← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

هذا هو الصحيح؛ لأن جهة الأبوة والأمومة في الحضانة أقوى من جهة الأخوة فيها. وقيل: يقدم الأخ للأم؛ لأنه أقوم من أب الأم في الميراث. والوجهان في مذهب أحمد". وجاء في "السيل الجرّار" (٢/ ٤٣٨): "والحاصل أنّ الحقّ في الحضانة للأمّ ثم للخالة، فإِنْ عُدما فالأب أولى بولده يضعه حيث يشاء من قرائبه أو غيرهن. وإذا وقع النزاع بينه وبين الأمّ أو الخالة؛ كان الحَكَم ما تقدم في الأحاديث كما بيَّنَّا. وإذا كان الأب لا يُحسِن حضانة ولده، أَو ليس ممن يقوم برعاية مصالحه؛ كان للحاكم أَن يُعيِّن من يحضنه من قرائبه أَو غيرهن. وهكذا إِذا كان الأب غير موجود" انتهى. والحاصل أنَّ الأمر يدور حول مصلحة الولد وإحسان حضانته وتنشئته، وللحاكم أن يقدّر ذلك، وله فصْل النزاع بما يراه، فهو يختار من هو مَظِنَّةُ الحُنوِّ والرِّعاية، وهو الذي يُرجّح الأفضل في ضوء الكلام المتقدّم. والله -تعالى- أعلم (١). تمَّ بحمد الله -تعالى- وتوفيقه. انتهيتُ مِن مقابلته وتصحيحه والنَّظر فيه يوم الأحد في /١٠/ربيع ثانٍ/ ١٤٢٥ هـ

стр. 2067

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة الجزء السادس كتابُ الحدود والجنايات والقصاص والديات والضمان والقسامة والتعزير بقلم حسين بن عودة العوايشة المكتبة الإسلامية دار ابن حزم

стр. 2068

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2069

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

стр. 2070

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م المكتبة الإسلامية ص ب: (١١٣) الجبهية؛ هاتف ٥٣٤٢٨٨٧ عمَّان - الأردن دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤

стр. 2071

-[مقدّمة المؤلف]- إِنّ الحمد لله، نحمَدُه ونستعينهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرور أَنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ لهُ. وأَشهَد أنْ لا إله إِلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ محمداً عَبدهُ ورَسولهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). أمَّا بعد: فإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدْي محمّد، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار،

стр. 2072

فهذا هو الجزء السادس من كتابي "الموسوعة الفقهيّة الميسّرة في ضوء الكتاب والسّنة المطهرة" قد تضمّن كتاب الحدود والردّة والزندقة والحِرابة والجنايات والقِصاص والدِّيات والضمان والقسامة والتعزير. وأنا ماضٍ على منهجي نفسه؛ في الانتفاع مِن كتب الفقه؛ مفيداً من علماء الأمّة، مع تحرّي الدليل من الكتاب والسّنة وآثار السلف الصالح. ومازلت أستفيد من ترتيب السيد سابق -رحمه الله تعالى- من عناوينه وأدلّته -كما سبقَت الإِشارة من قبل- وكما هو الحال في إِفادتي من كتب شيخنا ﵀ وتحقيقاته وتخريجاته. وأسأل الله ﵎ أن يتقبّل منّي عملي، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وألا يجعل لأحدٍ فيه شيئاً. وأسأله -سبحانه- أن ينفع بي وأن يجعلني مفتاحاً للخير، مغلاقاً للشرّ، وأن يحشرني مع الذين أنعم الله عليهم؛ من النبيّين والصّدّيقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقاً. وكتب: حسين بن عودة العوايشة عمّان- ٤ جمادى الآخرة ١٤٢٦ هـ

стр. 2073

الحدود

стр. 2074

الحدود تعريفها: جمع حدّ وأصْله في اللغة ما يُحجَز به بين شيئين فيمنع اختلاطهما، وسميت هذه العقوبات حدوداً لكونها تمنع عن المعاودة، ويطلق الحد على التقدير. وهذه الحدود مقدرة من الشارع، ويُطلقَ الحد على نفس المعاصي، نحو قوله -تعالى-: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ (١). وعلى فِعْلٍ فيه شيء مُقدّر (٢)، نحو قوله: ﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾. (٣). واصطلاحاً: هي عقوبة مقدّرة؛ وجبَت حقّاً لله -سبحانه- لتمنع من الوقوع في محارم الله -تعالى- وتزجره بعد الوقوع كذلك. جرائم الحدود: "قرّر الكتابُ والسّنّة عقوبات محدّدة لجرائم معينة تسمّى "جرائم الحدود" وهذه الجرائم هي: الزنا، والقذف والسرقة والسُّكر والمحاربة والردة والبغي، فعلى من ارتكب جريمة من هذه الجرائم عقوبة محدّدة قرّرها الشارع" (٤). وسيأتي التفصيل في موضعه -إِن شاء الله تعالى-.

