← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

وقال -تعالى-: ﴿الطلاق مرَّتان فإِمساكٌ بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾ (١). *أي: أنَّ الطلاق الذي شرَعَه الله يكون مرة بعد مرة، وأنه يجوز للزوج أن يمسك زوجته، بعد الطلقة الأولى بالمعروف، كما يجوز له ذلك بعد الطلقة الثانية، والإِمساك بالمعروف معناه مراجعتها وردّها إِلى النكاح، ومعاشرتها بالحسنى، ولا يكون له هذا الحق، إِلا إِذا كان الطلاق رجعياً* (٢). وأمّا السّنة فما روى ابن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك فقال رسول الله ﷺ : "مُرْه فليراجعها" متفق عليه (٣). وروى أبو داود عن عمر: "أنّ رسول الله ﷺ طلَّق حفصة ثمّ راجعَها" (٤). وعن عمران بن حصين أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته، ثم يقع بها، ولم يُشهِد على طلاقها، ولا على رجعتها، فقال: "طلّقت لغير سنة، وراجعت لغير سُنة، أشهد على طلاقها، وعلى رجعتها، ولا تَعُد" (٥).

стр. 1962

وتستثنى بعض الحالات من الطلاق الرجعي: كأن يكون الطلاق مكمّلاً للثلاث؛ فهو *يُبينُ المرأة، ويُحرِّمها على الزوج، ولا يحل له مراجعتها، حتى تنكح زوجاً آخر، نكاحاً لا يقصد به التحليل؛ قال الله -تعالى-: ﴿فإِنْ طلَّقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ (١) أي: فإِن طلقها الطلقة الثالثة، بعد طلقتين، فلا تحل له من بعد الطلاق المكمل للثلاث، حتى تتزوج غيره زواجاً صحيحاً. والطلاق قبل الدخول يُبِينُهَا كذلك؛ لأن المطلقة في هذه الحالة لا عدة عليها، والمراجعة إِنما تكون في العدة، وحيث انتفت العدة، انتفت المراجعة؛ قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدونها فمتعوهنّ وسرّحوهنّ سراحاً جميلاً﴾ (٢) * (٣). والطلاق الرجعي لا يمنع الاستمتاع بالزوجة (٤) لأنه لا يرفع عقد الزواج، ولا يزيل الملك، ولا يؤثر في الحل، فهو وإن انعقد سبباً للفرقة، إِلا أنه لا يترتب عليه أثره، ما دامت المطلقة في العدة، وإنما يظهر أثره بعد انقضاء العدة دون مراجعة، فإِذا انقضت العدة ولم يراجعها، بانت منه، وإذا كان ذلك كذلك،

стр. 1963

فإِنَّ الطلاق الرجعي لا يمنع من الاستمتاع بالزوجة، وإِذا مات أحدهما ورثه الآخر، ما دامت العدة لم تَنْقَضِ، ونفقتها واجبة عليه (١). ومن قال لامرأته: أنت طالق طلقة لا رجعة لي فيها عليك، بل تملكين بها نفسك، فإِن الناس اختلفوا في ذلك. قال ابن حزم ﵀ في "المحلَّى" (١١/ ٥٥٠): "قال أبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهما، وابن وهب -صاحب مالك-: هي طلقة يملك فيها زوجها رجعتها، وقوله بخلاف ذلك لغو. وقالت طائفة: هي ثلاث، وهو قول ابن الماجشون -صاحب مالك-. وقالت طائفة: هي كما قال، وهو قول ابن القاسم صاحب مالك. والذي نقول به: أنه كلام فاسد لا يقع به طلاق أصلاً، لأنه لم يطلق كما أمَره الله ولا طلاق إِلا كما أمَر الله -تعالى-. قال رسول الله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢). ولا بُدّ من الإِشهاد على الرجعة لقوله -تعالى-: ﴿أشهدوا ذَوَي عدْلٍ منكم﴾ (٣). ولحديث عمران بن الحصين ﵁ المتقدّم. "أشهد على طلاقها وعلى رجعتها". وقال العلامة الشوكاني ﵀ في "نيل الأوطار" (٧/ ٤٢) -بحذف-:

стр. 1964

"واختلف السلف فيما يكون به الرجل مراجعاً فقال الأوزاعي: إِذا جامعَها فقد راجعَها، ومثله أيضاً روى عن بعض التابعين. وبه قال مالك وإسحاق بشرط أن ينوي به الرجعة. وقال الكوفيون كالأوزاعى وزادوا: ولو لمسها شهوة أو نظر إِلى فرجها لشهوة، وقال الشافعي: لا تكون الرجعة إِلا بالكلام. وحُجَّة الشافعي أن الطلاق يزيل النكاح. وإِلى ذلك ذهب الإِمام يحيى والظاهر ما ذهب إِليه الأولون؛ لأن العدة مدة خيار والاختيار يصح بالقول والفعل. وأيضاً ظاهر قوله -تعالى-: ﴿وبعولتهن أحق بردهنّ﴾ (١)، وقوله ﵌: "مره فليراجعها": أنها تجوز المراجعة بالفعل؛ لأنه لم يخصَّ قولاً مِنْ فِعْلٍ، ومن ادعى الاختصاص فعليه الدليل، وقد حكى في "البحر" عن العترة ومالك أن الرجعة بالوطء ومقدماته محظورة وإن صحت، ثم قال: قلت: إِن لم يَنوِ بِهِ الرجعة فنعم لعزمه على قبيح وإلا فلا لما مرَّ، وقال أحمد بن حنبل: بل مباح لقوله -تعالى-: ﴿إلاَّ على أزواجهم﴾ (٢) والرجعية زوجة بدليل صحة الإِيلاء". انتهى. وجاء في "الفتاوى" (٢٠/ ٣٨١): " ... ومسألة الرجعة بالفِعْل، كما إِذا طلّقها: فهل يكون الوطء رجعة؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يكون رجعة كقول أبي حنيفة. والثاني: لا يكون كقول الشافعي. والثالث. يكون رجعة مع النية وهو المشهور عند مالك، وهو أعدل الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد".

стр. 1965

وقال لنا شيخنا ﵀ في بعض مجالسه: "إِذا جامعها؛ فهذا يعني إِرجاعها". الطلاق البائن وأحكامه هو الطلاق المكمّل للثلاث، والطلاق قبل الدخول، والطلاق على مال وهو ما يسمّى بالخلع كما سيأتي -إِن شاء الله تعالى-، ويبقى به الزوج خاطباً من الخُطّاب لا تباحُ له إِلا بعقد جديد، إِلا إِذا طلَّقها ثلاثاً؛ فلا تحلّ له حتَّى تنكح زوجاً غيره. أقسامه: ينقسم الطلاق البائن إِلى قسمين: بائن بينونة صُغرى، وهو ما كان دون الثلاث، وبائن بينونة كُبرى، وهو المكمّل للثلاث. حُكم البائن بينونة صُغرى: *الطلاق البائن بينونةً صغرى يزيل قيد الزوجية، بمجرد صُدوره، وإذا كان مزيلاً للرابطة الزوجية، فإِنّ المطلقة تصير أجنبية عن زوجها، فلا يحل له الاستمتاع بها، ويحل بالطلاق البائن موعد مؤخر الصداق -المؤجل- إِلى أبعد الأجلين؛ الموت أو الطلاق. وللزوج أن يعيد المطلقة طلاقاً بائناً بينونة صغرى إِلى عصمته [برضاها]، بعقد ومهر جديدين، [ولا يشترط] أن تتزوج زوجاً آخر، وإذا أعادها عادت

