها، فلا يحل له الاستمتاع بها، ويحل بالطلاق البائن موعد مؤخر الصداق -المؤجل- إِلى أبعد الأجلين؛ الموت أو الطلاق. وللزوج أن يعيد المطلقة طلاقاً بائناً بينونة صغرى إِلى عصمته [برضاها]، بعقد ومهر جديدين، [ولا يشترط] أن تتزوج زوجاً آخر، وإذا أعادها عادت
следующие страницы →