← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

لم تُحدِث، هو بمنزلة الماء. وهو قول يزيد بن هارون، ومحمد بن علي بن الحسين وغيرهم" (١). وقال ﵀ أيضاً: "والتيمّم جائز قبل الوقت وفي الوقت، إِذا أراد أن يصلي به نافلة أو فرضاً كالوضوء ولا فرق؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالوضوء والغسل والتيمّم عند القيام إِلى الصلاة، ولم يقُل تعالى: إِلى صلاة فرض دون النافلة؛ فكلّ مريد الصلاة: فالفرض عليه أن يتطهّر لها بالغسل إِن كان جنباً، وبالوضوء أو التيمُّم إِن كان محدثاً؛ فإِذ ذلك كذلك، فلا بد لمريد الصلاة من أن يكون بين تطهره وبين صلاته مُهلة من الزمان؛ فإِذ لا يمكن غير ذلك فمن حدّ في قدْر تلك المهلة حدّاً فهو مبطل؛ لأنه يقول من ذلك ما لم يأت به قرآن ولا سنّة ولا إِجماع ولا قياس ولا قول صاحب؛ فإِذ هذا كما ذكَرنا؛ فلا ينقض الطهارة بالوضوء ولا بالتيمّم: طول تلك المهلة ولا قِصَرها وهذا في غاية البيان، والحمد لله رب العالمين" (٢). وقال في موطن آخر (٢٢/ ٣٣): "وكلّ ما يباح بالماء يباح بالتيمّم". وذكَر لي شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى- " أنَّ كلَّ أحكام التيمُّم تنسحب على أحكام الوضوء، إلاَّ أن وجود الماء يُبطله". اهـ. والنّبيّ ﷺ أمَر المستحاضة أن تتوضّأ لكلّ صلاة؛ ولم يأمر مَن فقَد الماء أن يتيمّم لكلّ صلاة. والخلاصة: إِن التيمُّم بدل من الماء عند عدمه؛ فيباح به الصلاة وغيرها،

стр. 247

ويصلّي بالتيمّم الواحد ما تيسَّر له من الفرائض والنوافل، كما لا يشترط دخول الوقت فيتيمّم قبل دخول الوقت، ولا يبطل بخروج الوقت. اشتراط طهارة الصعيد للمتيمّم: لا بُدَّ من طهارة الصعيد للمتيمّم وإِنْ ضرب بيده غير طاهر لم يجْزه، لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّموا صَعِيداً طيباً﴾. والنجس ليس بطيّب. وفي الحديث: "جُعلت لي كلّ أرض طيبة مسجداً وطهوراً" (١). قال في "المغني" (١/ ٢٦٠) (٢): "وإن كان ما ضرب بيده غير طاهر لم يجزه. لا نعلم في هذا خلافاً، وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. ولنا قول الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّموا صَعِيداً طيِّباً﴾ والنجس ليس بطيِّب، ولأن التيمُّم طهارة، فلم يَجُز بغير طاهر كالوضوء ... ". جواز تيمّم جماعة من موضع واحد: يجوز تيمّم جماعة من موضع واحد؛ لأنَّ القول بطهورية الصعيد المستعمل؛ كالقول بطهورية الماء المستعمل (٣).

стр. 248

قال في "المغني" (١/ ٢٦٠): "ويجوز أن يتيمّم جماعة من موضع واحد بغير خلاف؛ كما يجوز أن يتوضّأ جماعة من حوض واحد ... ". إِذا كان التراب على بساط أو ثوب؛ فلا مانع من التيمُّم به، وذكر ذلك ابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ١٣٢). صحَّة اقتداء المتوضّئ بالمتيمّم: لحديث عمرو بن العاص ﵁ فقد أمَّ قومه بعد أن تيمّم من الجنابة كما تقدّم (١). وبه استدلَّ الشوكاني في "نيل الأوطار" (١/ ٣٢٥). وأيضاً لأنَّ التيمُّم يقوم مقام الماء مطلقاً كما تقدّم. وجاء في البخاري: "وأَمَّ ابن عباس وهو متيمّم" (٢). قال مالك في "الموطأ": "من قام إِلى الصلاة فلم يجد ماءً فعمل بما أمره الله به من التيمُّم، فقد أطاع الله ، وليس الذي وجد الماء بأطهر منه ولا أتمّ صلاة؛ لأنهما أُمِرا جميعاً؛ فكلُّ عمل بما أمره الله به؛ وإِنّما العمل بما أمر الله تعالى به من الوضوء؛ لمن وجد الماء والتيمّم لمن لم يجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة". عدم الإِعادة لمن صلّى بالتيمّم وإِن لم يفت الوقت: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رجلان في سفر،

стр. 249

فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمّما صعيداً طيباً فصلَّيا، ثمَّ وجد الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يُعِد الآخر، ثمَّ أتيا رسول الله ﷺ ، فذكرا ذلك له فقال للذي لم يُعد: "أصبْت السنّة وأجزأَتْك صلاتك"، وقال للذي توضّأ وأعاد: "لك الأجر مرتين" (١). وهذا يُرجِّح عدم الإِعادة لقوله ﷺ لمن لم يُعِد، "أصبْتَ السنّة وأجزأتك صلاتك"، وهذا يُفهم أن الثاني قد أخطأ السنّة، وأما أجر المرتين؛ فعلى الصلاة وإِعادتها بالاجتهاد، والله أعلم. وبعد أن عرفْنا السُّنّة الصحيحة في هذا الأمر؛ فلا يجوز لنا أن نُخالف عنها. وفي الحديث: "لا تُصلّوا صلاة في يوم مرتين" (٢). قال في "نيل الأوطار" (١/ ٣٢٥) -تعليقاً على حديث عمرو بن العاص ﵁: استدل بهذا الحديث الثوري ومالك وأبو حنيفة وابن المنذر، على أنَّ مَن تيمّم لشدة البرد وصلّى لا تجب عليه الإِعادة، لأنَّ النّبيّ ﷺ لم يأمره بالإِعادة، ولو كانت واجبة لأمره بها، ولأنَّه أتى بما أُمر به وقدر عليه، فأشبه سائر من يصلّي بالتيمّم ... ". وعن عمران قال: "كنّا في سفَر مع النّبيّ ﷺ وإِنَّا أسرينا حتى كُنّا في آخر الليل؛ وقعنا وقعة ولا وقعةَ أحلى عند المسافر منها، فما أيقَظَنا إلاَّ حرّ الشمس، فذكر بعض الحديث وقال: ونودي بالصلاة فصلّى بالناس، فلما

стр. 250

انفتل من صلاته؛ إِذا هو برجل معتزلٍ، لم يصلِّ مع القوم قال: ما منعك يا فلان أن تصلّي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد، فإِنَّه يكفيك. ثمَّ سار النّبيّ ﷺ فاشتكى إِليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلاناً كان يُسمِّيه أبو رجاء -نسيهُ عَوْفٌ- ودعا عليّاً فقال: اذهبا فابتغيا الماء بين مزادتين (١) أو سطيحتين من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة ونفرْنا خُلُوفاً (٢)، قالا لها: انطلقي إِذاً، قالت: إِلى أين؟ قالا: إِلى رسول الله ﷺ . قالت: الذي يُقال له الصَّابيُّ. قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي فجاءا بها إِلى النّبيّ ﷺ وحدَّثاه الحديث قال: فاستنزلوها عن بعيرها ودعا النّبيّ ﷺ بإِناء ففُرّغ فيه من أفواه المزادتين أو سطيحتين، وأوكأ أفواههما، وأطلق العزاليَ (٣)، ونودي في الناس اسقوا واستقوا، فسقى مَن شاء واستقى مَن شاء، وكان آخر ذاك أن أعطي الذي أصابته الجنابة إِناء من ماء، قال: اذهب فأفرِغه عليك" (٤).