стр. 2075

وجوب إِقامة الحدود: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حدٌّ يُعْمل به في الأرض؛ خير لأهل الأرض من أن يُمْطَرُوا أربعين صباحاً" (١). *وكلّ عملٍ من شأنه أن يُعطِّل إِقامة الحدود؛ فهو تعطيل لأحكام الله ومحاربة له؛ لأنّ ذلك من شأنه إِقرار المنكَر وإِشاعة الشر* (٢). وقد نهى الله -تعالى- عباده المؤمنين أن تأخذهم الرأفة في دينه قال -سبحانه -: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كلَّ واحد منهما مائة جلدةٍ ولا تأخُذكم بهما رأفة في دين الله إِن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ (٣). تحريم الشفاعة في الحدود إِذا بلغت السلطان: عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله فقد ضادّ الله في أمره" (٤). وعن عائشة ﵂ أنّ قريشاً أهمّتهم (٥) المرأة المخزومية التي

стр. 2076

سرَقَت فقالوا: من يكلّم فيها رسول الله ﷺ ومن يجترئ (١) عليه إِلا أُسامة حبُّ (٢) رسول الله ﷺ ؟ فكلّم رسولَ الله ﷺ فقال: أتشفعُ في حدٍّ من حدود الله؟ ثمّ قام فخطب فقال: يا أيها النّاس إِنما ضلَّ من كان قبلكم أنهم كانوا إِذا سرق الشريف تركوه، وإِذا سرق الضعيف، [وفي رواية (٣): الوضيع (٤)] فيهم أقاموا عليه الحدَّ، وأيم (٥) الله لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعَ محمّد يدها" (٦). وقد وجّهنا النبي ﷺ إِلى العفو وعدم رفْع الحدود إِلى الأئمّة. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "تعافوا (٧)

стр. 2077

الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدّ فقد وجَبَ" (١). وعن صفوان بن أميّة قال: "كنت نائماً في المسجد عليّ خميصةٌ لي ثمنُ ثلاثين درهماً، فجاء رجل فاختلسَها مني، فأُخِذَ الرجل، فأُتي به رسول الله ﷺ ، فأَمَر به ليُقطَع. قال: فأتيته، فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهماً، أنا أبيعه وأنسئه ثمنها؟ قال: فهلاّ كان هذا قبل أن تأتيني به" (٢). درء الحدود بالشُّبهات: عن ابن مسعود ﵁ قال: "ادرؤوا الحدود والقتْل عن المسلمين ما استطعتم" (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال: "لما أتى ماعزُ بن مالكٍ النّبيّ ﷺ قال له: لعلّك قبَّلت أو غمزْتَ أو نَظَرْت؟ قال: لا يا رسول الله: قال: أنِكْتَها؟ -لا يُكنّي- قال: فعنْد ذلك أمَر برجْمه" (٤).

стр. 2078

وبوّب الإِمام البخاري ﵀ لهذا الحديث بقوله: (باب هل يقول الإِمام للمُقرّ: لعلّك لمسْتَ أو غمزْت): جاء في "الفتح ... "هذه الترجمة معقودةٌ لجواز تلقين الإِمام المقرَّ بالحدّ ما يدفعه عنه ... " (١). عن بريدة ﵁ قال: "جاء ماعز بن مالك إِلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! طهِّرني. فقال: ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إِليه. قال: فرجع غير بعيد، ثمّ جاء فقال: يا رسول الله طهِّرني. فقال رسول الله ﷺ : ويحك ارجْع فاستغفر الله وتب إِليه. قال: فرجع غير بعيد، ثمّ جاء فقال: يا رسول الله طهِّرني، فقال النّبيّ ﷺ مثل ذلك حتى إِذا كانت الرابعة قال له رسول الله ﷺ : فِيمَ أطهرك؟ فقال: من الزنى. فسأل رسول الله ﷺ : أبه جنون؟ فأخْبر أنه ليس بمجنون. فقال: أشَرِب خمراً، فقام رجل فاسْتَنْكَهَه (٢) فلم يجد منه ريح خمر. فقال رسول الله ﷺ : أزنيت؟ فقال نعم، فأمر به فرُجم. فكان النّاس فيه فرقتين: قائل يقول: لقد هلك، لقد أحاطتْ به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعزٍ: أنّه جاء إِلى النّبيّ ﷺ فوضع يده في يده ثمّ قال: اقتلني بالحجارة. قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة. ثمّ جاء رسول الله ﷺ وهم جلوس

стр. 2079

فسلَّم ثمّ جلس، فقال: استغفروا لماعز بن مالك. قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. قال: فقال رسول الله ﷺ : لقد تاب توبةً لو قُسمت بين أمّةٍ لوسعتهم. قال: ثمّ جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله! طهِّرني. فقال: ويحكِ! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِليه. فقالت: أراك تُريد أن تُرَدِّدَني كما ردّدْت ماعز بن مالك. قال: وما ذاك؟ قالت: إِنّها حُبلى من الزنى، فقال: آنتِ؟ قالت: نعم، فقال لها: حتّى تضعي ما في بطنك. قال: فكَفَلهَا رجل من الأنصار حتّى وضعت، قال: فأتي النّبيّ ﷺ فقال: قد وضعت الغامدّية. فقال: إِذاً لا نرجمها وندَعُ ولدها صغيراً ليس له من يرضعه، فقام رجل من الأنصار فقال: إِليّ رَضاعه يا نبي الله قال: فرجَمها" (١). من يُقيم الحدود ؟ لا يُقيم الحدّ إِلا الإِمام أو من يُنيبه، ومن استقرأ الأحاديث وجد ذلك. قال الشيخ إِبراهيم بن ضويّان ﵀: "في منار السبيل" (٢/ ٣٢٢): "ولا يقيمه إِلا الإِمام أو نائبه سواءٌ كان الحدّ لله -تعالى- كحدّ الزنى، أو لآدمي، كحدّ القذف، لأنه يفتقر إِلى الاجتهاد، ولا يُؤمَن فيه الحيف، فوجب تفويضه إِليه، ولأنه ﷺ كان يقيم الحدود في حياته، وكذا خلفاؤه من بعده. ونائبه كهو، لقوله ﷺ : " .. واغْدُ يا أنيس إِلى امرأة هذا، فإِن اعترفت

