هو الارتفاع- فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه، المبغضة له؛ [وتقدَّم] فمتى ظَهَر له منها أمارات النشوز؛ فليَعظها وليُخوِّفها عقاب الله في عصيانه، فإِنّ الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحَرَّم عليها معصيته لما له عليها من الفضل والإِفضال.
وقوله: ﴿واهجروهنّ في المضاجع﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الهجران: ألاَّ يجامعها، ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره.
وكذا قال غير واحد، وزاد آخرون منهم، السدي، والضحاك، وعكرمة، وابن عباس -في رواية:-: "ولا يُكَلِّمها مع ذلك ولا يُحدِّثها".
قال علي بن أبي طلحة -أيضاً- عن ابن عباس: يَعِظها، فإِنْ هي قَبِلت وإلا هجَرها في المضجع، ولا يكلّمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها شديد.
وقال مجاهد، والشعبي، وإبراهيم، ومحمد بن كعب، ومقسم، وقتادة: الهجر: هو ألا يضاجعها.
ثمّ ساق الحديث: "فإِن خفتم نشوزهنّ فاهجروهنّ في المضاجع، قال حماد: يعني النكاح" (١).
ثم ذكَر حديث معاوية بن حيدة القشيري قال: "قلت: يا رسول الله! ما حقُّ زوجة أحدِنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمتَ، وتكسوها إذا اكتسيتَ، ولا تضرب الوجه ولا تقبِّح ولا تهجر إِلا في البيت" (٢).
стр. 1997
ثم قال ﵀: "وقوله: ﴿واضربوهنّ﴾ أي: إِذا لم يرتدِعْن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهنّ ضرباً غير مبرِّح كما ثبت في "صحيح مسلم" (١) عن جابر عن النّبيّ ﷺ : "أنه قال في حَجّة الوداع: فاتقوا الله في النّساء، فإِنكم أخذتموهُنّ بأمان الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فُرُشَكُم أحداً تكرهونه، فإِنْ فعلن ذلك فاضربوهنّ ضرباً غير مبرّح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف".
وكذا قال ابن عباس وغير واحد: ضرباً غير مبرِّح؛ قال الحسن البصري: يعني: غير مؤثِّر. وقال الفقهاء: هو أن لا يكسر فيها عضواً، ولا يؤثر فيها شيئاً.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يهجرها في المضجع، فإِنْ أقبلت وإلا فقد أذِن الله لك أن تضرب ضرباً غير مبرح، ولا تكسر لها عظماً، فإِنْ أقبلت وإِلا فقد حل لك منها الفدية.
ثمّ ذكر الحديث: "لا تضربوا إِماء الله، فجاء عمر ﵁ إِلى رسول الله ﷺ فقال: ذَئِرْن (٢) النساء على أزواجهنّ، فرخصّ في ضربهنّ، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهنّ، فقال النّبيّ ﷺ : لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهنّ، ليس أولئك بخياركم" (٣).
ثمّ قال ﵀: "وقوله: ﴿فإِنْ أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلاً﴾
стр. 1998
أي: فإِذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريد منها، ممّا أباحه الله له منها، فلا سبيلَ له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها".
وقوله: ﴿إِنّ الله كان عليَّاً كبيراً﴾ تهديد للرجال إِذا بغوا على النساء من غير سبب؛ فإِن الله العلي الكبير وليُّهنَّ، وهو ينتقم ممن ظلمهنّ وبغى عليهنّ.
هل للزَّوجة النَّاشِز نفقة أو كِسْوَة ؟
جاء في "الفتاوى" (٣٢/ ٢٧٨): "وسئل ﵀: عن رجل له زوجة، وهي ناشِز تمنعه نفسها: فهل تسقط نفقتها وكسوتها وما يجب عليها؟
فأجاب: الحمد لله. تسقط نفقتها وكسوتها إِذا لم تُمكِّنه من نفسها، وله أنْ يضربها إِذا أصرَّت على النُّشوز. ولا يحِلُّ لها أن تمنع من ذلك إِذا طالبَها به؛ بل هي عاصِية لله ورسوله".
وفيه (ص ٢٧٩): "وسئل شيخ الإِسلام ﵀: عن رجلٍ له امرأة، وقد نشزت عنه في بيت أبيها من مُدَّة ثمانية شهور، ولم ينتفع بها؟
فأجاب: إِذا نشزت عنه فلا نفقة لها، وله أن يضربها إِذا نشزت؛ أوآذته، أو اعتدت عليه".
ماذا إِذا وقع الشِّقاق بين الزوجين:
قال الله -تعالى-: ﴿وإِنْ خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكَماً من أهله وحكَماً من أهلها إِنْ يريدا إِصلاحاً يوفِّق الله بينهما إِنَّ الله كان عليماً
стр. 1999
خبيراً﴾ (١). قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره" (٢): "ذكر -تعالى- الحال الأول، وهو إِذا كان النفور والنشوز من الزوجة؛ ثمّ ذكَر الحال الثاني وهو: إِذا كان النفور من الزوجين فقال -تعالى-: ﴿وإِنْ خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكَماً من أهله وحكَماً من أهلها﴾.
قال الفقهاء: إِذا وقَع الشقاق بين الزوجين، أسكنهما الحاكم إِلى جنب ثقة، ينظر في أمرهما، ويمنع الظالم منهما من الظلم، فإِنْ تفاقم أمرُهما وطالت خصومتهما، بعَث الحاكم ثقة من أهل المرأة وثقة من قوم الرجل، ليجتمعا وينظرا في أمرهما، ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق.
وتشوّف الشارع إِلى التوفيق؛ ولهذا قال -تعالى-: ﴿إِنْ يريدا إِصلاحاً يوفق الله بينهما﴾ (٣).
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ قال: "أمَر الله أن يبعثوا رجلاً صالحاً من أهل الرجل، ورجلاً مِثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإِن كان الرجل هو المسيء، حجبوا عنه امرأته وقَصَروه على النفقة، وإنْ كانت المرأة هي المسيئة، قَصَروها على زوجها ومنعوها النفقة. فإِن اجتمع رأيهما على أن يُفَرِّقا أو يَجمَعا؛ فأمرهما جائز ... ".
ثم ساق بإِسناد عبد الرزاق إِلى ابن عباس ﵁ قال: "بُعِثتُ أنا
стр. 2000
ومعاوية حَكَمَين، قال معمر: بلغني أنَّ عثمان بعَثَهما وقال لهما: إِنْ رأيتما أنْ تجمعا جمعتما، وإِنْ رأيتما أن تُفرِّقا فرقتما".
وساق كذلك بإِسناد عبد الرزاق إِلى عَبِيدَةَ قال: "شهدت علياً وجاءته امرأة وزوجها، مع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكَماً وهؤلاء حكَماً، فقال علي للحَكَمين: أتدريان ما عليكما؟ إِنَّ عليكما إِن رأيتما أن تجمعا، جمعتما. فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وَعَلَيَّ. وقال الزوج: أمّا الفرقة فلا. فقال علي: كذبْتَ، والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك".
ثمّ قال الحافظ ابن كثير ﵀: "وقال الحسن البصري: الحَكَمان يَحْكُمان في الجمع ولا يحكمان في التفريق؛ وكذا قال قتادة، وزيد بن أسلم، وبه قال أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وداود، ومأخذهم قوله -تعالى-: ﴿إِنْ يريدا إِصلاحاً يوفِّق الله بينهما﴾ ولم يذكر التفريق.
وأمّا إِذا كانا وكيلين من جهة الزوجين، فإِنه ينفَّذ حُكمهما في الجمع والتفرقة بلا خلاف.
وقد اختلف الأئمة في الحَكَمين: هل هما منصوبان من عند الحاكم، فيحكمان وإِن لم يرض الزوجان، أو هما وكيلان من جهة الزوجين؟ على قولين: فالجمهور على الأول، لقوله -تعالى-: ﴿فابعثوا حكَماً من أهله وحكَماً من أهلها﴾ فسمَّاهما حَكَمين، ومن شأن الحَكَم أن يَحْكُم بغير رضا المحكوم عليه، وهذا ظاهر الآية، والجديد من مذهب الشافعي، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
стр. 2001
والثاني منهما: قول علي ﵁ للزوج حين قال: أمّا الفرقة فلا. قال: كذبت، حتى تُقرَّ بما أقرَّت به. قالوا: فلو كانا حاكمين لا افتقر إِلى إِقرار الزوج، والله أعلم.
قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الحَكَمين، إِذا اختلف قولهما، فلا عبرة بقول الآخر، وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع وإن لم يوكلهما الزوجان، واختلفوا: هل ينفذ قولهما في التفرقة؛ ثمّ حكى عن الجمهور أنه ينفذ قولهما فيها أيضاً. انتهى
قلت: والذي يترجَّح لديّ أنَّ للحَكَمين أنْ يجمَعا وأنْ يُفرِّقا، وذلك إِذا كان فعْل أحدهما هو الأرضى لله -تعالى-، ويكون الأكثر مصلحة أو الأخفّ مفسَدَة للزوجين، وهذا قد يكون في جمْعهِما، وقد يكون في تفريْقهِما -والله أعلم-.
الظِّهار
أصْل الظهار مشتقٌّ من الظَّهْر، وذلك أنّ الجاهلية كانوا إِذا ظاهر أحدهم من امرأته قال لها: أنتِ عليّ كظهر أمّي، [وإنما خُصّ الظهر بذلك دون سائر الأعضاء؛ لأنه محلّ الركوب غالباً، ولذلك سُمّيَ المركوبُ ظهراً، فشُبّهت الزوجة بذلك لأنها مركوب الرجل].
... وكان الظهار عند الجاهلية طلاقاً، فأرخص الله لهذه الأمّة وجعَل فيه كفّارة، ولم يجعله طلاقاً؛ كما كانوا يعتمدونه في الجاهليّة (١).
стр. 2002
قال الله -تعالى-: ﴿الذين يُظاهرون منكم من نسائهم ما هنَّ أُمَّهاتِهِم إِنْ أُمَّهاتُهُم إِلا اللائي ولَدْنهم وإِنهم ليقولون مُنكَراً من القول وزوراً وإِنّ الله لعفوّ غفور﴾ (١). وهذه الآية صريحةٌ في حُرمته.
وعن عروة بن الزبير قال: "قالت عائشة: تبارك الذي وسِع سمْعُه كل شيء، إِني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى عليَّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إِلى رسول الله ﷺ وهي تقول: يا رسول الله! أكلَ شبابي، ونثرتُ له بطني، حتى إِذا كَبِرت سِنِّي، وانقطع ولدي، ظاهَر منّي، اللهم إِني أشكو إِليك.
فما برحت حتى نزل جبرائيل بهؤلاء الآيات: ﴿قد سمع الله قول التي تُجادلك في زوجها وتشتكي إِلى الله﴾ " (٢).
وعن سلمة بن صخر البياضي قال: كنت امرأً أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان، خِفْتُ أن أصيب من امرأتي شيئاً يُتابَعُ بي حتى أُصبح، فظاهرتُ منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي تَخْدُمني ذات ليلة إِذ تكشّف لي منها شيء، فلم ألبَث أن نزوْت عليها (٣)، فلما
стр. 2003
أصبحت، خرجتُ إِلى قومي فأخبرتُهم الخبر، وقلت: امشوا معي إِلى رسول الله ﷺ ، قالوا: لا والله!
فانطلقتُ إلى النّبيّ ﷺ فأخبرتُه، فقال: أنت بذاك يا سلمة؟ قلت: أنا بذاك يا رسول الله -مرتين- وأنا صابر لأمر الله فاحكم فيَّ ما أراك الله، قال: حرِّرْ رقبة قلت: والذي بَعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها، وضربت صفحةَ رقبتي، قال: فصم شهرين متتابِعَيْن قال: وهل أصبتُ الذي أصبتُ إِلا من الصيام؟ قال: فأطعِم وَسْقاً من تمر بين ستّين مسكيناً قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشَيْن (١) ما لنا طعام.
قال: فانطلقْ إِلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إِليك، فأطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر، وكُلْ أنت وعيالك بقيتها، فرجعتُ إِلى قومي، فقلت: وجدتْ عندكم الضيق، وسوء الرأي، ووجدت عند النبيّ ﷺ السعة، وحُسن الرأي. وقد أمرني -أو أمَر لي- بصدقتكم" (٢).
هل الظهار مختصٌّ بالأم ؟
* ... ذهب الجمهور إِلى أنَّ الظِّهار يختص بالأم كما ورد في القرآن، وفي حديث خولة (٣) التي ظاهَر منها أوس. فلو قال: كظهر أختي مثلاً لم يكن
стр. 2004
ظهاراً، وكذا لو قال: كظهر أبي. وفي رواية عن أحمد: أنه ظهار وطرَّده (١) في كل من يحرُم عليه وطؤه حتى في البهيمة* (٢).
وخولة التي أشار إِليها في الحديث هي: خولة بنت مالك بن ثعلبة، قالت: ظاهَر مني زوجي أوس بن الصامت، فجئت رسول الله ﷺ أشكو إِليه، ورسول الله ﷺ يجادلني فيه، ويقول: اتّقي الله فإِنه ابن عمّك، فما برحت حتى نزل القرآن ﴿قد سمع الله قول التي تُجادلك في زوجها﴾ إِلى الفرض فقال: يعتق رقبة، قالت: لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين، قالت: يا رسول الله، إِنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكيناً قالت: ما عنده من شيء يتصدق به، قالت: فأُتي ساعتئذ بعرَقَ (٣) من تمر، قلت: يا رسول الله! فإِني أعينه بعرَق آخر، قال: قد أحسنتِ، اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكيناً، وارجعي إِلى ابن عمّك" (٤).
ثمّ ذكر أقوال بعض العلماء -كأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي والثوري والشافعي في أحد قوليه- الذين قالوا بقياس المحارم على الأمَّ ولو من رضاع.
стр. 2005
*فالظهار عندهم، هو تشبيه الرجل زوجته في التحريم بإِحدى المحرمات عليه، على وجه التأبيد بالنسب، أو المصاهرة، أو الرضاع* (١). إِذ العلة التحريم المؤبد (٢).
وإنْ قال: أنتِ كأمّي أو مِثل أمِّي ونوى به الكرامة والتوقير ونحو ذلك؛ فليس بظهار (٣).
وذكَر ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (١١/ ٢٥٥) قوله -تعالى-: ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هنّ أمهاتهم إِنْ أمّهاتهم إِلا اللائي ولَدْنهم﴾، ثمّ قال ﵀: "فهذه الآية تنتظم كلّ ما قلناه، لأن الله لم يذكر إِلا الظهر من الأم، ولم يوجب -تعالى- الكفَّارة في ذلك إِلا بالعود لما قال".
وقال (ص ٢٦٢): "وقالت طائفة -منهم سفيان الثوري، والشافعي-: إنْ ظاهر برأس أُمّه، أو يدها فهو ظهار.
وقال أبو حنيفة: إِنْ ظاهر بشيء لا يحل له أن ينظر إِليه من أمه؛ فهو ظهار، وإِنْ ظاهر بشيء يحل له أن ينظر إِليه من أمه؟ فليس ظهاراً.
قال أبو محمد: وكل هذه مقاييس فاسدة، ليس بعضها أولى من بعض؛ وكذلك قياس قول مالك ذكَره ابن القاسم: أن ما ظاهر به من أعضاء أمه فهو ظهار! والحق من ذلك ما ذكرنا: من أن لا نتعدّى النّص الذي حدّه الله
стр. 2006
-تعالى-. قال الله -تعالى-: ﴿ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ (١) ".
وجاء في "سبل السلام" (٣/ ٣٥٥): "وقد اتفق العلماء على أنه يقع بتشبيه الزوجة بظهر الأُمِّ، ثمّ اختلفوا فيه في مسائل:
الأولى: إِذا شبَّهها بعضو منها غيره، فذهب الأكثر إِلى أنه يكون ظهاراً أيضاً، وقيل: يكون ظهاراً إِذا شبّهها بعضو يحرم النظر إِليه. وقد عرفت أن النص لم يَرِد إِلا في الظهر.