стр. 251

قال ابن خزيمة -بعد أن ذكَر هذا الحديث-: "ففي هذا الخبر أيضاً دلالة على أنَّ المتيمّم إِذا صلّى بالتيمّم، ثمَّ وجد الماء فاغتسَل إِنْ كان جُنباً أو توضّأ إِن كان مُحدِثاً -لم يجب عليه إِعادة ما صلّى بالتيمّم. إِذ النّبيّ ﷺ لم يأمر المصلي بالتيمّم؛ لمّا أمره بالاغتسال بإِعادة ما صلّى بالتيمّم" (١). جاء في "المحلّى" (٢/ ١٦٥): "وعن مالك عن نافع أنَّه أقبل مع ابن عمر من الجرف، فلما أتى المربد لم يجد ماء، فنزل فتيمّم بالصعيد، وصلّى ثمَّ لم يُعِد تلك الصلاة (٢)، وهو قول داود وأصحابنا". قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ٢٤٣): "إِنْ تيمّم في أول الوقت وصلّى أجزأه؛ وإِنْ أصاب الماء في الوقت". وأورد حديث: "لك الأجر مرتين" (٣). شراء الماء للوضوء وعدم التيمُّم: اختلف أهل العلم في هذه المسألة، فمنهم من رأى جواز شراء الماء للوضوء، ومنهم من لم ير للنصوص المانعة من بيع الماء (٤). والراجح الجواز؛ لقول الله تعالى: ﴿ ... فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٥). "وهذا واجبٌ فإِنَّ القدرة على ثمن العين؛ كالقدرة على العين" (٦).

стр. 252

قال في "المغني" (١/ ٢٤٠): "وإِنْ وجَده يباع بثمن مِثْله في موضعه أو زيادة يسيرة يقدر على ذلك؛ مع استغنائه عنه لقوَّته ومؤنة سفره لزِمَه شراؤه، وإِنْ كانت الزّيادة كثيرة تجحف بماله؛ لم يلزم شراؤه لأنَّ عليه ضرراً ... ". وقال لي شيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-: "من شأن الشخص أن يبذُل المال في الأمور الدنيوية؛ فهذا أولى". هل هناك مسافة معيَّنة في البحث عن الماء ؟ لم يرِدْ في هذا نصٌّ معين، وسأَلتُ شيخنا -حفظه الله تعالى- عن ذلك فأجاب: "إِنَّ ضابط الأمر هو الاستطاعة والقدرة وعدم خروج الوقت في البحث". مَن وجد ما يكفي بعض طهارته يستعمله ويتيمّم للباقي: قال الله تعالى: ﴿فاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُم﴾ (١). وعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "إِذا أمرْتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢). قال الإِمام الشوكاني ﵀ عقب هذا الحديث في "نيل الأوطار" (١/ ٣٢٩): "هذا الحديت أصْلٌ من الأصول العظيمة، وقاعدة من قواعد الدين النّافعة، وقد شهد له صريح القرآن، قال الله تعالى:

стр. 253

﴿فاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُم﴾ فلك الاستدلال بالحديث على العفو عن كلّ ما خرج عن الطاقة، وعلى وجوب الإِتيان لما دَخل تحت الاستطاعة من المأمور به، وأنَّه ليس مجرَّد خروج بعضه عن الاستطاعة موجب للعفو عن جميعه. وقد استدلّ به المصنف على وجوب استعمال الماء الذي يكفي لبعض الطهارة وهو كذلك". وفي بعض ألفاظ روايات حديث عمرو بن العاص المعروف: "فَغَسل مغابنه وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثمَّ صلّى بهم، فذكر نحوه، ولم يذكر التيمُّم" (١). قال أبو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي، عن حسّان بن عطية، قال فيه: "فتيمّم". قال في "المغني" (١/ ٢٦١): "إِذا كان به قرْح أو مرض مخوف وأجنب فخشي على نفسه إِن أصاب الماء غسَلَ الصحيح من جسده، وتيمّم لما لم يُصبه الماء". الصلاة بدون وضوء أو تيمّم: من كان محبوساً أو مصلوباً وحِيل بينه وبين التراب والماء؛ فليصلِّ كما هو. عن عائشة ﵂: "أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت،

стр. 254

فبعث رسول الله ﷺ رجلاً فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلَّوا، فشكَوا ذلك إِلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله آية التيمُّم ... " (١). قال البخاري ﵀ (باب إِذا لم يجد ماءً ولا تُراباً) (٢)، وأورد حديث عائشة ﵂. قال ابن رشيد تعليقاً على تبويب البخاري السابق: "كأنّ المصنف نزَّل فقْد شرعيَّة التيمُّم منزلة فقد التراب بعد شرعيَّة التيمُّم، فكانَّه يقول: حُكْمهم في عدم المطهّر -الذي هو الماء خاصّة- كحكمنا في عدم المطهّرَيْن: الماء والتراب، وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة؛ لأنَّ الحديث ليس فيه أنّهم فقدوا التراب، وإِنّما فيه أنّهم فقدوا الماء فقط؛ ففيه دليل على وجوب الصلاة لفاقد الطهورَين، ووجهُهُ أنّهم صلَّوا معتقدين وجوب ذلك، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النّبيّ ﷺ ، وبهذا قال الشافعي وأحمد وجمهور المحدِّثين وأكثر أصحاب مالك ... " (٣). قال ابن حزم في "المحلّى" (٢/ ١٨٨): "ومن كان محبوساً في حضر أو سفر بحيث لا يجد تراباً ولا ماء، أو كان مصلوباً وجاءت الصلاة -فليصلِّ كما هو، وصلاته تامّة ولا يعيدها- سواءٌ وُجد الماء في الوقت أو لم يجده إلاَّ

стр. 255

بعد الوقت". برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿فاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُم﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وسْعَها﴾ (٢)، وقول رسول الله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأْتوا منه ما استطعتم" (٣)، وقوله تعالى: ﴿وقد فَصَّل لكم ما حرَّم عليكُم إِلاَّ ما اضطررتم إِليه﴾ (٤). فصحّ بهذه النصوص أنَّه لا يلزمنا من الشرائع إِلا ما استطعنا، وأنَّ ما لم نستطعه فساقطٌ عنّا. وصحّ أنَّ الله تعالى حرّم علينا ترك الوضوء أو التيمُّم للصلاة؛ إلاَّ أن نضطرَّ إِليه، والممنوع من الماء والتراب مضطرٌّ إِلى ما حُرّم عليه من ترْك التطهُّر بالماء أو التراب، فسقط عنّا تحريم ذلك عليه، وهو قادر على الصلاة بتوفيتها أحكامها وبالإِيمان، فبقي عليه ما قَدِر عليه، فإِذا صلّى كما ذكَرنا، فقد صلّى كما أمَره الله تعالى، ومن صلّى كما أمره الله تعالى؛ فلا شيء عليه ... ". وجاء في "المنتقى" (١/ ٢٣٧): (باب الصلاة بغير ماء ولا تراب عند الضرورة) وأورد الحديث نفسه.

