← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

والاتصاف بالشجاعة، والله تعالى -أعلم-. أقول: والأصل في هذا؛ التشاور والرجوع للقائد، فقد أمَر ربُّنا ﵎ رسولَه ﷺ بالمشاورة؛ فقد قال -سبحانه-: ﴿وَشَاوِرْهُم في الأمر﴾ (١)، وقال -سبحانه-: ﴿وَأَمرُهُمْ شوُرَى بينهم﴾ (٢). الخُيَلاء في الحرب (٣) عن جابر بن عتيك أنّ النبيَّ ﷺ كان يقول: "مِن الغَيرة ما يُحِبّ الله، ومنها ما يُبغِض الله، فأما التي يُحبها الله فالغَيرة في الريبة، وأمّا الغَيرة التي يُبغضها الله؛ فالغَيرة في غير ريبة، وإنّ مِن الخيلاء ما يُبغض الله، ومنها ما يُحبّ الله، فأمّا الخيلاء التي يُحب الله؛ فاختيالُ الرجل نفسَه عند القتال، واختيالُه عند الصدقة (٤)، وأمّا التي يبغض الله فاختيالُه في البغي -قال موسى- والفخر" (٥). ...

стр. 2522

التكبيرُ عند الحرب (١) عن أنس ﵁ قال: "صبَّح النبيّ ﷺ خيبرَ، وقد خرَجوا بالمساحِي (٢) على أعناقهم، فلمّا رأَوه قالوا: هذا محمّد والخميس، محمّد والخميس، فَلَجؤا إلى الحصن فرفع النبيّ ﷺ يديه، وقال: الله أكبر، خَرِبت خيبر، إنّا إذا نَزَلْنا بساحة قوم ﴿فساء صَبَاحُ المنذَرِينَ (٣)﴾ " (٤). الغارة على الأعداء ليلاً عن الصّعب بن جثّامة ﵁ قال: مرّ النبى ﷺ بالأبواء -أو بودّان- فسُئل عن أهل الدار يُبيَّتون (٥) مِن المشركين، فيُصاب مِن نسائهم وذراريِّهم، قال: هم منهم" (٦).

стр. 2523

وسمْعتُه يقول: "لا حمى إلاّ لله ولرسوله" (١). قال الإمام أحمد ﵀: "لا بأس بالبيات، ولا أعلم أحداً كَرِهَه" (٢). القتال أول النهار أو الانتظار حتى تهُبّ الريح عن صخرٍ الغامديِّ ﵁ عن النبي ﷺ : "اللهمَّ بارِك لأمّتي في بُكورها (٣) وكان إذا بعثَ سريَّة أو جيشاً؛ بَعَثهُم من أوّل النهار، وكان صخرٌ رجلاً تاجراً، وكان يبعث تجارتَه مِن أوّل النهار؛ فأثرى وكثُر مالُه" (٤). وعن جُبَير بن حَيَّة قال: "بَعَث عُمر النّاس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين فأسلم الهرمُزان ... وذكر الحديث إلى أن قال: فقال النعمان: ربما أشهدَك الله مثلها مع النبي ﷺ فلم يُندِّمك ولم يُخْزِك ولكني شهْدتُ القتال مع رسول الله ﷺ كان إذا لم يقاتِل في أول النهار؛ انتظر حتى تهبَّ الأرواح (٥) وتحضرَ

стр. 2524

الصلوات (١) " (٢). ولا تعارُض بين هذا وما تقدّم مِن الغارة على الأعداء ليلاً، فهذا يختلف حسبما تقتضيه الحاجة، ويتطلّبه الحال، ويُقدّره القائد، والله -تعالى- أعلم. إذا ارتدّ على المقاتل سلاحه فقتله فله أجرُه مرّتين عن سلَمة بنِ الأكوع ﵁ قال: "لمّا كان يومُ خيبر، قاتل أخي قتالاً شديداً مع رسول الله ﷺ ، فارتدَّ عليه سيفه فقَتَلَه، فقال أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك، وشكّوا فيه؛ رجل مات في سِلاحه، وشكّوا في بعض أمرِه. قال سَلَمَة: فقفَل رسول الله ﷺ مِن خيبر، فقلتُ يا رسول الله ائذَن لي أن أرجُزَ لك فأَذِن له رسول الله ﷺ فقال: عمر بن الخطاب أعلم ما تقول، قال: فقلت: والله لولا اللهُ ما اهتدَيْنا ... ولا تصدَّقْنا ولا صَلَّينا فقال رسول الله ﷺ : صدَقْتَ. وأنزِلَن سكينةً علينا ... وثبِّتِ الأقدام إنْ لاقينا والمشركون قد بغَوا علينا قال: فلمّا قضيتُ رَجَزِي قال رسول الله ﷺ : مَن قال هذا؟ قلت: قاله