стр. 2080

فارجمها، فاعترفت فَرجَمها" (١). "وأمَر برجم ماعز ولم يحضره" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "إن سرَقَ فاقطعوا يده، ثمّ إِنْ سرَقَ فاقطعوا رجله" (٣). التستُّر في الحدود: عن أبي هريرة ﵁ عن النّبىّ ﷺ قال: "من سترَ مسلماً سترَه الله في الدنيا والآخرة" (٤). عن ابن عباس ﵄ عن النّبيّ قال: "من ستر عورة أخيه المسلم، ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم؛ كشف الله عورته؛ حتى يفضحه بها في بيته" (٥). وفي هذا الستر تفصيل لا بُدّ مِن بيانه، فإِنْ كان الذنب يضيّع حقوق الآخرين؛ كجريمة القتل أو الاغتصاب ونحوهما؛ فإِنه لا يجوز أن يُستر عليه،

стр. 2081

بل الواجب كشف ذلك؛ إِحقاقاً للحقّ وإِبطالاً للباطل وإِن كان الأمر لا يضرّ بالآخرين؛ فهنا محلّ الستر، ومثل ذلك أن يرى أحدهم رجلاً وامرأة على حالٍ شنيع ثمّ يلمس النّدم منهما، وأنهما يعزمان على التوبة، والإِقبال على الله -تعالى- وانظر ما جاء من فوائد في "الصحيحة" تحت الحديث (٣٤٦٠). ستر المسلم على نفسه: عن أبي هريرة يقول سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "كل أمتي مُعافى إِلا المجاهرين، وإِنَّ من المجاهرة أن يعمل الرجلُ بالليل عملاً ثمّ يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد باتَ يسترُه ربه ويصبح يكشف سترَ الله عنه" (١). الحدود كفّارة للآثام: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنّا عند النّبيّ ﷺ فقال: "أتُبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تسرقوا؟ وقرأ آية النساء فمن وفى منكم (٢) فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب [في الدنيا] فهو كفّارة له، ومن أصاب منها شيئاً من ذلك فستره الله فهو إِلى الله؛ إِن شاء عذّبه وإِن شاء غفر له" (٣).

стр. 2082

النهي عن إِقامة الحدود في المساجد: عن حكيم بن حزام ﵁ أنّه قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يُسْتَقاد (١) في المسجد، وأن تنْشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود" (٢). اتقاء ضرْب الوجه في الحدود: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إِذا ضرب أحدكم أخاه فليجْتَنِب الوجه" (٣). الخمر: أجمع المسلمون على تحريم الخمر والنصوص في ذلك معلومة (٤). ما هي الخمر ؟ سُمّيت خمراً؛ لأنها تُركت فاختَمَرت، واختمارها تغيُّر ريحها، وقيل:

стр. 2083

سُميّت بذلك لمخامرتها العقل أي: مخالطتها وتغطيته (١). ويتضمّن الخمر كلّ ما كان مسكراً (٢). عن ابن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفَرْقُ، فملء الكف منه حرام" (٤). وتؤخذ الخمر مما ذُكر في النصوص الآتية: عن ابن عمر ﵄ قال: "قام عمر على المنبر فقال: أمّا بعد: نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل" (٥). وعن جابر "أنّ رجلاً قدم من جيشان (وجيشان من اليمن) فسأل النّبيّ ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يُقال له المِزْر؟ فقال النّبيّ ﷺ : أوَ مُسكِرٌ هو؟ قال: نعم.

стр. 2084

قال رسول الله ﷺ : كُلّ مسكر حرامٌ، إِنّ على الله عهداً لِمن يشرب المُسكر أن يَسِقيَه من طينة الخَبال، قالوا: يا رسول الله! وما طينة الخبال؟ قال: عرقُ أهل النّار، أو عصارة أهل النّار" (١). عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنّ من العنب خمراً وإِنّ من التمر خمراً، وإن من العسل خمراً، وأنّ من البُرِّ خمراً، وإِنّ من الشعير خمراً" (٢). عن علي ﵁ قال: "نهانا رسول الله ﷺ عن الدُبّاء والخنتم، والنقير، والجَعَةِ (٣) " (٤). عن عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البِتع -وهو نبيذ العسل وكان أهل اليمن يشربونه- فقال رسول الله ﷺ : "كل شراب أسكَر فهو حرام" (٥).

стр. 2085

ما أسكر كثيره فقليله حرام: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (١). شرب العصير والنبيذ قبل التخمير: عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأَدَم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مُسْكِراً" (٢). وعن أبي بُردة عن أبيه قال: بعثني رسول الله ﷺ ومعاذاً إِلى اليمن، فقال: ادعوا النّاس وبشِّرا ولا تُنَفِّرا، ويسِّرا ولا تُعَسِّرا، قال: فقلت: يا رسول الله! أفتنا في شرابَين كُنّا نصنعهما باليمن: البِتْعُ، وهو من العسل يُنبَذ حتى يشتدَّ والمِزْرُ، وهو من الذرة والشّعير يُنبذ حتّى يشتدَّ. قال: وكان رسول الله ﷺ قد أُعطِيَ جوامعَ الكَلِم بخواتمه فقال: "أنهى عن كلِّ مُسكر أسكر عن الصّلاة" (٣). فالعلّة هي النّبذ حتى يشتدّ، فإِذا نُبذ من غير اشتداد، بحيث لا يسكر قليله، فلا حرج. وعن ابن عباس ﵄ "كان رسول الله ﷺ يُنْتَبذُ له أوّل الليل،