стр. 256

هل يتيمّم إِذا كان قادراً على استعمال الماء، وخشي خروج الوقت باستعماله ؟ قال شيخنا في الردِّ على الشيخ السيد سابق -حفظهما الله تعالى-: "والذي يتبيَّن لي خلافه (١)، وذلك لأنَّه من الثابت في الشريعة أنَّ التيمُّم إِنّما يشرع عند عدم وجود الماء بنصِّ القرآن الكريم، وتوسَّعت في ذلك السنّة المطهرة فأجازَتْه لمرض أو برد شديد كما ذكَره المؤلّف، فأين الدليل على جوازه مع قدرته على استعمال الماء؟ فإِن قيل: هو خشية خروج الوقت، قلتُ: هذا وحده لا يصلُح دليلاً، لأنَّ هذا الذي خشي خروج الوقت له حالتان لا ثالث لهما: إِمّا أن يكون ضاق عليه الوقت بكسبه وتكاسُله، أو بسببٍ لا يملكه مِثل النَّوم والنسيان، ففي هذه الحالة الثانية؛ فالوقت يبتدئ من حين الاستيقاظ أو التذكُّر بقدر ما يتمكن من أداء الصلاة فيه كما أُمِر، بدليل قوله ﷺ "من نسي صلاة أو نام عنها فكفَّارتها أن يصلِّيها إِذا ذكرها". أخرجه الشيخان وغيرهما واللفظ لمسلم، فقد جعل الشارع الحكيم لهذا المعذور وقتاً خاصّاً به، فهو إِذا صلّى كما أمر، يستعمل الماء لغسله أو وضوئه، فليس يخشى عليه خروج الوقت، فثبَت أنّه لا يجوز له أن يتيمّم، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية كما في "الاختيارات" (ص١٢)، وذكَر في "المسائل الماردينية" (ص ٦٥) أنَّه مذهب الجمهور. وأمّا في الحالة الأولى؛ فمن المسلَّم أنَّه في الأصل مأمور باستعمال الماء

стр. 257

وأنه لا يتيمّم، فكذلك يجب عليه في هذه الحالة أن يستعمل الماء، فإِنْ أدرك الصلاة فبها، وإِنْ فاتته فلا يلومنّ إلاَّ نفسه، لأنَّه هو الذي سعى إِلى هذه النتيجة. هذا هو الذي اطمأنّت إِليه نفسي، وانشرح له صدري، وإِنْ كان شيخ الإِسلام وغيره قالوا: إِنّه يتيمّم ويصلِّي (١)، والله أعلم. ثمَّ رأيت الشوكاني كأنّه مال إِلى هذا الذي ذكَرته فراجع "السيل الجرّار" (١/ ١٢٦ - ١٢٧) " (٢) انتهى. قلت: قال الشوكاني ﵀ في "الدراري المضيّة" (١/ ٨٦): "وأمّا ما قيل من أنّ فوات الصلاة باستعمال الماء وإِدراكها بالتيمّم سبب من أسباب التيمُّم؛ فليس على ذلك دليل؛ بل الواجب استعمال الماء، وهو إِن كان تراخيه عن تأدية الصلاة إِلى ذلك الوقت لعذر مسوغ للتأخير كالنوم والسهو ونحوهما؛ فلم يوجب الله تعالى عليه إِلا تأدية الصلاة في ذلك الوقت بالطهور الذي أوجبه الله تعالى عليه، وإِن كان التراخي لا لعذر إِلى وقت لو استعمل الوضوء فيه؛ لخرج الوقت فعليه الوضوء، وقد باء بإِثم المعصية". هل يُكره لعادم الماء جماع زوجته ؟ لا يُكره ذلك لقول أبي ذرّ للنّبيّ ﷺ : "كنت أعزُب (٣) عن الماء، ومعي

стр. 258

أهلي؛ فتصيبني الجنابة، فأصلّي بغير طهور، فأتيت رسول الله ﷺ بنصف النهار وهو في رهطٍ من أصحابه، وهو في ظلِّ المسجد، فقال: أبو ذرّ؟ فقلت: نعم، هلكْتُ يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ قلت: إِنّي كنتُ أعزب عن الماء، ومعي أهلي فتصيبني جنابة، فأصلّي بغير طهور. فأمر لي رسول الله ﷺ بماء، فجاءت به جارية سوداء بعُس (١) يتخضخض ما هو بملآن، فتستَّرْتُ إِلى بعيري فاغتسلْت، ثمَّ جئتُ، فقال رسول الله ﷺ : يا أبا ذر إِنَّ الصعيد الطيّب طَهور، وإِن لم تجد الماء إِلى عشر سنين، فإذا وجدْتَ الماء فأمسَّه جِلدك" (٢). وروي عن ابن عبّاس في الرجل يكون مع أهله في السفر وليس معهم ماء؛ فلم ير بأساً أن يغشى أهله ويتيمّم (٣). قال ابن المنذر ﵀: "وبهذا القول نقول؛ لأنَّ الله تعالى أباح وطي الزوجة وملك اليمين، فما أباح فهو على الإِباحة، لا يجوز حظْر ذلك ولا المنع منه إلاَّ بسنّةٍ أو إِجماع، والممنوع منه: حال الحيض والإِحرام والصيام،

стр. 259

وحال المظاهر قبل أن يكفّر، وما وقع بتحريم الوطي منه بحجَّة، فأمّا كل مختلف فيه في ذلك، فمردود إِلى أصل إِباحة الكتاب الوطي، قال الله تعالى: ﴿فإِذا تَطَهَّرنَ فَأْتُوهنَّ من حَيْثُ أَمَرَكم الله﴾ (١). وقد جعل التيمُّم طهارة لمن لم يجد الماء، ولا فرق بين من صلّى بوضوء عند وجود الماء، وبين من صلّى بتيمّم حيث لا يجد الماء؛ إِذ كلٌّ مؤدِ ممَّا فُرضَ عليه" (٢). قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (٢/ ١٩٢) (مسألة ٢٤٧): "ومن كان في سفر ولا ماء معه، وكان مريضاً يشقّ عليه استعمال الماء؛ فله أن يُقبِّل زوجته ويطأها، وهو قول ابن عباس وجابر بن زيد والحسن البصري وسعيد بن المسيب، وقتادة وسفيان الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإِسحاق وداود وجمهور أصحاب الحديث". وذكَر أقوالاً وتفصيلات أخرى لبعض السلف. وبوَّب لذلك أبو البركات ﵀ في "منتقى الأخبار" (١/ ٣٢٥): (باب الرُّخصة في الجماع لعادم الماء) وذكر حديث أبي ذر ﵁. قال لي شيخنا -حفظه الله تعالى- بعد إِيراد حديث أبي ذر ﵁ فقوله ﷺ : "وإِن لم تجد الماء إِلى عشر سنين"؛ يُفهِم أنَّه لا يمكن

стр. 260

أن يترك جِماعها في هذه المدّة؛ فلمن لم يجد الماء في غير سفر أن يجامع أهله فيتيمّم".