الثانية: أنهم اختلفوا أيضاً فيما إِذا شبَّهها بغير الأم من المحارم فقالت الهادوية: لا يكون ظهاراً لأن النص ورَد في الأمِّ. وذهب آخرون منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إِلى أنه يكون ظهاراً ولو شبَّهها بمحرم من الرضاع. ودليلهم القياس فإِنَّ العلة التحريم المؤبد، وهو ثابت في المحارم كثبوته في الأمِّ، وقال مالك وأحمد: إِنه ينعقد وإن لم يكن المشبه به مؤبد التحريم كالأجنبية، بل قال أحمد: حتى في البهيمة".
ثمّ قال ﵀: "ولا يخفى أنّ النص لم يرد إِلا في الأم. وما ذكر من إِلحاق غيرها بالقياس وملاحظة المعنى، ولا ينتهض دليلاً على الحُكم".
وجاء في "المغني" (٨/ ٥٥٦): "وإذا قال لزوجته: أنت عليّ كظهر أمّي أو كظهر امرأة أجنبية أو أنتِ عليَّ حرام، أو حرَّمَ عُضواً من أعضائها فلا يطؤها حتى يأتي بالكفَّارة". ثمّ فصّل في ذلك.
أمّا شيخنا ﵀ فهو يرى تقييد الظهار بالأمّ؛ تقيُّداً بالنصّ.
وأقول: إِنَّ لفظ: ﴿يُظاهِرون﴾ له دلالته ولفظ: ﴿إِنْ أمّهاتهم إِلا اللائي
стр. 2007
ولدنهم﴾ له دلالته أيضاً، فالكفَّارة المختصة بهذا النَّوع جاءت لهذا النَّوع من اللفظ.
فالذي يترجَّح لدىَّ أنَّ الظِّهار يختصُّ بالأُمّ؛ لأن الله -تعالى- لم يذكر إِلا الظَّهر من الأُمّ، أمَّا غير الأمِّ فهو أشبه ما يكون بالتَّحريم: كقوله (أنتِ علىَّ حرام) وكفَّارتُه كفَّارة اليمين. وإذا أردنا أنْ نتوسَّع في النَّص فهذا يجرُّنا إِلى:
١ - التَّوسّع بغير لفظ الظَّهر؛ كقوله: أنتِ عليَّ كرِجل كذا، أو كيد كذا، وهكذا يذكر سائر الأعضاء.
٢ - ويَجُرُّنا إِلى التَوَسّع بكلِّ مُحَرَّم؛ من قرابة أو غيرها، أو ذكر أو أُنثى.
ولا دليل على هذا. والله -تعالى- أعلم،
ماذا يفعل من يُظاهر امرأته ؟
يجب على من يُظاهر امرأته ألا يجامعها، فإِنَّها تحرُم عليه بظهارِه؛ حتى يكفّر عن ذلك؛ لقوله -تعالى-: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثمّ يعودون لمِا قالوا فتحرير رقبةٍ من قبل أن يتماسَّا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير * فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسَّا فمن لم يستطع فإِطعام ستين مسكيناً ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم﴾ (١).
ماذا إِذا مسّ قبل التَّكفير ؟
إذا مسّ الرجل قبل التكفير فقد خالَف أمْره -سبحانه- فى قوله: ﴿من قبل أن يتماسّا﴾. ولا دليل على أنّ الكفّارة تتضاعف.
стр. 2008
فعن سلمة بن صخر البياضي عن النّبيّ ﷺ في المظاهر يواقع قبل أن يكفِّر، قال: "كفّارة واحدة" (١).
كفّارة الظهار:
والكفارة -كما ورد في الآيتين السابقتين، ولحديث سلمة بن صخر البياضي المتقدّم- عَتْق رَقَبَة، فمن لم يجد فعليه أن يصوم شهرين متتابعين، فمن لم يستطع؛ فعليه أن يُطعم ستين مسكيناً.
وجاء في "الفتاوى" (٣٤/ ٨): "وسئل ﵀ عن رجل قال في غيظه لزوجته: أنتِ عليّ حرام مِثل أمّي؟
فأجاب: هذا مُظاهر من امرأته، داخل في قوله: ﴿الذين يُظاهرون منكم من نسائهم ما هُنّ أمَّهاتهم إِنْ أُمَّهاتهم إِلا اللائي ولدنهم ... ﴾ فهذا إِذا أراد إِمساك زوجته ووطْأَها فإِنه لا يقربها حتى يكفِّر هذه الكفارة التي ذكَرها الله".
وفيه في (ص ٩): "وسئل ﵀ عن رجل قالت له زوجته. أنتَ عليّ حرام مِثل أبي وأمي. وقال لها: أنْتِ عليَّ مِثلَ أُمِّي وأُختي: فهل يجب عليه طلاق؟
فأجاب: لا طلاق بذلك؛ ولكن إِنِ استمرَّ على النكاح فعلى كلٍّ منهما كفَّارة ظِهار قبل أنْ يجتمعا، وهي عتق رقبة، فإِن لم يجد فصيام شهرين متتابعين؛ فإِنْ لم يستطع فإِطعام ستِّين مسكيناً".
стр. 2009
الإِيلاء
تعريفه:
الإِيلاء لغةً: الامتناع باليمين، والإِيلاء: الحَلِف، يقال: آلى يُؤلي إِيلاءً، فهو مُؤلٍ [ملتقط من "زاد العاد" (٥/ ٣٤٤) و"طَلِبة الطَّلَبَة" (ص ١٥٦)].
وهو في الشرع: اسمٌ لِيَمين؛ يمنع بها المرء نفسه مِن وطْء منكوحته. ["طَلِبة الطَّلَبَة" (ص ١٥٦)].
قال الله -تعالى-: ﴿للذين يُؤلون من نسائهم تربُّص (١) أربعة أشهر فإِن فاؤوا (٢) فإِنّ الله غفور رحيم وإِنْ عزموا الطلاق فإِنّ الله سميع عليم﴾ (٣).
فإِذا حَلَف الرجل ألا يجامع زوجته؛ مُدّةً تقِلُّ عن أربعة أشهر؛ فالأولى أن يكفّر عن يمينه ويجامعها، لقوله ﷺ : "من حلَف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها؛ فليكفّر عن يمينه، وليفعل" (٤).
فإِن لم يفعل فله أن ينتظر انقضاء المدة ثمّ يُجامعها.
عن أنس ﵁ قال: "آلى (٥) رسولُ الله ﷺ من نسائه، وكانت
стр. 2010
انفكّت رِجْله، فأقام في مَشرُبةٍ (١) له تسعاً وعشرين ثمّ نزَل، فقالوا: يا رسول الله آليتَ شهراً، فقال: الشهر تسعٌ وعشرون" (٢).
أمّا إِذا زادت المدّة على أربعة أشهر؛ فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء المدّة بالجماع أو الطلاق، وعلى الحاكم أن يُجبره على ذلك، كيلا يضرَّ بها.
عن ابن عمر ﵄ كان يقول في الإِيلاء الذي سمّى الله: "لا يحلّ لأحدٍ بعد الأجل إِلا أن يُمسك بالمعروف أو يعزم بالطلاق؛ كما أمر الله " (٣).
وفي رواية: "إِذا مضت أربعة أشهر؛ يوقف حتى يُطلِّق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلّق" (٤).
ويُذكر ذلك عن عثمان وعليّ وأبي الدرداء وعائشة واثني عشَر رجُلاً من أصحاب النّبيّ ﷺ " (٥).
قال أبو عيسى الترمذي ﵀: الإِيلاء أنْ يحلف الرَّجل أنْ لا يَقْرب امرأته أربعة أشهرٍ فأكثر. واختلف أهل العلم فيه: إِذا مضت أربعة أشهر. فقال بعض أهل العلم، من أصحاب النّبي ﷺ وغيرهم: إِذا مضت أربعة أشهرٍ يوقف.
