← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

٢ - تهيئة فرصة للزوجين لإِعادة الحياة الزوجية، إِنْ رأيا أن الخير في ذلك. ٣ - أنَّ مصالح النّكاح لا تتمّ، حتى يُوطِّنا أنفسهما على إِدامة هذا العقد ظاهراً، فإِنْ حدث حادِثٌ يوجب فكّ النظام، لم يكن بدٌّ من تحقيق صورة الإِدامة في الجملة، بأن تتربص مدةً تجد لتربصها بالاً، وتقاسي لها عناءً (١). أنواع العِدّة: ١ - عدة المرأة التي تحيض، وهي ثلاث حِيَض. ٢ - عدة المرأة التي يئست من الحيض، وكذا التي لم تَحِضْ، وهي ثلاثة أشهر. ٣ - عدة المرأة التي مات عنها زوجها، وهي أربعة أشهر وعشراً؛ ما لم تكن حاملاً. ٤ - عدة الحامل، حتى تضع حملها. وهذا إِجمال، نفصله فيما يلي: فإِن الزوجة؛ إِمّا أن تكون مدخولاً بها، أو غير مدخول بها. عِدَّة غير المدخول بها: والزوجة غير المدخول بها، إِنْ طُلقتْ، فلا عِدَّة عليها؛ لقول الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ (٢) فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدونها﴾ (٣).

стр. 2032

فإِنْ كانت غيرَ مدخول بها، وقد مات عنها زوجها، فعليها العِدّة، كما لو كان قد دخَل بها. قال الله -تعالى-: ﴿والذين يُتوفون منكم ويذَرون أزواجاً يتربَّصن بأنفسهنَّ أربعةَ أشهرٍ وعشراً﴾ (١). عدّة المدخول بها: وأمّا المدخول بها؛ فإِمّا أن تكون من ذوات الحيض، وإمّا أن تكون من غير ذوات الحيض. عدّة الحائض: فإِنْ كانت من ذوات الحيض، فعدّتها ثلاثة قروء؛ لقول الله -تعالى-: ﴿والمطلقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ (٢). والقروء جمع قُرء، والقرء: الحيض. ورجَّح ذلك ابن القيّم -رحمه الله تعالى- فقال في "زاد المعاد" (٥/ ٦٠٩ - ٦١١): "إِن لفظ (القرء) لم يُستعمل في كلام الشارع إِلا للحيض، ولم يجيء عنه في موضع واحد استعماله للطهر، فحمْله في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى، بل متعين، فإِنه ﷺ قال للمستحاضة: "دعي الصّلاة أيّام أقْرائِك" (٣) وهو ﷺ المعبّر عن الله -تعالى- وبِلُغَةِ قومه نزَل القرآن، فإِذا ورد

стр. 2033

المشترك في كلامه على أحد معنييه، وجب حمْلُه في سائر كلامه عليه؛ إِذا لم تثبت إِرادة الآخر في شيء من كلامه ألبتة، ويصيرُ هو لغة القرآن التي خوطبنا بها، وإنْ كان له معنى آخر في كلام غيره". ثمّ قال ﵀: "فإِذا ثبت استعمال الشارع لفظ القروء في الحيض؛ عُلم أن هذا لغته، فيتعين حمْله على ما في كلامه، ويوضح ذلك ما في سياق الآية من قوله: ﴿ولا يحلّ لهنّ أنْ يكتمن ما خلَق الله في أرحامهنّ﴾ (١). وهذا هو الحيض والحمل عند عامَّة المفسرين، والمخلوق في الرحم إِنما هو الحيض الوجودي، ولهذا قال السلف والخلف: هو الحمل والحيض، وقال بعضهم: الحمل، وبعضهم: الحيض، ولم يقل أحد قطُّ: إِنه الطهر، ولهذا لم ينقله من عُني بجمع أقوال أهل التفسير، كابن الجوزي وغيره، وأيضاً فقد قال -سبحانه-: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهنّ ثلاثة أشهر واللائي لم يَحِضْن﴾ (٢) فجعل كلّ شهر بإِزاء حيضة، وعلّق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر من الحيض". ثمّ قال ﵀ (ص ٦٣١) منه: "فقوله -تعالى-: ﴿فطلّقوهنّ

стр. 2034

لعدتهنّ﴾ (١)، معناه: لاستقبال عدتهنّ لا فيها، وإذا كانت العدة التي يُطلق لها النساء مستقبلةً بعد الطلاق، فالمستقبَل بعدها إِنما هو الحيض، فإِنَّ الطاهر لا تستقبِلُ الطهر -إِذ هي فيه- وإنما تستقبل الحيض بعد حالها التي هي فيها". انتهى. قلت: جاء في "حلية الفقهاء" (ص ١٨٣) -بحذف-: "وأمّا القُرء فهو اسمٌ يقع على الحيض والطُّهر ... قال أبو عمرو بن العلاء: وإنّما جاز ذلك؛ لأنّ القُرء الوقت، وهو يصلح للحيض، ويصلُح للطُّهر. فهذا ما تقوله العرب، وليس الاختلاف الواقع بين الفقهاء على اطّراح أحد القولين، وكلّهم مجمعون على أنّ القُرء اسمٌ يقع على الحيض، كما يقع على الطهر، ولكن كُلاًّ اختار قولاً، واحتج له من جهة المعنى. ومثل ذلك أنّ الجون اسمٌ يقع على الأبيض، كما يقع على الأسود، ثمّ اختلف الناس في الشمس، ولِمَ سُمّيت جَوْناً؟ فيقول قوم: لبياضها، ونورها، ويقول آخرون: لا، بل لسوادها، لأنّها إِذا غابت اسودت. ثمّ يحتجُّ كلٌّ لمِقالته؛ بعد إِجماعهم على أن الجَوْن الأبيض والأسود. وكذا الفقهاء مجمعون على أن القُرء: الطُّهر والحيض ... ". انتهى قلت: الذي ترجَّح لديّ أنْ يكون القرء هنا الحيض، وذلك أننا إِذا جَعَلنا القرء الطُّهر؛ أفضى ذلك إِلى تقليل مُدّة العدّة، فلو أنّ الرجل طلّق زوجته قبل موعد حيضتها بيوم؛ فإِنَّ أوَّل قرءٍ ينتهي بعد قرابة خمسة أيام مثلاً.