стр. 2086

فيشربُه إِذا أصبح، يومه ذلك، والليلة التي تجيء، والغد والليلة الأخرى، والغد إِلى العصر فإِن بقي شيء، سقاه الخادم أو أمَر به فصُبَّ" (١). وفي رواية: "كان رسول الله ﷺ يُنْتَبذُ له في سِقاء قال شعبة: من ليلة الاثنين فيشربه يوم الاثنين والثلاثاء إِلى العصر فإِن فَضَل منه شيء؛ سقاه الخادم أو صبّه" (١). قال النووي ﵀: "معناه تارة يسقيه الخادم، وتارة يصبه، وذلك الاختلاف لاختلاف حال النبيذ، فإِنْ كان لم يظهر فيه تغيُّر ونحوه من مبادئ الإِسكار؛ سقاه الخادم ولا يريقه؛ لأنه مالٌ تحرم إِضاعته ويترك شربه تنزهاً. وإِن كان قد ظهر فيه شيء من مبادئ الإِسكار والتغير أراقه، لأنه إِذا أسكر صار حراماً ونجساً (٢)، فيراق ولا يسقيه الخادم، لأن المسكر لا يجوز سقيه الخادم، كما لا يجوز شربه، وأمّا شربه ﷺ قبل الثلاث فكان حيث لا تغير ولا مبادئ تغير ولا شك أصلاً. والله أعلم". وعن أبي هريرة ﵁ قال: "علمْتُ أنّ رسول الله ﷺ كان يصوم، فتحينت فطره بنبيذٍ صنعته في دباء، ثمّ أتيته به فإِذا هو يَنِشُّ (٣)، فقال: اضرب بهذا الحائط، فإِنّ هذا شرابُ مَن لا يؤمن بالله واليوم الآخر" (٤).

стр. 2087

وعن عبد الله بن يزيد الخطمي قال: كَتَب إِلينا عمر بن الخطاب ﵁: "أمّا بعد: فاطبخوا شرابكم، حتى يذهب منه نصيب الشيطان، فإِنّ له اثنين ولكم واحد" (١). والحاصل أن الشراب الذي لم يتخمّر بالمُكث أو الطبخ أو أي وسيلة أخرى جاز، وإِلا فلا. الخمر إِذا تخلّلت: عن أنس بن مالك أن أبا طلحة سأل النّبيّ ﷺ عن أيتامٍ ورثوا خمراً، قال: "أهرقها" قال: أفلا أجعلها خلاً؟ قال: "لا" (٢). وهذا دليلٌ على عدم جواز تخليل الخمر؛ لأنه لا يجوز حمْلها أصلاً، ولا يجوز التعاوُن فيها في أيِّ صورة من الصور. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لعن الله الخمر وشاربها، وساقيها، وبائعها ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إِليه" (٣). أمّا إِذا تخلّلت من ذاتها فلا بأس . وقال الإِمام ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (٨/ ٢٨١): "وإذا بطلت

стр. 2088

هذه الصِّفة [أي: الإِسكار] من الشراب بعد أن كانت فيه موجودة؛ فصار لا يَسْكَرُ أحدٌ من الناس من الإكثار منه فهو حلال؛ خلٌّ لا خمر". وقال في "المغني" (١٠/ ٣٤٣): "والخمرة إِذا أفسدت فصيرت خلاًّ، لم تَزُل عن تحريمها، وإِنْ قلَب الله عينها فصارت خلاًّ فهي حلال". المخدرات: وما تقدّم من نصوصٍ في الخمر؛ يمضي في المخدارت وكل ما يزيل العقل ويُسكر. قال شيخ الإِسلام ﵀: "وأمّا "الحشيشة" الملعونة المسكرة: فهي بمنزلة غيرها من المسكرات، والمسكر منها حرام باتفاق العلماء؛ بل كل ما يزيل العقل فإِنه يُحرم أكلْه ولو لم يكن مسكراً كالبنج، فإِن المسكر يجب فيه الحدّ، وغير المسكر يجب فيه التعزير. وأمّا قليل "الحشيشة المسكرة" فحرام عند جماهير العلماء، كسائر القليل من المسكرات، وقول النّبي ﷺ : "كلّ مسكر خمر، وكلّ خمر حرام" (١) يتناول ما يُسكر، ولا فرق بين أن يكون المسكر مأكولاً، أو مشروباً؛ أو جامداً، أو مائعاً. فلو اصطبغ كالخمر كان حراماً، ولو أماع الحشيشة وشربها كان حراماً. ونبيّنا ﷺ بُعِث بجوامع الكَلِم، فإِذا قال كلمة جامعة كانت عامّة في كل ما يدخل في لفظها ومعناها، سواء كانت الأعيان موجودة في زمانه أو مكانه، أو لم تكن، فلمّا قال: "كل مسكر حرام" تناوَل ذلك ما كان بالمدينة من خمر

стр. 2089

التمر وغيرها، وكان يتناول ما كان بأرض اليمن من خمر الحنطة والشعير والعسل وغير ذلك، ودخل في ذلك ما حدث بعده من خمر لبن الخيل الذي يتخذه الترك ونحوهم. فلم يُفرّق أحد من العلماء بين المسكر من لبن الخيل والمسكر من الحنطة والشعير، وإِن كان أحدهما موجوداً في زمنه كان يعرفه، والآخر لم يكن يعرفه، إِذ لم يكن بأرض العرب من يتخذ خمراً من لبن الخيل. وهذه "الحشيشة" فإِنّ أول ما بلَغَنا أنها ظهرت بين المسلمين في أواخر المائة السادسة وأوائل السابعة، حيث ظهرت دولة التتر؛ وكان ظهورها مع ظهور سيف "جنكسخان"، لما أظهر الناس ما نهاهم الله ورسوله عنه من الذنوب سلّط الله عليهم العدو. وكانت هذه الحشيشة الملعونة من أعظم المنكرات، وهي شرٌّ من الشراب المسكر من بعض الوجوه، والمسكر شر منها من وجه آخر، فإِنها مع أنها تُسكر آكلها؛ حتى يبقى مصطولاً تورث التخنيث والديوثة، وتفسد المزاج، فتجعل الكبير كالسفنجة وتوجب كثرة الأكل، وتورث الجنون، وكثير من الناس صار مجنوناً بسبب أكْلِها. ومن الناس من يقول إِنها تغيّر العقل فلا تسكر كالبنج؛ وليس كذلك بل تورث نشوةً ولذةً وطرباً كالخمر، وهذا هو الداعي إِلى تناولها، وقليلها يدعو إِلى كثيرها كالشراب المسكر، والمعتاد لها يصعب عليه فطامه عنها أكثر من الخمر؛ فضررها من بعض الوجوه أعظم من الخمر؛ ولهذا قال الفقهاء: أنه يجب فيها الحد، كما يجب في الخمر" (١).

