المتطهِّرين﴾ (١) فهذا يدخل فيه المغتسل والمتوضئ والمستنجي، لكن التطهّر المقرون بالحيض؛ كالتطهر المقرون بالجنابة، والمراد به الاغتسال.
وأبو حنيفة ﵀ يقول: إِذا اغتسلت، أو مضى عليها وقت صلاة، أو انقطع الدَّم لعشرة أيام حلَّت؛ بناءً على أنَّه محكوم بطهارتها في هذه الأحوال، وقول الجمهور هو الصواب كما تقدَّم، والله أعلم".
وجاء في الكتاب السابق أيضاً (ص٦٢٤): "وسئل ﵀ عن إِتيان الحائض قبل الغسل، وما معنى قول أبي حنيفة: فإِن انقطع الدَّم لأقل من عشرة أيام، لم يَجُزْ وطؤها حتى تغتسل؟ وإِن انقطع دمها لعشرة أيام جاز وطؤها قبل الغسل؟ وهل الأئمة موافقون على ذلك؟
فأجاب: أمَّا مذهب الفقهاء؛ كمالك والشافعي وأحمد فإِنَّه لا يجوز وطؤها حتى تغتسل، كما قال تعالى: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطهُرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيثُ أمركم الله﴾، وأمَّا أبو حنيفة فيجوِّز وطأها إِذا انقطع لأكثر الحيض، أو مرَّ عليها وقت الصَّلاة فاغتسلت، وقول الجمهور هو الذي يدلّ عليه ظاهر القرآن والآثار".
وقد رأيت قول شيخ الإِسلام ﵀ المتقدِّم قد رجَّح عدم الوطء إلاَّ بعد الاغتسال، حين قال ﵀: "وقال بعض أهل الظاهر: المراد بقوله: ﴿فإِذا تطهّرن﴾ أي: غسلن فروجهنَّ، وليس بشيء؛ لأنَّ الله قد قال: ﴿وإِن كنتم جُنُباً فاطَّهروا﴾.
فالتطهُّر في كتاب الله هو الاغتسال، وأمَّا قوله: ﴿إِنَّ الله يحبُّ التوَّابين
стр. 282
ويحبُّ المتطهِّرين﴾، فهذا يدخل فيه المغتسل والمتوضئ والمستنجي، لكن التطهّر المقرون بالحيض؛ كالتَّطهر المقرون بالجنابة والمراد به الاغتسال".
قلت: وزاد هذا الترجيح عندي ما جاء في "اللسان": "طَهَرت المرأة وطَهُرت وطَهِرت: اغتسلت من الحيض وغيره".
وطهُرت المرأة وهي طاهر: انقطع عنها الدَّم ورأت الطُّهر فإِذا اغتسلت؛ قيل تطهَّرت واطَّهَّرت، قال الله : ﴿وإِن كنتم جُنُباً فاطَّهَّروا﴾.
وروى الأزهري عن أبي العباس أنَّه قال في قوله : ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطُهرن فإِذا تطهَّرن فأتوهنَّ من حيث أمركم الله﴾ وقرأ: ﴿حتى يطَّهَّرْن﴾، قال أبو العبّاس والفرّاء: "يطّهّرن لأنَّ من قرأ: ﴿يطْهرن﴾ أراد: انقطاع الدَّم، فإِذا تطهَّرن اغتسلن؛ فصيَّر معناهما مختلفاً، والوجه أن تكون الكلمتان بمعنى واحد؛ يُريد بهما جميعاً الغسل، ولا يحلّ المسيس إِلا بالاغتسال، وتُصدِّق ذلك قراءة ابن مسعود: ﴿حتى يَتَطهَّرْن﴾ ".
وقال ابن الأعرابي: "طَهَرت المرأة هو الكلام، قال: ويجوز طهُرت، فإِذا تَطَهَّرن: اغتسلن. وقال: تطهَّرت المرأة: اغتسلت".
وخلاصة القول: عدم جواز إِتيان الحائض إِذا طهُرت إِلا بعد الاغتسال (١).
стр. 283
مسائل تتعلق في غسل الحائض والنّفساء
١ - نقْض المرأة شعرها عند غسل المحيض:
كما في حديث عائشة ﵂: " ... فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت إِلى النّبيّ ﷺ فقال: "دعي عمرتك وانقضي رأسكِ، وامتَشِطي وأهلّي بحجٍّ، ففعلْت" (١).
٢ - استحباب استعمال المُغتَسِلة من الحيض فِرصة من مسِك في موضع الدَّم:
عن منصور بن صفية عن أمّه عن عائشة ﵂ قالت: "سأَلَت امرأةٌ (٢) النّبيّ ﷺ : كيف تغتسل من حيضتها؟ قال: "فذَكرت أنَّه علَّمها كيف تغتسل، ثمَّ تأخذ فِرصة من مِسك (٣)، فتَطهَّر بها.
قالت: كيف أتطهَّر بها؟ قال: "تطهَّري بها سبحان الله! " (٤) واستَتر (وأشار
стр. 284
لنا سفيانُ بن عيينة بيده على وجهه)، قال: قالت عائشة: واجتذبْتُها إِليَّ، وعرفتُ ما أراد النّبيّ ﷺ ، فقلت: تتبَّعي بها أثر الدَّم" (١).
كيف تغتسل الحائض أو النفساء ؟
عن عائشة ﵂ "أنَّ أسماء سألَت النّبيّ ﷺ عن غُسل المحيض؟ فقال: "تأخذ إِحداكنَّ ماءَها وسدْرتها فتطهَّر؛ فتُحسن الطُّهور، ثمَّ تصب على رأسها؛ فتدلُكُه دلكاً شديداً؛ حتى تبلغ شؤون (٢) رأسها، ثمَّ تصبّ عليها الماء، ثمَّ تأخذ فِرصة ممسّكة؛ فتطَهَّر بها".
فقالت أسماء: وكيف تطَهَّر بها؟ فقال: سبحان الله! تطَّهّرين بها".
فقالت عائشة (كأنَّها تخفي ذلك): تَتَبَّعين أثر الدَّم (٣).
стр. 285
كيف تُطهِّر الحائض ثوبها ؟
تطهِّر الحائض ثوبها بحكة بضِلَع (١)، وتغسله بماء وسِدْر أو صابون أو نحوه من المنظّفات، ثمَّ تنضح الماء في سائر الثوب، لقوله ﷺ : "حُكّيه بضِلَع واغسليه بماء وسِدْر" (٢).
وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "سمعتُ امرأة تسأل رسول الله ﷺ عن ثوبها إِذا طهُرت من محيضها، كيف تصنع به؟
قال: إِنْ رأيت فيه دماً فحُكّيه، تمَّ اقرصيه بماء، ثمَّ انضحي في سائره؛ فصلّي فيه".
قال شيخنا في "الصحيحة" تحت (رقم ٢٩٩): "في هذه الرواية زيادة: "ثمَّ انضحي في سائره"، وهي زيادة هامَّة؛ لأنها تبيِّن أنَّ قوله في رواية هشام: "ثمَّ لتنضحه" ليس المراد نضْح مكان الدَّم بل الثوب كلّه.