стр. 2011
فإِمَّا أنْ يفيء، وإمَّا أنْ يُطلِّق. وهو قول مالك بن أنس، والشّافعي، وأحمد، وإِسحاق، وقال بعض أهل العلم، من أصحاب النّبي ﷺ وغيرهم: إِذا مضت أربعة أشهرٍ فهي تطليقة بائنة. وهو قول سفيان الثّوري، وأهل الكوفة (١).
والراجح: قول عمر وعثمان ومن قال بقولهما ﵃، وهو اختيار ابن جرير ﵀ في "تفسيره" فانظره -إِن شئت- فإِنَّه مهمّ.
الفسخ (٢)
تعريفه: فسْخ العقد: نقْضُه، وحَلّ الرابطة التي تربِط بين الزوجين، وقد يكون الفسخ بسببِ خللٍ وقَع في العقد، أو بسبب طارئ عليه يمنع بقاءه.
مثال الفسْخ بسبب الخلل الواقع في العقد:
١ - إِذا تمّ العقد، وتبيّن أن الزوجة التي عقَد عليها أخته من الرضاع، فُسخ العقد.
٢ - إِذا عَقد غير الأب والجد للصغير أو الصغيرة، ثمّ بلغ الصغير أو الصغيرة، فمِن حقّ كلٍّ منهما، أن يختار البقاءَ على الزوجية، أو إِنهاءَها، ويُسمّى هذا خيار البلوغ، فإِذا اختار إِنهاء الحياة الزوجية، كان ذلك فسخاً للعقد [وتقدّمت الأدلّة في كتاب النكاح].
مثال الفسْخ الطارئ على العقد:
١ - إِذا ارتد أحد الزوجين عن الإِسلام، ولم يعُد إِليه، فُسخ العقد بسبب
стр. 2012
الردّة الطارئة.
٢ - إِذا أسلَم الزوج، وأبَتْ زوجتُهُ أن تُسلِم، وكانت مشركة، فإِنَّ العقد حينئذ يُفسخ، بخلاف ما إِذا كانت كتابية، فإِن العقد يبقى صحيحاً كما هو؛ إِذ إِنَّه يصح العقد على الكتابية ابتداءً.
والفُرقة الحاصلة بالفسخ، غير الفُرقة الحاصلة بالطلاق؛ إِذ إِن الطلاق ينقسم إِلى طلاق رجعي وطلاق بائن، والرجعي لا يُنهي الحياة الزوجية في الحال، والبائن ينهيها في الحال.
أمّا الفسخ؛ سواء أكان بسبب طارئ على العقد، أم بسبب خلل فيه، فإِنه يُنهي العلاقة الزَّوجية في الحال.
ومن جهة أخرى، فإِنّ الفُرقة بالطلاق تَنْقُص عددَ الطلقات، فإِذا طلَّق الرجل زوجته طلقة رجعية، ثمّ راجعها، وهي في عدتها، أو عقد عليها بعد انقضاء العدة عقداً جديداً، فإِنه تحسب عليه تلك الطلقة، ولا يملك عليهما بعد ذلك إِلا طلقتين.
وأمّا الفُرقة بسبب الفسْخ؛ فلا ينقص بها عدد الطلقات، فلو فُسخ العقد بسبب خيار البلوغ، ثمّ عاد الزوجان وتزوجا، ملك عليها ثلاث طلقات. انتهى.
وتقدّم في كتاب "النكاح" الفسخ إِذا ثَبَتَ العيب بشرطه.
اللِّعان
قيل: هو مشتق من اللَّعن؛ لأنَّ كل واحد من الزوجين يلعن نفسه في
стр. 2013
الخامسة؛ إِنْ كان كاذباً.
وقال القاضي: سُمّي بذلك لأن الزوجين لا ينفكان من أن يكون أحدهما كاذباً؛ فتحصل اللعنة عليه وهي الطرد والإِبعاد، والأصل فيه قول الله -تعالى-: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إِلا أنفسهم﴾ الآيات (١).
وجاء في "سبل السلام" (٣/ ٣٦٢): "وهو مأخوذ من اللعن؛ لأنه يقول الزوج في الخامسة: لعنة الله عليه إِنْ كان من الكاذبين. ويقال فيه: اللعان والالتعان والملاعنة".
مشروعيته:
قال الله -تعالى-: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلاَّ أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إِنّه لمن الصادقين * والخامسةُ أنّ لعنةَ الله عليه إِنْ كان من الكاذبين * ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إِنّه لمن الكاذبين * والخامسةَ أنّ غضب الله عليها إِنْ كان من الصادقين﴾ (٢).
ويكون هذا حين يقذف الرجل امرأته بالزنى، وتُنكر ذلك.
عن ابن عباس "أنّ هلال بن أمية قذَف امرأته عند النّبيّ ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النّبيّ ﷺ : البيّنة أو حدٌّ في ظهرك فقال: يا رسول الله! إِذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البيّنة؟ فجعل النّبيّ ﷺ يقول: البيّنة وإِلا حدٌّ في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثَك بالحق إنِّي لصادق، فلَيُنزلنّ الله
стр. 2014
ما يُبرّئ ظهري من الحدِّ، فنزَل جبريل وأنزَل عليه ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿إِنْ كان من الصادقين﴾، فانصرف النّبيّ ﷺ فأرسل إِليها، فجاء هلال فَشَهِدَ، والنّبيّ ﷺ يقول: إِن الله يعلم أنَّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ثمّ قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إِنها مُوجبة.
قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننّا أنها ترجع، ثمّ قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النّبيّ ﷺ : أبصِروها، فإِنْ جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين (١)، خدلّج (٢) الساقين؛ فهو لشريك بن سحماء؛ فجاءت به كذلك، فقال النّبيّ ﷺ : لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن" (٣).
متى يكون اللّعان ؟
*يكون اللعان في صورتين:
الصورة الأولى: أن يرميَ الرجل امرأته بالزنى، ولم يكن له أربعة شهود؛ يشهدون عليها بما رماها به.
الصورة الثانية: أن ينفيَ حَمْلها منه.
وإنما يجوز في الصورة الأولى إِذا تحقق من زناها؛ كان رآها تزني، أو أقرَّت
стр. 2015
هي، ووقع في نفسه صِدْقها، والأولَى في هذه الحال، أن يُطلّقها ولا يلاعنها، فإِذا تحقَّق مِنْ زناها، فإِنه لا يجوز له أن يرميَها به، ويكون نفي الحمل في حالة ما إِذا ادعى أنه لم يطأها أصلاً، من حين العقْد عليها* (١) [أو ادّعى أنّ هذا الوطء لم يجرّ حملاً ببينةٍ يُدليها].
صفة اللعان (٢):
صفة اللعان: هو أن من قَذَف امرأته بالزِّنى هكذا مُطلقاً، أو بِإِنسانٍ سمَّاه فواجب على الحاكم أنْ يجمعهما في مجلسه، ثمَّ يسأله البيّنة على ما رماها به. فإِنْ أتى ببينة عدول أقيم عليها الحد.
فإِنْ لم يأت بالبيّنة قيل له: التَعِن. فيقول: بالله إِني لمن الصادقين، بالله إِنّي لمن الصادقين، بالله إِنّي لمن الصادقين، بالله إِنّي لمن الصادقين، هكذا يكرر، بالله إِني لمن الصادقين، أربع مرات.
ثم يأمر الحاكم مَن يضَع يَده على فيه، ويقول له: إِنها موجبة؟ فإِنْ أبى، فإِنه يقول: وعليَّ لعنة الله إِن كنت من الكاذبين. فإذا أتمَّ هذا الكلام سقط عنه الحد لها، والذي رماها به.
فإن لم يلتعن حُدَّ حَدّ القذف [لقوله ﷺ في حديث اللعان المتقدِّم: "البيّنة وإِلا حدٌّ في ظهرك"].
فإذا التَعن قيل لها: إِن التعنت وإلا حُدِدتِ حَدّ الزنى، فتقول: بالله إِنه لمن الكاذبين، بالله إِنه لمن الكاذبين، بالله إِنه لمن الكاذبين، بالله إِنه لمن الكاذبين،
стр. 2016
تُكرر بالله إِنه لمن الكاذبين، أربع مرات.