стр. 261

الحيض والنِّفاس الحيض تعريفه: الحيض: "دم يرخيه الرّحم، إِذا بَلَغت المرأة، ثمَّ يعتادها في أوقاتٍ معلومة" (١). جاء في "حلية الفقهاء" (ص٦٣): "الحيض: نزول دم المرأة لوقتها المعتاد، ومن العرب من تُسمِّي الحائض النّفساءَ، وإِنَّما سُمِّيت بذلك لسيلان (٢) النَّفْس، والدَّم يُسمَّى نَفْساً". قال الشاعر: تسيلُ على حدِّ الظبات (٣) نفوسُنا ... وليست على غير السيوف تَسيلُ. وقته: "ليس في السنَّة تحديد لسنِّ البنت التي تحيض، وينبغي أن يُنظر إِلى

стр. 262

صفة دم الحيض الطارئ، لا سيَّما أنَّ ربط حُكم شرعيّ بسنَة مُعيَّنة؛ قد لا يكون ربطاً بمعروف محدود. وهناك عائلات كثيرة لا تُسجِّل في الذِّهن أو الورق سَنَة الولادة أو الوفاة، فقد لا تعلم البنت أو الأمّ كم مضى من عمُرها، فليس من المعقول أن يأتي الشرع بشيء لا يُمكن، وقد قال عليه الصلاة السلام: "إذا كان دم الحيض فإِنَّه أسود يُعرَِف (١) " (٢). وإِلى هذا ذهب الدارمي وغيره، فقد قال بعد ذكر الاختلافات: "كل هذا عندي خطأ؛ لأن المرجع في جميع ذلك إِلى الوجود (٣)، فأيّ قَدْر وُجد في أيّ حال وسنّ، كان وجب جعله حيضاً، والله أعلم" (٤). لونه: أ- السواد: لحديث فاطمة بنت حبيش ﵂ أنَّها كانت تُستحاض، فقال لها رسول الله ﷺ : "إِذا كان دم الحيض؛ فإِنَّه أسود يُعرَف؛ فأمسِكي عن الصَّلاة، فإِذا كان الآخر؛ فتوضّئي إِنما هو عرْق" (٥).

стр. 263

قال في "نيل الأوطار" (١/ ٣٤٢): "والحديث فيه دلالة على أنَّه يعتبر التمييز بصفة الدَّم، فإِذا كان متصفاً بصفة السواد فهو حيض، وإلاَّ فهو استحاضة". وبه يقول الشافعي ﵀ وغيره في حقِّ المبتدئة. ب- الحُمرة. بر- الصُّفرة: "وهو الماء الذي تراه المرأة كالصديد يعلوه اصفرار" (١). د- الكُدرة: "وهو ما كان لونه ينحو نحو السَّواد" (٢)، لحديث علقمة بن أبي علقمة عن أمِّه (٣) مولاة عائشة ﵂ أنَّها قالت: كان النِّساء يبعَثن إِلى عائشة أمّ المؤمنين بالدِّرَجَة (٤) فيها الكُرسف (٥)، فيه الصُّفرة من دم الحيض، يسألنها عن الصَّلاة، فتقول لهنَّ: لا تعجَلْن حتى ترَيْن القصَّة (٦) البيضاء -تريد بذلك الطُّهر من الحيضة-" (٧).

стр. 264

ومن طريق أخرى عن مولاة عائشة ﵂ أيضاً بلفظ: "قالت: إِذا رأتِ الدَّم فلتُمسكْ عن الصَّلاة حتى تَرى الطُّهر أبيض كالفضَّة، ثمَّ تَسُلّ وتُصلّي" (١). والكدرة والصفرة لا تكون حيضاً إلاَّ في أيام الحيض، وفي غير ذلك لا تُعدّ حيضاً؛ لحديث أمّ عطيّة "كنَّا لا نعُد الصُّفرة والكُدرة بعد الطُّهر شيئاً" (٢). فإِنَّه يدلّ بطريق المفهوم أنَّهنَّ كنَّ يعدُدْن ذلك قبل الطهر حيضاً. قال شيخنا في "تمام المنَّة في التعليق على فقه السنَّة" (ص ١٣٦): "والحديث (٣) وإِن كان موقوفاً؛ فله حُكم المرفوع (٤) لوجوه، أقواها أنَّه يشهد له مفهوم حديث أمّ عطيَّة المذكور في الكتاب (٥) عقب هذا بلفظ: "كنَّا لا نعدُّ الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً"، فإنَّه يدلّ بطريق المفهوم أنَّهنَّ كنَّ يعتبرن ذلك قبل الطهر حيضاً، وهو مذهب الجمهور؛ كما قال الشوكاني.

стр. 265

وكنتُ قديماً أرى أنَّ الحيض هو الدَّم الأسود فقط، لظاهر حديث فاطمة بنت حبيش ﵂ المذكور في الكتاب، ثمَّ بدا لي وأنا أكتب هذه التعليقات؛ أنَّ الحقَّ ما ذكَره السيد سابق: أنَّه الحُمرة والصُّفرة والكُدرة أيضاً قبل الطهر؛ لهذا الحديث وشاهده، وبدا لي أيضاً أنَّه لا يعارضهما حديث فاطمة؛ لأنه وارد في دم الاستحاضة التي اختلط عليها دم الحيض بدم الاستحاضة، فهي تُميِّز بين دم الاستحاضة ودم الحيض بالسَّواد، فإِذا رأته تركَت الصَّلاة، وإِذا رأت غيره صلَّت، ولا يَحتَمل الحديث غير هذا، والله أعلم". وجاء في "المحلّى"، (٢/ ٢٢٩): "وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإِسحاق وعبد الرحمن بن مهدي: الصّفرة والكُدرة في أيّام الحيض حيض، وليست في غير أيّام الحيض حيضاً. وقال اللَّيث بن سعد: الدَّم والصُّفرة والكُدرة في غير أيام الحيض ليس شيء من ذلك حيضاً، وكلّ ذلك في أيام الحيض حيض". جاء في "المغني" (١/ ٣٤٩): "والصُّفرة والكُدرة في أيَّام الحيض من الحيض؛ يعني إِذا رأت في أيام عادتها صُفرة أو كُدرة فهو حيض، وإنْ رأته بعد أيام حيضها لم يُعتدَّ به؛ نصَّ عليه أحمد وبه قال يحيى الأنصاري وربيعة ومالك والثوري والأوزاعي وعبد الرحمن بن مهدي والشافعي وإسحاق". مدَّته: اختلف العلماء في أقلِّه وأكثره، فمِن قائل: أقلّ الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوماً، وقد رُوي هذا عن عطاء بن أبي رباح وأبي ثور، وروي عن