ويشهد له حديث عائشة ﵂ قالت: "كانت إحدانا تحيض، ثمَّ تقرص الدَّم من ثوبها عند طُهْرها فتغسله، وتنضح سائره، ثمَّ تصلّي فيه" (٣).
стр. 286
الاستحاضة
تعريفها:
"هي أن يستمرّ بالمرأة خروج الدّم؛ بعد أيام حيضها المعتادة" (١).
أحوال المستحاضة (٢):
١ - أن تكون مدّة الحيض معروفة لها قبل الاستحاضة، وفي هذه الحالة تُعدّ هذه المدَّة المعروفة هي مدَّة الحيض والباقي استحاضة؛ لحديث أمّ سلمة ﵂: أنَّها استّفتت النّبيّ ﷺ في امرأة تُهراق الدّم؟
فقال: "لتنظر قدْر الليالي والأيام التي كانت تحيضهنّ وقدْرهنَّ من الشَّهر، فتدَع الصَّلاة، ثمَّ لتغتسل ولتستثْفر (٣) ثمَّ تصلّي" (٤).
قال الخطابي: هذا حُكم المرأة يكون لها من الشَّهر أيام معلومة؛ تحيضها في أيام الصِّحَّة قبل حدوث العلَّة، تمَّ تُستحاض فتهريق الدَّم، ويستمرّ بها السيلان، أمرها النّبيّ ﷺ أن تدَع الصَّلاة من الشهر، قدر الأيام
стр. 287
التي كانت تحيض؛ قبل أن يصيبها ما أصابها، فإِذا استوفت عدد تلك الأيام؛ اغتسلت مرّة واحدة، وحُكمها حُكم الطَّواهر (١).
جاء في "الفتاوى" (٢١/ ٦٢٨): "وبهذا الحديث أخَذ جمهور العلماء في المستحاضة المعتادة؛ أنَّها ترجع إِلى عادتها؛ وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد".
٢ - أن يستمر بها الدَّم ولم يكن لها أيَّام معروفة؛ إِمَّا لأنَّها نسيت عادتها، أو بلَغت مستحاضة، ولا تستطيع تمييز دم الحيض، وفي هذه الحالة يكون حيضها ستة أيام أو سبعة، على غالب عادة النِّساء (٢)؛ لحديث حمنة بنت جحش قالت: كنتُ أُستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدتُه في بيت أُختي زينب بنت جحش، فقلت: يا رسول الله إِنّي امرأة أُستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها، قد منعَتني الصَّلاة والصَّوم؟
فقال: "أنعتُ لَكِ الكُرسُف (٣) فإِنَّه يذهبُ الدَّم"، قالت: هو أكثر من ذلك.
قال: "فاتَّخذي ثوباً"، فقالت: هو أكثر من ذلك، إِنَّما أثجُّ ثجَّاً (٤).
قال رسول الله ﷺ : "سآمرك بأمرين أيَّهما فعلْتِ أجزأ عنك من الآخر، وإِنْ
стр. 288
قويتِ عليهما فأنتِ أعلم"، فقال لها: "إِنَّما هي ركضة (١) من رَكَضات الشيطان، فتحيَّضي ستَّة أيَّام أو (٢) سبعة أيَّام، في عِلم الله، ثمَّ اغتسلي حتى إِذا رأيتِ أنَّك قد طهُرت واستنقأتِ؛ فصلّي ثلاثاً وعشرين ليلة، أو أربعاً وعشرين ليلة وأيَّامها وصومي، فإِنَّ ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي كل شهر؛ كما تحيض النِّساء وكما يطهُرن، ميقات حيضهنّ وطُهرهنّ، وإِن قويتِ على أن تؤخِّري الظهر وتعجلّي العصر؛ فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخِّرين المغرب وتعجلين العشاء، ثمَّ تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إِنْ قدرْتِ على ذلك".
قال رسول الله ﷺ : "وهذا أعجب الأمرين إِليّ" (٣).
стр. 289
قال الخطابي -تعليقاً على هذا الحديث-: إِنَّما هي امرأة مبتدئة لم يتقدَّم لها أيام، ولا هي مميّزة لدمها، وقد استمرَّ بها الدَّم حتى غلبَها، فردَّ رسول الله ﷺ أمرها إِلى العُرف الظاهر والأمر الغالب من أحوال النِّساء، كما حَمَل أمرها في تحيُّضها كل شهر مرّة واحدة؛ على الغالب من عادتهن، ويدلّ على هذا قوله: "كما تحيض النِّساء ويطهُرن بميقات حيضهنَّ وطُهرنَّ".
قال: وهذا أصلٌ في قياس أمر النِّساء؛ بعضهنَّ على بعض؛ في باب الحيض والحمل والبلوغ، وما أشبه هذا من أمورهنّ.
٣ - أن لا تكون لها عادة، ولكنَّها تستطيع تمييز دم الحيض عن غيره، وفي هذه الحالة تعمل بالتَّمييز، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ أنَّها كانت تُستحاض، فقال النّبيّ ﷺ : "إِذا كان دم الحيض؛ فإِنَّه أسود يُعرف؛ فأمسكي عن الصَّلاة، فإِذا كان الآخر؛ فتوضَّئي إِنَّما هو عرْق (١) " (٢).
стр. 290
أحكام المُستحاضة (١)
١ - جواز وطئها في حال جريان دم الاستحاضة؛ عند جماهير العلماء؛ لأنَّها كالطَّاهرة في الصَّلاة والصوم وغيرهما، فكذا في الجماع، ولأنَّه لا يحرم إلاَّ عن دليل، ولم يأت دليل بتحريم جماعها.
قال ابن عبّاس: "المستحاضة يأتيها زوجها إِذا صلَّت، الصَّلاة أعظم" (٢).
[وعن عكرمة قال: "كانت أم حبيبة تُستحاض فكان زوجها يغشاها" (٣).
وعن حَمْنة بنت جحش: "أنَّها كانت مُستحاضة؛ وكان زوجها
стр. 291
يجامعها" (١)].
٢ - أنَّها تُؤمر بالاحتياط في طهارة الحدث النجس؛ فتغسل فرجها قبل الوضوء وقبل التَّيمُّم، وتحشو فرجها بقطنة، أو خرقة دفعاً للنجاسة، وتقليلاً لها، فإِنْ لم يندفع الدَّم بذلك؛ شدَّت مع ذلك على فرجها وتلجَّمت واستثفرت (٢). كما هو معروف في الكتب المطوَّلة.
٣ - ومنها أنَّه ليس لها الوضوء قبل دخول وقت الصَّلاة عند الجمهور؛ إِذ طهارتها ضروريّة؛ فليس لها تقديمها قبل وقت الحاجة.
٤ - أنه لا يجب عليها الغسل لشيء من الصَّلاة، ولا في وقت من الأوقات إلاَّ مرّة واحدة؛ حينما ينقطع حيضها، وبهذا قال الجمهور من السَّلف والخلف.
٥ - أنَّه يجب عليها الوضوء لكلّ صلاة؛ لقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش -وهي تحدِّثه عن استحاضتها-: "توضَّئي لكلّ صلاة" (٣).
وقوله لها: "إِنَّه دم عِرق فتوضئي لكلّ صلاة" (٤).