стр. 1966

إِليه بما بقي له من الطلقات، فإِذا كان طلقها واحدة من قبل، فإِنه يملك عليها طلقتين بعد العودة إِلى عصمته، وإِذا كان طلقها طلقتين، لا يملك عليها إِلا طلقة واحدة* (١). حُكم الطَّلاق البائن بينونة كُبرى: *الطلاق البائن بينونة كبرى يزيل قيد الزوجية، مثل البائن بينونة صغرى، ويأخذ جميع أحكامه، إِلا أنه لا يحل للرجل أن يعيد من أبانها بينونة كبرى إِلى عصمته، إِلا بعد أن تنكح زوجاً آخر نكاحاً صحيحاً، ويدخل بها دون إِرادة التحليل؛ يقول الله -تعالى-: ﴿فإِنْ طلَّقها فلا تحلُّ له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ (٢) أي: فإِن طلقها الطلقة الثالثة، فلا تحل لزوجها الأول، إِلا بعد أن تتزوج آخر؛ لقول رسول الله ﷺ لامرأة رفاعة: "لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته" (٣) * (٤). جاء في "المحلّى" (١١/ ٥٥١): "والبائن هو الذي لا رجعة له عليها إِلا أن تشاء هي في غير الثلاث بولي وصداق، ورضاها، ونفقتها عليه في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة، ويلحقها طلاقه". وجاء في "الفتاوى" (٣٢/ ٣١٣): "وجماع الأمر أن البينونة نوعان: البينونة الكبرى وهي إِيقاع البينونة الحاصلة بإِيقاع الطلاق الثلاث الذي تحرم به

стр. 1967

المرأة حتى تنكح زوجاً غيره. والبينونة الصغرى وهي: التي تبين بها المرأة ... ". مسألة الهدم: إِذا طلّق الرجل زوجته وبانت منه بينونة كُبرى وانقضت عدّتها، ونَكَحت زوجاً غيره، ودخَل بها، ثمّ طلّقها أو مات، ثمّ انقضت عدّتها، ثمّ نكَحها الأول؛ فإِنه يملك عليها ثلاث تطليقات. قال ابن المنذر في كتاب "الإِجماع" (ص ٨١): "وأجمعوا على أنّ الحُرَّ إِذا طلّق الحُرَّةَ ثلاثاً، ثمّ انقضت عدّتها، ونَكَحت زوجاً غيره، ودخَل بها، ثمّ فارقها وانقضت عدتها، ثمّ نكَحها الأول، أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات" انتهى. أمّا التي تبين من زوجها بينونة صغرى، فإِنها إِذا انقضت عدّتها، ونكَحت زوجاً غيره، ثمّ طلّقها أو مات، ثمّ انقضت عدّتها، فالراجح أنها تعود على ما بقي من الثلاث. جاء في "السيل الجرَّار" (٢/ ٣٧٤): "قوله: ولا ينهدم الا ثلاثة. أقول: وجه تخصيص الانهدام بالثلاث لا بما دونها؛ أنها مورد النص فإِنَّ الله -سبحانه- قال: ﴿فإِنْ طلَّقها من بعد فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره﴾ (١) أي: فإِن طَلَّقَ مرةً ثانيةً مَنْ طلقها مرتين؛ فلا تحل له بعد هذا التثليث؛ حتى تنكح زوجاً غيره، فإِنْ نكحت زوجاً غيره حَلَّتْ له. والظاهر أنها تحل له حِلاً مُطلَقاً فيملك عليها من الطلاق ما يملكه لو نكحها ابتداءً. وإذا عرفت أن التثليث هو مورد النص؛ فاعلم أنه لم يرد في شيء من

стр. 1968

الكتاب والسّنة ما يدل على أنها إِذا نكحت زوجاً غيره بعد طلقة أو تطليقتين أن الطلقة أو الطلقتين يكون لها حُكم الثلاث في الانهدام. لكن ها هنا قياس قويٌّ هو القياس الذي يسمُّونه قياس الأولى -وتارة يسمونه فحوى الخطاب- فإِنه يدل على أن انهدام ما دون الثلاث مأخوذ من الآية بطريق الأولى، ويعضد هذا أن الاحتساب بما وقع من طلاق الزوج عليها بعد أن نكحت زوجاً غيره؛ خلاف ما يوجبه الحل المفهوم من قوله: ﴿فلا تحل له﴾ فإن ظاهره أنها تحل له الحلّ الذي يكون للزوج على زوجته لو تزوجها ابتداءً". جاء في "المغني" (٨/ ٤٤١): "وإذا طلّق زوجته أقلّ من ثلاث فقضت العدة؛ ثمّ تزوجت غيره ثمّ أصابها، ثمّ طلقها أو مات عنها وقضت العدة، ثمّ تزوجها الأول فهي عنده على ما بقي من الثلاث. وجملة ذلك أن المطلق إِذا بانت زوجته منه ثمّ تزوجها لم يخلُ من ثلاثة أحوال: أحدها: أن تنكح غيره ويصيبها ثمّ يتزوجها الأوَّل فهذه ترجع إِليه على طلاق ثلاث بإِجماع أهل العلم. قاله ابن المنذر. الثاني: أن يطلقها دون الثلاث، ثمّ تعود إِليه برجعة أو نكاح جديد؛ قبل زوج ثانٍ، فهذه ترجع إِليه على ما بقي من طلاقها بغير خلاف نعلمه. والثالث: طلقها دون الثلاث فقضت عدتها ثمّ نكحت غيره ثمّ تزوجها الأول فعن أحمد فيها روايتان: إِحداهما: ترجع إِليه على ما بقي من طلاقها وهذا قول الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ عمر وعلي وأُبي ومعاذ وعمران ابن حصين وأبي هريرة وروي ذلك عن زيد وعبد الله بن عمرو بن العاص وبه

стр. 1969

قال سعيد بن المسيب وعبيدة والحسن ومالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وإِسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن المنذر. والرواية الثانية: عن أحمد أنها ترجع إِليه على طلاق ثلاث، وهذا قول ابن عمر وابن عباس وعطاء والنخعي وشريح وأبي حنيفة وأبي يوسف لأن وطء الزوج الثاني مثبت للحل، فيثبت حلاً يتّسعُ لثلاث تطليقات؛ كما بعد الثلاث لأن الوطء الثاني يهدم الطلقات الثلاث، فأولى أن يهدم ما دونها. ولنا أنَّ وطء الثاني لا يُحتاج إِليه في الإِحلال للزوج الأول فلا يغير حكم الطلاق ... ". وجملة القول: أن ما جاء في "المغني" هو الأرجح والأقوى. وقول العلامة الشوكاني ﵀ "وجه تخصيص الانهدام بالثلاث؛ لا بما دونها أنها مورد النّص ... " يرجّح هذا، فترجع على ما بقي، ولا سيّما أنه قول الأكابر من الصحابة كعمر بن الخطاب وأمثاله ﵃. فقد جاء في "الفتاوى" (٢٠/ ٣٨٠): " ... وكذلك مسألة إِصابة الزوج الثاني: هل تهدم ما دون الثلاث؟ وهو الذي يطلِّق امرأته طلقة أو طلقتين ثمّ تتزوج من يصيبها، ثمّ تعود إِلى الأول؛ فإِنها تعود على ما بقي عند مالك، وهو قول الأكابر من الصحابة كعمر بن الخطاب وأمثاله، وهو مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه، وإِنما قال: لا تعود على ما بقي ابن عمر وابن عباس، وهو قول أبي حنيفة". هل يقع طلاق المريض مرض الموت ؟ جاء في "المحلّى" (١١/ ٥٥٣) تحت المسألة (١٩٨٠): "وطلاق المريض

стр. 1970

كطلاق الصحيح ولا فرق -مات في ذلك المرض أو لم يَمُت منه- فإِنْ كان طلاق المريض ثلاثاً أو آخر ثلاث، أو قبل أن يطأها فمات، أو ماتت -قبل تمام العدة أو بعدها- أو كان طلاقاً رجعياً فلم يرتجعها حتى مات أو ماتت بعد تمام العدة؛ فلا ترثه في شيء من ذلك كلّه، ولا يرثها أصلاً. وكذلك طلاق الصحيح للمريضة، وطلاق المريض للمريضة، ولا فرق، وكذلك طلاق الموقوف للقتل والحامل الثقلة، وهذا مكان اختلف الناس فيه .. ". ثمّ أفاض في ذِكر الآثار وناقش المسألة فارجع إِليه للمزيد -إِن شئت-. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: "أنّ عبد الرحمن بن عوف طلّق امرأته البتة وهو مريض، فورّتها عثمان ﵁ بعد انقضاء عدتها" (١). وقال شيخنا ﵀ في "الإِرواء" (٦/ ١٦٠): "قال الشافعي (١٣٩٤): أخبرنا ابن أبي رواد ومسلم بن خالد عن ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة أنه سأل ابن الزبير عن الرجل يطلق المرأة فيبتِّها ثمّ يموت وهي في عدتها، فقال عبد الله بن الزبير: طلَّق عبد الرحمن بن عوف تماضر بنت الأصبغ الكلبية، فبتَّها، ثمّ مات، وهي في عدتها، فورّثها عثمان ﵁ قال ابن الزبير: وأمّا أنا فلا أرى أن تَرِثَ مبتوتة" (٢). وارتباط المسألة في الميراث اختلفت الآراء في ذلك؛ والذي يترجَّح -والله أعلم- وقوع الطلاق لتطليق عبد الرحمن بن عوف امرأته في مرض موته وكان