стр. 2035

أمّا إِذا كان القرء هو الحيض؛ فلو طلقها قبل موعد حيضتها بيوم؛ فإِنّ أول قرء ينتهي بانتهاء الحيضة الثانية، فتكون مُدة القرء شهراً تقريباً، وهذا يلتقي حُكم مدّة اللائي يئسنَ من المحيض، وكذا اللائي لم يحضن وهي ثلاثة أشهر، والله -تعالى- أعلم. ثمَّ رأيت أثر عائشة ﵂ قالت: "أُمِرت بَريرة أنْ تعتدّ بثلاث حِيَض" (١). عِدّة غير الحائض: وإنْ كانت من غير ذوات الحيض، فعدّتها ثلاثة أشهر، ويصدق ذلك على الصغيرة التي لم تبلغ، والكبيرة التي لا تحيض؛ سواء أكان الحيض لم يسبق لها، أم انقطع حيضها بعد وجوده؛ لقول الله -تعالى-: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إِن ارتبتم فعدتهنّ ثلاثة أشهر واللائي لم يحضنَ وأُولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ﴾ (٢). وعن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم﴾ يعني: الآيسة العجوز التي لا تحيض، أو المرأة التى قعدت من الحيضة، فليست هذه من القروء في شيء. وفي قوله: ﴿إِن ارتبتم﴾ في الآية، يعني: إِنْ شككتم، ﴿فعدتهنّ ثلاثة أشهر﴾، وعن مجاهد: ﴿إِن ارتبتم﴾ ولم تعلموا عدة التي قعَدت عن الحيض، أو التي لم تحض ﴿فعدتهنّ ثلاثة

стр. 2036

أشهر﴾، فلقوله -تعالى-: ﴿إِن ارتبتم﴾ يعني: إِن سألتم عن حُكمهن، ولم تعلموا حكمَهُنَّ وشككتم فيه، فقد بيّنه الله لكم. حُكم المرأة الحائض إِذا لم تر الحيض: إِذا طُلِّقت المرأة وهي من ذوات الأقراء؛ ثمّ إِنها لم تر الحيض في عادتها، ولم تَدْرِ ما سَببه؛ فإِنها تعتد سَنَةً تتربص مدة تسعة أشهر؛ لتعلم براءة رحمها؛ لأن هذه المدة هي غالب مدة الحمل، فإِذا لم يَبِن الحمل فيها، عُلِم براءة الرحم ظاهراً، ثمّ تعتد بعد ذلك عدة الآيسات ثلاثة أشهر. وجاء في كتاب "الاختيارات الفقهيَّة" (ص ٢٨٢): "ومن ارتفَعَ حَيضُها ولا تدري ما رَفَعَه إِنْ علِمَت عدَمَ عودِه؛ فتعتدّ. وإلا اعتدَّت بِسَنة". هذا؛ وقد ذَكَر ابن حزم ﵀ عدداً من الآثار في أقوالٍ ثلاثة؛ تتعلّق بالمرأة المختلفة الأقراء، وحين تصير في حد اليائسات من المحيض، وترجَّح لديّ القول الثاني من ذلك، وقد ساق في بعض الآثار بإِسناده إِلى سعيد بن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ " أيّما امرأةٍ طُلِّقت فحاضت حيضة أو حيضتين، ثمّ رفعت حيضتها، فإِنها تنتظر تسعة أشهر، فإِنْ بان بها حمْل فذلك، وإلا اعتدّت بعد التسعة الأشهر ثلاثة أشهر ثمّ حلّت". وقال ﵀: وصحَّ مِثل هذا عن الحسن البصري وسعيد بن المسيب (١). سِنّ اليأس: اختلف العلماء في سِنّ اليأس؛ فقال بعضهم: إِنها خمسون. وقال آخرون:

стр. 2037

إِنها ستون، والحق أنَّ ذلك يختلف باختلاف النساء. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: "اليأس يختلِف باختلاف النساء، وليس له حدٌّ يتفق فيه النساء، والمراد بالآية، أنّ يأس كل امرأة من نفسها؛ لأنّ اليأس ضد الرجاء، فإِذا كانت المرأة قد يئست من الحيض، ولم تَرْجُه، فهي آيسة، وإنْ كان لها أربعون أو نحوها، وغيرها لا تيأس منه، وإن كان لها خمسون" (١). عِدّة الحامل: وعِدّة الحامل تنتهي بوضع الحمل؛ سواء أكانت مُطلَّقة، أم متوفّى عنها زوجها؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وأولات الأحمال أجلُهنَّ أن يضعن حمْلهنّ﴾ (٢). قال في "زاد المعاد": "ودلّ قوله -سبحانه-: ﴿أجلُهُنّ أن يضعن حملهنّ﴾ (٣) على أنها إِذا كانت حاملاً بتوأمين، لم تنقض العدة، حتى تضعهما جميعاً، ودلت على أن مَن علَيها الاستبراء، فعدتها وضْع الحمل أيضاً، ودلت على أن العدة تنقضي بوضعه على أي صفةٍ كان؛ حيَّاً أو ميّتاً، تام الخِلقة أو ناقصها، نُفخ فيه الروح أو لم ينفخ. عن سبيعة "أنها كانت تحت سعد بن خولة وهو في بني عامر بن لؤيٍّ -وكان ممّن شهد بدراً- فتوفّي عنها في حجّة الوَداع وهي حاملٌ، فلم

стр. 2038

تنشب (١) أن وضعت حملْها بعد وفاته، فلمّا تعلّت (٢) من نفاسها تجمّلت للخُطّاب فدخَل عليها أبو السّنابل بن بعكك (رجل من بني عبد الدّار) فقال لها: ما لي أراكِ مُتجمّلة؟ لعلّك ترجين النّكاح، إِنّك والله ما أنتِ بناكح حتّى تَمُرَّ عليك أربعةُ أشهر وعشرٌ، قالت سبيعة: فلمّا قال لي ذلك جمعْتُ عليّ ثيابي حين أمسيت فأتيتُ رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك؟ فأفتاني بأنّي قد حللتُ حِين وضعْتُ، وأمَرني بالتزوّج إِنْ بدا لي". قال ابن شهاب: فلا أرى بأساً أن تتزوج حين وضعت وإِنْ كانت في دمها؛ غير أن لا يقربها زوجها حتى تطهر" (٣). والعلماء يجعلون قول الله -تعالى-: ﴿والذين يُتَوَفَّون منكم ويذَرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ (٤) خاصةً بِعِدَد الحوائل (٥)، ويجعلون قول الله -تعالى-: ﴿وأولات الأحمال أجلهنَّ أن يضعن حمْلهن﴾ (٦) في عِدَدِ الحوامل، فليست الآية الثانية معارضة للأولى. عدة المتوفّى عنها زوجها: والمتوفَّى عنها زوجها عدّتُها أربعة أشهر وعشر، ما لم تكن حاملاً، لقول الله

стр. 2039

-تعالى-: ﴿والذين يُتوفون منكم ويذَرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ (١). وإنْ طلّق امرأته طلاقاً رجعياً، ثمّ مات عنها وهي في العِدَّة؛ اعتدّت بِعِدَّةِ الوفاة؛ لأنه توفي عنها، وهي زوجته. عِدّة المستحاضة: المستحاضة تعتدّ بالحيض، ثمّ إِنْ كانت لها عادة، فعليها أن تراعي عادتها في الحيض والطهر، فإِذا مضت ثلاث حيض، انتهت العدة. عدة المطلّقة ثلاثاً: جاء في "الاختيارات الفقهية" (ص ٢٨٢): "والمطلقة ثلاث تطليقات؛ عدّتها حيضة واحدة". انتهى. وبالحيضة يتحقّق استبراء الأرحام؛ ولها بعد ذلك أن تنكح زوجاً غيره. عدّة المختلعة: والمختلعة تعتدّ بحيضة واحدة، وتقدّم التفصيل في (باب الخلع). وجوب العدّة في غير الزواج الصحيح: مَن وطئ امرأةً بشبهة وجَبت عليها العدَّة؛ لأنّ وطْء الشبهة كالوطء في النكاح في النَّسَب، فكان كالوطء في النكَاح، في إِيجاب العِدَّة، وكذلك تجَِب العِدَّة في زواجٍ فاسد، إذا تحقَّق الدخول. تحول العدة من الحيض إِلى العِدَّة بالأشهر: إِذا طلَّق الرجل زوجته، وهي من ذوات الحيض، ثمّ مات وهي في العِدَّة،