стр. 292
٦ - أنَّ لها حُكم الطاهرات: تُصلّي وتصوم وتعتكف، وتفعل كلّ العبادات.
الحائض والنفساء تقضيان الصوم ولا تقضيان الصَّلاة
تقضي الحائض والنّفساء الصوم ولا تقضي الصَّلاة؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: " ... أليس إِذا حاضت لم تُصلِّ ولم تصُم؟ ... " (١).
قال في "نيل الأوطار" (١/ ٣٥٣): "فيه إِشعار بأنَّ منْع الحائض من الصوم والصَّلاة كان ثابتاً بحُكم الشَّرع قبل ذلك المجلس ... ".
وعن معاذة أنَّ امرأة قالت لعائشة: "أتجزي إِحدانا صلاتها إِذا طهُرت؟ فقالت: أحروريّة (٢) أنت؟ كنَّا نحيض مع النبي ﷺ فلا يأمرنا به، أو قالت:
стр. 293
فلا نفعله" (١). وفي لفظ لمسلم (٣٣٥): "فنؤمَر بقضاء الصوم ولا نؤمَر بقضاء الصلاة".
وعن أم سلمة ﵂ قالت: كانت المرأة من نساء النّبيّ ﷺ تقعد في النفاس أربعين ليلة؛ لا يأمرها النّبيّ ﷺ بقضاء صلاة النفاس (٢).
إِذا طهُرت الحائض بعد العصر أو بعد العشاء
إِذا طهرت الحائض بعد العصر؛ صلّت الظهر والعصر، وإِذا طهرت بعد العشاء؛ صلّت المغرب والعشاء.
عن ابن عباس ﵄ قال: "إِذا طهُرت الحائض بعد العصر؛ صلّت الظهر والعصر، وإذا طهُرت بعد العشاء صلّت المغرب والعشاء".
وعن عبد الرحمن بن عوف قال: "إِذا طهُرت الحائض قبل أن تغرب الشمس؛ صلّت الظهر والعصر، وإذا طهُرت قبل الفجر صلَّت المغرب والعشاء".
قال في "نيل الأوطار" (١/ ٣٥٥): "رواهما سعيد بن منصور في "سننه" والأثرم، وقال: قال أحمد: عامَّة التابعين يقولون بهذا القول إلاَّ الحسن وحده".
وسألت شيخنا -حفظه الله- بعض التفصيل في ذلك فقال: "إِذا طهُرت
стр. 294
الحائض بعد العصر أو قبل غروب الشمس، فإِنَّه يجب عليها أن تصلّي الظُّهر والعصر، وإِذا طهُرت بعد العشاء، فإِنَّه يجب عليها أن تصلّي المغرب والعشاء؛ لأنَّ وقت الظهر والعصر يتداخلان، ففي السّفر يُمكن الجمع بين كلِّ من الصلاتين؛ تقديماً أو تأخيراً، وفي حالة الإِقامة أيضاً لرفع الحرج".
الجمع الصوري للمستحاضة
وفيه حديث حَمنة بنت جحش ﵂ المتقدِّم وفيه: " ... وإِنْ قويتِ على أن تؤخِّري الظهر وتعجِّلي العصر؛ فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين: الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجِّلين العشاء، ثمَّ تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين فافعلي".
قال في "سبل السلام" (١/ ١٨٣): "فتغتسلين فتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، أي: جمعاً صورياً ... ".
الحامل إِذا رأت الدَّم وبيان أنَّها لا تحيض
إِذا رأت الحامل دماً فهو دم فساد (١)؛ لقوله ﷺ في سبايا أوطاس: "لا توطَأ حامل حتى تضع، ولا حائل (٢) حتى تستبرئ بحيضة" (٣).
стр. 295
جاء في "المغني" (١/ ٣٧١) (حُكم الحامل إِذا رأت الدَّم، وبيان أنَّها لا تحيض): "مذهب أبي عبد الله ﵀ أنَّ الحامل لا تحيض، وما تراه من الدَّم فهو دم فساد، وهو قول جمهور التابعين؛ منهم: سعيد بن المسيب وعطاء والحسن وجابر بن زيد وعكرمة ومحمد بن المنكدر والشعبي ومكحول وحماد والثَّوري والأوزاعي وأبو حنيفة وابن المنذر وأبو عبيد وأبو ثور ... ".
وقال في "منار السبيل" (١/ ٦٢): "فإِنْ رأت الحامل دماً فهو فساد؛ لقوله ﷺ في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرئ بحيضة" (١).
يعني: تستعلم براءتها من الحمل بالحيضة؛ فدلَّ على أنَّها لا تجتمع معه".
قال شيخنا في "الإِرواء" (١٨٧): "ويشهد له ما روى الدَّارمي (١/ ٢٢٧، ٢٢٨) من طريقين عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة قالت: "إِنَّ الحُبلى لا تحيض، فإِذا رأت الدَّم؛ فلتغتسل ولتصلِّ"، وإِسناده صحيح".
وسألتُ شيخنا -حفظه الله- عن أمر الاغتسال؟ فقال: "هو من باب النَّظافة".
стр. 296
مسائل متنوّعة تتعلق بالحائض والنّفساء والمستحاضة
* حُكم النّفساء حُكم الحائض في جميع ما يحرُم عليها ويسقُط عنها: قال في "المغني" (١/ ٣٦٢): "وحُكم النفساء حُكم الحائض في جميع ما يحرُم عليها ويسقُط عنها، لا نعلم في هذا خلافاً، وكذلك تحريم وطئها وحلّ مباشرتها، والاستمتاع بما دون الفرج منها ... ".
* اغتسال الحائض والنفساء للإِحرام:
عن جابر ﵁ قال: "إِنَّ رسول الله ﷺ مكثَ تسع سنين لم يحجّ، ثمَّ أذَّن في الناس في العاشرة؛ أن رسول الله ﷺ حاجٌّ، فقدم المدينة بشر كثير؛ كلّهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله.
فخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة؛ فولَدَت أسماءُ بنت عميس محمَّدَ بن أبي بكر، فأرسلت إِلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ ".
فقال: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي" (١).
* لا بأس أن تشرب المرأة الحائض دواءً يقطع عنها الحيض، إِذا لم يكن يضرّ بها، ويحسن بها استشارة طبيبة مسلمة مختصّة في هذا الأمر:
قال في "المغني" (١/ ٣٧٥): "رُوي عن أحمد ﵀ أنَّه قال: لا بأس أن تشرب المرأة دواءً؛ يقطع عنها الحيض؛ إِذا كان دواءً معروفاً".
* شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين واعتزالها المصلّى:
стр. 297
عن أمِّ عطية ﵂ قالت: "سمعْتُه (١) يقول: يخرُج العواتِق (٢) وذواتُ الخدور (٣) -أو العواتق ذواتُ الخُدور- والحُيَّض، ويشهدن الخير ودعوة المؤمنين، ويعتزل الحُيَّض المصلّى" (٤).
* قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض (٥):
عن منصور بن صفيَّة أنَّ أمَّه حدَّثته أنَّ عائشة ﵂ حدَّثتها: "أنَّ النّبيّ ﷺ كان يتَّكئ في حجري، وأنا حائض ثمَّ يقرأ القرآن (٦) " (٧).