стр. 2525

أخي، فقال: رسول الله ﷺ يرحمُه الله، قال: فقلت يا رسول الله إنّ ناساً ليهابون الصلاة عليه يقولون: رجلٌ مات بسلاحِه، فقال رسول الله ﷺ : مات جاهداً مجُاهِداً. قال ابن شهاب: ثمّ سألتُ ابناً لسلمةَ بنِ الأكوع. فحدَّثني عن أبيه مثل ذلك. غير أنّه قال: حين قُلت: إنّ ناساً يهابون الصلاة عليه، فقال رسول الله ﷺ : "كذبوا، ماتَ جاهداً مجُاهداً، فله أجره مرّتين، وأشار بإِصبَعَيْه" (١). من لهم ثواب الشهداء هناك أصناف تُعدّ مِن شهداء الآخرة، كما في حديث مخارق ﵁ عن النبيّ ﷺ في المقاتل دون ماله بلفظ: "قاتِل دون مالك حتى تكون من شهداء الآخرة" (٢). فهؤلاء يُغسّلون (٣) ويُصلّى عليهم، ولهم أجر الشهداء في الآخرة، وهم: ١ - مَن قُتل دون دِيْنِه. ٢ - المطعون (٤). ٣ - الغريق. ٤ - صاحب ذات الجنب (٥).

стр. 2526

٥ - المبطون (١). ٦ - صاحب الحريق (٢). ٧ - الذي يموت تحت الهدم. ٨ - المرأة تموت في نفاسها بسبب ولدها. ١٠ - من قُتل دون ماله. ١١ - من قُتِل دون أهله. ١٢ - من قُتل دون دمه ونفسه ومظلمته. ١٣ - الموت بداء السِّلّ. وأدلّة ذلك: ١ - عن جابر بن عتيك ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "الشهادة سبعٌ سوى القتل في سبيل الله، المطعون شهيد، والغَرِق شهيد، وصاحب ذات الجنْب (٣) شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجُمْع شهيدة (٤) " (٥).

стр. 2527

٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تَعُدّون الشّهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله مَن قُتِل في سبيل الله فهو شهيد، قال: إنّ شُهداء أُمّتي إذاً لقليل، قالوا: فمَن هم يا رسول الله؟ قال: مَن قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومَن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومَن مات في الطّاعون فهو شهيد، ومَن مات في البطن فهو شهيد" (١). ٣ - عن عُتبة بن عبدٍ السُّلمي ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "يأتي الشهداء والمُتوَفَّون بالطاعون، فيقول أصحاب الطاعون: نحن شهداء، فيقال: انظروا، فإنْ كانت جِراحهم كجراح الشهداء تسيل دماً ريحَ المسك؛ فهم شُهداء، فيجدونهم كذلك" (٢). ٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغَرِق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله" (٣). ٥ - وعن راشد بن حبيش ﵁: "أنّ رسول الله ﷺ دخل على عبادةَ بن الصامت يعوده في مرضه، فقال رسول الله ﷺ : أتعلمون مَن الشهيد مِن أمّتي؟ فأرَمَّ (٤) القوم، فقال عبادة: ساندوني. فأسندوه، فقال: يا رسول الله! الصابرُ المحتسبُ. فقال رسول الله ﷺ : إنّ شهداء أمّتي إذاً لقليلٌ، القتلُ في

стр. 2528

سبيل الله شهادةٌ، والطاعونُ شهادة، والغَرق شهادة، والبَطْنُ شهادة، والنُفساء يجرُّها ولدها بسَرَرِه (١) إلى الجنّة، والحرِق، والسِّلُّ" (٢). ٦ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "سمعْتُ رسول الله ﷺ يقول: مَن قُتِل دون ماله فهو شهيد" (٣). ٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أرأيت إنْ جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تُعطِه مالك، قال: أرأيت إنْ قاتلني؟ قال: قاتِلْه، قال: أرأيتَ إنْ قَتَلني، قال: فأنت شهيد، قال: أرأيتَ إنْ قتلتُه؟ قال: هو والنار" (٤). ٨ - وعن مخارق ﵁ قال: "جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: الرجل يأتيني فيُريد مالي؟ قال: ذكِّره بالله، قال: فإن لم يَذْكُر؟ قال: فاستعن عليه مَن حولك مِن المسلمين، قال: فإنْ لم يكن حولي أحَدٌ مِن المسلمين؟ قال: فاستعن عليه السلطان، قال: فإنْ نأى السلطان عنّي (وعَجِل عليَّ)؟ قال: قاتِل دون مالك؛ حتى تكون من شهداء الآخرة، أو تمنع مالك" (٥).