стр. 2090

*وإِذ قد تبيّن أن النصوص من الكتاب والسنة تتناول الحشيشة، فهي تتناول أيضاً الأفيون الذي يبين العلماء أنه أكثر ضرراً ... ويترتب عليه من المفاسد ما يزيد على الحشيش* (١). الاتجار بالخمر والمواد المخدّرة: قال الله -تعالى-: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإِثم والعدوان﴾ (٢). وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو بمكة عام الفتح: "إِنّ الله ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" (٣). وعن ابن عباس ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "إِنّ الله إذا حرم على قوم أكْل شيء؛ حَرّم عليهم ثمنه" (٤). حدّ شارب الخمر: عن أنس بن مالك ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ أُتِي برجل قد شرب الخمر فجُلد بجرِيدتين (٥) نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلمّا كان عمر استشار

стр. 2091

الناس فقال عبد الرحمن: أخفَّ الحدود ثمانين فأَمَر به عمر" (١). وفي رواية: "أنّ النّبيّ ﷺ كان يضرب في الخمر بالنّعال والجريد أربعين" (٢). وعن عقبة بن الحارث أنّ النّبيّ ﷺ أتى بنعيمان -أو بابن نعيمان- وهو سكران، فشق عليه، وأمَر مَن في البيت أن يضربوه، فضربوه بالجريد والنعال وكُنت فيمن ضربه" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: "أُتي النّبيّ ﷺ برجل قد شرب قال: اضربوه، قال أبو هريرة: فمنّا الضارب بيده والضارب بنعله، والضارب بثوبه" (٤). ولم يُذكر العدد في هذين الحديثين، فيحمل على الأربعين، كما هو مبيَّنٌ في بعض النّصوص الأُخرى. وعن حُضين بن المنذر قال: "شهدتُ عثمان بن عفان وأُتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثمّ قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان: أحدهما حُمران؛ أنه شرب الخمر، وشهد آخر؛ أنّه رآه يتقيّأ، فقال عثمان: إِنه لم يتقيّأ حتّى شربها. فقال: يا عليّ! قُم فاجلده، فقال عليّ: قم، يا حسن! فاجلده، فقال

стр. 2092

الحسن: ولِّ حارَّها من تولّى قارَّها (١). فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر! قم فاجلده، فجلده وعليّ يَعُدُّ حتّى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثمّ قال: جلد النّبيّ ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سُنّة وهذا أحبُّ إِليّ" (٢). قال الحافظ في "التلخيص": " ... فلو كان هُو المشير بالثمانين؛ ما أضافها إِلى عمر ولم يعمل بها؛ لكن يمكن أن يُقال: إِنه قال لعمر باجتهاده، ثمّ تغيّر اجتهاده"، وذكره شيخنا ﵀ في "الإرواء" (٨/ ٤٧). والذي بدا من خلال أقوال العلماء أن الزيادة من جملة أنواع التعزير، وورد تعليل الزّيادة على الأربعين بالعُتوّ والطغيان والفساد. فعن السائب بن يزيد قال: "كُنّا نُؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ ، وإِمرة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر؛ فنقوم إِليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا؛ حتّى كان آخر إِمرة عمر؛ فجلد أربعين، حتّى إِذا عتَوا وفسقوا؛ جلد ثمانين" (٣).

стр. 2093

قال الحافظ ﵀ في "الفتح": "حتّى إِذا عَتوا: من العتوّ وهو التجبُّر، والمراد هنا: انهماكهم في الطغيان والمبالغة في الفساد في شُرب الخمر؛ لأنه ينشأ عن الفساد. وفسقوا: أي خرجوا عن الطاعة، ووقع في روايةٍ للنسائي: "فلم ينكلوا" أي: يَدَعوا [و] وقَع في مُرسل عُبيد بن عمير -أحد كبار التابعين- فيما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عنه ... "أنّ عمر جعله أربعين سوطاً، فلمّا رآهم لا يتناهَون، جعله ستين سوطاً، فلمّا رآهم لا يتناهون؛ جَعَله ثمانين سوطاً وقال: هذا أدنى الحدود". وفيه: " ... وتمسّك من قال بجواز الزيادة على الثمانين تعزيراً ... أنّ عمر حدَّ الشارب في رمضان، ثمّ نفاه إِلى الشام، وبما أخرجه ابن أبي شيبة أنّ علياً جلد النجاشي الشاعر ثمانين، ثم أصبح فجلده عشرين بجراءته بالشرب في رمضان". انتهى. وعن عبد الرحمن بن أزهر قال: "رأيت رسول الله ﷺ غداة الفتح وأنا غلام شاب يتخلّل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد، فأُُتي بشارب، فأمرهم فضربوه بما في أيديهم، فمنهم من ضربه بالسوط، ومنهم من ضربه بعصا، ومنهم من ضربه بنعله، وحثى رسول الله ﷺ التراب. فلمّا كان أبو بكر أُتي بشارب فسألهم عن ضرب النّبيّ ﷺ الذي ضربه، فحزروه أربعين، فضرب أبو بكر أربعين. فلمّا كان عمر كَتَب إِليه خالد بن الوليد: إِنّ النّاس قد انهمكوا في الشرب وتحاقروا الحد والعقوبة، قال: هم عندك فسلهم، وعنده المهاجرون الأولون،