* غَسل الحائض رأس زوجها وترجيله (٨):
عن عائشة ﵂ قالت: "كنتُ أرجّل رأس رسول الله ﷺ
стр. 298
وأنا حائض" (١).
* لا حرج من سؤر الحائض ومؤاكلتها:
عن عائشة ﵂ قالت: "كنتُ أشرب وأنا حائض؛ ثمَّ أناوله النّبيّ ﷺ ؛ فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب، وأتعرَّق (٢) العَرْق وأنا حائض؛ ثمَّ أناوله النّبيّ ﷺ ؛ فيضع فاه على موضع فيَّ" (٣).
وعن عبد الله بن سعد ﵁ قال: "سألت رسول الله ﷺ عن مؤاكلة الحائض؟ فقال: "واكِلْها" (٤).
قال في "نيل الأوطار" (١/ ٣٥٥): "والحديث يدلّ على جواز مواكلة الحائض.
قال الترمذي: وهو قول عامَّة أهل العلم؛ لم يَروا بمواكلة الحائض بأساً.
قال ابن سيد النَّاس في "شرحه": "وهذا أجمع النَّاس عليه، وهكذا نَقل الإِجماع محمد بن جرير الطبري".
وأمَّا قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النِّساء في المحيض﴾ (٥) فالمراد: اعتزلوا
стр. 299
وطأهنَّ".
* الإِجهاض: سواءٌ كان قبل تخلُّق الجنين أو بعده فإِنّه يُعدُّ نفاساً، والنّفساء كالحائض، لا تصوم ولا تصلّي، ولكنَّها تقضي الصيام دون الصَّلاة (١).
* إِذا لم تر المرأة في أيامها الأخيرة من الحيض وقبل طُهرها أثراً للدّم، ولم تلحظ القصة البيضاء؛ فهي حائض ما دامت في عادتها.
* إِذا شعرت المرأة بألم العادة، ولم تَرَ دماً قبل غروب الشمس؛ فإِنَّها تُتمّ صومها وتؤدّي صلاتها، إِذ الضابط في الحُكم على الحيض رؤيتها الدّم، وكذلك إِذا لم تجزم أنَّ دمها دمُ حيض، فلا يُحكم لها بالحيض حتى تجزم.
* إذا اضطرب موعد قدوم الدورة؛ فإِنَّها تنظر إِلى لون الدَّم؛ لأنَّ دم الحيض أسود يُعرف.
* كفَّارة من أتى زوجته وهي نفساء ككفّارة من أتاها وهي حائض.
* إِذا نزلت نقاط يسيرة من الدَّم من المرأة طوال شهر، فلا شكَّ أنَّها مرَّت في عادتها من الحيض، إِذا لم تكن حاملاً، فهي أدرى بنفسها؛ فيما إِذا كانت معتادة. يعني لها عادة كل شهر، تحيضُ في الأسبوع الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع -فهي وهذه الحالة، تُمسِك عن الصَّلاة والصيام في الأيّام التي
стр. 300
تقدِّرها أنَّها هي أيَّام الحيض، وسائر الأيام من الشهر، تصلّي وتصوم، لأنَّها مستحاضة.
* إِذا رأت المرأة دماً في أوان عادتها، ولم تَرَه في بعض الأيام؛ فإِنَّه لا يُنظر إِلى انقطاع الدَّم أو استمراره، فهي حائض ما دامت في عادتها، فالمعتادة لا تنظر إِلى استمرار الدَّم أو انقطاعه، فهي حائض وإن لم تَرَ دماً.
* الحُمرة والصُّفرة بعد أيَّام الحيض تُعدّ استحاضة.
* لا قيمة للكُدرة التي تراها المرأة إلاَّ في أيَّام الحيض، أمَّا قبل الحيض أو بعده ببضعة أيَّام فلا.
* إِذا كانت المرأة حاملاً ثمَّ أُجريت لها عمديَّة جراحية، وأُخرج الطفل دون نزول دم من المكان المعتاد، فإِنَّها لا تمضي عليها أحكام النّفاس، ولا تُعدّ نفساء.
* إِذا أُصيبت الحامل بحادث، وأجهضت الجنين، مُصاحباً ذلك نزيفاً حادّاً؛ فهي نُفَساء.
стр. 301
الصَّلاة
الصَّلاةُ في اللغة: الدُّعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عليهم إِنَّ صلاتَكَ سكَنٌ لهم﴾ (١) أي: ادعْ لهم، وقال النّبيّ ﷺ : "إِذا دُعي أحدكم فليُجب، فإِن كان مُفطراً؛ فليطعَم وإِن كان صائماً؛ فليصلِّ" (٢).
وقال الشاعر:
تقول بنتي وقد قرَّبت مرتحلا ... يا ربِّ جنّب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مِثل الذي صليت فاغتمضي ... نوماً فإِنَّ لجنب المرء مضطجعا (٣).
ومعناها في اصطلاح الفقهاء: أقوالٌ وأفعالٌ مُفتَتَحةٌ بالتكبير، مختَتَمةٌ بالتسليم، بشرائطَ مخصوصةٍ، وهذا التعريف يشمل كلّ صلاةٍ مفتتحةٍ بتكبيرة الإِحرام، ومختتمةٍ بالسلام، ويخرج عنه سجود التلاوة وهو سجدة واحدة عند سماع آية من القرآن المشتملة على ما يترتّب عليه ذلك السجود من غير تكبير، أو سلام" (٤).
جاء في "المغني" (١/ ٣٧٦) (٥): "وهي واجبةٌ بالكتاب والسنَّة والإِجماع، أمَّا الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وما أمروا إِلاَّ ليعبدوا الله مخلِصين
стр. 302
له الدين حُنفاءَ ويقيموا الصَّلاة ويُؤتوا الزكاة وذلك دين القَيِّمة﴾ (١).
وأمَّا السُّنّة؛ فقد ثبَت عن ابن عمر عن النّبيّ ﷺ أنَّه قال: "بُني الإِسلام على خمس: شهادةِ أن لا إِله إلاَّ الله وأنَّ محمّداً رسول الله، وإِقامِ الصَّلاة، وإيتاءِ الزكاة والحجِّ وصومِ رمضان" (٢).
وأمَّا الإِجماع؛ فقد أجمعت الأمَّة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة".
فضل الصلاة ومنزلتها في الإِسلام (٣)
للصلاة منزلةٌ عظيمةٌ في الإِسلام وقد ورد في ذلك آيات كثيرة والمتتبّع لآيات القرآن الكريم يرى أنَّ الله سبحانه يذكُر الصَّلاةَ ويقرِنُها بالذِّكر تارةً: ﴿إنَّ الصَّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذِكْر الله أكبر﴾ (٤)، ﴿قدْ أفلحَ من تزكَّى وذكَرَ اسمَ ربِه فصلَّى﴾ (٥)، ﴿وأقم الصَّلاة لذِكْري﴾ (٦).