стр. 2040

فإِنْ كان الطلاق رجعياً، فإِن عليها أن تعتد عدة الوفاة، وهي أربعة أشهر وعشراً؛ لأنها لا تزال زوجةً له، ولأنّ الطلاق الرجعي لا يُزيل الزوجية؛ ولذلك يثبت التوارث بينهما، إِذا توفي أحدهما وهي في العِدَّة. وإِنْ كان الطلاق بائناً فإِنها تُكمِل عدة الطلاق بالحيض، ولا تتحول العدة إِلى عدة الوفاة، وذلك لانقطاع الزوجية بين الزوجين من وقت الطلاق؛ لأن الطلاق البائن يزيل الزوجية، فتكون الوفاة قد حدثت وهو غير زوج. تحول العدة من الأشهر إِلى الحيض: إِذا شرعت المرأة في العدة بالشهور لِصِغَرِها، أو لبلوغها سِنَّ اليأس، ثمّ حاضت؛ لزمها الانتقال إِلى الحيض؛ لأنّ الشهور بدل عن الحيض، فلا يجوز الاعتداد بها مع وجود أصلها. وإن انقضت عِدَّتها بالشهور، ثمّ حاضت، لم يلزمها الاستئناف للعدة بالأقراء، لأنّ هذا حدَثَ بعد انقضاء العدة [ ولأنه لو كانت لها عِدَّةٌ من قبل بالأقراء؛ لم تكن في الغالب أكثر من عدّتها بالشهور]. وإنْ شرعت في العدة بالأقراء أو الأشهر، ثمّ ظهر لها حمْلٌ من الزوج، فإِنّ العدة تتحول إِلى وضع الحمل، والحمل دليل على براءة الرحم، من جهة القطع. انقضاء العدة: إِذا كانت المرأة حاملاً، فإِنَّ عدتها تنقضي بوضع الحمل، وإذا كانت العدة بالأشهر، فإِنها تحتسب من وقت الفرقة أو الوفاة، حتى تستكمل ثلاث أشهر أو أربعة أشهر وعشراً، وإذا كانت بالحيض، فإِنها تنقضي بثلاث حيضات، وذلك يُعرَف من جهة المرأة نفسها.

стр. 2041

لزوم المطلقة المعتدة بيت الزوجية: *يجب على المعتدة أن تلزم بيت الزوجية، حتى تنقضي عِدَّتها، ولا يحلُّ لها أن تخرج منه، ولا يحل لزوجها أن يُخرِجها منه. ولو وقع الطلاق، أو حصلت الفرقة وهي غير موجودة في بيت الزوجية، وجَب عليها أن تعود إِليه بمجرد عِلْمها* (١). يقول الله -تعالى-: ﴿يا أيها النّبيّ إِذا طلقتم النساء فطلِّقوهنّ لعدَّتهنَّ وأحصوا العِدَّة واتقوا الله ربَّكم لا تُخرِجوهنّ من بيوتهنَّ ولا يَخرُجن إلاَّ أن يأتين بفاحشة مبيِّنة وتلك حدود الله ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ (٢). قال ابن كثير ﵀: "وقوله -تعالى-: ﴿إِلا أن يأتين بفاحشة مُبَيِّنَة﴾ أي: لا يخرجن من بيوتهن إِلا أن ترتكب المرأة فاحشة مبينة فتخرج من المنزل، والفاحشة المبينة تشمل: الزنى كما قاله ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو قلابة، وأبو صالح، والضحاك، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، والسدي، وسعيد بن أبي هلال وغيرهم، وتشمل ما إِذا نشزت المرأة، أو بَذَتْ على أهل الرجل، وآذتهم في الكلام والفِعال، كما قاله أُبيّ بن كعب، وابن عباس، وعكرمة وغيرهم. وقد رخَّص النّبيّ ﷺ لخالة جابر بن عبد الله أن تخرج لتجدَّ نخلها.

стр. 2042

فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "طُلِّقت خالتي، فأرادت أن تجُدّ نخلها (١)، فزَجَرها رجل أن تخرج، فأتت النّبيّ ﷺ فقال: بلى فجُدِّي نخلك؛ فإِنك عسى أن تصدَّقي أو تفعلي معروفاً" (٢). فيبدو أنّ الأمر عند الحاجة أوسع منه من معتدّة الوفاة. وسألت شيخنا ﵀ عنْ ذلك، فأجابني به. أين تعتد المرأة المتوفَّى زوجها ؟ عن زينب بنت كعب بن عجرة "أنّ الفُريعة بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري، أخبَرتها أنها جاءت إِلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إِلى أهلها في بني خُدرة، فإِنَّ زوجها خرج في طلب أعبُد له أبَقوا حتى إِذا كانوا بطرف القَدُوم لحقَهم فقتلوه، فسألتُ رسول الله ﷺ أن أرجع إِلى أهلي، فإِني لم يتركني في مسكن يملكه، ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله ﷺ : نعم. قالت: فخرجتُ حتى إِذا كانت في الحجرة، أو في المسجد، دعاني أو أمَر بي فدُعيت له فقال: كيف قلت؟ فرددت عليه القصة التي ذَكَرْت من شأن زوجي. قالت: فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً، قالت: فلما كان عثمان بن عفان: أرسل إِليّ فسألني

стр. 2043

عن ذلك، فأخبرته فاتَّبعه وقضى به" (١). قال التِّرمذي ﵀ عقب هذا الحديث: ... والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: لم يروا للمعتدَّة أن تنتقل من بيت زوجها حتى تنقضي عدَّتها. وهو قول سفيان الثّوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: للمرأة أنْ تعتدّ حيث شاءت، وإنْ لم تعتدّ في بيت زوجها. والقول الأوَّل أصحّ (٢). وعن سعيد بن المسيب: "أنّ عمر بن الخطاب ﵁ كان يَرُدُّ المتوفى عنهنّ أزواجهنّ من البيداء يمنعهنّ الحج" (٣). وقد ضعّف هذا الأثر ابن حزم، وانظر الردّ عليه في "زاد المعاد" و"التلخيص الحبير" (٤/ ١٢٩١) برقم (١٦٤٨)، و"نيل الأوطار" (٧/ ١٠١)، والتحقيق الثاني "للإِرواء" (٢١٣١) لشيخنا (٤).