стр. 2529

٧ - وعن سويد بن مقرّن ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قُتل دون مظلمته فهو شهيد" (١). ٨ - وعن سعيد بن زيد ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "مَن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومَن قُتِل دون دمه فهو شهيد" (٢). ماذا يجد الشهيد من مسّ القتل عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما يجدُ الشهيد من مسّ القتل إلاّ كما يجدُ أحدكم مِن مسّ القَرْصَة" (٣). فضل الحرب في البحر عن أمّ حرام ﵂ عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "المَائِدُ (٤) في البحر الذي يُصيبُه القيء له أجرُ شهيد، والغَرِقُ له أجرُ شهيدين" (٥).

стр. 2530

في زيادة الأجر للمجاهدين (١) عند الإخفاق (٢): عن عبد الله بن عمرو ﵄: سمعْتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما مِن غازية تغزو في سبيل الله، فيصيبون غنيمةً؛ إلاَّ تعجَّلوا ثُلُثَي أجرهِم مِن الآخرة، ويبقى لهم الثُّلُث، فإن لم يصيبوا غنيمةً؛ تمَّ لهم أجرهم" (٣). وفي لفظ: "ما مِن غازية أو سريّة، تغزو فتغنم وتسلم؛ إلاَّ كانوا قد تعجّلوا ثُلُثي أُجورِهم، وما من غازيةٍ أو سريّة تخفق وتُصاب، إلاّ تم أجورهم" (٤). ظاهر هذا الحديث أنَّ مَن غزا فغنِمَ، نَقَصَ أجرُ جهادِه -كما ذهَب إلى ذلك قوم-، وليس معنى ذلك كذلك عند أهل العلم والتحقيق، بل أجْرُ الجهاد كاملٌ لكلِّ واحدٍ منهم، بفضل الله -تعالى-، وإنّما يفترقون في زيادة الأجر فوق ثوابِ الجهاد؛ فأمّا مَن غَنِم، فقد حَصَل له في الحال من السرور، ونشاط النفس بالظهور والغُنْم، ما يَدْفعُ عنه آثارَ الجهد في الغزو، وتخلّف المال في النفقة، ونحو ذلك ممّا تَفترق فيه حالُه مِنْ حال مَنْ غزا فلم يُصبْ شيئاً، ولا عفَّى على كدِّه ونفقته خَلَفٌ، فلهؤلاء زيادةُ أجرٍ فوق أجر الجهاد، مِن حيثُ تضاعُفِ آثار الجَهدِ والكرب بفوت المغنم، كما يُؤجَر مَن أُصيب بجهدٍ في نفسه، أو تَلفِ شيءٍ مِن ماله، وذلك أنَّ حالهَم بالإضافة إلى مَن غَنِمَ حالُ مَن أُصيب بفوتِ مثل ذلك.

стр. 2531

فعلى نحو هذا تترتَّبُ زيادةُ الأجر لمِن لم يغنم، ويَتَّصِفُ مَنْ غَنِمَ؛ بنقصان الأجر إذا أضيف أجرُه في ذلك؛ إلى الحَظِّ الذي زِيدَ في ثواب مَنْ لم يغنم، والله أعلم. ... وأدلُّ دليلٍ في ذلك وأوضحه: قوله ﷺ -وقد ذكر ما فضَّله الله -تعالى- به، وخصَّه من كَرمِه-: "أُعطيتُ خمساً لم يُعطهنَّ أحدٌ قبلي؛ كان كلُّ نبيٍّ يُبعث إلى قومه خاصَّةً، وبُعثتُ إلى كلِّ أحمر وأسود، وأُحِلَّت لي الغنائم، ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي" ... الحديث، ثبت في "الصحيحين": البخاري ومسلم (١) ". فلو كانت الغنيمة تُحبطُ أجر الجهاد أو تُنْقِصُه، ما كانت فضيلةً، وهذا ظاهر". قلت: إنَّ أَجْر مَن أخفَق ومَنْ غَنِم؛ لا يعلمه إلاَّ الله -تعالى-، وكذا الأجر الكامل وثلثاه، وفي كُلٍّ خيرٌ، وجزالةُ مثوبة، ولكن المراد من الحديث تحفيز هِمّةِ مَن لم يغنَموا؛ بما لهم عند الله -تعالى-؛ فحين يَعْلَم مَن أخفَق أَنَّ له ما هو أفضل من الغنيمة -وهو الأجر المُدَّخَرُ عند الله تعالى-؛ كان ذلك سبيلاً للمزيد مِن الصبر والاحتساب. وفي مِثل هذا قال رسول الله ﷺ : "لَيَوَدَّنَّ أهل العافية يومَ القيامة؛ أنَّ جلودهم قُرضت بالمقاريض؛ مما يَرَوْن مِن ثواب أهل البلاء" (٢). وعن أبي سعيد ﵁: "أنّه دخَل على رسول الله ﷺ وهو مَوْعوكٌ عليه قَطيفَةٌ، فوضَع يدَه فَوْقَ القَطيفَةِ، فقال: ما أشَدَّ حُمَّاك يا رسول الله!