وتارةً يَقرِنُها بالزكاة: ﴿وأقيموا الصَّلاة وآتوا الزكاة﴾ (٧)، ومرّة بالصبر:
стр. 303
﴿واستعينوا بالصَّبر والصَّلاة﴾ (١)، وطوراً بالنُّسك: ﴿فَصَلِّ لرَبِّك وانْحَرْ﴾ (٢)، ﴿قُلْ إِنَّ صلاتي ونُسُكي ومحْيَايَ ومَمَاتي لله رَبِّ العالمينَ لا شريكَ لهُ وبِذَلِكَ أُمرتُ وأنا أوَّل المُسلمِين﴾ (٣).
وأحياناً يفتَتِح بها أعمال البر ويختتمها بها، كما في سورة "المعارج" وفي أول سورة المؤمنين: ﴿قدَ أفلح المُؤمنُون * الذينَ هُم في صلاتهم خاشعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿والذين هُم على صلواتهم يُحافظونَ * أولئكَ هُمُ الوارِثونَ * الذين يرِثونَ الفردوسَ هُم فيها خالدون﴾ (٤).
وقد بَلغَ من عناية الإِسلام بالصَّلاة، أنْ أمرَ بالمحافظة عليها في الحضر والسفَر، والأمن والخوف؛ فقال تعالى: ﴿حافظوا على الصَلَوَات والصَّلاة الوُسطى وقوموا لله قانتين * فإِنْ خفتم فَرِجالاً أو رُكبَاناً فإِذا أمنْتم فاذكروا الله كما علَّمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ (٥)، وقال مُبَيِّناً كيفيَّتَها في السفر والحرب والأمن: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا
стр. 304
فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (١).
وقد شدَّد النكيرَ على من يُفرِّط فيها، وهدَّد الذين يُضيّعونها. فقال جلَّ شأنه: ﴿فَخَلفَ من بعدهِم خلْفٌ أضاعوا الصَّلاةَ واتَّبعُوا الشّهواتِ فسوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ (٢)، وقال: ﴿فويلٌ للمُصَلّينَ * الذينَ همْ عنْ صلاتهم ساهون﴾ (٣).
ولأنَّ الصَّلاة من الأمور الكبرى التي تحتاجِ إِلى هداية خاصّة، سأَل إِبراهيمِ ﵇ ربّه، أن يجعله هو وذريّته مقيماً لها فقال: ﴿رَبِّ اجعلني مُقيم الصَّلاةِ ومن ذُرّيتي ربّنا وتقبَّلْ دُعاء﴾ (٤) " (٥).
وقد وردَت أحاديثُ كثيرةٌ في فضل الصَّلاة وسموّ منزلتها في الدين، منها:
стр. 305
حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: "كنتُ مع النّبيّ ﷺ في سفَر، فأصبحْتُ يوماً قريباً منه، ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبِرني بعمل يُدخلني الجنَّة، ويباعدني من النَّار، قال: لقد سأَلتَني عن عظيم، وإنَّه ليسير على من يسَّره الله عليه: تعبدُ الله ولا تشركُ به شيئاً، وتقيمُ الصَّلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت، ثمَّ قال: ألا أدلّك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّة (١)، والصدقة تُطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النَّار، وصلاة الرجل في جوف الليل، قال: ثمَّ تلا: ﴿تتجافى جُنوبُهم عن المضاجع﴾ حتى بلغ: ﴿يعملون﴾ (٢)، ثمَّ قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعَموده، وذِروة سَنامه؟ (٣) قلتُ: بلى يا رسول الله: قال: رأس الأمر الإِسلام وعموده الصَّلاة، وذروة سَنامه الجهاد، ثمَّ قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كلِّه؟ قلت: بلى يا نبيّ اللهَ، فأخذَ بلسانه، قال: كُفَّ عليك هذا، فقلتُ: يا نبيّ الله وإِنَّا لمؤاخذون بما نتكلّم به؟ فقال: ثَكِلَتْك (٤) أمّك يا معاذ! وهل يكُبُّ النّاسَ في النَّار على وجوههم أو على مناخرهم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم" (٥).
стр. 306
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أوّل ما يحايسَبُ به العبد يوم القيامة الصَّلاة، فإِن صلحت؛ صلح سائر عمله، وإِنْ فسدت؛ فسد سائر عمله" (١).
وعن أبي هريرة أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "أرأيتم لو أنَّ نهراً بباب أحدِكم يغتسلُ فيه كلَّ يوم خمساً؛ ما تقولُ ذلك يُبقي من درنه؟ قالوا: لا يُبقي من درنه (٢) شيئاً. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله به الخطايا" (٣).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تحترقون تحترقون (٤)، فإِذا صلّيتم الصُّبحَ غَسَلَتْها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صلّيتم الظهرَ غَسَلَتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صلّيتم العصر غَسَلَتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صليتم المغرب غَسَلَتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صلّيتم العشاء غَسَلَتها، ثمَّ تَنامون فلا يُكتبُ عليكم حتى تَستَيْقظوا" (٥).
стр. 307
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "كان رجلان أخَوان، فهلكَ أحدهما قبل صاحبه بأربعين ليلة، فَذُكِرَتْ فضيلة الأول منهما عند رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "ألم يكن الآخر مسلماً؛ قالوا: بلى، وكان لا بأس به. فقال رسول الله ﷺ : "وما يُدريكم ما بَلَغَتْ به صلاته؟ إِنَّما مثَل الصَّلاةِ كمثل نهرٍ عَذْبٍ غَمْرٍ، بباب أحدكم، يَقْتَحم فيه كلَّ يوم خمس مرات، فما ترَون في ذلك يُبقي من درنه؟ فإِنّكم لا تدرون ما بلَغتْ به صلاته" (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رجلان من بَلِي من -قضاعة- أسلما مع رسول الله ﷺ ، فاستشهد أحدهما، وأُخِّر الآخرُ سنةً، فقال طلحة بن عبيد الله: فرأيتُ المؤخَّرَ منهما أُدخلَ الجنَّة قبل الشهيد، فتعجّبتُ لذلك، فأصبحتُ، فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ أو ذُكر لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "أليس قد صام بعده رمضانَ، وصلَّى ستةَ آلاف ركعةٍ، وكذا وكذا ركعةً، صلاةَ سنةٍ؟ " (٢).
стр. 308
حُكم ترْك الصَّلاة
عن جابر ﵁ قال: سمعتُ النّبيّ ﷺ يقول: "إِنَّ بين الرجل وبين الشرك والكُفر تركَ الصَّلاة" (١).
وعن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "العهد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة، فمَن تركها فقد كفر" (٢).
وعن عبد الله بن شقيق قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يَرون شيئاً من الأعمال تركُه كفرٌ غير الصَّلاة" (٣).
إِنَّ ما تقدم من النصوص ينطق بكفر تارك الصَّلاة، ولكن هل هو كفر مُخرجٌ من الملّة؟ أم هو كُفر دون كُفر؟ وهل هو كفر عمل أم كفر اعتقاد (٤)؟
ومن الأمور المتفق عليها؛ أنَّ من لم يقر بوجوب الصلاة فهو كافر، بالنص
стр. 309
والإِجماع (١).
جاء في "النهاية": " ... ومنه الحديث: "من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء به أحدهما" لأنَّه إِمَّا أن يصدُق عليه أو يكذب، فإِن صدَق فهو كافر، وإن كذب عاد الكُفر إِليه بتكفيره أخاه المسلم.