стр. 2044

وقال عطاء: قال ابن عباس: "نسخَت هذه الآية عدتها عند أهلها؛ فتعتدّ حيث شاءت، وهو قول الله -تعالى-: ﴿غيرَ إِخراج﴾ قال عطاء: إِن شاءت اعتدت عند أهله وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، لقول الله -تعالى-: ﴿فلا جناح عليكم فيما فعلن﴾ (١) قال عطاء: ثمّ جاء الميراث فنسخ السّكنى، فتعتدُّ حيث شاءت ولا سكنى لها" (٢). ومع هذا الأثر بل وآثار عديدة سيأتي ذِكرها إِن شاء الله -تعالى- بات الخلاف معتبراً. قال ابن القيّم ﵀ في "زاد المعاد" (٥/ ٦٨١ - ٦٨٢) - بعد أن ذَكَر حديث زينب بنت كعب في شأن الفريعة بنت مالك ﵂: "وقد اختلف الصحابة ﵃ ومن بعدهم في حُكم هذه المسألة، فروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها كانت تُفتي المتوفّى عنها بالخروج في عدَّتها، وخرجت بأختها أم كلثوم حين قُتل عنها طلحة بن عبيد الله إِلى مكة في عمرة. ومن طريق عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج: أخبرني عطاء عن ابن عباس أنه قال: "إِنما قال الله : تعتد أربعة أشهر وعشراً، ولم يقل: تعتد في بيتها، فتعتد حيث شاءت. وهذا الحديث سمعه عطاء من ابن عباس، فإِنَّ علي ابن المديني قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن جريج عن عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: قال الله -تعالى-: ﴿والذين يُتوفّون منكم ويَذَرون

стр. 2045

أزواجاً يتربّصن بأنفسهنّ أربعة أشهر وعشْراً﴾ ولم يقل: يعتَدِدْن في بيوتهن، تعتدُّ حيث شاءت، قال سفيان: قاله لنا ابن جريج كما أخبرنا. وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: تعتدُّ المتوفّى عنها حيث شاءت. وقال عبد الرزاق عن الثوري عن إِسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أن علي بن أبي طالب ﵁ كان يُرحِّل المتوفَّى عنهن في عدتهن. وذكر عبد الرزاق أيضاً، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس وعطاء، قالا جميعاً: المبتوتة والمتوفَّى عنها تَحُجّان وتعتمران، وتنتقلان وتبييتان". إِلى غير ذلك من الآثار الثابتة بالأسانيد الصحيحة، ثمّ قال (ص ٦٨٦) منه: "وقال سعيد بن منصور: حدثنا هُشيم: أنبأنا إِسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أنه سُئل عن المتوفّى عنها: أتخرج في عدتها؟ فقال: كان أكثر أصحاب ابن مسعود أشدّ شيء في ذلك، يقولون: لا تخرج، وكان الشيخ -يعني علي بن أبي طالب ﵁ يُرحلها. وقال حماد بن سلمة: أخبرنا هشام بن عروة، أن أباه قال: المتوفّى عنها زوجها تعتدُّ في بيتها إِلا أن ينتوي أهلها فتنتوي معهم. وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم:، أخبرنا يحيى بن مسعود هو الأنصاري، أن القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن المسيب قالوا في المتوفّى عنها: لا تبرح حتى تنقضي عِدَّتها. وذكر أيضاً عن ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء وجابر كلاهما قال

стр. 2046

في المتوفّى عنها: لا تخرج". وقال ﵀ (ص ٦٨٦): "وذكر حماد بن زيد، عن أيوب السَّختياني، عن محمد بن سيرين أن امرأة توفي زوجها وهي مريضة، فنقَلها أهلها، ثمّ سألوا فكُلُّهم يأمرهم أن تُردَّ إِلى بيت زوجها، قال ابن سيرين: فرددناها في نمَط. وهذا قول الإِمام أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة ﵏ وأصحابهم والأوزاعي وأبي عبيد وإسحاق. قال أبو عمر بن عبد البر: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، والعراق، ومصر". ثمَّ قال (ص ٦٨٧): "قالوا: ونحن لا نُنكر النزاع بين السلف في المسألة، ولكن السّنة تفصل بين المتنازعين، قال أبو عمر بن عبد البر: أمّا السّنة، فثابتة بحمد الله. وأمّا الإِجماع، فمستغنى عنه مع السّنة، لأن الاختلاف إِذا نزل في مسألة، كانت الحجة في قول من وافَقَتْهُ السّنة (١). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: أخذ المترخّصون في المتوفّى عنها بقول عائشة ﵂، وأخَذ أهل العزم والورع بقول ابن عمر. فإِن قيل: فهل ملازمة المنزل حقٌّ عليها، أو حقٌّ لها؟ قيل: بل هو حقٌّ عليها إِذا ترَكه لها الورثة، ولم يكن عليها فيه ضررٌ، أو كان المسكن لها، فلو حوّلها الوارث، أو طلبوا منها الأجرة، لم يلزمها السكن، وجاز لها التحول.

стр. 2047

ثمّ اختلف أصحاب هذا القول: هل لها أن تتحول حيث شاءت، أو يلزمها التحول إِلى أقرب المساكن إِلى مسكن الوفاة؟ على قولين. فإِن خافت هدماً أو غرقاً، أو عدواً أو نحو ذلك، أو حوَّلها صاحب المنزل لكونه عاريّة رجع فيها، أو بإِجارة انقضت مدتها، أو منَعَها السكنى تعدياً، أو امتنع من إِجارته، أو طلب به أكثر من أجر المِثل، أو لم تجد ما تكتري به، أو لم تجد إِلا من مالها؛ فلها أن تنتقل، لأنها حال عذر، ولا يلزمها بذل أجر المسكن، وإنما الواجب عليها فِعْل السُّكنى لا تحصيل المسكن، وإذا تعذَّرت السّكنى، سقطت. وهذا قول أحمد والشافعي". وقال ﵀ (ص ٦٩١ - ٦٩٢): "قال الآخرون: ليس في هذا ما يوجب رد هذه السّنة الصحيحة الصريحة التي تلقّاها أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وأكابر الصحابة بالقَبول، ونفَّذها عثمان، وحَكَم بها، ولو كنّا لا نقبل رواية النساء عن النّبيّ ﷺ ، لذهبت سنن كثيرة من سنن الإِسلام لا يُعرف أنه رواها عنه إِلا النساء، وهذا كتاب الله ليس فيه ما ينبغي وجوب الاعتداد في المنزل حتى تكون السّنة مخالفة له، بل غايتها أن تكون بياناً لحُكمٍ سكَت عنه الكتاب. ومثل هذا لا تُردُّ به السنن، وهذا الذي حذّر منه رسول الله ﷺ بعينه أن تترك السنّة إِذا لم يكن نظير حُكمها في الكتاب. وأمَّا ترك أمّ المؤمنين ﵂ لحديث الفُريعة، فلعله لم يبلغها. ولو بَلَغَها فلعلها تأولته، ولو لم تتأوله، فلعله قام عندها معارض له. وبكل حال، فالقائلون به في تركهم لتركها لهذا الحديث؛ أعذر من التاركين له لترك أمّ المؤمنين له، فبين التركين فرقٌ عظيم.