стр. 1971

قد بتّها كما تقدّم. أمّا الاختلاف في أمر الميراث، فهذه مسألة أخرى سأذكرها -إن شاء الله تعالى- في حينها. ويشترط في إيقاع الطلاق ألا يكون عقله قد زال. وجاء في "الفتاوى" (٣١/ ٣٦٨): "وسئل الشيخ ﵀ عن امرأة مزوجة، ولزوجها ثلاث شهور وهو في مرض مزمن، فطلب منها شراباً فأبطأت عليه، فنفر منها، وقال لها: أنت طالق ثلاثة، وهي مقيمة عنده تخدمه، وبعد عشرين يوماً توفي الزوج: فهل يقع الطلاق؛ وهل إِذا حلف على حُكم هذه الصورة يحنث؟ وهل للوارث أن يمنعها الإِرث؟ فأجاب: أمّا الطلاق فإِنه يقع إِن كان عاقلاً مختاراً؛ لكن ترثه عند جمهور أئمة الإِسلام، وهو مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة، والشافعي في القول القديم، كما قضى به عثمان بن عفان في امرأة عبد الرحمن بن عوف، فإِنه طلقها في مرض موته، فورَّثها منه عثمان، وعليها أن تعتد أبعد الأجلين: من عدة الطلاق، أو عدة الوفاة، وأمّا إِن كان عقله قد زال فلا طلاق عليه". وفيه (ص ٣٦٩): "وسُئل ﵀ عن رجل زوَّج ابنته، وكتَب الصداق عليه، ثمّ إِن الزوج مرض بعد ذلك، فحين قَوِيَ عليه المرض فقبْل موته بثلاتة أيام طلق الزوجة؛ ليمنعها من الميراث: فهل يقع هذا الطلاق؟ وما الذي يجب لها في تركته؟ فأجاب: هذه المطلقة إِنْ كانت مطلقة طلاقاً رجعياً، ومات زوجها، وهي في العدة وَرِثتْهُ باتفاق المسلمين، وإن كان الطلاق بائناً كالمطلقة ثلاثاً؛ ورثته

стр. 1972

أيضاً عند جماهير أئمة الإِسلام، وبه قضى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ لما طلق عبد الرحمن بن عوف زوجته بنت الأصبغ الكلبية طلقها ثلاثاً في مرض موته، فشاور عثمان الصحابة فأشاروا على أنها ترِث منه، ولم يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك خلاف. وإِنما ظهر الخلاف في خلافة ابن الزبير، فإِنه قال: لو كنت أنا لم أورثها، وابن الزبير قد انعقد الإِجماع قبل أن يصير من أهل الاجتهاد، وإِلى ذلك ذهب أئمة التابعين، ومن بعدهم، وهو مذهب أهل العراق: كالثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه، ومذهب أهل المدينة، كمالك، وأصحابه، ومذهب فقهاء الحديث: كأحمد بن حنبل، وأمثاله، وهو القول القديم للشافعي. وفي الجديد وافق ابن الزبير؛ لأن الطلاق واقع بحيث لو ماتت هي لم يرثها هو بالاتفاق، فكذلك لا ترثه هي، ولأنها حرمت عليه بالطلاق، فلا يحل له وطؤها، ولا الاستمتاع بها، فتكون أجنبية، فلا ترث ... ". وجاء في "الاختيارات الفقهية" (ص ١٩٨): "ونكاح المريض في مرض الموت صحيح، وترث زوجته منه في قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، ولا تستحق إِلا مَهر المِثل، لا الزيادة عليه بالاتفاق". انتهى. وكما يقع النكاح في مِثل هذا الحال يقع الطلاق، كلاهما بشرطه، والله -تعالى- أعلم. متى يطلّق القاضي ؟ ١ - عدم الإِنفاق: جاء في "المحلّى" (١١/ ٣٢٦) تحت المسألة (١٩٣١): "وَمن منع النفقة

стр. 1973

والكسوة وهو قادر عليها؛ فسواء كان غائباً أو حاضراً: هو دَيْن في ذمته يؤخذ منه أبداً، ويُقضى لها به في حياته وبعد موته ... ". وفيه: (ص ٣٢٧) تحت المسألة (١٩٣٢): "فمن قدر على بعض النفقة والكسوة، فسواء قلَّ ما يقدر عليه أو كثُر: الواجب أن يقضي عليه بما قدر، ويسقط عنه ما لا يقدر، فإِن لم يقدر على شيء من ذلك سقط عنه، ولم يجب أن يقضى عليه بشيء، فإِن أيسر بعد ذلك قضى عليه من حين يوسر، ولا يقضى عليه بشيء مما أنفقته على نفسها من نفقة أو كسوة مدة عسره، لقول الله : ﴿لا يكلف الله نفساً إِلا وُسْعَها﴾ (١)، وقوله -تعالى-: ﴿لا يكلّف الله نفساً إِلا ما آتاها﴾ (٢). فصحَّ يقيناً أن ما ليس في وسعه، ولا آتاه الله -تعالى- إِياه، فلم يكلِّفه الله إِياه، وما لم يكلفه الله -تعالى- فهو غير واجب عليه، وما لم يجب عليه؛ فلا يجوز أن يقضى عليه به أبداً أيسر أو لم يوسر. وهذا بخلاف ما وجب لها من نفقة أو كسوة؛ فمنعها إِياها وهو قادر عليها، فهذا يؤخذ به أبداً أعسر بعد ذلك أو لم يُعسر، لأنه قد كلَّفه الله -تعالى- إِياه، فهو واجب عليه، فلا يسقطه عنه إِعساره، لكن يوجب الإِعسار أن ينظر به إِلى الميسرة فقط، لقوله : ﴿وإِن كان ذو عسرة فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرة﴾ (٣) ".

стр. 1974

وجاء في "السيل الجرار" (٢/ ٤٥٢) -بحذف-: "قد ذهب الجمهور كما حكاه ابن حجر في "فتح الباري" إِلى ثبوت الفسخ إِذا لم يجد الرَّجل ما ينفق على امرأته، وهو الحق لقوله : ﴿ولا تُمسكوهنّ ضراراً﴾ (١) والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول. وأي ضرار أعظمِ من أن يبقيها في حَبْسِهِ وتحت نكاحه بغير نفقة؟! فإِنَّ هذا ممسك لها ضراراَ بلا شك ولا شبهة، بل ممسك لها مع أشد أنواع الضرار، فإِنَّ قوام الأنفس لا يكون إِلا بالطعام والشراب. ولقول الله : ﴿فإِمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإِحسان﴾ (٢) فخيّر الأزواج بين الأمرين، فليس لهم فسحة في المعاملة للزوجات بأحدهما. فمن لم يُمسك بمعروف كان عليه التسريح بإِحسان، فإِنْ لم يفعل كان على حُكَّام الشريعة أن يوصلوا المُمْسَكَةَ ضراراً بحكم الله فيفسخوا نكاحها. وأين الإِمساك بمعروف من رجل ترك زوجته في مضايق الجوع، ومتالف المخمصة، وعرَّضها للهلاك، وحبَسها عن طلب رزق الله وأراد أن تكون له فراشاً، وهي بهذه الحالة المنكرة والصفة المستشنعة، وكل من يعرف الشريعة يعلم أن هذا منكر من منكراتها ومُحرَّم من مُحرَّماتها ولقوله : ﴿ولا تضاروهنّ﴾ (٣) وهذا من أعظم أنواع الضرار وأشدها كما سلف.