ثمّ تقول: وعليّ غضب الله إِنْ كان لمن الصادقين، ويأمر الحاكم من يوقفها عند الخامسة، ويخبرها بأنها موجبة لغضب الله -تعالى- عليها، فإِذا قالت ذلك برئت من الحد، وانفسخ نكاحها منه، وحرُمت عليه أبد الآبد، لا تحل له أصلاً -لا بعد زوج ولا قبله- ولا وإِن أكذب نفسه، لكن إِن أكذب نفسه حُدّ فقط.
الحاكم هو الذي يقضي باللعان:
ويتبيّن مما سبق أنّ الحاكم هو الذي يقضي باللعان، وقد تقدّم حديث ابن عباس ﵄ في قذْف هلال بن أميّة امرأته عند رسول الله ﷺ بشريك بن سحماء وفيه ما يدل على ذلك؛ إِذ كان اللعان بقضاء النبي ﷺ .
اشتراط العقل والبلوغ:
يُشترط في اللعان: العقل والبلوغ في كُلٍّ من المتلاعِنَين:
عن عائشة ﵂ إِن رسول الله ﷺ قال: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر" (١).
وعن علي ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" (٢).
стр. 2017
وجاء في كتاب "الإِجماع" لابن المنذر (ص ٨٥): "وأجمعوا أنّ الصبي إِذا قذف امرأته، أنه لا يُضرب، ولا يُلاعَن".
لعان الأخرسَيْن (١):
يشرع لِعان الأخرَسَيْن لقوله -تعالى-: ﴿لا يُكلِّف الله نفساً إِلا وُسْعها﴾،
وليس في وسعه الكلام، فلا يجوز أن يُكلّف إِياه، وقال رسول الله ﷺ : "وإِذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢). فصح أنه يلزم كل أحد مما أمر الله -تعالى- به ما استطاع، والأخرس يستطيع الإِفهام بالإِشارة، فعليه أن يأتي بها. وكذلك من لا يحسن العربية؛ يلتعن بِلُغته بألفاظ يُعبِّر بها عما نص الله -تعالى- عليه".
مسائل في الامتناع عن اللعان أو عدم إِتمامه:
إِذا قذَف الرجل امرأته بالزنى ثمّ امتنع عن اللعان أو لم يتمّه أو أكذب نفسه (٣)؛ فعليه حدّ القَذف لقوله -تعالى-: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إِلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إِنه لمن الصادقين﴾ (٤).
فإِذا لم يُقم الشهادة التي أمر الله -تعالى- بها قُذِف للحديث المتقدّم:
стр. 2018
"البيّنة أو حدٌّ في ظهرك".
وإِذا كان الامتناع من الزوجة؛ أُقيمَ عليها حدّ الزنى.
ماذا يترتب على اللعان:
١ - بتمام الالتعان من الزوجين؛ يقع التَّفريق الأبدي، فعن سهل بن سعد قال: "مضت السّنة بَعْدُ في المتلاعِنَيْن: أن يُفَرَّق بينهما، ثمّ لا يجتمعان أبداً" (١).
وعن عمر ﵁: "المتلاعنان يُفرَّق بينهما ولا يجتمعان أبداً" (٢).
قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (١١/ ٤٢٣): "وقوله ﵊ لا سبيل لك عليها، مَنْعٌ مِن أن يجتمعا أبدا بكل وجه، ولم يقل ﵊ ذلك بنص الخبر إِلا بعد تمام التعانهما جميعاً، فلا يقع التفريق إِلا حينئذ.
٢ - يأمر القاضي أن تُمسك المرأة عند ثقةٍ حتَّى تَلِد؛ عن سهل بن سعد ﵁ "أنَّ النبي ﷺ قال لعاصم بن عدي: أمسك المرأة (٣) عندك؛ حتَّى تَلِد" (٤).
стр. 2019
٣ - أمّا ما يتعلق بإِلحاق الولد؛ فإِنه حين ينفيه الرجل، يُلحق بأمِّه فيدعى لها فتَرِثه ويَرِث منها ما فرض الله -تعالى- له، وينتفي نسَبُه من أبيه فلا يدعى له، ولا تجب نفقته عليه، ولا توارث بينهما؛ وذلك لحديث سهل بن سعد ... وفيه: "قال ابن جريج: قال ابن شهاب: فكانت السُّنة بعدهما أن يُفرَّق بين المتلاعنين، وكانت حاملاً، وكان ابنها يدعى لأمّه. قال: ثم جرت السُّنة في ميراثها أنها ترِثه ويرث منها ما فرض الله له" (١).
قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (١١/ ٤١٨): "فإِنْ كانت المرأة الملاعنة حاملاً؛ فبتمام الالتعان منهما جميعاً ينتفي عنه الحمل -ذكَره أم لم يذكره- إِلا أن يُقرَّ به فيلحقه". انتهى.
وكذا إِذا أكذب نفسه؛ فإِنه يلحقه ويُدعى له.
مسألة: إِذا لم يُتمَّ الرجل اللعان أو تُتمّه هي، فهما على نكاحهما، فلو مات أحدهما قبل تمام اللعان لتوارثا، ولا معنى لتفريق الحاكم بينهما، أو لتركه، لكن بتمام اللعان تقع الفرقة (٢).
آداب التطليق المستنبطة من الكتاب الكريم والسّنة الصحيحة (٣)
الأدب الأول: هو رعاية المصلحة في إِيقاعه؛ بعد التروي والتحاكُم إِلى
стр. 2020
حَكَمَين، فقد دلّ الكتاب الكريم على مشروعية ذلك عند شقاق الزوجين بإِرسال حَكَمَين من أهل الزوجين؛ يُؤْثِران الإِصلاح بالوفاق، على الفراق والطلاق، فينصحان الزوجين ويعظانهما ويؤذنانهما بمفاسد الطلاق ومَضرّاته وخراب ما بُني من المعيشة البيتية، وما يَعْقُبه من الندم ونفرة الحبّ القلبي، وغير ذلك من تَشتُّتِ شمْل البنين والبنات، وتجرّعهم غُصص الحسرات، حتى إِذا لم يُفد نصحهما وأخفَقَ سعيهما، ورأيا الخيرة لهما في الفراق، أَذِنا للزوج بالطلاق.
وهذا كله مستفاد من قوله -تعالى-: ﴿وإِنْ خفتم شِقاق بينهما فابعثوا حَكَماً من أهله وحَكَماً من أهلها إِنْ يريدا إِصلاحاً يوفق الله بينهما﴾ (١) فلم يشرع للزوج أن يعجَل بالطلاق، وأن يبادر به سائق الهوى والهوَس بدون عمل بما أمر -تعالى- به وحَضَّ عليه.
ودلّ الأمر في قوله -تعالى-: ﴿فابعثوا حَكَماً من أهله وحَكَماً من أهلها﴾ على أنّ إِرسال الحَكَم فرْض، لأنَّ الأمر للوجوب عند الأكثرين، والأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، والنهي -أعني التلبُّس بخلاف الأمر- يقضي الفساد وعدم الاعتداد كما تقرر في الأصول.
فإِذَنْ؛ من عَجَّل في الشِّقاق، وتلفَّظ بالطَّلاق بدون الرجوع إِلى التحاكم المأمور به؛ فقد تلبس بالمنهي عنه وعصى بمخالفة الأمر، وأمّا من عمل بالأمر ففوّض للحَكَمين الخيرة؛ فلم يجدا سبيلاً لائتلاف الزوجين، ولا طريقاً لجمع شملهما؛ فما جعل الله في ذلك من حرج؛ لقوله: ﴿وإِن يتفرقا يُغنِ اللهُ كلاًّ من سَعته﴾ (٢).
стр. 2021
الأدب الثاني: إِيقاعه في حال الخوف من عدم إِقامة حدود الله، وذلك بأنْ تتضرّر المرأة من الرجل فترى منه ما يسوؤها؛ من قول أو فِعل أو أمر يستحيل معه صبرها عليه.