стр. 2048

وأمّا من قُتل مع النّبيّ ﷺ ، ومن مات في حياته، فلم يأت قط أن نساءهم كن يعتددن حيث شئن، ولم يأت عنهن ما يُخالف حُكم حديث فُريعة ألبتة، فلا يجوز ترك السنة الثابتة لأمرٍ لا يعلم كيف كان، ولو عُلم أنهن كن يعتددن حيث شئن، ولم يأت عنهن ما يخالف حُكْم حديث الفريعة، فلعل ذلك قبل استقرار هذا الحكم وثبوته حيث كان الأصل براءة الذمة، وعدم الوجوب". وجاء في "سُبل السلام" (٣/ ٣٨٥) -بعد حديث فُريعة بنت مالك ﵂: "والحديث دليل على أن المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها الذي نوت فيه العدة، ولا تخرج منه إِلى غيره، وإلى هذا ذهب جماعة من السلف والخلف، وفي ذلك عدة روايات وآثار عن الصحابة ومن بعدهم. وقال بهذا أحمد والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم. وقال ابن عبد البر: وبه يقول جماعة من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام ومصر والعراق، وقضى به عمر بمحضر من المهاجرين والأنصار". وجاء في "الروضة الندية" (٢/ ١٥٠): "وقد ذهَب إِلى العمل بحديث فريعة جماعة من الصحابة فمن بعدهم، وقد روي جواز الخروج للعذر عن جماعة من الصحابة فمن بعدهم، ولم يأت من أجاز ذلك بحجة تصلح لمعارضة حديث فريعة، وغاية ما هناك روايات عن بعض الصحابة وليست بحجة، لا سيما إِذا عارضَت المرفوع". وقال شيخنا ﵀ في "الإِرواء" (٧/ ٢٠٧) في (التحقيق الثاني): "ثمّ رأيت ابن القيّم قد انتصر لصحة الحديث ... كما انتصر لقول من قال بوجوب العمل به -وهم الجمهور-، ويؤيّده تصحيح من صحّحه من الأئمة دون

стр. 2049

مُعارض، وهم الترمذي وابن حبّان وابن الجارود والحاكم والذهبي ... (١) ". وجاء في "الفتاوى" (٣٤/ ٢٨): "وسُئل -رحمه الله تعالى- عن امرأة معتدة عدة الوفاة؛ ولم تعتدّ في بيتها بل تخرج في ضرورتها الشرعية: فهل يجب عليها إعادة العدّة؟ وهل تأثم بذلك؟ فأجاب: العدّة انقضت بمضي أربعة أشهر وعشر من حين الموت، ولا تقضي العدّة. فإِنْ كانت خرجت لأمر يحتاج إِليه ولم تبِتْ إِلا في منزلها فلا شيء عليها، وإِن كانت قد خرجت لغير حاجة وباتت في غير منزلها لغير حاجة، أو باتت في غير ضرورة، أو تركت الإِحداد: فلتستغفر الله وتتوب إِليه من ذلك، ولا إِعادة عليها". وجاء فيه (ص ٢٩): "وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل توفي وقعدت زوجته في عدته أربعين يوماً؛ فما قدرت تخالف مرسوم السلطان؛ ثمّ سافرت وحضرت إِلى القاهرة، ولم تتزين لا بطيب ولا غيره، فهل تجوز خطبتها؛ أم لا؟ فأجاب: العدة تنقضي بعد أربعة أشهر وعشرة أيام؛ فإِنْ كان قد بقي من هذه شيء فلتتمه في بيتها، ولا تخرج ليلاً ولا نهاراً إِلا لأمر ضروري؛ وتجتنب الزينة والطيب في بيتها وثيابها، ولتأكل ما شاءت من حلال، وتشم الفاكهة، وتجتمع بمن يجوز لها الاجتماع به في غير العدة؛ لكن إِنْ خطَبها إِنسان لا تجيبه صريحاً، والله أعلم". وفيه (ص ٢٩) أيضاً: "وسئل -رحمه الله تعالى- عن امرأة عزمت على الحج هي وزوجها، فمات زوجها في شعبان: فهل يجوز لها أن تحج؟

стр. 2050

فأجاب: ليس لها أن تسافر في العدة عن الوفاة إِلى الحج في مذهب الأئمة الأربعة". انتهى. وفي بعض مجالس شيخنا ﵀ سُئل عن ذهاب امرأة لدرس ديني، وهي في عدَّة الوفاة؟ فأجاب: لا يجوز للمرأة أن تغادر بيت زوجها خلال عدَّتها إِلا للضرورة، وليس هذا من الضَّرورة. وسُئل ﵀ عن ذهابها لصلاة الجماعة؟ فأجاب: لا تخرج للمسجد؛ للجماعة ولا للجمعة. وسُئل ﵀ عن الخروج للمعالجة؟ فأجاب: إِذا اشتدَّ المرض ولم تتمكَّن من إِحضار الطَّبيبة، فلها ذلك. وسئل ﵀: أين تعتدَّ الزَّوجة؟ فأجاب: في البيت الذي يأتيها خبر وفاة زوجها، وإذا لم يكن هناك محارم؛ تنتقل لبيت زوجها. والخُلاصة: أن المتوفّى عنها زوجها تلزم بيت الزوجية وتعتدّ فيه إِلا لضرورة، والله -تعالى- أعلم. لا يجوز للمعتدَّة الرَّجعية الخروج إِلا بإِذن زوجها: جاء في "السَّيل الجرَّار" (٢/ ٣٨٨): " ... وجهُهُ أنَّها لم تنقطع الزَّوجيَّة بينهما، فقد بقي له طرف منها وبقي لها طرف منه، وذلك إِذا تراجعا. ومعلوم أنَّها إِذا كانت باقية لديه غير مطلقة؛ أنَّها لا تخرج إِلا بإِذنه؛ لأنَّها قد تدعو

стр. 2051

حاجته إِليها وهي خارجة عن البيت، وقد يكون عليه في خروجها ما يلحق به غضاضة أو تعتريه بسببه غيرة. ولهذا صحَّ عن النّبي ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁ في الصّحيحين وغيرهما أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يحلُّ للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إِلا بإِذنه" فإِذا كان هذا في الصَّوم الذي هو من أعظم القُرَبِ، فكيف بالخروج؟ وإِذا عرَفت هذا؛ عرفتَ أنَّه ينبغي لها في أيَّام عدَّة الرَّجعة أنْ لا تخرج إِلا بِإِذن زوجها؛ لأنَّه إذا كان عازماً على رجعتها لحقه من الغَضَاضَة والغيرة ما يلحقه عليها قبل طلاقها؛ إِلا أنْ يكون الخروج للحاجة ... " (١). حِداد المُعْتدَّة: *يجوز للمرأة أن تحدّ على قريبها ثلاثة أيام، ويحرم عليها الإِحداد فوق ذلك. أمّا الزوج؛ فيحلّ لها أن تحدّ عليه أربعة أشهر وعشراً (٢). فعن أمِّ عطية ﵂ أنّ رسول الله ﷺ قال: لا تُحدّ امرأة على ميت فوق ثلاث؛ إِلا على زوج؛ أربعة أشهر وعشراً، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً؛ إِلا ثوب عَصْب (٣)، ولا تكتحل، ولا تمس طيباً؛ إِلا إذا طهرت

стр. 2052

نُبذة (١) من قُسْط (٢) أو أظفار (٣) " (٤). وعن زينب ابنة أبي سلمة قالت: "لَمّا جاء نعي أبي سفيان من الشام؛ دعت أمّ حبيبة ﵂ بصُفرة (٥) في اليوم الثالث، فمسحت عارضيها (٦) وذراعيها، وقالت: إِني كنتُ عن هذا لغنيَّة؛ لولا أنّي سمعت النّبي ﷺ يقول: "لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميت فوق ثلاث؛ إِلا على زوج؛ فإِنّها تُحدُّ عليه أربعة أشهر وعشراً" (٧) * (٨).