стр. 266

أحمد أنَّ أقلَّه يوم، وأنَّ أكثره سبعة عشر (١). قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٤٢٥): "اختلف العلماء في أقلّ الحيض وأقلّ الطهر، ونقل الداودي أنَّهم اتفقوا على أنَّ أكثره خمسة عشر يوماً، وقال أبو حنيفة: لا يجتمع أقل الطُّهر وأقلّ الحيض معاً، فأقل ما تنقضي به العدَّة عنده ستون يوماً، وقال صاحباه: تنقضي في تسعة وثلاثين يوماً؛ بناءً على أنَّ أقلَّ الحيض ثلاثة أيام، وأنَّ أقل الطّهر خمسة عشر يوماً، وأنَّ المراد بالقُرء الحيض، وهو قول الثوري، وقال الشافعي: القُرء: الطُّهر، وأقله خمسة عشر يوماً، وأقل الحيض يوم وليلة ... ". "ويُذكر عن عليّ وشُريح (٢) إِن امرأة جاءت ببيّنة من بطانة أهلها، ممّن يُرضى دينُه أنَّها حاضت ثلاثاً في شهر صُدِّقت. وقال عطاء (٣): الحيض يومٌ إِلى خمسَ عشرة".

стр. 267

والحقّ أنَّه لم يأتِ في تحديد مدّة الحيض ما ينهض للاحتجاج، وتحديد ذلك يعود للمرأة، ويكون على حالات، كما سيأتي قريباً -إِن شاء الله تعالى-. قال في "المغني" (١/ ٣٢١): "ولنا أنَّه ورد في الشرع مطلقاً من غير تحديد، ولا حدَّ له في اللغة ولا في الشريعة؛ فيجب الرّجوع فيه إِلى العُرف والعادة ... ". ثمَّ ذكر حالات نادرة عن علماء السلف في الحيض والطهر. ثمَّ قال: " ... وقولهنَّ يجب الرجوع إِليه لقوله تعالى: ﴿ولا يحلّ لهنَّ أن يكتُمن ما خَلَقَ الله في أرحامهنَّ﴾ (١) فلولا أنَّ قولهنَّ مقبول ما حرَّم عليهنَّ الكِتمَان، وجرى ذلك مجرى قوله: ﴿ولا تكتموا الشَّهادة﴾ (٢) ... ". قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٤٢٥) بعد إِيراد قوله تعالى: ﴿ولا يحلّ لهنَّ أن يكتُمن ما خَلَقَ اللهُ في أرحامهنَّ﴾: "وقد روى الطبري بإِسناد صحيح عن الزُّهري قال: بلغنا أنَّ المراد بما خلق الله في أرحامهن: الحمل والحيض؛ فلا يحلّ لهنَّ أن يكتمن ذلك لتنقضي العدَّة، ولا يملك الزوج الرجعة إِذا كانت له. وروى أيضاً بإِسناد حسن عن ابن عمر قال: "لا يحلّ لها إِنْ كانت حائضاً أن تكتم حَيْضتها، ولا إِن كانت حاملاً أن تكتم حَمْلَها".

стр. 268

ومطابقة الترجمة للآية؛ من جهة أنَّ الآية دالَّة على أنَّها يجب عليها الإِظهار، فلو لم تُصدَّقْ فيه لم يكن فيه فائدة. قال معتمر عن أبيه: سألتُ ابنَ سيرين عن المرأة ترى الدَّم بعد قُرئها بخمسة أيّام؟ قال: النِّساء أعلم بذلك" (١).

стр. 269

النِّفاس تعريفه: هو سيلان الدَّم من رَحِم المرأة بسبب الولادة (١). مدَّته: أكثره أربعون يوماً لحديث أمّ سلمة ﵂ قالت: "كانت المرأة من نساء النّبيّ ﷺ تقعد في النِّفاس أربعين ليلة؛ لا يأمرها النّبيّ ﷺ بقضاء صلاة النِّفاس" (٢). وعنها بلفظ: "كانت النفساء على عهد رسول الله ﷺ تقعد بعد نفاسها أربعين يوماً، أو أربعين ليلة ... " (٣). قال أبو عيسى الترمذي: "أجمع أهل العلم من أصحاب النّبيّ ﷺ والتابعين ومن بعدهم، على أنَّ النُّفساء تَدَعُ الصَّلاة أربعين يوماً؛ إِلا أن ترى

стр. 270

الطُّهر قبل ذلك؛ فإِنَّها تغتسل وتصلّي، فإِذا رأت الدَّم بعد الأربعين؛ فإِنَّ أكثر أهل العلم قالوا لا تدَع الصَّلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر الفقهاء، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإِسحاق". وقال أبو عبيد: "وعلى هذا جماعة النَّاس، وروي هذا عن عمرو بن عباس وعثمان بن أبي العاص وعائذ بن عمرو وأنس وأمّ سلمة ﵃ وبه قال الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي ... " (١). وليس لأقلّه حدٌّ؛ أي وقت رأت الطُّهر اغتسلت وهي طاهر. وبهذا قال الثوري والشافعي. وقال مالك والأوزاعي وأبو عبيد: "إِذا لم ترَ دماً تغتسل وتصلّي". قال في "المغني" (١/ ٣٥٩): "ولنا أنَّه لم يَرِد في الشرع تحديده؛ فيرجع فيه إِلى الوجود، وقد وُجد قليلاً وكثيراً ... ". قال لي شيخنا -حفظه الله تعالى-: "تمكُث المرأة أربعين يوماً نفساء، وإذا استمرَّ الدَّم بعد ذلك تُعدّ مستحاضة، وإذا طهُرت قبل الأربعين؛ فقد طهُرت إِذا رأت القصَّة البيضاء؛ كما هو معروف بالحيض". حُكم النفاس حُكم الحيض في كلّ شيء قال في "المحلّى" (مسألة ٢٦١): "ودم النفاس يمنع ما يمنع منه دم الحيض؛ هذا لا خلاف فيه عن أحد ... وحكمه حُكم الحيض في كلّ شيء، لقولِ رسول الله ﷺ لعائشة:

стр. 271

"أنَفِسْتِ؟ قالت: نعم"، فسمَّى الحيض نفاساً؛ وكذلك الغُسل منه واجب بإِجماع". ما يحرُم على الحائض والنّفساء ١ - الصّلاة (١): وتقدَّم حديث أمّ سلمة ﵂ في ذلك، وفي حديث فاطمة بنت حبيش: " ... فإِذا أقبلَت الحيضة فاتركي الصَّلاة". ٢ - الطَّواف: لقوله ﷺ لعائشة ﵂ حين حاضت: "هذا شيء كَتَبَه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري" (٢). قال في "سبل السلام" (١/ ١٩٠): "وفيه دليل على أنَّ الحائض يصحّ منها جميع أفعال الحج غير الطواف بالبيت، وهو مُجمَع عليه". ٣ - الصَّوم (٣): لحديث أبي سعيد الخُدريّ ﵁ قال: " خرج رسول الله ﷺ في أضحى -أو في فطرٍ - إِلى المصلّى، فمرّ على النساء فقال: يا معشر النَّساء تصدَّقن، فإِني أُريتكنَّ أكثر أهل النَّار،

стр. 272

فقلن: وبمَ يا رسول الله؟ قال: تُكثرن اللّعنَ وتكفُرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقْل ودين أذهب لِلُبّ الرجل الحازم من إِحداكنّ، قُلن: وما نقصان ديننا وعقْلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مِثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عَقْلها، أليس إِذا حاضت لم تصلِّ ولم تصُم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها" (١). قال في "نيل الأوطار" (١/ ٣٥٤): "نقلَ ابن المنذر والنووي وغيرهما إِجماع المسلمين؛ على أنَّه لا يجب على الحائض قضاء الصَّلاة، ويجب عليها قضاء الصيام ... ". وقال النووي -رحمه الله تعالى- في "المجموع" (٢/ ٣٥١): "ونقل الترمذي وابن المنذر وابن جرير وآخرون الإِجماع؛ أنَّها لا تقضي الصَّلاة وتقضي الصوم ... ". وقال ﵀ أيضاً في "المجموع" (٢/ ٣٥١): "قال أبو جعفر في كتابه "اختلاف الفقهاء": أجمعوا على أنَّ عليها اجتناب كلّ الصلوات فرْضها ونفلها، واجتناب جميع الصيام فرضه ونفله، واجتناب الطواف فرضه ونفله، وإنها إِن صلَّت أو صامت أو طافت؛ لم يجزها ذلك عن فرضٍ كان عليها". ٤ - الوطء: قال الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً

стр. 273

فاعتزلوا النِّساء في المحيض ولا تقربوهنَّ حتى يطُهُرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمَركُم الله إِنَّ الله يُحبّ التَّوابين ويحبّ المتطهرين﴾ (١). عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "من أتى حائضاً أو امرأة في دُبُرها، أو كاهناً فصدَّقه بما يقول؛ فقد كفَر بما أُنزل على محمَّد" (٢). وعن أنس بن مالك ﵁: "أنَّ اليهود كانوا إِذا حاضت المرأة فيهم؛ لم يُؤاكلوها ولم يجامعوهنّ (٣) في البيوت، فسأل أصحاب النّبيّ ﷺ ؟ فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً فاعتزلوا النِّساء في المحيض ... ﴾ إِلى آخر الآية". فقال رسول الله ﷺ : "اصنعوا كلّ شيء إلاَّ النّكاح". فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدَع من أمرنا شيئاً إلاَّ خالفَنا فيه" (٤). قال في "المحلّى" (٢/ ٢٢٠): "أمَّا امتناع الصَّلاة، والصوم، والطواف، والوطء في الفرج في حال الحيض؛ فإِجماع متيقّن مقطوع به، لا خلاف بين

стр. 274

أحدٍ من أهل الإِسلام فيه". وقال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (٢١/ ٦٢٤): "وطء الحائض لا يجوز باتّفاق الأئمّة ... ". ما يحلُّ للرجل من الحائض "يجوز التمتع بما دون الفرج من الحائض، وفيه أحاديث: الأول: قوله ﷺ : " ... واصنعوا كلّ شيء إلاَّ النكاح (١) " (٢). الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يأمر إِحدانا إِذا كانت حائضاً أن تتَّزر، ثمَّ يُضاجعها زوجها، وقالت مرَّة: يباشرها (٣) " (٤). الثالث: عن بعض أزواج النّبيّ ﷺ قالت: إِنَّ النّبيّ ﷺ : "كان إِذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً [ثمَّ صنعَ ما أراد] " (٥).

стр. 275

وقالت الصهباء بنت كريم: قلت لعائشة: "ما للرجل من امرأته إِن كانت حائضاً؟ قالت: كلّ شيء إلاَّ الجماع (١) " (٢). وعن عمِّ حرام بن حكيم أنَّه سأل رسول الله ﷺ : ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: "لك ما فوق الإِزار" (٣). وجاء في "المغني" (١/ ٣٥٠): "ويستمتع من الحائض بما دون الفرج". قال في "سبل السلام" (١/ ١٨٨): " ... فأمَّا لو جامع وهي حائض؛ فإِنَّه يأثم إِجماعاً ... ". وذكر ابن حزم في "المحلّى" (٢/ ٢٤٩): حديث عائشة ﵂ أنَّها قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "ناوليني الخُمرة (٤) من المسجد،

стр. 276

فقلت: إِنّي حائض. فقال: "تناوَليها؛ فإِنَّ الحيضة ليست في يدك" (١). وذكر حديث أبي هريرة ﵁ أيضاً، قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد فقال: "يا عائشة! ناوليني الثوب"، فقالت: إِني حائض. فقال: "حيضتك ليست في يدك، فناولتْه" (٢). ثمَّ قال ﵀: فهما دليل أن لا يجتنب إلاَّ الموضع الذي فيه الحيضة وحده. ونقل شيخ الإِسلام ابن تيمية في "الفتاوى" (٢١/ ٦٢٤) اتفاق الأئمّة على تحريم وطء الحائض، كما تقدّم. كفّارة من جامع الحائض على من جامع الحائض أن يتصدَّق بدينار أو نصف دينار؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ عن النبيّ ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: "يتصدَّق بدينار أو نصف دينار" (٣).