стр. 2532

قال: إنا كذلك يُشَدَّدُ علينا البَلاءُ، ويضاعَفُ لنا الأجْرُ. ثمّ قال: يا رسول الله! مَنْ أشدُّ الناس بلاءً؟ قال: الأنبياءُ. قال؛ ثمّ مَن؟ قال: العُلماءُ. قال: ثمّ مَنْ؟ قال: الصالحِونَ، وكان أحدُهم يُبتلى بالقَمْلِ حتى يَقْتُلَه، ويُبْتلى أحدُهم بالفقر حتى ما يجدَ إلاَّ العباءةَ يلبَسُها، ولأَحدُهم كان أشدَّ فَرَحاً بالبلاءِ مِنْ أحدِكُم بالعطاء" (١). والشاهد فيه: "إنَّا كذلك يُشدَّد علينا البلاء، ويُضاعف لنا الأجر". فإذا قُلنا إنَّ الإخفاق مِن البلاء، فإنَّ فيه زيادةَ الأجر والثواب. والله -تعالى- أعلم بالصواب. قال الإمام النّووي ﵀ في "شرحه" (١٣/ ٥٢): "وأمّا معنى الحديث: فالصواب الذي لا يجوز غيره، أنَّ الغزاة إذا سَلِموا أو غنموا؛ يكون أجْرُهم أقلّ مِن أجرِ مَن لم يَسلَم أو سَلِم ولم يَغنم، وأنّ الغنيمة هي في مقابلة جُزءٍ مِنْ أجرِ غزوهم، فإذا حَصَلَت لهم فقد تعجَّلوا ثُلُثي أجرِهم المترَتِّب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة مِنْ جملة الأجر، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله: "مِنَّا مَن مات ولم يأكل مِن أجرِه شيئاً، ومِنَّا من أينعَت له ثمرتُه فهو يهدبها " أي: يجتنيها. فهذا الذي ذَكَرْنا هو الصواب، وهو ظاهر الحديث ولم يأتِ حديث صريح صحيح يخالِفُ هذا؛ فتعيَّن حَمْلُه على ما ذَكَرنا ... ". قلت: وكلام الإمام النّووي ﵀ هو الأرجح لدلالة النصوص على ذلك، ويؤيد هذا ما ثبَت عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: "أُهْدِيَتْ

стр. 2533

لرسولِ الله ﷺ شاةٌ، قال: اقْسِميها، فكانت عائشةُ إذا رَجَعَتِ الخادِمُ تقولُ: ما قالوا؟ تقولُ الخادم: قالوا: بارَكَ الله فيكُم، فتقول عائشةُ: وفيهِمْ بارَكَ الله، نرُدُّ عليهم مثلَ ما قالوا، ويبقى أجْرُنا لنا" (١). هل يسلم المجاهد نفسه للأسر (٢)؟ عن أبي هريرة ﵁ قال: "بعث رسول الله ﷺ عشَرَة رهطٍ (٣) سريّةً عيناً، وأمَّرَ عليهم عاصمَ بنَ ثابت الأنصاري -جدَّ عاصم بن عمر بن الخطاب- فانطلقوا، حتى إذا كانوا بالهَدَأَة -وهو بين عُسْفَانَ ومكة- ذُكِروا لحِيٍّ من هُذَيْلٍ، يقال لهم بنو لِحْيَانَ (٤)، فَنَفروا لهم قريباً من مائتي رجل كلُّهم رامٍ، فاقْتصُّوا آثارَهم حتى وجدوا مأكلهم تمراً، تَزَوَّدوه مِن المدينة، فقالوا: هذا تمرُ يثرب. فاقتصُّوا (٥) آثارهم، فلمّا رآهم عاصمٌ وأصحابُه لجئوا إلى فَدْفَدٍ (٦)، وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزِلوا وأعطونا بأيديكم، ولكم العهدُ والميثاقُ ولا نَقْتُل