стр. 2053

فائدة: جاء في "الفتاوى" (٣٤/ ٢٧): "المعتدَّة عدَّة الوفاة تتربَّص أربعة أشهرٍ وعشراً، وتجتنب الزِّينة والطِّيب في بدنها وثيابها، ولا تتزيَّن، ولا تتطيَّب، ولا تلبس لباس الزِّينة، وتلزم منزلها فلا تخرج بالنَّهار إِلا لحاجة، ولا بالليل إِلا لضرورة، ويجوز لها أنْ تأكل كلّ ما أباحه الله: كالفاكهة واللحم: لحم الذَّكر والأنثى، ولها أكْل ذلك باتِّفاق علماء المسلمين، وكذلك شُرْب ما يُباح من الأشربة ويجوز لها أنْ تلبس ثياب القطن والكتَّان، وغير ذلك مما أباحه الله، وليس عليها أنْ تصنع ثياباً بيضاء أو غير بيض للعدَّة، بل يجوز لها لبس المقفص (١)؛ لكن لا تلبس ما تتزيَّن به المرأة: مثل الأحمر، والأصفر، والأخضر الصّافي، والأزرق الصَّافي، ونحو ذلك ولا تلبس الحُلِي مِثل الأسورة، والخلاخل، والقلائد، ولا تختضب بحنَّاء ولا غيره؛ ولا يحرم عليها عمل شُغلٍ من الأشغال المباحة: مثل التَّطريز، والخياطة، والغَزْل، وغير ذلك مما تفعله النِّساء. ويجوز لها سائر ما يُباح لها في غير العِدَّة: مثل كلام من تحتاج إِلى كلامه من الرِّجال إِذا كانت مُستترة، وغير ذلك. وهذا الذي ذكرته هو سُنَّة رسول الله ﷺ الذي كان يفعله نساء الصَّحابة إِذا مات أزواجهنّ (ونساؤه ﷺ ) ... ". والله أعلم. ماذا إِذا نكحت المرأة في عدَّتها إِذا نكحت المرأة في عدَّتها؛ فإِنَّه يُفَرَّق بينهما، ولها الصَّداق بما استحلّ من فرجها، وتكمل ما أفسدت من عدَّة الأوَّل وتعتدّ من الآخر، وذلك لأثر

стр. 2054

سليمان بن يسار: أنَّ طليحة الأسديَّة كانت تحت رشيد الثَّقفي، فطلَّقها، فنَكَحت في عدَّتها، فضربها عمر بن الخطَّاب ﵁، وضرب زوجها بالمِخفقة (١) ضربات، وفرَّق بينهما، ثمَّ قال عمر بن الخطَّاب: "أيّما امرأة نكحَت في عدّتها، فإِن كان زوجها الذي تزوَّجها لم يدخل بها، فرِّق بينهما، ثمّ اعتدَّت بقيَّة عدَّتها من زوجها الأوَّل، ثمَّ كان الآخر خاطباً من الخطَّاب، وإن كان دخل بها، فرَّق بينهما، ثمَّ اعتدَّت بقيَّة عدَّتها من الأوَّل ثمَّ اعتدَّت من الآخر، ثمَّ لا يجتمعان أبداً؟ قال سعيد: ولها مهرها بما استحلَّ منها" (٢). نَفَقَة المُعْتَدَّة إِذا كانت عدّة المرأة رجعية فإِنها تجب لها السكنى والنفقة لقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس ﵂: "إِنّما النفقة والسُّكنى للمرأة إِذا كان لزوجها عليها الرجعة" (٣). وإذا كانت مبتوتة فلا نفقة لها ولا سُكْنى (٤)، كما في حديث فاطمة بنت قيس ﵂ المتقدم، وفي رواية عنها: "أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب. فأرسل إِليها وكيله بشعير. فسخطته، فقال: والله! ما لكِ

стр. 2055

علينا من شيء. فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له. فقال: "ليس لكِ عليه نفقة" (١). وفي رواية: "لا نفقة لك ولا سُكنى" (٢). أمَّا قوله -تعالى-: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم مِن وُجْدِكم﴾ (٣) فهذا سياقه في الرجعيَّة، كما ذكَر ابن القيّم ﵀ في "تهذيب السنن" (٤). ولا نفقة للمبتوتة إِلا أن تكون حامِلاً؛ لقوله ﷺ : "لا نفقة لك؛ إِلا أن تكوني حاملاً" (٥). ولا نفقة للمعتدة من وفاة إِلا أنْ تكون حاملاً كذلك. جاء في "الروضة" (٢/ ١٦٥): " ... ولا في عدّة الوفاة؛ فلا نفقة ولا سُكنى إِلا أن تكونا حاملتين؛ لعدم وجود دليلٍ يدلّ على ذلك في غير الحامل، ولا سيّما بعد قوله -صلى الله عديه وآله وسلم-: "إِنما النفقة والسُّكنى للمرأة إِذا كان لزوجها عليها الرجعة، فإِذا لم يكن عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى" (٦).

стр. 2056

وفيه (ص ١٦٦): "ويؤيده أيضاً تعليل الآية المتقدمة بقوله -تعالى-: ﴿لا تدري لعلّ الله يُحدِثُ بعد ذلك أمراً﴾ (١) وهو الرجعة، ولم يبق في عدة الوفاة ذلك الأمر. ويفيده أيضاً مفهوم الشرط في قوله -تعالى-: ﴿وإنْ كنّ أولاتِ حملٍ فأنفقوا عليهنّ حتّى يضعن حملهنّ﴾ (٢) وهي أيضاً تدل على وجوب النفقة للحامل سواء كانت في عدة الرجعي، أو البائن، أو الوفاة، وكذلك يدل على ذلك قوله ﷺ لفاطمة بنت قيس: "لا نفقة لكِ إلاَّ أن تكوني حاملاً" (٣). وقال في الصفحة نفسها: "وينبغي أن يُقيَّد عدم وجوب السكنى لمن في عدة الوفاة؛ بما تقدّم في وجوب اعتدادها في البيت الذي بلَغها موت زوجها وهي فيه، فإِنَّ ذلك يفيد أنها إِذا كانت في بيت الزوج؛ بقيت فيه حتى تنقضي العدة؛ ويكون ذلك جمعاً بين الأدلة؛ من باب تقييد المطلق، أو تخصيص العام فلا إِشكال". وفيه (ص ١٦٧): "الحقُّ أنّ المتوفى عنها زوجها لا تستحق في عدة الوفاة لا نفقة، ولا سكنى، سواء كانت حاملاً أو حائلاً؛ لزوال سبب النفقة بالموت، واختصاص آية السكنى بالمطلَّقة رجعياً، واختصاص آية إِنفاق الحامل بالمطلَّقة ... فإِذا مات وهي في بيته اعتدت فيه لا لأنَّ لها السُّكنى؛ بل لوجوب الاعتداد عليها في البيت الذي مات وهي فيه".

стр. 2057

وقال ﵀ (ص ١٦٧) أيضاً: "فتقرر بمجموع ما ذُكِر أن المتوفّى عنها مطلقاً؛ كالمطلقة بائناً، إِذا لم تكن المطلقة بائناً حاملاً في عدم وجوب النفقة والسكنى، فإِنْ كانت المطلقة بائناً حاملاً؛ فلها النفقة ولا سُكنى لها. وأمّا المطلقة الرجعية فلها النفقة والسكنى سواء كانت حاملاً أو حائلاً. وأمّا المطلقة قبل الدخول فلا عدة عليها؛ فالنفقة ساقطة بلا ريب، وكذلك السكنى، والمتعة المذكورة لها في القرآن هي عِوَض عن المهر. والملاعِنة لا نفقة لها ولا سكنى؛ لأنها إِنْ كانت المطلقة بائناً كانت مثلها في ذلك، وإن كانت المتوفى عنها زوجها فكذلك ... ".