стр. 1975

وأيضاً قد شرع الله -سبحانه- بعْث الحَكَمين بين الزَّوجين عند مجرَّد الشِّقاق وفوَّض إِليهما ما فوَّضه إِلى الأزواج، فإِذا كان لهما التفرقة بمجرد وجود الشقاق؛ فكيف لا يكون لحاكم الشريعة الفسخ بعد وصول المرأة إليه؛ تشكو إِليه ما مسَّها من الجوع، ونزَل بها من الفاقة الشديدة. والحاصل أن بعض ما ذكَرناه يصلح مستنداً لفسخ النكاح في هذه الحالة ... وأمّا استدلال المانعين من الفسخ بقوله -سبحانه-: ﴿لينفق ذو سَعَةٍ مِن سَعَته ومن قُدِرَ عليه رزقُهُ فلينفق مما آتاه الله﴾ (١) فيجاب عنه بأنا لا نكلفه بأن ينفق زيادة على ما آتاه، بل دفعنا الضرار عن المرأة وخلَّصناها من حباله لتذهب تطلب لنفسها رزق الله بالتكسب، أو تتزوّج آخر يقوم بمطعمها ومشربها". جاء في "الروضة الندية" (٢/ ١١٢): "وأمّا التفريق بين المعسِر وبين امرأته، فأقول: إِذا كانت المرأة جائعة، أو عارية في الحالة الراهنة فهي في ضرار، والله -تعالى- يقول: ﴿ولا تضاروهنّ﴾ (٢) وهي أيضاً غير معاشَرة بالمعروف، والله يقول: ﴿وعاشروهنّ بالمعروف﴾ (٣) وهي أيضاً غير ممسَكة بمعروف، والله يقول: ﴿فإِمساك بمعروف أو تسريحٌ بإِحسان﴾ (٤) بل هي ممسَكة

стр. 1976

ضراراً، والله يقول: ﴿ولا تمسكوهنّ ضراراً﴾ (١) والنّبيّ صلّى الله -تعالى- عليه وآله وسلّم- يقول: "لا ضرر ولا ضرار" (٢). ثمّ من أعظم ما يدل على جواز الفسخ بعدم النفقة؛ أن الله -سبحانه- قد شرع الحَكَمين بين الزوجين عند الشقاق، وجعل إِليهما الحُكْم بينهما، ومن أعظم الشقاق أن يكون الخصام بينهما في النفقة. وإذا لم يمكنهما دفْع الضرر عنها إِلا بالتفريق، كان ذلك إِليهما. وإذا جاز ذلك منهما، فجوازه من القاضي أولى". انتهى. و"كتب عمر إِلى أُمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم يأمرهم أن يُنفقوا أو يُطلّقوا، فإِنْ طلَّقوا بعَثوا بنفقة ما مضى، قال ابن المنذر: ثبت ذلك عن عمر" (٣). ٢ - غَيبة الزوج: *مِن حق الزوجة أن تطلب التفريق إِذا غاب عنها زوجها، ولو كان له مالٌ تنفق منه؛ إِذا كان غياب الزوج لغير عُذر مقبول، مع حصول التضرّر بغيابه* (٤).

стр. 1977

وثبت أنه فُقد رجل في عهد عمر ﵁ فجاءت امرأته إِلى عمر فَذكَرت ذلك له فقال: انطلقي فتربصي أربع سنين، فَفَعَلت، ثمّ أتته فقال: انطلقي فاعتدي أربعة أشهر وعشراً فَفَعَلت، ثمّ أتته فقال: أين وليُّ هذا الرجل؟ فجاء وليُّه فقال: طلِّقها ففعَل. فقال عمر: انطلقي فتزوجي من شئت. فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "قضى عمر ﵁ في المفقود تَرَبَّصُ امرأته أربع سنين، ثمّ يطلقها وليّ زوجها، ثمّ تربص بعد ذلك أربعة أشهر وعشرا، ثمّ تزوج" (١). عن عبد الرحمن بن أبي ليلى "أنّ رجلاً من قومه من الأنصار خرج يصلّي مع قومه العشاء، فسَبَتْهُ الجنّ، فَفُقد، فانطلقت امرأته إِلى عمر بن الخطاب ﵁ فقصَّت عليه القصَّة، فسأل عنه عمر قومه، فقالوا: نعم؛ خرج يصلّي العشاء فَفُقد، فأمرها أن تربص أربع سنين، فلما مضت الأربع سنين؛ أتته فأخبرته، فسأل قومها؟ فقالوا: نعم؛ فأمرها أن تتزوج، فتزوجت. فجاء زوجها يخاصم في ذلك إِلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال عمر بن الخطاب ﵁: يغيب أحدكم الزمان الطويل، لا يعلم أهله حياته، فقال له: إِنّ لي عذراً يا أمير المؤمنين، فقال: وما عذرك؟ قال: خرجتُ أصلِّي العشاء، فسَبَتْنِي الجنّ، فلبثتُ فيهم زماناً طويلاً، فغزاهم جنٌّ مؤمنون -أو قال: مسلمون، شك سعيد- فقاتلوهم، فظهَروا عليهم، فسبَوا منه سبايا، فسَبَوني فيما سبَوا منهم، فقالوا: نراك رجلاً مسلماً ولا يحلُّ لنا سبيُك، فخيروني بين المُقَامِ وبين القُفُول إِلى أهلي، فاخترت القفول إِلى أهلي،

стр. 1978

فأقبلوا معي، أمَّا بالليل فليس يحدثوني، وأمَّا بالنّهار فعصاً أتبعها. فقال له عمر ﵁: فما كان طعامك فيهم؟ قال: الغول، وما لم يذكر اسم الله عليه، فال: فما كان شرابك فيهم؟ قال: الجدف، قال قتادة: والجدف ما لا يخمر من الشراب قال: فخيَّره عمر بين الصَّداق وبين امرأته" (١). والخلاصة: أنّ عمر ﵁ أمَرها أن تنتظر أربع سنين، وبعد ذلك تربص أربعة أشهر وعشراً ثمّ الزَّواج. ٣ - التطليق للضَّرر: *ذهب بعض العلماء أن للزوجة أن تطلب من القاضي التفريق، إِذا ادّعت إِضرار الزوج بها إِضراراً؛ لا يُستطاع معه دوام العِشرة بين أمثالهما، مثل ضَرْبها، أو سبِّها، أو إِيذائها بأي نوع من أنواع الإِيذاء الذي لا يُطاق، أو إكراهها على مُنكَر؛ من القول أو الفعل، فإِذا ثبتت دعواها لدى القاضي، ببيِّنة أو اعتراف الزوج، وكان الإِيذاء مما لا يُطاق معه دوام العِشرة بين أمثالهما، وعجز القاضي عن الإِصلاح بينهما* (٢) تولى القاضي تطليقها بعد التثبت من ذلك. وقد قال -سبحانه-: ﴿فإِمساك بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾. فوجبَ على من لم يُمسِك بالمعروف أن يُسرّح بإِحسان، فإِذا لم يفعل؛ شكت المرأة أمرها إِلى القاضي وحَكم بذلك. وفي الحديث: "لا ضرر ولا ضرار" (٣).

стр. 1979

متعة الطّلاق قال الله -تعالى-: ﴿لا جُناح عليكم إِنْ طلّقتم النساء ما لم تمسّوهنّ أو تفرِضوا لهنّ فريضة ومتّعوهنّ على الموسع قَدَرُه وعلى المقتر قَدَرُه متاعاً بالمعروف حقّاً على المحسنين﴾ (١). عن سهل الساعدي، وأبي أُسيد ﵄ قالا: "تَزوَّج النّبي ﷺ أمَيمة بنتَ شراحيل، فلمّا أُدخلت عليه بسَط يدَه إِليها (٢)، فكأنّها كرِهت ذلك، فأمَرَ أَبا أُسيدٍ أن يُجهِّزها ويكسوها ثوبين رازقيَّيْن (٣) " (٤). وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما طلّق حفص بن المغيرة امرأته فاطمة، أتت النبي ﷺ فقال لزوجها: مَتِّعها، قال: لا أَجد ما أمتّعها، قال: فإِنّه لا بدّ من المتاع، قال: متِّعْها ولو نصف صاعٍ من تمر (٥). الخُلع * الحياة الزوجية لا تقوم إِلا على السكن، والمودة والرحمة، وحُسن المعاشرة، وأداء كل من الزوجين ما عليه من حقوق، وقد يحدُث أن يَكرَه