والكُفر (٢) صنفان: أحدهما الكُفر بأصل الإِيمان وهو ضدُّه، والآخر الكُفر بفَرْعٍ من فروع الإِسلام، فلا يَخْرج به عن أصْل الإِيمان.
وقيل: الكُفر على أربعة أنحاء: كُفر إِنكار، بألاَّ يعرف الله أصلاً ولا يعترف به.
وكُفر جُحود، ككُفر إِبليس، يعرف الله بقلبه ولا يُقِرّ بلسانه (٣).
وكُفر عِنَاد، وهو أن يعترف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به؛ حسداً وبغياً، ككُفَر أبي جهل وأضرابه.
وكُفر نفاق، وهو أن يُقرّ بلسانه ولا يعتقد بقلبه.
قال الهروي: سُئل الأزهري عمّن يقول بخلق القرآن: أتسمِّيه كافراً؟ فقال: الذي يقوله كُفر، فأُعيد عليه السؤال ثلاثاً ويقول مِثل ما قال، ثمَّ قال في الآخر: قد يقول المسلم كُفراً.
ومنه حديث ابن عباس قيل له: " ﴿ومن لم يحكُم بما أنزَل الله فأولئك
стр. 310
هم الكافرون﴾ (١) قال: هم كَفَرة، وليسو كمن كفَر بالله واليوم الآخر".
ومنه حديثه الآخر: "إِنَّ الأوس والخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية، فثار بعضهم إِلى بعض بالسيوف، فأنزل الله تعالى: ﴿وكيفَ تكفرونَ وأنتم تُتلى عليكُمْ آياتُ الله وفيكُم رسولُه﴾ (٢) ولم يكن ذلك على الكُفر بالله، ولكن على تغطيتهم ما كانوا عليه من الأُلفة والمودَّة" (٣). انتهى.
قال النووي ﵀ في شرح حديث مسلم المتقدّم -بحذف-: "إِنَّ بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصَّلاة": "وأمَّا تارك الصَّلاة فإِن كان مُنكِراً لوجوبها فهو كافر بإِجماع المسلمين، خارج من ملّة الإِسلام؛ إلاَّ أن يكون قريب عهد بالإِسلام ولم يخالط المسلمين مدّة؛ يبلغه فيها وجوب الصَّلاة عليه، وإِن كان ترَكه تكاسلاً مع اعتقاده وجوبها -كما هو حال كثير من النَّاس- فقد اختلف العلماء فيه فذهب مالك والشافعي -رحمهما الله- والجماهير من السلف والخلف إِلى أنَّه لا يكفر، بل يفسق ويُستتاب، فإِنْ تاب وإِلا قتلناه حدّاً كالزاني المحصَن، ولكنَّه يُقتل بالسيف، وذهب جماعة من السلف إِلى أنّه يكفر وهو مرويٌّ عن عليّ بن أبي طالب وهو إِحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل ﵀ وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي -رضوان الله عليه- وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي
стр. 311
-رحمهما الله- أنَّه لا يكفر ولا يقتل، بل يُعزّر ويُحبس حتى يصلّي، واحتجّ من قال بكفره بظاهر الحديث الثاني المذكور وبالقياس على كلمة التوحيد، واحتجّ من قال لا يُقتل بحديث "لا يحلّ دم امرئ مسلم إلاَّ بإِحدى ثلاث ... " (١) وليس فيه الصَّلاة، واحتجّ الجمهور على أنَّه لا يكفَّر بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لا يغفر أن يُشرَك به ويَغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (٢) وبقوله ﷺ : "من قال لا إله إلاَّ الله دخل الجنة"، "من مات وهو يعلم أن لا إِله إلاَّ الله دخل الجنَّة"، "ولا يلقى اللهَ تعالى عبدٌ بهما غير شاكٍّ فيُحجب عن الجنَّة" (٣)، "حرم الله على النَّار من قال لا إِله إلاَّ الله ... " (٤). وغير ذلك، واحتجّوا على قتله بقوله تعالى: ﴿فإِنْ تابوا وأقاموا الصَّلاة وآتَوُا الزكاة فخلّوا سبيلهم﴾ (٥)، وقوله ﷺ : "أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إِله إلاَّ الله، ويقيموا الصَّلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم" (٦).
وتأوّلوا قوله ﷺ : "بين العبد وبين الكفر ترك الصَّلاة" (٧)، على معنى أنَّه
стр. 312
يستحق بترك الصَّلاة عقوبة الكافر وهي القتل، أو أنَّه محمول على المستحلّ، أو على أنَّه قد يؤول به إِلى الكفر، أو أن فِعله فِعل الكفّار والله أعلم".
وفي "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٤٠) لشيخ الإِسلام ابن تيمية: "وسُئل ﵀ عن تارك الصَّلاة من غير عُذر، هل هو مسلم في تلك الحال؟
فأجاب: أمَّا تارك الصَّلاة؛ فهذا إِن لم يكن معتقداً لوجوبها فهو كافر بالنصّ والإِجماع، لكنْ إِذا أسلم ولم يعلم أنَّ الله أوجب عليه الصَّلاة، أو وجوب بعض أركانها؛ مِثل أن يصلّي بلا وضوء، فلا يعلم أنَّ الله أوجب عليه الوضوء، أو يصلّي مع الجنابة فلا يعلم أنَّ الله أوجب عليه غُسل الجنابة، فهذا ليس بكافر إِذا لم يعلم.
وقال (ص ٤٨): "وإِذا صبر حتى يقتل فهل يقتل كافراً مرتداً، أو فاسقاً كفسّاق المسلمين؟ على قولين مشهورين؛ حُكيا روايتين عن أحمد، وهذه الفروع لم تُنقَل عن الصحابة، وهي فروع فاسدة، فإِنْ كان مقرّاً بالصَّلاة في الباطن، معتقداً لوجوبها، يمتنع أن يصرّ على تركها حتى يقتل وهو لا يصلّي، هذا لا يُعرَف من بني آدم وعادتهم؛ ولهذا لم يقع هذا قطّ في الإِسلام، ولا يعرف أنَّ أحداً يعتقد وجوبها، ويقال له: إِنْ لم تصلّ وإِلاَّ قتلناك، وهو يصرّ على تركها، مع إِقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قطّ في الإِسلام.
ومتى امتنع الرجل من الصَّلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقرّاً بوجوبها، ولا ملتزماً بفِعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلّت عليه النصوص الصحيحة.
стр. 313
كقوله ﷺ : "ليس بين العبد وبين الكفر إلاَّ ترك الصَّلاة". رواه مسلم (١).
وقوله: "العهد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة فمن تركَها فقد كفَر". وقول عبد الله بن شقيق: "كان أصحاب محمد لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كُفر إلاَّ الصَّلاة".
فمن كان مُصرّاً على تركها حتى يموت، لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون مسلماً مقرَّاً بوجوبها، فإِنّ اعتقاد الوجوب، واعتقاد أنّ تاركها يستحقّ القتل؛ هذا داعٍ تامٌّ إِلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإِذا كان قادراً ولم يفعل قطّ؛ علم أنَّ الداعي في حقّه لم يوجد، والاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل، لكن هذا قد يعارضه أحياناً أمور توجب تأخيرها وترْك بعض واجباتها، وتفويتها أحياناً.