стр. 2058

الحضانة

стр. 2059

الحِضانة تعريفها: الحِضانة: -بكسْر الحاء المهملة- مصدر من حضن الصبي حضناً وحضانة: جَعَلَه في حضنه، أو ربّاه فاحتضنه، والحِضْن -بكسر الحاء- هو ما دون الإِبط إِلى الكشح (١) والصدر: أو العضدان وما بينهما، وجانب الشيء أو ناحيته؛ كما في "القاموس". وفي الشرع: حِفظ من لا يستقل بأمره وتربيته ووقايته عمَّا يهلكه أو يضره (٢). الحِضانة حقٌّ مشترك (٣): الحِضانة حقٌّ للصغير، لاحتياجه إِلى مَن يرعاه، ويحفظه، ويقوم على شؤونه، ويتولى تربيته، ولأمِّه الحقّ في احتضانه كذلك، لقول الرسول ﷺ : "أنت أحقُّ به" (٤). وإذا كانت الحِضانة حقَّاً للصغير، فإِن الأمّ تُجبر عليها إذا تعيَّنَت، بأن يحتاج الطفل إِليها، ولم يوجد غيرها، كيلا يضيع حقّه في التربية والتأديب، فإِن لم تتعين الحضانة، بأن كان للطفل جدّة، ورضيت بإِمساكه، وامتنعت الأمّ، فإِنَّ حقّها في الحضانة يسقط بإِسقاطها إِياه، لأن الحضانة حقٌّ لها.

стр. 2060

الأولى بحضانة الطفل أُمّه ما لم تنكح: الأولى بالطفل أمُّه ما لم تنكح؛ فعن عبد الله بن عمرو "أنّ امرأة قالت: يا رسول الله إِنّ ابني هذا كان بطني له وعاءً وثديي له سقاءً، وحِجري (١) له حواءً (٢)، وإنّ أباه طلَّقني، وأراد أن ينتزعه منّي. فقال لها رسول الله ﷺ : أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي" (٣). وجاء في "الرّوضة" (٢/ ١٨٣): "وقد وقع الإِجماع على أنّ الأمّ أولى بالطّفل من الأب. وحكى ابن المنذر الإِجماع: "على أن حقّها يبطل بالنّكاح، وقد رُوي عن عثمان أنّه لا يبطل بالنّكاح؛ وإليه ذَهَب الحسن البصري، وابن حزم، واحتجّوا ببقاء ابن أمّ سلمة في كفالتها بعد أن تزوّجت بالنّبي ﷺ . ويجاب عن ذلك؛ بأنّ مجرَّد البقاء مع عدم المنازع لا يُحتجُّ به؛ لاحتمال أنّه لم يبق له قريب غيرها ... ". وانظر للمزيد من الفائدة -إن شئت- ما جاء في "الصّحيحة" تحت الحديث (٣٦٨). حضانة الأب: وفي الحديث المتقدّم: " ... وإنّ أباه طلّقني، وأراد أن ينتزعه منّي، فقال

стр. 2061

لها رسول الله ﷺ : أنت أحقُّ به ما لم تنكحي" دليل على حضانة الأب بعد الأم. إِذا بلغ الصّبي سنَّ التمييز خُيِّر بين أبويه: عن أبي هريرة ﵁ قال: "إِنَّ امرأة جاءت رسول الله ﷺ ، فقالت: فداك أبي وأمّي، إِنّ زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد نَفَعَني وسقاني من بئر أبي عِنبة (١) فجاء زوجها وقال: من يخاصمني في ابني؟ فقال: يا غلام! هذا أبوك، وهذه أمّك، فخذ بيد أيّهما شِئتَ. فأخَذ بيد أمّه، فانطلقَت به" (٢). قال الخطّابي في "المعالم": هذا في الغلام الذي قد عقل واستغنى عن الحضانة، وإذا كان كذلك؛ خُيِّرَ بين والديه (٣). وقال شيخنا ﵀ في التعليق على "الرّوضة" (٢/ ٣٣٨) في التخيير: "وينبغي أن لا يكون هذا على إِطلاقه، بل يقيّد بما إِذا حصلت به مصلحة الولد؛ وإلا فلا يلتفت إِلى اختيار الصّبي، لأنه ضعيف العقل، وتفصيل هذا في الزاد" انتهى. وإِليك -يرحمني الله وإيّاك- كلام ابن القيّم الذي أشار إِليه شيخنا

стр. 2062

-رحمهما الله تعالى- في "زاد المعاد/ (٤/ ٤٧٥): "فمن قدّمناه بتخيير أو قرعة أو بنفسه، فإِنما نقدِّمه إِذا حصَلت به مصلحة الولد، ولو كانت الأمُّ أصون من الأب وأغير منه قُدّمت عليه، ولا التفات إِلى قُرعة ولا اختيار الصّبي في هذه الحالة، فإِنه ضعيف العقل يؤثر البطالة واللعب، فإِذا اختار من يساعده على ذلك، لم يُلتَفت إِلى اختياره، وكان عند من هو أنفع له وأخير، ولا تحتمل الشريعة غير هذا، والنبي ﷺ قد قال: "مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم على تركها لعشرٍ، وفرِّقوا بينهم في المضاجع" (١) والله -تعالى- يقول: ﴿يا أيُّها الذين آمنوا قُوا أَنْفسَكُمْ وأهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجَارَةُ﴾ (٢). وقال الحسن: علِّموهم وأدِّبوهم وفقِّهوهم، فإِذا كانت الأمُّ تتركه في المكتب، وتُعلِّمه القرآن، والصّبيّ يُؤْثِر اللعب ومعاشرة أقرانه، وأبوه يمكنه من ذلك، فإِنها أحقّ به بلا تخيير، ولا قرعة، وكذلك العكس، ومتى أخلّ أحد الأبوين بأمر الله ورسوله في الصّبيّ وعطّله، والآخر مُراعٍ له، فهو أحقّ وأولى به. وسمعت شيخنا ﵀ يقول: تنازع أبوان صبيّاً عند بعض الحكّام، فخيّره بينهما، فاختار أباه، فقالت له أمّه: سله لأي شيء يختار أباه، فسألَه، فقال: أمّي تبعثني كلّ يوم للكتاب، والفقيه يضربني، وأبي يتركني للّعب مع الصبيان، فقضى به للأمّ. قال: أنت أحقُّ به. قال شيخنا: "وإذا ترك أحد الأبوين تعليم الصبي، وأمْره الذي أوجبه الله