стр. 1980

الرجل زوجته، أو تكره هي زوجها، والإِسلام في هذه الحال يوصي بالصبر والاحتمال، وينصح بعلاج ما عسى أن يكون من أسباب الكراهية؛ قال الله -تعالى-: ﴿وعاشروهنّ بالعروف فإِنْ كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويَجْعَلَ الله فيه خيراً كثيراً﴾ (١). وفي الحديث الصحيح: "لا يَفْرَكْ (٢) مؤمن مؤمنة؛ إِنْ كره منها خُلُقاً، رضي منها آخر" (٣). إِلا أن البغض قد يتضاعف، ويشتد الشقاق، ويصعب العلاج، وينفد الصبر، ويذهب ما أُسِّس عليه البيت؛ من السكن، والمودة، والرحمة، وأداء الحقوق، وتصبح الحياة الزوجية غير قابلة للإِصلاح، وحينئذ يرخّص الإِسلام بالعلاج الوحيد الذي لا بد منه. فإِنْ كانت الكراهية من جهة الرجل، فبَيدِه الطلاق، وهو حقٌّ من حقوقه، وله أن يستعمله في حدود ما شرع الله، وإِنْ كانت الكراهية من جهة المرأة، فقد أباح لها الإِسلام أن تتخلص من الزوجية بطريق الخُلع، بأن تعطي الزوج ما كانت أخذتْ منه، باسم الزوجية؛ ليُنهي علاقته بها. وفي ذلك يقول الله : ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئاً إِلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإِنْ خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جُناح عليهما فيما افتدت به﴾ (٤).

стр. 1981

وفي أخْذ الزوج الفدية عدلٌ وإنصاف؛ إِذ إِنَّه هو الذي أعطاها المهر، وبذَل تكاليف الزواج، والزفاف، وأنفقَ عليها، وهي التي قابلت هذا كلّه بالجحود، وطلبَت الفراق، فكان من النَّصَفَة أن تَرُدَّ عليه ما أخذَت. وإنْ كانت الكراهية منهما معاً؛ فإِنْ طلَب الزوج التفريق، فبيده الطلاق، وعليه تَبِعاتُه، وإنْ طلبَت الزوجة الفُرقة، فبيدها الخُلع، وعليها تَبِعاتُهُ كذلك"* (١). تعريفه: الخُلع: أصْله من خَلْع الثوب؛ لأنّ المرأة لباسُ الرجل معنىً، وضُمّ مصدره تفرقةً بين الحِسّي والمعنوي وهو طلب المرأة الفراق من زوجها؛ على عِوَضٍ تبذلُه له (٢). وقال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (١١/ ٥٨٤): "الخلع: وهو الافتداء إِذا كرهت المرأة زوجها، فخافت أن لا توفيه حقَّه، أو خافت أن يبغضها فلا يوفيها حقَّها، فلها أنْ تفتدي منه ويطلِّقها، إنْ رضي هو؟ وإلا لم يجبر هو؟ ولا أجبرت هي؟ إِنما يجوز بتراضيهما". وجاء في "زاد المعاد" (٥/ ١٩٦): "وفي تسميته -سبحانه- الخُلع فديةً؛ دليلٌ على أنّ فيه معنى المعاوضة ولهذا اعتُبر فيه رضا الزوجين". وسُئل شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-: ما هو الخُلع الذي جاء به الكتاب والسّنة؟ فأجاب: الخُلع الذي جاء به الكتاب والسّنة: أن تكون المرأة كارهة للزوج

стр. 1982

تريد فراقه فتعطيه الصداق أو بعضه فداء نفسها؛ كما يفتدي الأسير (١). مشروعيته: قال الله -تعالى-: ﴿ولا يحلّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئاً إِلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإِنْ خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: "أنّ امرأة ثابت بن قيس أتت النّبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتِبُ عليه في خُلقٍ ولا دين، ولكنّي أكره الكُفر في الإِسلام (٣). فقال رسول الله ﷺ : أترُدّين عليه حديقته؟ قالت: نعم؛ قال رسول الله ﷺ : اقبَل الحديقة وطلّقها تطليقة" (٤). اشتراط النشوز (٥) فيه وعدم إِقامة حدود الله -تعالى-: جاء في "السيل الجرار" (٢/ ٣٦٤): "وأمّا اشتراط النشوز منها فلقوله

стр. 1983

- : ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيمتوهنّ شيئاً إِلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإِنْ خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ (١) فقيَّد -سبحانه- حلّ الافتداء بمخافتهما ألا يقيما حدود الله. وظاهر الآية أن الخُلع لا يجوز إِلا بحصول المخالفة منهما جميعاً، بأن يخاف الزوج أن لا يمسكها بالمعروف، وتخاف الزوجة أن لا تطيعه كما يجب عليها. ولكنّه لمّا ثبتَ حديث ابن عباس عند البخاري وغيره (٢) ... دلّ ذلك على أنّ المخافة لعدم إِقامة حدود الله من طريقها كافية في جواز الاختلاع". وقال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": "ثمّ قد قال طائفة كثيرة من السلف، وأئمة الخلف: إِنه لا يجوز الخُلع إِلا أنْ يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة، فيجوز للرجل حينئذ قَبول الفدية، واحتجوا بقوله -تعالى-: ﴿ولا يحِلُّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئاً إِلا أن يخافا ألا يُقيما حُدود الله ... ﴾ الآية، قالوا: فلم يشرع الخُلع إِلا في هذه الحالة، فلا يجوز في غيرها إِلا بدليل، والأصل عدمه. وممن ذهب إِلى هذا ابن عباس، وطاوس، وإبراهيم، وعطاء، والحسن، والجمهور؛ حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئاً وهو مضارّ لها وجب ردّه إِليها، وكان الطلاق رجعياً؛ قال مالك: وهو الأمر الذي أدركتُ الناس عليه. وذهب الشافعي ﵀ إِلى أنه يجوز الخُلع في حالة الشقاق، وعند

стр. 1984

الاتفاق بطريق الأولى والأحرى (١). انتهى. لا يجوز التضييق على الزوجة لأجل الافتداء: قال الله -تعالى-: (أسكنوهنّ مِنْ حيثُ سكنتم مِن وُجدكم (٢) ولا تضارُّوهن لتُضيّقوا عليهنّ﴾ (٣). قال مقاتِل بن حيان: يعني يضاجرها لتفتدي منه بمالها أو تخرج من مسكنه (٤). وجاء في "تفسير ابن كثير": "وقوله: ﴿ولا يحلّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئاً إِلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾. أي: لا يحل لكم أن تضاجروهنّ وتضيقوا عليهن، ليفتدين منكم بما أعطيتموهنّ من الأصدقة أو ببعضه؛ كما قال -تعالى-: ﴿ولا تعضُلُوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ إِلا أن يأتين بفاحشة مُبَيِّنَة﴾ (٥) فأما إِنْ وهبته المرأة شيئاً عن طيب نفس منها، فقد قال -تعالى-: ﴿فإِن طبن لكم عن شيء منه فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ (٦).

стр. 1985

وأمّا إِذا تشاقق الزوجان ولم تقم المرأة بحقوق الرجل، وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذْلها، ولا عليه في قَبُول ذلك منها؛ ولهذا قال -تعالى-: ﴿ولا يحلّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئاً إِلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإِنْ خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ الآية. فأمّا إِذا لم يكن لها عذر وسألت الافتداء منه، فقد قال ابن جرير: [وساق بإِسناده إِلى ثوبان ﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة سألت زوجها طلاقاً في غير ما بأس فحرامٌ عليها رائحة الجنّة" (١). وقال ﷺ : "المختلعات (٢) والمنتزعات هنّ المنافقات" (٣). الخُلع بتراضي الزوجين (٤): والخُلع يكون بتراضي الزوج والزوجة، فإِذا لم يتم التراضي منهما، فللقاضي إِلزام الزوج بالخلع؛ لأن ثابتاً وزوجته رفَعا أمرهما للنّبيّ ﷺ ، وألزمه الرسول ﷺ بأن يقبل الحديقة، ويطلِّق، كما تقدّم في الحديث.