стр. 2094

فسألهم فأجمعوا على أن يضرب ثمانين. قال: وقال عليّ: إِنّ الرجل إِذا شرب افترى فأرى أن يجعله كحد الفرية" (١). أقول: خلاصة الأمر أنّ فِعل الرسول ﷺ هو الحُجّة وإِليه المرجع، وما جرى مِن زيادة، فإِنّها ليست زيادة في حدّ الخمر، ولكنها تعزير بالطغيانِ المصاحبِ لحدِّ الخمر؛ كالشُّرب في رمضان والجرأة في الرجوع إِليه. وربما جرّ هذا التكرار إِلى قتْله. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا سَكِرَ فاجلدوه، فإِنْ عاد فاجلدوه، فإِنْ عاد فاجلدوه، ثمّ قال في الرابعة: فإِنْ عاد فاضربوا عُنُقه" (٢). فإِذا أفضت أسباب معيّنة إِلى القتل بالنص، فلقائلٍ مِن أهل العلم أن

стр. 2095

يقول: بين الأربعين جلدة والقتل قدْرٌ معيّنٌ من التعزير؛ حسبما يقتضيه الحال والله أعلم. بمَ يثبُت حدّ الشرب ؟ ويثبُت على شارب الخمر بالإِقرار والاعتراف، أو شهادة شاهدين عدلين، لما تقدّم مِن حديث حُضين بن المنذر قال: شهدْتُ عثمان بن عفان وأُتي بالوليد قد صلّى الصبح ركعتين، ثمّ قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان: أحدهما حُمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيّأ فقال عثمان: إِنه لم يتقيّأ حتى شربها فقال: يا عليّ قم فاجلده ... " (١). شروط إِقامة الحدّ (٢): ١ - العقل؛ فلا يُحدّ المجنون إِذا سَكِر. ٢ - البلوغ وقد رُفع التكليف عن الصبي حتّى يحتلم ويبلغ؛ كما تقدّم. ٣ - الاختيار: إِذ مَن وقع منه الكُفر بالإِكراه لا يكفر، فكيف بما دونه، وقد قال -تعالى-: ﴿إِلا مَن أكره وقلبه مطمئنٌّ بالإِيمان﴾ (٣). وعن ابن عباس ﵄ عن النّبي ﷺ قال: "إِنّ الله وضع عن أمّتي الخطأ والنسيان، وما استُكرهوا عليه" (٤).

стр. 2096

ويدخُل في ذلك الاضطرار، فمن لم يجدِ ماءً وعطش عطشاً شديداً، يخشى عليه منه الموت، ووجدَ خمراً؛ فله أن يشرب القدر الذي يُنجيه من الهلاك، والضرورة تقدّر بقدرها؛ فلا يتوسع في ذلك. ٤ - العِلم بأن ما يتناوله مسكر، وإذا لفَتَ نظَره أحد من النّاس، فتمادى في شُربه؛ فإِنه يستوجب إِقامة الحد. عدم اشتراط الحرّية والإِسلام في إِقامة الحدّ: ولا يُشترط الإِسلام والحرية في إِقامة الحد. أمّا عدم اشتراط الإِسلام؛ فلأمور عديدة منها؛ أنّ إِقامة أهل الكتاب في ديار المسلمين؛ لا تكون إِلا بشروط، ولا يُؤذن لهم بالمجاهرة والمعاصي، أفرأيت لو قتَل أحدهم؛ فهل يُرفع عنه الحدّ؟! وفي الإِذن لهؤلاء في شرب المسكرات، والمجاهرة بالذنوب والمعاصى؛ خطرٌ كبير على أبناء الإِسلام -كما لا يخفى-. وإِذا شرب المملوك فإِنه يقام عليه الحدّ؛ لأنّ تحريم الخمر عامٌّ ليس فيه استثناء؛ وقد ورد استثناءُ تكليفه من صلاة الجمعة مثلاً، كما تقدّم في "كتاب الجُمعة". تحريم التداوي بالخمر: عن طارق بن سُوَيْد الجُعْفِيّ "أنه سأل النّبيّ ﷺ عن الخمر؟ فنهاه، أو كره أن يَصْنَعها، فقال: إِنّما أصنعها للدواء، فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء" (١).

стр. 2097

عن ديلم الحميري قال: "سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إِنا بأرض باردة نعالج فيها عملاً شديداً، وإِنا نتخذ شراباً من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا، وعلى برد بلادنا؟ قال: هل يسكر؟ قلت: نعم، قال: فاجتنبوه قال: قلت: فإِن النّاس غير تاركيه، قال: فإن لم يتركوه فقاتِلوهم" (١). وعن ابن مسعود ﵁ قال: "إِنّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم" (٢). إِذا أقام الإِمام الحدّ على السكران فمات أعطاه الدِّية: عن علي ﵁ قال: "ما كنت لأقيم حداً على أحد فيموت فأجد في نفسي إِلا صاحبَ الخمر فإِنه لو مات وَدَيْته (٣) وذلك أنّ رسول الله ﷺ لم يسُنَّه" (٤). وفي رواية: "من شرب الخمر فجلدناه، فمات وديناه؛ لأنه شيء صنعناه" (٥). حدّ الزنى الزنى الموجب للحدّ:

стр. 2098

يتحقّق الزنى المترتب عليه الحدّ؛ بتغييب الحشفة -وهي رأس الذكر- أو المدوّرة في فرجٍ محرّم، ولو لم يكن معه إِنزال، أمّا إِذا استمتع فيما دون الفرج؛ فلا حدَّ عليه، وإِن استوجب التعزير. فعن عبد الله ﵁ قال: "جاء رجلٌ إِلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! إِنّي عالجتُ امرأةً (١) في أقصى المدينة، وإِنّي أصبت منها ما دون أن أمَسَّها (٢) فَأنَا هذا. فاقض فيَّ ما شئت، فقال له عمر: لقد سترَكَ الله، لو ستْرتَ نفسك، قال: فلم يَرُدَّ النّبيّ ﷺ شيئاً. فقام الرّجل فانطلق، فأتبعه النّبيّ ﷺ رجُلاً دعاه، وتلا عليه هذه الآية: ﴿أقمِ الصلاة طرفَي النهار وزُلَفاً من الليل إِنَّ الحسنات يُذهِبن السيئات ذلكَ ذكرى للذاكرين﴾ (٣) فقال رجلٌ من القوم: يا نبيّ الله! هذا له خاصّة؟ قال: بل للنّاس كافّة" (٤). وجاء في "سبل السلام" (١/ ١٥١): "قال الشافعي: إِنَّ كلام العرب يقتضي أنّ الجنابة تُطلق بالحقيقة على الجماع، وإِن لم يكن فيه إِنزال؛ فإِنّ كلَّ من خوطب بأنّ فلاناً أجنب عن فلانة؛ عقل أنّه أصابها، وإِن لم يُنْزِل. ولم يُخْتَلَف أنّ الزِّنى الذي يجب به الجلد هو الجماع، ولو لم يكن منه إِنزال".

стр. 2099

حدّ الزاني البكر (١): حدّ الزاني البكر مائة جلدة؛ لقول الله -تعالى-: ﴿الزانيةُ والزاني فاجلدوا كلَّ واحد منهما مائة جلدةٍ ولا تأخُذْكم بهما رأفةٌ في دين الله إِن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفةٌ من المؤمنين﴾ (٢). قال ابن كثير ﵀ في تفسيره: "هذه الآيةُ الكريمة فيها حُكْم الزاني في الحدّ، وللعلماء فيه تفصيل ونزاع؛ فإِنّ الزاني لا يخلو: إِمّا أن يكون بِكْراً: وهو الذي لم يتزوج. أو مُحصَناً: وهو الذي قد وطئ في نكاحٍ صحيح، وهو حُرٌّ بالغ عاقل. فأمّا إِذا كان بِكْراً لم يتزوج؛ فإِنّ جَلْده مائة جَلدة كما في الآية، ويزاد على ذلكَ أن يُغرَّب عاماً عن بلده عند جمهور العلماء؛ خلافاً لأبي حنيفة ﵀ فإِن عنده التغريب إِلى رأي الإِمام، إِنْ شاء لم يُغّرب". وإِليك -رحمني الله وإِياك- التفصيل في العنوان الآتي: ما وَرد في التغريب: التغريب: النفي عن البلد الذي وقعَت فيه الجناية، يُقال: أغربتَه وغرَّبتَه إِذا نحّيْتَهُ وأبعدتَه. والغَرْبُ: البُعد (٣). عن أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ قالا: "كنّا عند النّبيّ ﷺ فقام رجلٌ فقال: أنشدك الله إِلا قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان

стр. 2100

أفقه منه فقال: اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي. قال: قل، قال: إِنّ ابني هذا كان عسيفاً (١) على هذا، فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثمّ سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أنّ على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأته الرجم. فقال النّبيّ ﷺ : والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله -جلّ ذِكْرُه- المائة شاة والخادم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغدُ يا أُنيس على امرأة هذا، فإِن اعترفَت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها" (٢). وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "خذوا عنّي، خذوا عنّي، قد جعل الله لهُنّ سبيلاً، البكر بالبكر جلْد مِائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرّجم" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قضى فيمن زنى ولم يُحصَنْ بنفي عامٍ وبإِقامة الحدِّ عليه" (٤). وعن ابن عمر ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ ضَرَب وغرَّب، وأنّ أبا بكر ضَرَب وغرّب، وأنّ عمر ضَرَب وغرّب" (٥).

стр. 2101

جاء في "الفتح" تحت الحديث (٦٨٣٣): "وقال ابن المنذر: أقسم النّبيّ ﷺ في قصة العسيف أنه يقضي فيه بكتاب الله ثمّ قال: إِن عليه جلد مائة وتغريب عام، وهو المبين لكتاب الله، وخطب عمر بذلك على رؤوس الناس، وعمل به الخلفاء الراشدون فلم ينكره أحد فكان إِجماعاً. واختلف في المسافة التي يُنفى إِليها: فقيل: هو إِلى رأي الإِمام، وقيل: يشترط مسافة القصر، وقيل: إِلى ثلاثة أيام، وقيل: يومين، وقيل: يوم وليلة، وقيل: من عمل إِلى عمل، وقيل: إِلى ميل، وقيل: إِلى ما ينطلق عليه اسم نفي". والذي يترجّح لديّ رجوعُ ذلك إِلى رأي الإِمام فيما يراه يُحقّق المقصود، وقد يكون لبعض النّاس أحوالٌ خاصّة، فيعمل الإِمام بما يحقّق المقصود الشرعي من التغريب؛ مراعياً هذه الأحوال، والمصلحة العامّة. والله -تعالى- أعلم. حدّ الزاني المحصن: ويُحدّ الزاني المحصَن بالرجم حتى الموت، رجُلاً كان أم امرأة. عن أبي هريرة ﵁ قال: "أتى رسولَ الله ﷺ رجلٌ من النّاس وهو في المسجد فناداه: يا رسول الله! إِني زنيتُ -يريدُ نفسه- فأعرض عنه النّبيّ ﷺ ، فتنحى لشقِّ وجهه الذي أعرض قِبَلَه؟ فقال: يا رسول الله! إِني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشقِّ وجه النّبيّ ﷺ الذي أعرض عنه. فلمّا شهد على نفسه أربع شهاداتٍ؛ دعاه النّبيّ ﷺ فقال: أبكَ جنون؟ قال: لا يا رسول الله، فقال: أحصنتَ؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: اذهبوا