стр. 2063

عليه، فهو عاصٍ ولا ولاية له عليه، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته، فلا ولاية له، بل إِمّا أن تُرفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإمَّا أن يُضمّ إِليه من يقوم معه بالواجب، إِذ المقصود طاعة الله ورسوله بحسب الإِمكان". الاقتراع على الولد: عن هلال بن أسامة: أنَّ أبا ميمونة سليم (١) مولى مِن أهل المدينة -رجلُ صِدْقٍ- قال: بينما أنا جالس مع أبي هريرة، جاءته امرأة فارسية، معها ابن لها، فادعياه، وقد طلَّقها زوجها، فقالت: يا أبا هريرة ﵁ ورطنت له بالفارسية - زوجي يريد أن يذهب بابني، فقال أبو هريرة ﵁: استهِما (٢) عليه -ورطن لها بذلك- فجاء زوجها فقال: من يُحاقّني (٣) في ولدي؟ فقال أبو هريرة: اللهمّ! إِني لا أقول هذا، إِلا أنّي سمعتُ امرأةً جاءت إِلى رسول الله ﷺ ، وأنا قاعد عنده، فقالت: يا رسول الله، إِنّ زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عِنبة، وقد نفَعَني، فقال رسول الله ﷺ : "استهِما عليه" فقال زوجها: من يحاقّني في ولدي؟ فقال النبي ﷺ : هذا أبوك، وهذه أمّك، فخذ بيد أيّهما شئت فأخذ بيد أمّه، فانطلَقَت به" (٤). قال ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" (٥/ ٤٦٨) -ناقلاً أقوال العلماء-:

стр. 2064

"قد ثبَت التخيير عن النبي ﷺ في الغلام من حديث أبي هريرة، وثبت عن الخلفاء الراشدين، وأبي هريرة، ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة ألبتة، ولا أنكَره مُنكِر. قالوا: وهذا غاية في العدل الممكن، فإِنّ الأمّ إِنما قُدِّمت في حال الصغر لحاجة الولد إِلى التربية والحمل والرضاع والمداراة التي لا تتهيأ لغير النساء، وإِلا فالأمّ أحد الأبوين، فكيف تُقدّم عليه؟ فاذا بلغ الغلام حدّاً يُعرِب فيه عن نفسه، ويستغني عن الحمل والوضع وما تعانيه النساء، تساوى الأبوان، وزال السبب الموجب لتقديم الأمّ، الأبوان متساويان فيه، فلا يُقدَّم أحدهما إِلا بمرجِّح، والمرجِّح إِمّا من خارج، وهو القرعة، وإمّا من جهة الولد، وهو اختياره. وقد جاءت السُّنة بهذا وهذا، وقد جمَعَهما حديث أبي هريرة، فاعتبرناهما جميعاً، ولم ندفع أحدهما بالآخر، وقدَّمنا ما قدَّمه النبي ﷺ ، وأخَّرنا ما أخَّره، فقدّم التخيير، لأنَّ القرعة إِنما يصار إِليها إِذا تساوت الحقوق من كل وجه، ولم يبق مُرجِّح سواها، وهكذا فَعَلْنا ها هنا؛ قدَّمنا أحدهما بالاختيار، فإِن لم يختر، أو اختارهما جميعاً، عَدَلْنا إِلى القرعة، فهذا لو لم يكن فيه موافقة السنة، لكان مِن أحسن الأحكام، وأعدلها، وأقطعها للنزاع بتراضي المتنازعين. وفيه وجه آخر في مذهب أحمد والشافعي: أنه إِذا لم يختر واحداً منهما كان عند الأمِّ بلا قرعة، لأن الحضانة كانت لها، وإنما ننقله عنها باختياره، فإِذا لم يختر، بقي عندها على ما كان. انتهى. وعن رافع بن سنان: "أنه أسلم، وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي ﷺ ، فقالت: ابنتي وهي فطيم -أو شبهه- وقال رافع: ابنتي، فقال له النبي ﷺ : اقعدْ ناحية، وقال لها: اقعدي ناحية، قال: وأقعَد الصبيَّة بينهما، ثم قال:

стр. 2065

ادعُواها، فمالت الصبية إِلى أمِّها، فقال النبي ﷺ : اللهم اهدها، فمالت الصبيَّة إِلى أبيها فأخَذَها" (١). وعن عبد الرحمن بن غَنْم قال: "شهدت عمر خيّر صبيَّا بين أبيه وأمِّه" (٢). ضابط باب الحضانة: وفي ضابط باب الحضانة أقوال عديدة (٣)، وفيه بَسْط وتفصيل، وجاء في "زاد المعاد" (٥/ ٤٥٠): "وقد ضبط هذا البابَ شيخُنا -شيخ الإِسلام ابن تيمية- بضابط آخر فقال: أقرب ما يضبط به باب الحضانة أن يقال: لما كانت الحضانة ولاية تعتمد الشفقة والتربية والملاطفة؛ كان أحقّ الناس بها أقومَهم بهذه الصفات، وهم أقاربه يقدّم منهم أقربهم إليه وأقومُهم بصفات الحضانة، فإِنِ اجتمع منهم اثنان فصاعداً، فإِن استوت درجتهم قُدِّم الأنثى على الذكر. فتُقدَّم الأمّ على الأب، والجدة على الجد، والخالة على الخال، والعمَّة على العم، والأُخت على الأخ، فإِن كانا ذكَرين أو أُنثيين؛ قُدِّم أحدهما بالقرعة يعني مع استواء درجتهما. وإِنِ اختلفت درجتهما من الطِّفل فإِنْ كانوا مِن جِهةٍ واحدة، قُدِّم الأقرب إِليه، فتُقدَّم الأخت على ابنتها، والخالة على خالة الأبوين، وخالة الأبوين على خالة الجد والجدة، والجد أبو الأم على الأخ للأمّ.

стр. 2066

هذا هو الصحيح؛ لأن جهة الأبوة والأمومة في الحضانة أقوى من جهة الأخوة فيها. وقيل: يقدم الأخ للأم؛ لأنه أقوم من أب الأم في الميراث. والوجهان في مذهب أحمد". وجاء في "السيل الجرّار" (٢/ ٤٣٨): "والحاصل أنّ الحقّ في الحضانة للأمّ ثم للخالة، فإِنْ عُدما فالأب أولى بولده يضعه حيث يشاء من قرائبه أو غيرهن. وإذا وقع النزاع بينه وبين الأمّ أو الخالة؛ كان الحَكَم ما تقدم في الأحاديث كما بيَّنَّا. وإذا كان الأب لا يُحسِن حضانة ولده، أَو ليس ممن يقوم برعاية مصالحه؛ كان للحاكم أَن يُعيِّن من يحضنه من قرائبه أَو غيرهن. وهكذا إِذا كان الأب غير موجود" انتهى. والحاصل أنَّ الأمر يدور حول مصلحة الولد وإحسان حضانته وتنشئته، وللحاكم أن يقدّر ذلك، وله فصْل النزاع بما يراه، فهو يختار من هو مَظِنَّةُ الحُنوِّ والرِّعاية، وهو الذي يُرجّح الأفضل في ضوء الكلام المتقدّم. والله -تعالى- أعلم (١). تمَّ بحمد الله -تعالى- وتوفيقه. انتهيتُ مِن مقابلته وتصحيحه والنَّظر فيه يوم الأحد في /١٠/ربيع ثانٍ/ ١٤٢٥ هـ

стр. 2067

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة الجزء السادس كتابُ الحدود والجنايات والقصاص والديات والضمان والقسامة والتعزير بقلم حسين بن عودة العوايشة المكتبة الإسلامية دار ابن حزم

стр. 2068

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2069

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

стр. 2070

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م المكتبة الإسلامية ص ب: (١١٣) الجبهية؛ هاتف ٥٣٤٢٨٨٧ عمَّان - الأردن دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤
следующие страницы →