стр. 1986

جواز الخُلع في الطُّهر والحيض: *يجوز الخلع في الطهر والحيض، ولا يتقيد وقوعه بوقت؛ لأن الله -سبحانه- أطلقه، ولم يقيده بزمن دون زمن؛ قال الله -تعالى-: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ (١)، ولأن الرسول- ﵊ أطلق الحُكم في الخُلع؛ بالنسبة لامرأة ثابت بن قيس من غير بحث، ولا استفصال عن حال الزوجة، وليس الحيض بأمر نادر الوجود، بالنسبة للنساء. قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: ترْك الاستفصال في قضايا الأحوال، مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال، والنّبيّ ﷺ لم يستفصل؛ هل هي حائض أم لا؟ * (٢). وقال شيخ الإِسلام ﵀ بعد أن بيّن أنّ الخلع كافتداء الأسير-: "ولهذا يُباح في الحيض بخلاف الطلاق" (٣). هل يجوز للزّوج أخْذ الزيادة على المهر ؟ ذهب بعض العلماء إِلى جواز أخْذ الزيادة لعموم قوله -تعالى-: ﴿فلا جُناح عليهما فيما افتدت به﴾ وقالوا: دلّ على جوازه قلّ أو كَثُر. وهذا سائغٌ لولا التقييد الذي جاء به الكتاب والسّنة. جاء في "السيل الجرار" (٢/ ٣٦٥) تعليقاً على عبارة: "ولا يحلّ منها

стр. 1987

أكثر ممّا لزم بالعقد": ظاهر القرآن يدلّ على هذا فإِنه -سبحانه- قال: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئاً﴾ (١) إِلى آخر الآية فإِنها واردة في أخذ الزوج لشىء مما أتاها فإِذا أخذ منها زيادة على ما آتاها فقد خالف ما في الكتاب العزيز. ثمّ قال: ويدلّ على هذا أيضاً؛ ما أخرجه ابن ماجه ولفظ الحديث: "عن ابن عباس أن جميلة بنت سلول أتت النبيّ ﷺ فقالت: والله ما أعتب على ثابت في دين ولا خلُق، ولكني أكره الكُفر في الإِسلام، لا أطيقه بغضاً، فقال لها النّبيّ ﷺ : "أترُّدِّينَ عليه حديقته؟ " قالت: نعم، فأمره رسول الله ﷺ أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد" (٢). المختلعة تعتدّ بحيضة واحدة: عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عفراء؛ أنَّها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ ؛ فأمَرَها النّبي ﷺ أو أُمِرت أنْ تعتدَّ بِحَيضَة (٣). وعن ابن عباس ﵄ "أنّ امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه، فجعل النّبىّ ﷺ عدتها حيضة" (٤). وعن ثابت بن قيس بن شمّاس: "أنه ضرب امرأته فكَسَر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أُبي، فأتى أخوها يشتكيه إِلى رسول الله ﷺ ، فأرسل

стр. 1988

رسول الله ﷺ إِلى ثابت، فقال له: خُذ الذي لها عليك، وخلّ سبيلها، قال: نعم. فأمَرها رسول الله ﷺ أن تتربص حيضة واحدة، فتلحق بأهلها" (١). هل الخُلع فسْخٌ أم طلاق (٢): جاء في "الفتاوى" (٣٢/ ٢٨٩). "وسئل -رحمه الله تعالى-: عن الخُلع هل هو طلاق محسوب من الثلاث؟ وهل يشترط كونه بغير لفظ الطلاق ونيته؟ فأجاب -رحمه الله تعالى-: هذه المسألة فيها نزاع مشهور بين السلف والخلف، فظاهر مذهب الإِمام أحمد وأصحابه؛ أنه فرقة بائنة وفسخٌ للنِّكاح، وليس من الطلاق الثلاث. فلو خلَعها عشر مرات كان له أن يتزوجها بعقد جديد قبل أن تنكح زوجاً غيره، وهو أحد قولي الشافعي، واختاره طائفة من أصحابه ونصروه، وطائفة نصروه ولم يختاروه؛ وهذا قول جمهور فقهاء الحديث: كإِسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر، وابن خزيمة؛ وهو ثابت عن ابن عباس وأصحابه: كطاوس، وعكرمة. والقول الثاني: أنه طلاق بائن محسوب من الثلاث، وهو قول كثير من السلف، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، والشافعي في قوله الآخر؛ ويقال: إِنه الجديد، وهو الرواية الأخرى عن أحمد، ويُنقل ذلك عن عمر، وعثمان،

стр. 1989

وعلي، وابن مسعود؛ لكن ضعف أحمد وغيره من أئمة العلم بالحديث كابن المنذر، وابن خزيمة، والبيهقي وغيرهم النقل عن هؤلاء؛ ولم يصححوا إِلا قول ابن عباس: إِنه فسْخ وليس بطلاق. وأمّا الشافعي وغيره فقال: لا نعرف حال من روى هذا عن عثمان: هل هو ثقة أم ليس بثقة؟ فما صححوا ما نقل عن الصحابة؛ بل اعترفوا أنهم لا يعلمون صحته، وما علمت أحداً من أهل العلم بالنقل صَحَّحَ ما نُقل عن الصحابة من أنه طلاق بائن محسوب من الثلاث؛ بل أثبت ما في هذا عندهم ما نُقل عن عثمان، وقد نُقل عن عثمان بالإِسناد الصحيح أنه أمر المختلعة أن تستبرئ بحيضة، وقال: لا عليك عدة. وهذا يوجب أنه عنده فرقة بائنة؛ وليس بطلاق؛ إذ الطلاق بعد الدخول يوجب الاعتداد بثلاثة قروء بنص القرآن واتفاق المسلمين؛ بخلاف الخلع؛ فإِنه قد ثبت بالسّنة وآثار الصحابة أن العدة فيها استبراء بحيضة، وهو مذهب إِسحاق، وابن المنذر، وغيرهما، وإحدى الروايتين عن أحمد. وقد رد ابن عباس امرأة على زوجها بعد طلقتين وخُلْع مرة قبل أن تنكح زوجاً غيره، وسأله إِبراهيم بن سعد بن أبي وقاص لما ولاَّه الزبير على اليمن عن هذه المسألة وقال له: إِنّ عامّة طلاق أهل اليمن هو الفداء؟ فأجابه ابن عباس بأن الفداء ليس بطلاق؛ ولكن الناس غلطوا في اسمه. واستدل ابن عباس بأن الله -تعالى- قال: ﴿الطلاق مرتان فإِمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإِحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئاً إِلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإِن خفتم ألا يُقيما حدود الله فلا جناح

стр. 1990

عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظلمون * فإِنّ طلّقها فلا تحل له من بعد حتّى تنكح زوجاً غيره﴾ (١). قال ابن عباس: فقد ذكر الله -تعالى- الفدية بعد الطلاق مرتين، ثمّ قال: ﴿فإِنّ طلّقها فلا تحل له من بعد حتّى تنكح زوجاً غيره﴾ وهذا يدخل في الفدية خُصوصاً، وغيرها عموماً، فلو كانت الفدية طلاقاً لكان الطلاق أربعاً. وأحمد في المشهور عنه هو ومن تقدّم اتبعوا ابن عباس". وقال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (٣٢/ ٩١): " ... ولهذا ذهب كثير من السلف والخلف إِلى أن الخلع فسْخ للنكاح؛ وليس هو من الطلقات الثلاث، كقول ابن عباس، والشافعي وأحمد في أحد قوليهما لأن المرأة افتدت نفسها من الزوج كافتداء الأسير؛ وليس هو من الطلاق المكروه في الأصل، ولهذا يباح في الحيض؛ بخلاف الطلاق. وأمّا إِذا عدل هو عن الخلع وطلقها إِحدى الثلاث بعِوَض فالتفريط منه". وقال ابن القيّم ﵀ في "زاد المعاد" (٥/ ١٩٦): "وفي أمره ﷺ المختلعة أن تعتدَّ بحيضة واحدة دليل على حُكمين: أحدهما (٢): أنه لا يجب عليها ثلاث حيض، بل تكفيها حيضةٌ واحدة. وهذا كما أنه صريحُ السنة، فهو مذهب أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، والرُّبَيِّع بِنْت مُعوّذ، وعمها وهو من كبار