стр. 277

قال شيخنا في "آداب الزفاف" (ص ١٢٣): "قال أبو داود في "المسائل" (٢٦): "سمعت أحمد سُئل عن الرجل يأتي امرأته وهي حائض؛ قال: ما أحسن حديث عبد الحميد فيه! (قلت: يعني: هذا). قلت: وتذهب إِليه؟ قال: نعم؛ إِنَّما هو كفَّارة. قلت: فدينار أو نصف دينار؟ قال: كيف يشاء". وذهب إِلى العمل بالحديث جماعةٌ آخرون من السلف؛ ذكر أسماءهم الشوكاني في "النيل" (١/ ٢٤٤) وقوَّاه. قلت: -أي شيخنا حفظه الله- ولعلَّ التمييز بين الدينار ونصف الدينار، يعود إِلى حال المتصدّق من اليسار أو الضّيق؛ كما صرَّحت بذلك بعض روايات الحديث؛ وإِنْ كان سنده ضعيفاً، والله أعلم". متى يجوز إِتيان الحائض إِذا طهُرت ؟ قال في "روح المعاني" (٢/ ١٢٢): " ﴿حتى يطهُرن﴾ والغاية انقطاع الدَّم عند الإِمام أبي حنيفة ﵁ فإنْ كان الانقطاع لأكثر مدَّة الحيض حلَّ القربان بمجرَّد الانقطاع، أو إِنْ كان لأقلّ منها لم يحلّ إلاَّ بالاغتسال، أو ما هو في حُكمه من مضيّ وقت الصَّلاة، وعند الشافعية هي الاغتسال بعد الانقطاع، قالوا: ويدلُّ عليه صريحاً قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية ابن عباس (يطَّهرن) -بالتشديد- أى: (يتطهَّرن) والمراد به: يغتسلن، لا لأنَّ الاغتسال معنى حقيقي للتطهير؛ كما يوهمه بعض عباراتهم -لأنَّ استعماله فيما عدا الاغتسال شائع في الكلام المجيد

стр. 278

والأحاديت؛ على ما لا يخفى على المتتبّع -بل لأنَّ صيغة المبالغة يُستفاد منها الطهارة الكاملة، والطهارة الكاملة للنساء عن المحيض هو الاغتسال- فلمَّا دلّت قراءة التشديد على أنَّ غاية حرمة القربان هو الاغتسال، -والأصل في القراءات التوافق- حُملت قراءة التخفيف عليها، بل قد يُدّعى أنَّ الطهر يدلّ على الاغتسال أيضاً، بحسب اللغة. ففي "القاموس" طهُرت المرأة: انقطع دمها، واغتسلت من الحيض كتطهَّرت. وأيضاً قوله تعالى: ﴿فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ﴾ يدلّ التزاماً على أنَّ الغاية هي الاغتسال، لأنَّه يقتضي تأخّر جواز الإِتيان عن الغسل، فهو يُقوّي كون المراد بقراءة التخفيف الغُسل لا الانقطاع، وربما يكون قرينة على التجوز في الطهر، بحمله على الاغتسال إِن لم يسلّم ما تقدّم، وعلى فرض عدم التسليم هذا وذاك، والرجوع إِلى القول بأنَّ قراءة التخفيف من الطهر، وهو حقيقة في انقطاع الدم لا غير، ولا تجوُّز ولا قرينة، وقراءة التشديد من التطهر، ويستفاد منه الاغتسال". وقال البغوي ﵀ (١/ ١٩٧): تطهَّرن: يعني: اغتسلن. قال في "المغني" (١/ ٣٥٣): "فإِن انقطع دمها فلا توطأ حتى تغتسل". وجملته أنَّ وطء الحائض قبل الغسل حرام، وإِن انقطع دمها في قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: هذا كالإِجماع منهم، وقال أحمد بن محمد المروزي: "لا أعلم في هذا خلافاً ... ".

стр. 279

ولنا قول الله تعالى: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطهُرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمَركم الله﴾ يعني: إِذا اغتسلن هكذا فسَّره ابن عباس، ولأنَّ الله تعالى قال في الآية: ﴿ويحبُّ المتطهِّرين﴾ فأثنى عليهم، فيدلّ على أنَّه فِعْل منهم؛ أثنى عليهم به، وفِعْلهم هو الاغتسال؛ دون انقطاع الدم، فشَرط لإِباحة الوطء شرطين: انقطاع الدم والاغتسال، فلا يباح إلاَّ بهما؛ كقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إِذا بَلَغُوا النكاح فإِنْ آنستم منهم رُشْداً فادفعُوا إِليهم أموالَهم﴾ (١)، لمّا اشترط لدفع المال عليهم بلوغ النكاح والرّشد، لم يُبَح إلاَّ بهما، كذا هاهُنا، ولأنها ممنوعة من الصلاة لحدث الحيض، فلم يُبَح وطؤها كما لو انقطع لأقل الحيض، وما ذكروه من المعنى منقوض؛ بما إِذا انقطع لأقل الحيض، ولأنَّ حدث الحيض آكد من حدث الجنابة، فلا يصحّ قياسه عليه. جاء في "الفتاوى" (٢١/ ٦٢٤): "أمَّا المرأة الحائض إِذا انقطع دمها؛ فلا يطؤها زوجها حتى تغتسل إِذا كانت قادرة على الاغتسال، وإلا تيمَّمت كما هو مذهب جمهور العلماء، كمالك وأحمد والشافعي. وهذا معنى ما يُروى عن الصحابة حيث روي عن بضعة عشر من الصحابة -منهم الخلفاء- أنَّهم قالوا: في المعتدَّة هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة. والقرآن يدلُّ على ذلك، قال الله تعالى: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطهُرن فإِذا

стр. 280

تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمركم الله﴾ (١). قال مجاهد: ﴿حتى يطهُرن﴾ يعني: ينقطع الدَّم، ﴿فإِذا تطهَّرن﴾: اغتسلن بالماء، وهو كما قال مجاهد. وإِنَّما ذكر الله غايتين على قراءة الجمهور، لأنَّ قوله: ﴿حتى يطهُرن﴾ غاية التحريم الحاصل بالحيض، وهو تحريم لا يزول بالاغتسال ولا غيره، فهذا تحريم يزول بانقطاع الدَّم، ثمَّ يبقى الوطء بعد ذلك جائزاً بشرط الاغتسال، لا يبقى محرَّماً على الإِطلاق، فلهذا قال: ﴿فإذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمركُم الله﴾. وهذا كقوله: ﴿فإِن طلَّقها فلا تحلُّ له من بعدُ حتى تَنكحَ زوجاً غيره﴾ (٢). فنكاح الزوج الثاني غاية التحريم الحاصل بالثلاث، فإِذا نَكَحت الزوج الثاني زال ذلك التحريم، لكن صارت في عصمة الثاني؛ فحرمت لأجل حقّه، لا لأجل الطَّلاق الثلاث، فإِذا طلَّقها جاز للأوَّل أن يتزوَّجها. وقد قال بعض أهل الظاهر: المراد بقوله: ﴿فإذا تطهَّرن﴾ أي: غسلْن فرجهنّ، وليس بشيء، لأنَّ الله قد قال: ﴿وإِن كنتم جُنُباً فاطَّهروا﴾ (٣)؛ فالتطهّر في كتاب الله هو الاغتسال، وأمَّا قوله: ﴿إنَّ الله يحبّ التَّوابين ويُحبُّ