فأمَّا من كان مُصرّاً على تركها لا يصلّي قطّ، ويموت على هذا الإِصرار والترك؛ فهذا لا يكون مسلماً؛ لكن أكثر النَّاس يصلّون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في "السنن" حديث عبادة عن النّبيّ ﷺ أنَّه قال: "خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهنّ؛ كان له عهد عند الله أنْ يدخله الجنّة، ومن لم يحافظ عليهنّ لم يكن له عهد عند الله، إِنْ شاء عذّبه وإنْ شاء غفر له" (٢).
стр. 314
فالمحافظ عليها الذي يصلّيها في مواقيتها، كما أمر الله تعالى، والذي ليس يؤخّرها أحياناً عن وقتها، أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة الله تعالى، وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه، كما جاء في الحديث".
وجاء (ص ٥٣) -منه-: "وسئل عن رجل يأمره الناس بالصَّلاة ولم يصلّ فما الذي يجب عليه؟
فأجاب: إِذا لم يصلّ فإِنَّه يستتاب، فإِن تاب وإِلاَّ قُتل، والله أعلم".
ويظهر من كلام شيخ الإِسلام ﵀ أنه قد قسم الناس إِلى أربعة أقسام:
١ - الممتنع منها حتى يُقَتل؛ كما في قوله المتقدم: "ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل؛ لم يكن في الباطن مقراً لوجوبها، ولا ملتزماً بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين".
٢ - المُصرّ على الترك؛ كما يظهر في قوله: "فمن كان مصراً على تركها حتى يموت؛ لا يسجد لله سجدةً قط؛ فهذا لا يكون مسلمأ مُقرّاً بوجوبها". بمعنى أنه يرى ﵀ كُفره.
٣ - الذي لا يحافظ عليها ويظهر من قوله: "لكنّ أكثر الناس يُصلّون تارة ويتركونها تارة ... " وهذا تحت المشيئة؛ لحديث عبادة بن الصامت ﵁ المشار إِليه آنفاً.
٤ - المؤمنون المحافظون على الصلاة، وهم أصحاب العهد في دخول الجنّة. وبهذا يرى شيخ الإِسلام ﵀ أن الامتناع من الصلاة حتى القتل،
стр. 315
أو الإِصرار على الترك؛ قرينتان للكفر، فقد قال ﵀ في الممتنع: " ... لم يكن في الباطن مقرّاً بوجوبها"، وقال ﵀ في المُصرّ على الترك (٢٢/ ٤٨): " ... فهذا لا يكون قطُّ مسلماً مقرّاً بوجوبها".
وبهذا ينحصر الخلاف في المُصرّ على الترك، وهو المُشكل في كل الأقسام، وعليه مدار البحث والنظر، وتحقيق مناط الحُكم مرتبِطٌ بتنقيح مناطه، ويعود الأمر إِلى الإِقرار بالوجوب وعدمه. وبالله التوفيق.
وجاء أيضاً في "مجموع الفتاوى" (٢٤/ ٢٨٥) -بحذف-: "وسُئل ﵀ عن الصلاة على الميت الذي كان لا يصلّي، هل لأحد فيها أجر أم لا؟ وهل عليه إِثم إِذا ترَكها مع عِلمه أنه كان لا يصلّي؟ وكذلك الذي يشرب الخمر، وما كان يصلّي؛ هل يجوز لمن كان يعلم حاله أنْ يصلّي عليه أم لا؟
فأجاب: أمّا من كان مظهِراً للإِسلام، فإِنّه تجري عليه أحكام الإِسلام الظاهرة؛ من المناكحة، والموارثة، وتغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ونحو ذلك، لكن من عُلِم منه النفاق والزندقة، فإِنه لا يجوز لمن عَلِم ذلك منه الصلاة عليه؛ وإن كان مُظهِراً للإِسلام".
وقال (ص ٢٨٦): "وكلّ من لم يُعلَم منه النفاق وهو مسلم؛ يجوز الاستغفار له والصلاة عليه بل يشرع ذلك".
وجاء (ص ٢٨٧) منه: "وسُئل عن رجل يصلي وقتاً، ويترك الصلاة كثيراً، أو لا يصلّي هل يصلّى عليه؟
стр. 316
فأجاب: مثل هذا ما زال المسلمون يصلّون عليه، بل المنافقون الذين يكتمون النفاق يصلّي المسلمون عليهم، ويُغسَّلون، وتجري عليهم أحكام الإِسلام؛ كما كان المنافقون على عهد رسول الله ﷺ ، وإِن كان من علم نفاق شخص؛ لم يجُز له أن يصلّي عليه، كما نُهي النبي ﷺ عن الصلاة على من عَلم نفاقَه، وأمّا من شُكّ في حاله؛ فتجوز الصلاة عليه، إِذا كان ظاهره الإِسلام".
وقال ابن القيّم ﵀ في كتاب "الصلاة وحُكم تاركها" (ص ٣٨) في المسألة الأولى -وقد رجّح استتابة تارك الصلاة: المسألة الثانية: " ... أنه لا يقتل حتى يُدعى إِلى فِعلها فيمتنع".
فماذا إِذا لم يُدع ولم يُستَتب؟ وماذا إِذا لم يُهدَّد بالقتل من الحاكم، أيُحكَم عليه بالكفر، وهذا هو واقعنا مع الأسف، فتنبّه وتدبّر.
ومِثله ما جاء في "الاختيارات" (ص٣٢) في ردّ شيخ الإِسلام ﵀ على متأخري الفقهاء: " ... إِذ يمتنع أن يعتقد أنّ الله فرَضها ولا يفعلها، ويصبر على القتل؛ هذا لا يفعله أحد قطّ" وقد سبقت الإِشارة إِلى مِثل هذا، وانظر "مجموع الفتاوى" (٧/ ٢١٨) فإِن فيه تفصيلاً أكثر.
وجاء في "المرقاة" (٢/ ٢٧٦): "فمن تركها فقد كفر: أي: أظهر الكُفر وعمل عمل أهل الكُفر فإِنّ المنافق نفاقاً اعتقادياً كافر، فلا يُقال في حقّه كَفر".
وجاء في "الصحيحة" (١/ ١٧٤) -بحذف-: "فالجمهور على أنَّه لا يكفُر بذلك، بل يفسق، وذهب أحمد -في رواية- إِلى أنَّه يكفر، وأنَّه يُقتَل ردّة لا حدّاً، وقد صحّ عن الصحابة أنَّهم كانوا لا يرون من الأعمال شيئاً ترْكه كُفر غير الصَّلاة. رواه الترمذي والحاكم.
стр. 317
وأنا أرى أنَّ الصواب رأي الجمهور، وأنّ ما ورَد عن الصحابة ليس نصّاً على أنَّهم كانوا يريدون بـ (الكفر) هنا الكفر الذي يُخلِّد في النار ...
ثمَّ وقفْتُ على "الفتاوى الحديثة" (٨٤/ ٢) للحافظ السخاوي، فرأيته يقول بعد أن ساق بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصَّلاة -وهي مشهورة معروفة-: "ولكن؛ كل هذا إِنَّما يُحمل على ظاهره في حقّ تاركها جاحداً لوجوبها، مع كونه ممَّن نشأ بين المسلمين؛ لأنَّه يكون حينئذ كافراً مرتدّاً بإِجماع المسلمين، فإِنْ رجع إِلى الإِسلام؛ قُبِل منه وإِلاَّ قُتل.