ومنه أن يترك معاشرتها بالمعروف ويتجافى الإِحسان إِليها، أو تُشاهد منه انكباباً على الفحشاء وعملاً بالمنكرات، أو إِغراءً لها بترك الواجبات، أو إِفساداً لصالح تربيتها بمشاهدة ما يأتيه من الموبقات، أو سعياً في إِيذائها بأنواع المضَرّات؛ فتخشى من بقائها على عصمته أن تبوء بإِثم الناشزة والهاجرة، وهي لا تطيق حالتئذٍ ملامسته بوجهٍ ما، وتأبى القُرب منه أشدّ الإِباء، ففي هذه الحالة شُرع مخالعتها؛ بأن تفتدي منه بما يتراضيان به، وإليه الإِشارة بقوله -تعالى-: ﴿فإِنْ خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ (١).
وتدلّ الآية بمفهومها على أنهما إِذا كانا يقيمان حدود الله في الزوجية؛ فليس له أن يطلب مخالعتها بأخذ ما لا تطيب نفسها به، وليس لها أيضاً أن تفتكر في الاختلاع منه، لأن في ذلك إِفساداً لهما، وإصراراً بهما وبأولادهما -إِن كانوا- وإِنّ ذلك حينئذ من تعدّي حدود الله، أي: مجاوزتها.
ثمّ إِذا خلَعها من عصمته فهل يكون خلْعُه طلاقاً أو فَسْخاً؟ فذهب الجمهور إِلى الأول، وجعلوا عدّتها ثلاثة قروء، وذهب ابن عباس وعثمان وابن عمر والرُّبيِّع بنت معوِّذ وعمُّها ﵃ إِلى أنَّه فسْخ.
قال الإِمام ابن القيم: ولا يصح أنَّه طلاق البتَّة، وقد أمَر النّبيّ ﷺ امرأة
стр. 2022
ثابت بن شمَّاس لما اختلعت من زوجها أن تعتدّ بحيضة واحدة (١)، وبه قضى عثمان ﵁ (٢) وإليه ذهب الإِمام إِسحاق بن راهويه والإِمام أحمد في رواية عنه اختارها شيخ الإِسلام ابن تيمية.
قال: من نظر هذا القول وجَده مقتضى قواعد الشريعة، فإِنَّ العدة إِنما جُعلت ثلاث حيضٍ ليطول زمن الرّجعة ويتروّى الزوج ويتمكن من الرجعة في مدة العدّة. فإِذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمْل، وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء، قال: ولا ينتقض هذا بالمطلقة ثلاثاً، فإِنَّ باب الطلاق جعل حُكْم العدّة فيه واحدة بائنة ورجعية (٣).
الأدب الثالث: أن لا يكون القصْدُ بإِيقاع الطلاق مضارَّة الزوجة، فإِنّ الضِّرار ممنوع شرعاً لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" (٤)، ولعموم آية: ﴿ولا
стр. 2023
تضاروهنّ﴾ (١) ولقوله -تعالى-: ﴿فإِن أطعْنكُم فلا تبغوا عليهنّ سبيلاً﴾ (٢).
وأعظم البغي على النساء تطليقهنّ للمُضارّة والتشفّي والإِيذاء وتخريب بنيان المعيشة.
وقد تنبه لهذا الأدب من رأى أنَّ تطليق المرأة في مرض الموت لا يمنعها من الإِرث، لأنه لما قصَد بطلاقها حرمانها من حقّها المشروع؛ عومل بنقيض قصْده عدلاً ورحمة من الشارع، فقد قال مالك: من حُجَّتنا في الذي يتزوج وهو مريض (٣) أنه ليس له ميراث؛ لأنه يُمْنع أنْ يُطلِّق وهو مريض، فكَما يُمْنع من الطَّلاق وهو مريض لحقّ امرأته في الثُّمن؛ فإِنَّه لا ينبغي أن يدخل عليها من يَنقصُها من ثُمنها.
قال ابن رشد: هذا بيِّن لأن المعنى الذي من أجله لم يجز أن يطلق في المرض موجود في النكاح، فلا يجوز له أن يُدخل وارثاً على ورثته؛ كما لا يجوز أن يخرج عنهم وارثاً.
الأدب الرابع: أن يُطلّق لداعٍ لا يتأتّى معه اتخاذها زوجة، كأن يراها لا تردّ يد لامس (٤)، أو لا تؤمَّن على مالٍ ولا سرّ، أو لا تحفظ نظام بيته ورعاية حرمته،
стр. 2024
أو لا تستجيب لطاعته، إِلى غير ذلك من الأخلاق الفاسدة التي تحقق أنها صارت مَلَكَةً راسخة فيها مُرِّنت عليها وانطبعت فيها، فلا جَرَمَ أنها حينئذ جرثومة النكد، ومادة النقص، ومباءة الفساد والإِفساد للمروءة والدين والدنيا، فمثل هذه المشؤومة مما يُشرع طلاقها ويُندب إِنْ لم يجب، وقد ورد في هذا ما أخرجه البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس -رضي الله- أنه قال: "الطلاق عن وطر" (١).
قال الحافظ ابن حجر: أي: أنه لا ينبغي للرجل أن يُطلِّق امرأته إِلا عند الحاجة كالنشوز.
وقال الإِمام ابن القيّم في "إِعلام الموقعين": "معنى قول ابن عباس: إِنما الطلاق عن وطَر؛ أي: عن غرض من المطلِّق في وقوعه".
الأدب الخامس: أنْ لا يُطلِّق ثلاثاً دفعة واحدة ....... (٢).
قال ابن القيّم: ". ... [فإِن الله -تعالى- أراد من المرء] أن يُطلّق طلاقاً يملك فيه ردّ المرأة إِذا شاء، فطلّق طلاقاً يريد به أن لا يملك فيه ردّها، وأيضاً فإِن إِيقاعه الثلاثَ دفعةً مخالفٌ لقوله -تعالى-: ﴿الطلاق مرتان﴾ (٣)، والمرتان والمرّات في لغة القرآن والسّنة -بل ولغة العرب بل ولغة سائر الأمم- لِما كان مرة بعد مرة، فإِذا جمع المرتين والمرات في مرة واحدة؛ فقد تعدى حدود الله -تعالى- وما دلّ عليه كتابه، فكيف إِذا أراد باللفظ الذي رتَّب عليه الشارع حُكماً ضد
стр. 2025
ما قصَده الشارع.
الأدب السادس: أن يُشهد على الطَّلاق، لقوله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إذا طلّقتم النّساء فطلقوهنّ لعدّتهنّ وأحصوا العدّة﴾ إِلى قوله: ﴿فإِذا بلغْن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف وأشهدوا ذَوَيْ عدل منكم وأقيموا الشهادة لله﴾ (١)، فأمَر بالإِشهاد على الرجعة -وهو الإِمساك بمعروف- وعلى الطلاق -وهو المفارقة بمعروف-.
الأدب السابع: أن لا يكون في حالة الغضب لحديث: "لا طلاق في إِغلاق" (٢).
الأدب الثامن: أن ينوي الطلاق لحديث: "إِنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" فإِنّ الحديث هو الكلِّيُّ الأعظم في أبواب من الشريعة، قال الحافظ ابن حجر: إِنّ الحكم إِنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر. انتهى.
وأصله من قوله -تعالى-: ﴿وإنْ عزموا الطَّلاق فإِنّ الله سميع عليم﴾ (٣) فمن لم يعزم الطلاق بأنْ علّقه أو عبث به؛ لم يُطلّق الطَّلاق المشروع.
الأدب التاسع: أن يكون التطليق مأذوناً فيه من جهة الشارع، فلا يكون محرّماً مبتدعاً، بل مأموراً به، وذلك بمعرفة زمان التطليق لقوله -تعالى-:
стр. 2026
﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلّقتم النّساء فطلقوهنّ لعدّتهنّ﴾ أي: لاستقبال عدتهن، يعني: أن يُطلَّقن في وقت يتعقبه شروعهنّ في العدة، وذلك أن تطلّق في طُهر لم تُجامَع فيه.