стр. 2102

فارجموه" (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر لقد خشيتُ أن يطول بالنّاس زمان حتّى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإِن الرجم حقٌّ على من زنى وقد أحصن إِذا قامت البيّنة أو كان الحمل أو الاعتراف. قال سفيان: كذا حفظت، ألا وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده" (٢). ويشترط في إِقامة هذا الحد بالإِضافة إِلى ما تقدّم مِن كونه عاقلاً بالغاً الحريّة، إِذ لا رجم على العبد أو الأمة؛ لقوله الله ﵎: ﴿فإِن أتيْن بفاحشة فعليهنّ نصفُ ما على المحصناتِ من العذاب﴾ (٣) والرجم لا يتجزّأ. عن أبي عبد الرحمن قال: "خطب عليٌّ فقال: يا أيها النّاس! أقيموا على أرقائكم الحدّ؛ من أحصن منهم ومن لم يُحْصِن، فإِنّ أمَةً لرسول الله ﷺ زنت فأمرني أنْ أجْلدها فإِذا هي حديث عهدٍ بنفاس، فخشيت إِنْ أنا جلدتها أنْ أقتلها، فذكرت ذلك للنّبيّ ﷺ فقال: أحسنت" (٤). وفي رواية: "اتركها حتّى تَماثَل (٥) " (٦).

стр. 2103

قال الإِمام النووي ﵀ في "شرحه" (١١/ ٢١٣): " ... [وفي الحديث] بيان أن الأَمَة المحصنة بالتزويج وغير المحصنة تجلد، وهو معنى ما قاله عليّ -رضي الله تعالى عنه- وخطَب الناس به. فإِنْ قيل: فما الحكمة في التقييد في قوله -تعالى-: ﴿فإِذا أُحصنّ﴾ مع أن عليها نصف جلد الحرة؛ سواء كانت الأمة محصنة أم لا. فالجواب أن الآية نبهت على أن الأَمَة وإِنْ كانت مزوجة لا يجب عليها إِلا نصف جلد الحرّة؛ لأنه الذي ينتصف، وأمّا الرجم فلا ينتصف فليس مراداً في الآية بلا شك، فليس للأمَة المزوجة الموطوءة في النكاح حُكم الحُرّة الموطوءة في النكاح، فبيّنت الآية هذا لئلا يتوهم أنّ الأمَة المزوجة تُرجَم، وقد أجمعوا على أنها لا ترجم، وأمّا غير المزوجة فقد علمنا أن عليها نصف جلد المزوجة بالأحاديث الصحيحة ... ". ويشترط برجم المحصَن كذلك أن يكون قد سبق له أن تزوج زواجاً صحيحاً، ووطئ فيه ولو مرّة واحدة أنزَل أم لم يُنزل. وكذا المرأة إِذا تزوّجت ووُطئت ولو مرّة واحدة، ثمّ طُلقت فزنت فإِنها تُرجم. وجوب الحد على الكافر والذّمي: عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: "إِنّ اليهود جاءوا إِلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأةً زنَيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : ما تجدون في التّوراة في شأن الرّجم؟ فقالوا: نفضحهم ويُجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إِن فيها الرّجم. فأَتَوا بالتّوراة فنَشروها، فوضَع أحدهم يده على آية الرّجم فقرأ ما قبلها وما

стр. 2104

بعدها. قال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإِذا فيها آية الرّجم، قالوا: صدق يا محمّد، فيها آية الرّجم، فأمَر بهما رسول الله ﷺ فرُجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة" (١). قال الإِمام البخاري ﵀: (بابُ أحكام أهل الذّمة (٢) وإحصانهم إِذا زَنَوا (٣) ورُفعوا إِلى الإِمام) وذكر هذا الحديث. قال الحافظ ﵀ في "الفتح": "وفي هذا الحديث من الفوائد؛ وجوب الحدّ على الكافر الذمّي إِذا زنى؛ وهو قول الجمهور ... ". وعن جابر بن عبد الله قال: "رَجَم النّبيّ ﷺ رجلاً مِنْ أسلم، ورجلاً من اليهود، وامرأته" (٤). وعن البراء بن عازب ﵁ قال: "مُرَّ على النّبيّ ﷺ بيهوديٍّ مُحَمَّماً (٥) مجلوداً فدعاهم ﷺ فقال: هكذا تجدون حدّ الزّاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجُلاً من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى! أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنّك نشدتني بهذا لم

стр. 2105

أخبرك، نجده الرَّجم، ولكنّه كثر في أشرافنا، فكنَّا إِذا أخذنا الشّريف تركناه، وإِذا أخذنا الضّعيف أقمنا عليه الحدّ. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشّريف والوضيع، فجعلنا التّحميم والجلد مكان الرّجم، فقال رسول الله ﷺ : اللهمّ إِني أوّل من أحيا أمرك إِذ أماتوه، فأَمَر به فرُجم فأنزل الله : ﴿يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ إِلى قوله: ﴿إِن أُوتيتم هذا فخذوه﴾ (١). يقول: ائتوا محمّداً ﷺ فإنْ أمرَكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإِنْ أفتاكم بالرّجم فاحذروا، فأنزل الله -تعالى-: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ (٢)، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ (٣)، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ (٤) في الكفّار كُلّها" (٥). بمَ يثبت حدّ الزنى ؟ يثبت الحدّ بما يأتي: ١ - بالاعتراف: فعن أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال:
следующие страницы →