стр. 1991

الصحابة، لا يُعرف لهم مخالف منهم، كما رواه الليث بن سعد، عن نافع مولى ابن عمر، أنه سمع الرُّبَيِّعْ بِنْت مُعوّذ بن عفراء وهي تُخبر عبد الله بن عمر ﵄ أنها اختلعت من زوجها على عهد عثمان بن عفان، فجاء عمّها إِلى عثمان بت عفان، فقال له: إِن ابنة مُعَوّذ اختلعت من زوجها اليوم، أفتنتقل؟ فقال عثمان: لتنتقل ولا ميراث بينهما، ولا عدة عليها إِلا أنها لا تنكح حتى تحيض حيضة خشية أن يكون بها حَبَلٌ، فقال عبد الله بن عمر: فعثمان خيرنا وأعلمنا. وذهب إِلى هذا المذهب إِسحاق بن راهويه، والإِمام أحمد في رواية عنه، اختارها شيخ الإِسلام ابن تيمية. قال من نصر هذا القول: هو مقتضى قواعِدِ الشريعة، فإِن العدة إِنما جُعلت ثلاثَ حيض لِيَطُول زمن الرّجعة، فيتروّى الزوج، ويتمكّن من الرجعة في مدة العِدة، فإِذا لم تكن عليها رجعة، فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل، وذلك يكفي فيه حيضة، كالاستبراء، قالوا: ولا ينتقض هذا علينا بالمطلقة ثلاثاً، فإِن باب الطلاق جُعِلَ حكمُ العدة فيه واحداً بائنة ورجعية. قالوا: وهذا دليل على أن الخلع فسخ، وليس بطلاق، وهو مذهب ابن عباس، وعثمان، وابن عمر، والرُّبَيِّع، وعمّها، ولا يصحّ عن صحابى أنه طلاق البتة، فروى الإِمام أحمد، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس ﵃ أنه قال: الخُلع تفريق، وليس بطلاق. وذكر عبد الرزاق، عن سفيان، عن عمرو، عن طاوس، أن إِبراهيم بن سعد ابن أبي وقاص سأله عن رجل طلق امرأته تطليقتين، ثمّ اختلعت منه:

стр. 1992

أينكحِها؟ قال ابن عباس: نعم، ذكَر الله الطلاق في أوّل الآية وآخرها، والخلع بين ذلك. وإذا كانت أحكام الفدية غير أحكام الطلاق، دلّ على أنها من غير جنسه، فهذا مقتضى النصّ، والقياس، وأقوال الصحابة، ثمّ مَن نَظر إِلى حقائق العقود ومقاصدها دون ألفاظها؛ يَعُدُّ الخُلع فسخاً بأي لفظ كان حتى بلفظ الطلاق، وهذا أحدُ الوجهين لأصحاب أحمد، وهو اختيار شيخنا، قال: وهذا ظاهر كلام أحمد، وكلام ابن عباس وأصحابه. قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول: ما أجازه المال، فليس بطلاق. قال عبد الله بن أحمد: رأيت أبي كان يذهب إِلى قول ابن عباس، وقال عمرو عن طاوس عن ابن عباس: الخلعُ تفريقٌ وليس بطلاق. وقال ابن جريج عن ابن طاوس: كان أبي لا يرى الفداء طلاقاً ويُخَيّرُهُ. ومن اعتبر الألفاظ ووقف معها، واعتبرها في أحكام العُقود، جعله بلفظ الطلاق طلاقاً، وقواعد الفقه وأصوله تشهد أن المرعيّ في العقود حقائقها ومعانيها لا صورها وألفاظها، وبالله التوفيق. ومما يدلُّ على هذا، أنّ النبيّ ﷺ أمَر ثابت بن قيس أن يطلق امرأته في الخلع تطليقة، ومع هذا أمرها أن تعتدّ بحيضة، وهذا صريح في أنه فسْخ، ولو وقع بلفظ الطلاق. وأيضاً فإِنه -سبحانه- علّق عليه أحكام الفِدية بكونه فدية، ومعلوم أنّ الفدية لا تختص بلفظ، ولم يُعيِّن الله -سبحانه- لها لفظاً معيّناً، وطلاق الفداء

стр. 1993

طلاقٌ مقيّد، ولا يدخل تحت أحكام الطلاق المطْلَق، كما لا يدخل تحتها في ثبوت الرجعة والاعتداد بثلاثة قروء بالسنة الثابتة، وبالله التوفيق. مسألة: جاء في "الفتاوى" (٣٢/ ٢٨٥): "وسئل شيخ الإِسلام- ﵀ عن ثيِّب بالغ لم يكن وليها إِلا الحاكم، فزوَّجها الحاكم لعدم الأولياء، ثمّ خالعها الزوج وبرَّأته من الصداق بغير إِذن الحاكم: فهل تصح المخالعة والإِبراء؟ فأجاب: إِذا كانت أهلاً للتبرع جاز خلْعها وإبراؤها بدون إِذْن الحاكم". علاج نشوز الرجل: قال الله -تعالى-: ﴿وإِنِ امرأةٌ خافت مِن بعلها نشوزاً أو إِعراضاً فلا جُناح عليهما أن يُصلحا بينهما صُلحاً والصُّلح خير وأُحضرت الأنفسُ الشحَّ وإِن تُحسنوا وتتّقوا فإِنّ الله كان بما تعملون خبيراً﴾ (١). قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": "يقول -تعالى- مخبراً ومشرعاً عن حال الزوجين: تارة في حال نفور الرجل عن المرأة، وتارة في حال اتفاقه معها، وتارة في حال فراقه لها. فالحالة الأولى: ما إِذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها، أو يُعِرض عنها، فلها أن تُسقِط حقَّها أو بعضَه، من نفقةٍ أو كسوةٍ أو مبيت، أو غير ذلك من الحقوق عليه، وله أن يقبل ذلك منها، فلا جُناح عليها في بذْلها ذلك له، ولا عليه في قَبوله منها، ولهذا قال -تعالى-: ﴿فلا جُناح عليهما أن يُصلحا بينهما صُلحاً﴾ ثم قال: ﴿والصلح خير﴾ أي: من الفراق. وقوله:

стр. 1994

﴿وأُحضرت الأنفس الشح﴾ أي: الصُّلح عند المُشاحَّة خير من الفراق؛ ولهذا لما كَبِرَتْ سودة بنت زمعة عزم رسول الله ﷺ فراقها، فصالحته على أن يُمسكها، وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها وأبقاها على ذلك". ثم ذَكر ﵀ النصوص المتعلقة بذلك (١)، منها: حديث عائشة ﵂ أنّ سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النّبيّ ﷺ يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة" (٢). وعنها أيضاً: " ﴿وإِن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إِعراضاً﴾ قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حِلٍّ، فنزلت هذه الآية في ذلك" (٣). وفي رواية أخرى عنها ﵂: " ﴿وإِن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إِعراضاً﴾ قالت: هو الرجل يرى من امرأته ما لا يعجبه كِبَراً أو غيرَه فيريد فراقها، فتقول: أمسكني، واقسم لي ما شئت. قالت: ولا بأس إِذا تراضيا" (٤). وفي رواية عنها ﵂ كذلك: " ﴿وإِن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إِعراضاً ... ﴾ قالت: هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، فيريد طلاقها ويتزوج غيرها، تقول له: أمسكني ولا تطلّقني، ثمّ تَزَوَّجْ غيري،

стр. 1995

فأنت في حِلٍّ من النفقة عليّ والقسمة لي، فذلك قوله -تعالى-: ﴿فلا جناح عليهما أن يُصْلحا بينهما صلحاً والصُّلح خير﴾ " (١). ثمّ قال ﵀: "وقوله ﴿والصُّلح خير﴾: الظاهر من الآية: أنّ صُلحهما على ترْك بعض حقّها للزوج، وقَبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية، كما أمسَك النّبيّ ﷺ سودة بنت زمعة على أن تركَت يومها لعائشة ﵂ ولم يفارقها بل ترَكَها من جملة نسائه، وفِعله ذلك لتتأسى به أمّته في مشروعية ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقّه ﵊ ولما كان الوفاق أحبَّ إِلى الله من الفراق قال: ﴿والصلح خير﴾ ". ثمّ قال ﵀: "وقوله: ﴿وإِن تُحسنوا وتتّقوا فإِنّ الله كان بما تعملون خبيراً﴾ أي: وإن تتجشَّموا مشقة الصبر على من تكرهون منهن، وتَقسموا لهن أسوة أمثالهنّ، فإِنَّ الله عالم بذلك، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء". علاج نشوز المرأة: قال الله -تعالى-: ﴿واللاتي تخافون نشوزهنّ فعظوهن واهجروهنّ في المضاجع واضربوهن فإِنْ أطعْنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلاً إِنّ الله كان عليّاً كبيراً﴾ (٢). قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": "وقوله: ﴿واللاتي تخافون نشوزهنّ﴾ أي: والنساء اللاتي تتخوفون أن ينشزن على أزواجهنّ -والنشوز:

стр. 1996

هو الارتفاع- فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه، المبغضة له؛ [وتقدَّم] فمتى ظَهَر له منها أمارات النشوز؛ فليَعظها وليُخوِّفها عقاب الله في عصيانه، فإِنّ الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحَرَّم عليها معصيته لما له عليها من الفضل والإِفضال. وقوله: ﴿واهجروهنّ في المضاجع﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الهجران: ألاَّ يجامعها، ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره. وكذا قال غير واحد، وزاد آخرون منهم، السدي، والضحاك، وعكرمة، وابن عباس -في رواية:-: "ولا يُكَلِّمها مع ذلك ولا يُحدِّثها". قال علي بن أبي طلحة -أيضاً- عن ابن عباس: يَعِظها، فإِنْ هي قَبِلت وإلا هجَرها في المضجع، ولا يكلّمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها شديد. وقال مجاهد، والشعبي، وإبراهيم، ومحمد بن كعب، ومقسم، وقتادة: الهجر: هو ألا يضاجعها. ثمّ ساق الحديث: "فإِن خفتم نشوزهنّ فاهجروهنّ في المضاجع، قال حماد: يعني النكاح" (١). ثم ذكَر حديث معاوية بن حيدة القشيري قال: "قلت: يا رسول الله! ما حقُّ زوجة أحدِنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمتَ، وتكسوها إذا اكتسيتَ، ولا تضرب الوجه ولا تقبِّح ولا تهجر إِلا في البيت" (٢).

стр. 1997

ثم قال ﵀: "وقوله: ﴿واضربوهنّ﴾ أي: إِذا لم يرتدِعْن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهنّ ضرباً غير مبرِّح كما ثبت في "صحيح مسلم" (١) عن جابر عن النّبيّ ﷺ : "أنه قال في حَجّة الوداع: فاتقوا الله في النّساء، فإِنكم أخذتموهُنّ بأمان الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فُرُشَكُم أحداً تكرهونه، فإِنْ فعلن ذلك فاضربوهنّ ضرباً غير مبرّح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف". وكذا قال ابن عباس وغير واحد: ضرباً غير مبرِّح؛ قال الحسن البصري: يعني: غير مؤثِّر. وقال الفقهاء: هو أن لا يكسر فيها عضواً، ولا يؤثر فيها شيئاً. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يهجرها في المضجع، فإِنْ أقبلت وإلا فقد أذِن الله لك أن تضرب ضرباً غير مبرح، ولا تكسر لها عظماً، فإِنْ أقبلت وإِلا فقد حل لك منها الفدية. ثمّ ذكر الحديث: "لا تضربوا إِماء الله، فجاء عمر ﵁ إِلى رسول الله ﷺ فقال: ذَئِرْن (٢) النساء على أزواجهنّ، فرخصّ في ضربهنّ، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهنّ، فقال النّبيّ ﷺ : لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهنّ، ليس أولئك بخياركم" (٣). ثمّ قال ﵀: "وقوله: ﴿فإِنْ أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلاً﴾

стр. 1998

أي: فإِذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريد منها، ممّا أباحه الله له منها، فلا سبيلَ له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها". وقوله: ﴿إِنّ الله كان عليَّاً كبيراً﴾ تهديد للرجال إِذا بغوا على النساء من غير سبب؛ فإِن الله العلي الكبير وليُّهنَّ، وهو ينتقم ممن ظلمهنّ وبغى عليهنّ. هل للزَّوجة النَّاشِز نفقة أو كِسْوَة ؟ جاء في "الفتاوى" (٣٢/ ٢٧٨): "وسئل ﵀: عن رجل له زوجة، وهي ناشِز تمنعه نفسها: فهل تسقط نفقتها وكسوتها وما يجب عليها؟ فأجاب: الحمد لله. تسقط نفقتها وكسوتها إِذا لم تُمكِّنه من نفسها، وله أنْ يضربها إِذا أصرَّت على النُّشوز. ولا يحِلُّ لها أن تمنع من ذلك إِذا طالبَها به؛ بل هي عاصِية لله ورسوله". وفيه (ص ٢٧٩): "وسئل شيخ الإِسلام ﵀: عن رجلٍ له امرأة، وقد نشزت عنه في بيت أبيها من مُدَّة ثمانية شهور، ولم ينتفع بها؟ فأجاب: إِذا نشزت عنه فلا نفقة لها، وله أن يضربها إِذا نشزت؛ أوآذته، أو اعتدت عليه". ماذا إِذا وقع الشِّقاق بين الزوجين: قال الله -تعالى-: ﴿وإِنْ خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكَماً من أهله وحكَماً من أهلها إِنْ يريدا إِصلاحاً يوفِّق الله بينهما إِنَّ الله كان عليماً

стр. 1999

خبيراً﴾ (١). قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره" (٢): "ذكر -تعالى- الحال الأول، وهو إِذا كان النفور والنشوز من الزوجة؛ ثمّ ذكَر الحال الثاني وهو: إِذا كان النفور من الزوجين فقال -تعالى-: ﴿وإِنْ خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكَماً من أهله وحكَماً من أهلها﴾. قال الفقهاء: إِذا وقَع الشقاق بين الزوجين، أسكنهما الحاكم إِلى جنب ثقة، ينظر في أمرهما، ويمنع الظالم منهما من الظلم، فإِنْ تفاقم أمرُهما وطالت خصومتهما، بعَث الحاكم ثقة من أهل المرأة وثقة من قوم الرجل، ليجتمعا وينظرا في أمرهما، ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق. وتشوّف الشارع إِلى التوفيق؛ ولهذا قال -تعالى-: ﴿إِنْ يريدا إِصلاحاً يوفق الله بينهما﴾ (٣). قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ قال: "أمَر الله أن يبعثوا رجلاً صالحاً من أهل الرجل، ورجلاً مِثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإِن كان الرجل هو المسيء، حجبوا عنه امرأته وقَصَروه على النفقة، وإنْ كانت المرأة هي المسيئة، قَصَروها على زوجها ومنعوها النفقة. فإِن اجتمع رأيهما على أن يُفَرِّقا أو يَجمَعا؛ فأمرهما جائز ... ". ثم ساق بإِسناد عبد الرزاق إِلى ابن عباس ﵁ قال: "بُعِثتُ أنا

стр. 2000

ومعاوية حَكَمَين، قال معمر: بلغني أنَّ عثمان بعَثَهما وقال لهما: إِنْ رأيتما أنْ تجمعا جمعتما، وإِنْ رأيتما أن تُفرِّقا فرقتما". وساق كذلك بإِسناد عبد الرزاق إِلى عَبِيدَةَ قال: "شهدت علياً وجاءته امرأة وزوجها، مع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكَماً وهؤلاء حكَماً، فقال علي للحَكَمين: أتدريان ما عليكما؟ إِنَّ عليكما إِن رأيتما أن تجمعا، جمعتما. فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وَعَلَيَّ. وقال الزوج: أمّا الفرقة فلا. فقال علي: كذبْتَ، والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك". ثمّ قال الحافظ ابن كثير ﵀: "وقال الحسن البصري: الحَكَمان يَحْكُمان في الجمع ولا يحكمان في التفريق؛ وكذا قال قتادة، وزيد بن أسلم، وبه قال أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وداود، ومأخذهم قوله -تعالى-: ﴿إِنْ يريدا إِصلاحاً يوفِّق الله بينهما﴾ ولم يذكر التفريق. وأمّا إِذا كانا وكيلين من جهة الزوجين، فإِنه ينفَّذ حُكمهما في الجمع والتفرقة بلا خلاف. وقد اختلف الأئمة في الحَكَمين: هل هما منصوبان من عند الحاكم، فيحكمان وإِن لم يرض الزوجان، أو هما وكيلان من جهة الزوجين؟ على قولين: فالجمهور على الأول، لقوله -تعالى-: ﴿فابعثوا حكَماً من أهله وحكَماً من أهلها﴾ فسمَّاهما حَكَمين، ومن شأن الحَكَم أن يَحْكُم بغير رضا المحكوم عليه، وهذا ظاهر الآية، والجديد من مذهب الشافعي، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
следующие страницы →