وأمّا طلاقها في حال الحيض فهو محرّم بالكتاب والسنّة والإِجماع (١)، وليس في تحريمه نزاع، ولهذا أمَر النّبيّ -صلوات الله عليه- عبد الله بن عمر ﵄ لما طلّق امرأته في الحيض أن يراجعها (٢)، وتلا عليه هذه الآية تفسيراً للمراد بها؛ إِيذاناً بأن الطلاق لم يُشرع في حيض ولا في طهر وُطِئت فيه، وإنما شرع للعدَّة، وهو أن يطلِّقها في طُهرٍ من غير جماع.
وفي "المدونة" عن ابن مسعود ﵁ قال: "من أراد أن يُطلِّق للسُّنّة فليطلق امرأته طاهراً في غير جماع تطليقة، ثم ليدَعْها، فإِذا أراد أن يراجعها راجعَها، وإن حاضت ثلاث حيض كان بائناً، وكان خاطباً من الخطَّاب".
قال الإِمام ابن القيّم -رحمه الله تعالى-: وأصْل هذا أنّ الله لمّا كان يبغض الطلاق (٣)، لما فيه من كسْر الزوجة، وموافقة رضا عدوه إِبليس، ومفارقة طاعته -تعالى- بالنكاح الذي هو واجب أو مستحبٌّ، وتعريض كلٍّ
стр. 2027
من الزوجين للفجور والمعصية وغير ذلك من مفاسد الطلاق، وكان مع ذلك قد يحتاج إِليه الزوج أو الزوجة وتكون المصلحة فيه؛ شَرَعَهُ على وجهٍ تحصل به المصلحة وتندفع به المفسدة، وحرَّمه على غير ذلك الوجه، فشرعه على أحسن الوجوه، وأقْربِها لمصلحة الزوج والزوجة، فشرع له أن يطلّقها طاهراً من غير جماع طلقة واحدة؛ ثمّ يدعها حتى تنقضي عدتها، فإِنْ زال الشّرّ بينهما وحصلت الموافقة؛ كان له سبيل إِلى لمِّ الشعث وإعادة الفراش كما كان، وإلا تركها حتى تنقضي عدَّتها، فإِنْ تبعَتها نفسه؛ كان له سبيل إِلى خِطبتها وتجديد العقد عليها برضاها، وإنْ لم تتبعها نفسه؛ تركَها فنكحت من شاءت، وجعل العدّة ثلاثة قروء؛ ليطول زمن المهلة والاختيار.
فهذا هو الذي شرَعه وأذن فيه، ولم يأذن في إبانتها بعد الدخول إِلا بالتراضي بالفسخ والافتداء، فإِذا طلَّقها مرةً بعد مرةٍ بقي له طلقةٌ واحدة، فإِذا طلقها الثالثة حرَّمها عليه عقوبة له، ولم يحلَّ له أن ينكحها حتى تنكح زوجاً غيره، ويدخل بها ثمّ يفارقها بموت أو طلاق، فإِذا عدمِ أن حبيبه يصير إِلى غيره فيحظى به دونه؛ أمسك عن الطلاق. انتهى ملخصاً.
الأدب العاشر: التطليق بإِحسان، لا بإِساءة ولا فحش من الكلام ولا بغي ولا عدوان، فإِن الله -تعالى- أمَر بالإِحسان في كل شيء، قال -تعالى-: ﴿الطلاق مرَّتان فإِمساكٌ بمعروف أو تسريح بإِحسان﴾ وقد روى ابن جرير "أنّ ابن عباس سئل عن معنى الآية فقال: ليتق الله في التطليقة الثالثة، فإمَّا يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرِّحها فلا يظلمها من حقها شيئاً".
وقال الضحاك: التسريح بإِحسان أن يعطيها مهراً إِنْ كان لها عليه إِذا
стр. 2028
طلّقها، والمتعة قدر الميسرة.
ونظير هذه الآية آية: ﴿فإِذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف﴾ (١).
وآية: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢).
فتأمّل هذا الوعيد الشديد لمن اتخذ آيات الله هُزواً أي: اتخذ ما بيّنه من حلاله وحرامه، وأمْره ونهْيه؛ في أمر الإِمساك والتسريح مهزوءاً به؛ بأنْ خالفَه وعصاه ولم يَحْفِلْ به، فضيّعه وتعدّى حدوده، وكيف سجَّل عليه بأنه ظلم نفسه؛ فأكسبها إِثماً وأوجب لها من الله عقوبةً! وتدبر كيف أمَرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم بما أمرهم به ونهاهم عنه؛ مما فيه سعادتهم وفلاحهم!
وفي معنى هذه الآيات قوله -تعالى-: ﴿وللمطلقات متاعٌ بالمعروف حقّاً على المُتقين﴾ (٣) قال ابن جرير: يعني -تعالى- بذلك أنّ لمن طُلِّق من النساء على مُطلِّقها من الأزواج متاعاً -وهو ما يستمتع به من ثياب وكسوة ونفقة أو خادم أو غير ذلك مما يُستمتع به- وأكَّد ذلك بقوله: ﴿حقّاً على المتقين﴾
стр. 2029
وهم الذي اتقوا الله في أمره ونهيه وحدوده، فقاموا بها على ما كلّفهم القيام بها؛ خشيةً منهم له ووجلاً منهم من عقابه. انتهى
وكذلك قوله -تعالى-: ﴿ومتّعوهنّ على الموسع قدَرُه وعلى المُقْتِرِ قدَرُه﴾ (١) فأمر -تعالى- المطلِّقين إِذا طلَّقوا الطَّلاق المأذون فيه -وهو المستوفي شروطه- أن يُسرِّحوا نساءهم راضيات عنهم، داعيات لهم، ذاكرات لجميلهم ومعروفهم وإِحسانهم، وذلك بأن يحسن إِليهن بما يتمتعن به على قدر اليُسر والعُسر.
وأكّد ذلك أيضاً بقوله: ﴿متاعاً بالمعروف حقّاً على المحسنين﴾ (٢) فجعل ذلك حقاً لازماً على الذين يحسنون إِلى أنفسهم في المسارعة إِلى طاعة الله؛ فيما ألزمهم به وأدائهم ما كلفهم من فرائضه، ويحسنون إِلى المطلقات بالتمتيع على الوجه الذي يحسُن في الشرع والمروءة.
فأين المسلمون من هذه الآداب؟ وما عراهم (٣) حتى هجروا أحكام الكتاب! تالله إِنّ القلب يكاد يتفطر ألماً، والعين تدمع دماً على ما أصبحوا فيه من الجهل، ولا من سائق لهم إِلى الفقه والعلم، حتى أصبحت محاكم القضاة تياراً لأمواج شكايات المظلومات، وميداناً لجولان دعاوى الزوجات، حتى صار المسلمون ببغيهم في الطلاق وهضعم حقوق الأزواج عاراً على الإِسلام، وفتنة لسواهم من الأقوام!! ﴿ربنا لا تجعلنا فتنةً للذين كفروا واغفر لنا ربنا إِنك أنت العزيز الحكيم﴾ (٤).
стр. 2030
العدّة (١)
تعريفها:
العدة في اللغة من قولك: عَدَدْت الشيء إِذا أحصيتَه؛ فسُمّيت العدّة عدّة؛ مِن أنَها مُحصاة؛ لأنها ثلاثة قروء، وثلاثة أشهر، وأربعة أشهر وعشراً (٢).
وفي الشرع: "اسم لمدة تتربّص المرأة عن التزويج بعد وفاة زوجها أو طلاقها؛ بالولادة أو الأقراء أو الأشهر" (٣).
وكانت العدة معروفة في الجاهلية، وكانوا لا يكادون يتركونها، فلمَّا جاء الإِسلام، أقرّها؛ لما فيها من مصالح.
وأجمَع العلماء على وجوبها؛ لقول الله -تعالى-: ﴿والمطلقات يتربصنَ بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ (٤) ولحديث فاطمة بنت قيس ﵂ قالت: "طلَّقني زوجي ثلاثاً، فأردت النُّقلة، فأقبل النّبيّ ﷺ فقال: "انتقلي إِلى بيت ابن عمك عمرو بن أمِّ مكتوم؛ فاعتدِّي عنده" (٥).