стр. 281

المتطهِّرين﴾ (١) فهذا يدخل فيه المغتسل والمتوضئ والمستنجي، لكن التطهّر المقرون بالحيض؛ كالتطهر المقرون بالجنابة، والمراد به الاغتسال. وأبو حنيفة ﵀ يقول: إِذا اغتسلت، أو مضى عليها وقت صلاة، أو انقطع الدَّم لعشرة أيام حلَّت؛ بناءً على أنَّه محكوم بطهارتها في هذه الأحوال، وقول الجمهور هو الصواب كما تقدَّم، والله أعلم". وجاء في الكتاب السابق أيضاً (ص٦٢٤): "وسئل ﵀ عن إِتيان الحائض قبل الغسل، وما معنى قول أبي حنيفة: فإِن انقطع الدَّم لأقل من عشرة أيام، لم يَجُزْ وطؤها حتى تغتسل؟ وإِن انقطع دمها لعشرة أيام جاز وطؤها قبل الغسل؟ وهل الأئمة موافقون على ذلك؟ فأجاب: أمَّا مذهب الفقهاء؛ كمالك والشافعي وأحمد فإِنَّه لا يجوز وطؤها حتى تغتسل، كما قال تعالى: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطهُرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيثُ أمركم الله﴾، وأمَّا أبو حنيفة فيجوِّز وطأها إِذا انقطع لأكثر الحيض، أو مرَّ عليها وقت الصَّلاة فاغتسلت، وقول الجمهور هو الذي يدلّ عليه ظاهر القرآن والآثار". وقد رأيت قول شيخ الإِسلام ﵀ المتقدِّم قد رجَّح عدم الوطء إلاَّ بعد الاغتسال، حين قال ﵀: "وقال بعض أهل الظاهر: المراد بقوله: ﴿فإِذا تطهّرن﴾ أي: غسلن فروجهنَّ، وليس بشيء؛ لأنَّ الله قد قال: ﴿وإِن كنتم جُنُباً فاطَّهروا﴾. فالتطهُّر في كتاب الله هو الاغتسال، وأمَّا قوله: ﴿إِنَّ الله يحبُّ التوَّابين

стр. 282

ويحبُّ المتطهِّرين﴾، فهذا يدخل فيه المغتسل والمتوضئ والمستنجي، لكن التطهّر المقرون بالحيض؛ كالتَّطهر المقرون بالجنابة والمراد به الاغتسال". قلت: وزاد هذا الترجيح عندي ما جاء في "اللسان": "طَهَرت المرأة وطَهُرت وطَهِرت: اغتسلت من الحيض وغيره". وطهُرت المرأة وهي طاهر: انقطع عنها الدَّم ورأت الطُّهر فإِذا اغتسلت؛ قيل تطهَّرت واطَّهَّرت، قال الله : ﴿وإِن كنتم جُنُباً فاطَّهَّروا﴾. وروى الأزهري عن أبي العباس أنَّه قال في قوله : ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطُهرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمركم الله﴾ وقرأ: ﴿حتى يطَّهَّرْن﴾، قال أبو العبّاس والفرّاء: "يطّهّرن لأنَّ من قرأ: ﴿يطْهرن﴾ أراد: انقطاع الدَّم، فإِذا تطهَّرن اغتسلن؛ فصيَّر معناهما مختلفاً، والوجه أن تكون الكلمتان بمعنى واحد؛ يُريد بهما جميعاً الغسل، ولا يحلّ المسيس إِلا بالاغتسال، وتُصدِّق ذلك قراءة ابن مسعود: ﴿حتى يَتَطهَّرْن﴾ ". وقال ابن الأعرابي: "طَهَرت المرأة هو الكلام، قال: ويجوز طهُرت، فإِذا تَطَهَّرن: اغتسلن. وقال: تطهَّرت المرأة: اغتسلت". وخلاصة القول: عدم جواز إِتيان الحائض إِذا طهُرت إِلا بعد الاغتسال (١).

стр. 283

مسائل تتعلق في غسل الحائض والنّفساء ١ - نقْض المرأة شعرها عند غسل المحيض: كما في حديث عائشة ﵂: " ... فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت إِلى النّبيّ ﷺ فقال: "دعي عمرتك وانقضي رأسكِ، وامتَشِطي وأهلّي بحجٍّ، ففعلْت" (١). ٢ - استحباب استعمال المُغتَسِلة من الحيض فِرصة من مسِك في موضع الدَّم: عن منصور بن صفية عن أمّه عن عائشة ﵂ قالت: "سأَلَت امرأةٌ (٢) النّبيّ ﷺ : كيف تغتسل من حيضتها؟ قال: "فذَكرت أنَّه علَّمها كيف تغتسل، ثمَّ تأخذ فِرصة من مِسك (٣)، فتَطهَّر بها. قالت: كيف أتطهَّر بها؟ قال: "تطهَّري بها سبحان الله! " (٤) واستَتر (وأشار

стр. 284

لنا سفيانُ بن عيينة بيده على وجهه)، قال: قالت عائشة: واجتذبْتُها إِليَّ، وعرفتُ ما أراد النّبيّ ﷺ ، فقلت: تتبَّعي بها أثر الدَّم" (١). كيف تغتسل الحائض أو النفساء ؟ عن عائشة ﵂ "أنَّ أسماء سألَت النّبيّ ﷺ عن غُسل المحيض؟ فقال: "تأخذ إِحداكنَّ ماءَها وسدْرتها فتطهَّر؛ فتُحسن الطُّهور، ثمَّ تصب على رأسها؛ فتدلُكُه دلكاً شديداً؛ حتى تبلغ شؤون (٢) رأسها، ثمَّ تصبّ عليها الماء، ثمَّ تأخذ فِرصة ممسّكة؛ فتطَهَّر بها". فقالت أسماء: وكيف تطَهَّر بها؟ فقال: سبحان الله! تطَّهّرين بها". فقالت عائشة (كأنَّها تخفي ذلك): تَتَبَّعين أثر الدَّم (٣).

стр. 285

كيف تُطهِّر الحائض ثوبها ؟ تطهِّر الحائض ثوبها بحكة بضِلَع (١)، وتغسله بماء وسِدْر أو صابون أو نحوه من المنظّفات، ثمَّ تنضح الماء في سائر الثوب، لقوله ﷺ : "حُكّيه بضِلَع واغسليه بماء وسِدْر" (٢). وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "سمعتُ امرأة تسأل رسول الله ﷺ عن ثوبها إِذا طهُرت من محيضها، كيف تصنع به؟ قال: إِنْ رأيت فيه دماً فحُكّيه، تمَّ اقرصيه بماء، ثمَّ انضحي في سائره؛ فصلّي فيه". قال شيخنا في "الصحيحة" تحت (رقم ٢٩٩): "في هذه الرواية زيادة: "ثمَّ انضحي في سائره"، وهي زيادة هامَّة؛ لأنها تبيِّن أنَّ قوله في رواية هشام: "ثمَّ لتنضحه" ليس المراد نضْح مكان الدَّم بل الثوب كلّه. ويشهد له حديث عائشة ﵂ قالت: "كانت إحدانا تحيض، ثمَّ تقرص الدَّم من ثوبها عند طُهْرها فتغسله، وتنضح سائره، ثمَّ تصلّي فيه" (٣).
следующие страницы →