وأمّا من تركَها بلا عذر بل تكاسلاً مع اعتقاد وجوبها؛ فالصحيح المنصوص الذي قطَع به الجمهور أنَّه لا يكفر، وأنَّه -على الصحيح أيضاً بعد إِخراج الصَّلاة الواحدة عن وقتها الضروري؛ كأن يترك الظهر مثلاً حتى تغرب الشمس، أو المغرب حتى يطلع الفجر؛ يستتاب كما يستتاب المرتدّ، ثمَّ يُقتل إِن لم يَتُب، ويُغسل ويصلَّى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين، مع إِجراء سائر أحكام المسلمين عليه (١)، ويؤول إِطلاق الكفر عليه لكونه شاركَ الكافر في بعض أحكامه، وهو وجوب العمل؛ جمعاً بين هذه النصوص وبين ما صحّ أيضاً عنه ﷺ أنَّه قال: "خمس صلوات كتبهنّ الله ... (فذكر الحديث، وفيه:) إِنْ شاء عذبه، وإِن شاء غفر له"، وقال أيضاً: "من مات وهو يعلم أن لا إِله إلاَّ الله؛ دخل الجنّة" إِلى غير ذلك ... ولهذا لم يزل المسلمون يَرِثون تارك الصَّلاة ويورّثونه، ولو كان كافراً؛ لم يُغفر له؛ لم يَرِث ولم يُورَث".
وقد ذكر نحو هذا الشيخ سليمان عبد الله في "حاشيته على المقنع"
стр. 318
(١/ ٩٥ - ٩٦)، وختم البحث بقوله: "ولأنَّ ذلك إِجماع المسلمين، فإِننا لا نعلم في عصرٍ من الأعصار أحداً من تاركي الصَّلاة تُرك تغسيلُه والصَّلاة عليه، ولا مُنع ميراث موروثه، مع كثرة تاركي الصَّلاة، ولو كَفَر؛ لثبتت هذه الأحكام، وأمَّا الأحاديث المتقدمة؛ فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكافر لا على الحقيقة؛ كقوله ﵊: "سِباب المسلم فسوق وقتاله كُفر" (١)، وقوله: "من حلف بغير الله فقد أشرك" (٢)، وغير ذلك. قال الموفق: وهذا أصوب القولين".
أقول [أي: شيخنا -حفظه الله-]: نقلْت هذا النص من "الحاشية" المذكورة، ليعلم بعض متعصّبة الحنابلة أن الذي ذهَبْنا إِليه ليس رأياً لنا تفرَّدْنا به دون أهل العلم، بل هو مذهب جمهورهم، والمحققين من علماء الحنابلة أنفسهم؛ كالموفّق هذا -وهو ابن قدامة المقدسي- وغيره؛ ففي ذلك حُجّة كافية على أولئك المتعصبة، تَحْمِلُهم إِنْ شاء الله تعالى على ترك غلَوائهم، والاعتدال في حُكمهم.
بيد أنَّ هنا دقيقة قَلَّ من رأيته تنبّه لها، أو نبّه عليها، فوجب الكشفُ عنها وبيانها، فأقول:
إِنَّ التارك للصلاة كسَلاً؛ إِنَّما يصح الحكم بإِسلامه، ما دام لا يوجد هناك ما يكشف عن مكنون قلبه، أو يدلّ عليه، ومات على ذلك قبل أن يستتاب؛ كما هو الواقع في هذا الزمان، أمَّا لو خُيِّر بين القتل والتوبة بالرجوع إِلى
стр. 319
المحافظة على الصَّلاة، فاختار القتل عليها، فقُتل؛ فهو في هذه الحالة يموت كافراً، ولا يُدفَن في مقابر المسلمين، ولا تَجري عليه أحكامهم؛ خلافاً لما سبق عن السخاوي؛ لأنَّه لا يُعقل -لو كان غير جاحد لها في قلبه - أن يختار القتل عليها، هذا أمر مستحيل معروف بالضرورة من طبيعة الإِنسان، لا يحتاج إِثباته إِلى برهان". انتهى.
وكم أعجبني قول بعض طلاب العلم: "إِنَّ ممّا أخشاه أن يكون المكفّرون لتارك الصلاة مطلقاً؛ قد عظّموا الصَّلاة أكثر من الشهادتين".
وعن ابن مسعود ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "أُمِرَ بعبد من عباد الله أن يضربَ في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة، فجُلدَ جلدةً واحدةً، فامتلأ قبره عليه ناراً، فلما ارتفع عنه وأفاق قال: على ما جلدتموني؟ قالوا: إِنّك صليت صلاةً واحدةً بغير طهورٍ، ومررتَ على مظلومٍ فلم تنصره" (١).
قال شيخنا -حفظه الله تعالى- من فقه الحديث: قال الطحاوي عقبه: "فيه ما قد دل أن تارك الصلاة لم يكن بذلك كافراً، لأنّه لو كان كافراً لكان دعاؤه باطلاً لقول الله تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلاَّ في ضلال﴾.
ونقله عنه ابن عبد البر في "التمهيد" (٤/ ٢٣٩)، وأقره، بل وأيده بتأويل الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة على أن معناها: "من ترك الصلاة جاحداً لها معانداً مستكبراً غير مقرّ بفرضها. وألزم من قال بكفره بها وقبلها
стр. 320
على ظاهرها فيهم أن يكفر القاتل والشاتم للمسلم، وأن يكفر الزاني و ... و .. إِلى غير ذلك مما جاء في الأحاديث لا يُخرج بها العلماء المؤمن من الإِسلام، وإِن كان بفعل ذلك فاسقاً عندهم، فغير نكير أن تكون الآثار في تارك الصلاة كذلك".
وفي "المغني" (٢/ ٢٩٨) بحثٌ نفيسٌ فارجِع إِليه -إِن شئت-.
ثمَّ رأيتُ ردّاً للشيخ علي الحلبي -حفظه الله- على من يقول بتكفير تارك الصلاة إِذا كان غير جاحد لوجوبها، ذكر فيه عدداً من الحجج والبراهين من ذلك:
١ - في كتاب "الجامع" (٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧) للخلاّل، عن إِبراهيم بن سعد الزّهري، قال: سألتُ ابن شهابٍ عن الرجل يترك الصلاة؟ قال: "إِنْ كان إِنّما يتركها أنه يبتغي ديناً غير الإِسلام قُتل، وإِنْ كان إِنّما هو فاسق من الفُسّاق، ضُرب ضرباً شديداً أو سُجن".
٢ - قال الإِمام ابن المنذر في كتاب "الإِجماع" (ص ١٤٨) في مسألة تارك الصلاة: "لم أجِدْ فيها إِجماعاً" (١) أي: على كُفره.
٣ - نَقَلَ الحافظ محمد بن نصر المقدسيّ عن ابن المبارك قولَه في تكفير تارك الصلاة -في كتابه "تعظيم قدر الصلاة" (٢/ ٩٩٨) -، ثمَّ قال: "فقيل