حِكمة مشروعيتها:
١ - معرفة براءة الرحم، حتى لا تختلط الأنساب بعضها ببعض.
стр. 2031
٢ - تهيئة فرصة للزوجين لإِعادة الحياة الزوجية، إِنْ رأيا أن الخير في ذلك.
٣ - أنَّ مصالح النّكاح لا تتمّ، حتى يُوطِّنا أنفسهما على إِدامة هذا العقد ظاهراً، فإِنْ حدث حادِثٌ يوجب فكّ النظام، لم يكن بدٌّ من تحقيق صورة الإِدامة في الجملة، بأن تتربص مدةً تجد لتربصها بالاً، وتقاسي لها عناءً (١).
أنواع العِدّة:
١ - عدة المرأة التي تحيض، وهي ثلاث حِيَض.
٢ - عدة المرأة التي يئست من الحيض، وكذا التي لم تَحِضْ، وهي ثلاثة أشهر.
٣ - عدة المرأة التي مات عنها زوجها، وهي أربعة أشهر وعشراً؛ ما لم تكن حاملاً.
٤ - عدة الحامل، حتى تضع حملها.
وهذا إِجمال، نفصله فيما يلي: فإِن الزوجة؛ إِمّا أن تكون مدخولاً بها، أو غير مدخول بها.
عِدَّة غير المدخول بها:
والزوجة غير المدخول بها، إِنْ طُلقتْ، فلا عِدَّة عليها؛ لقول الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ (٢) فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدونها﴾ (٣).
стр. 2032
فإِنْ كانت غيرَ مدخول بها، وقد مات عنها زوجها، فعليها العِدّة، كما لو كان قد دخَل بها.
قال الله -تعالى-: ﴿والذين يُتوفون منكم ويذَرون أزواجاً يتربَّصن بأنفسهنَّ أربعةَ أشهرٍ وعشراً﴾ (١).
عدّة المدخول بها:
وأمّا المدخول بها؛ فإِمّا أن تكون من ذوات الحيض، وإمّا أن تكون من غير ذوات الحيض.
عدّة الحائض:
فإِنْ كانت من ذوات الحيض، فعدّتها ثلاثة قروء؛ لقول الله -تعالى-: ﴿والمطلقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ (٢).
والقروء جمع قُرء، والقرء: الحيض.
ورجَّح ذلك ابن القيّم -رحمه الله تعالى- فقال في "زاد المعاد" (٥/ ٦٠٩ - ٦١١): "إِن لفظ (القرء) لم يُستعمل في كلام الشارع إِلا للحيض، ولم يجيء عنه في موضع واحد استعماله للطهر، فحمْله في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى، بل متعين، فإِنه ﷺ قال للمستحاضة: "دعي الصّلاة أيّام أقْرائِك" (٣) وهو ﷺ المعبّر عن الله -تعالى- وبِلُغَةِ قومه نزَل القرآن، فإِذا ورد
стр. 2033
المشترك في كلامه على أحد معنييه، وجب حمْلُه في سائر كلامه عليه؛ إِذا لم تثبت إِرادة الآخر في شيء من كلامه ألبتة، ويصيرُ هو لغة القرآن التي خوطبنا بها، وإنْ كان له معنى آخر في كلام غيره".
ثمّ قال ﵀: "فإِذا ثبت استعمال الشارع لفظ القروء في الحيض؛ عُلم أن هذا لغته، فيتعين حمْله على ما في كلامه، ويوضح ذلك ما في سياق الآية من قوله: ﴿ولا يحلّ لهنّ أنْ يكتمن ما خلَق الله في أرحامهنّ﴾ (١).
وهذا هو الحيض والحمل عند عامَّة المفسرين، والمخلوق في الرحم إِنما هو الحيض الوجودي، ولهذا قال السلف والخلف: هو الحمل والحيض، وقال بعضهم: الحمل، وبعضهم: الحيض، ولم يقل أحد قطُّ: إِنه الطهر، ولهذا لم ينقله من عُني بجمع أقوال أهل التفسير، كابن الجوزي وغيره، وأيضاً فقد قال -سبحانه-: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهنّ ثلاثة أشهر واللائي لم يَحِضْن﴾ (٢) فجعل كلّ شهر بإِزاء حيضة، وعلّق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر من الحيض".
ثمّ قال ﵀ (ص ٦٣١) منه: "فقوله -تعالى-: ﴿فطلّقوهنّ
стр. 2034
لعدتهنّ﴾ (١)، معناه: لاستقبال عدتهنّ لا فيها، وإذا كانت العدة التي يُطلق لها النساء مستقبلةً بعد الطلاق، فالمستقبَل بعدها إِنما هو الحيض، فإِنَّ الطاهر لا تستقبِلُ الطهر -إِذ هي فيه- وإنما تستقبل الحيض بعد حالها التي هي فيها". انتهى.
قلت: جاء في "حلية الفقهاء" (ص ١٨٣) -بحذف-: "وأمّا القُرء فهو اسمٌ يقع على الحيض والطُّهر ... قال أبو عمرو بن العلاء: وإنّما جاز ذلك؛ لأنّ القُرء الوقت، وهو يصلح للحيض، ويصلُح للطُّهر.
فهذا ما تقوله العرب، وليس الاختلاف الواقع بين الفقهاء على اطّراح أحد القولين، وكلّهم مجمعون على أنّ القُرء اسمٌ يقع على الحيض، كما يقع على الطهر، ولكن كُلاًّ اختار قولاً، واحتج له من جهة المعنى.
ومثل ذلك أنّ الجون اسمٌ يقع على الأبيض، كما يقع على الأسود، ثمّ اختلف الناس في الشمس، ولِمَ سُمّيت جَوْناً؟ فيقول قوم: لبياضها، ونورها، ويقول آخرون: لا، بل لسوادها، لأنّها إِذا غابت اسودت. ثمّ يحتجُّ كلٌّ لمِقالته؛ بعد إِجماعهم على أن الجَوْن الأبيض والأسود.
وكذا الفقهاء مجمعون على أن القُرء: الطُّهر والحيض ... ". انتهى
قلت: الذي ترجَّح لديّ أنْ يكون القرء هنا الحيض، وذلك أننا إِذا جَعَلنا القرء الطُّهر؛ أفضى ذلك إِلى تقليل مُدّة العدّة، فلو أنّ الرجل طلّق زوجته قبل موعد حيضتها بيوم؛ فإِنَّ أوَّل قرءٍ ينتهي بعد قرابة خمسة أيام مثلاً.
стр. 2035
أمّا إِذا كان القرء هو الحيض؛ فلو طلقها قبل موعد حيضتها بيوم؛ فإِنّ أول قرء ينتهي بانتهاء الحيضة الثانية، فتكون مُدة القرء شهراً تقريباً، وهذا يلتقي حُكم مدّة اللائي يئسنَ من المحيض، وكذا اللائي لم يحضن وهي ثلاثة أشهر، والله -تعالى- أعلم.
ثمَّ رأيت أثر عائشة ﵂ قالت: "أُمِرت بَريرة أنْ تعتدّ بثلاث حِيَض" (١).
عِدّة غير الحائض:
وإنْ كانت من غير ذوات الحيض، فعدّتها ثلاثة أشهر، ويصدق ذلك على الصغيرة التي لم تبلغ، والكبيرة التي لا تحيض؛ سواء أكان الحيض لم يسبق لها، أم انقطع حيضها بعد وجوده؛ لقول الله -تعالى-: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إِن ارتبتم فعدتهنّ ثلاثة أشهر واللائي لم يحضنَ وأُولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ﴾ (٢).
وعن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم﴾ يعني: الآيسة العجوز التي لا تحيض، أو المرأة التى قعدت من الحيضة، فليست هذه من القروء في شيء. وفي قوله: ﴿إِن ارتبتم﴾ في الآية، يعني: إِنْ شككتم، ﴿فعدتهنّ ثلاثة أشهر﴾، وعن مجاهد: ﴿إِن ارتبتم﴾ ولم تعلموا عدة التي قعَدت عن الحيض، أو التي لم تحض ﴿فعدتهنّ ثلاثة