стр. 2534

منكم أحداً. فقال عاصم بن ثابت -أمير السريّة-: أمّا أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمّة كافر، اللهم أخبر عنّا نبيّك، فرموهم بالنَّبْل، فقتلوا عاصماً في سبعة، فنزَلَ إليهم ثلاثة رهطٍ بالعهد والميثاق، منهم خُبَيْبٌ الأنصاريّ، وابن دَثِنَةَ ورجلٌ آخر، فلمّا استمكنوا منهم أطلقوا أوتارَ قِسِيِّهم (١) فأوثقوهم. فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبُكم، إنّ لي في هؤلاء لأُسوةً -يريد القتلى- فجرّروه وعالجوه على أن يصحبَهم فأبى، فقتلوه، فانطلقوا بخبيب وابن دَثِنة؛ حتى باعوهما بمكّة بعد وقعة بدرٍ، فابتاع خبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيبٌ هو قَتَل الحارث بن عامر يوم بدرٍ، فلبِثَ خبيبٌ عندهم أسيراً. فأخبرني عبيد الله بن عِياض أنّ بنت الحارث أخبرته أنّهم حين اجتمعوا؛ استعار منها موسى يَسْتَحِدُّ بها (٢) فأعارته، فأخذ ابناً لي وأنا غافلةٌ حين أتاه. قالت: فوجدته مُجْلِسَه على فخذه والموسى بيده، ففزعْت فزعةً عَرفها خبيب في وجهي، فقال: تخشَيْن أنْ أقتلَه؟ ما كنت لأفعل ذلك. والله ما رأيت أسيراً قطُّ خيراً من خبيب، والله لقد وجدتُه يوماً يأكل من قِطْف عِنَبٍ في يده، وإنّه لموثَقٌ في الحديد وما بمكَّةَ مِن ثمر. وكانت تقول إنّه لَرِزق من الله رَزَقَه خُبيباً.

стр. 2535

فلمّا خرجوا مِن الحرَم ليقتلوه في الحِلِّ، قال لهم خُبَيب: ذروني أركعْ ركعتين، فتركوه فركَع ركعتين ثمّ قال: لولا أنْ تظنّوا أنّ ما بي جَزَع (١) لطوّلتُها، اللهم أحْصِهِم عَدَداً (٢). ولست أبالي حين أُقْتَلُ مسلماً ... على أي شِقٍّ كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإنْ يَشَأْ ... يُبارِك على أوصال (٣) شِلْوٍ (٤) مُمَزَّعِ (٥) فقتَله ابن الحارث، فكان خبيبٌ هو سنَّ الركعتين لكل امرئ مُسْلم قُتِلَ صَبْراً (٦)، فاستجاب الله لعاصم بن ثابتٍ يوم أصيب. فأخبَر النبيُّ ﷺ أصحابَه خَبَرهم وما أُصِيبُوا، وبعَث ناسٌ من كُفّار قريش إلى عاصم حين حُدِّثوا أنّه قُتِل ليُؤْتَوا بشيء منه يُعْرَفُ، وكان قد قتل رجلاً مِن عظمائهم يوم بدر، فبُعِث على عاصمٍ مِثْلُ الظُّلّة (٧) مِن الدَّبْرِ (٨) فَحَمَتْه (٩) من رسولهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا

стр. 2536

مِنْ لحمه شيئاً" (١) قال العلامة العيني ﵀ في "عمدة القاري" (١٤/ ٢٩٤): "في نزول خُبَيبٍ وصاحبِه، جواز أن يَسْتأْسر الرجل (٢). قال المهلَّب: إذا أراد أن يأخذ بالرخصة في إحياء نفسه؛ فعَل كفِعل هؤلاء، وعن الحَسن لا بأس أن يَستأسِر الرجَل إذا خاف أن يُغلَب. وقال الثوريُّ: أكره للأسير المسلم؛ أن يُمكِّن مِن نفسه إلاَّ مجبوراً، وعن الأوزاعي: لا بأس للأسير المسلم أن يأبى أن يُمكِّن مِن نفسه، بل يأخذ بالشدة والإِباء مِن الأسر والأَنَفة؛ من أن يجري عليه مَلِكٌ كافر -كما فعَل عاصم-". قلت: والأسير هو الذي يرجِّح مصلحته، ويُقرّر أمْرَه، بحسب يقينه وعزمه وما يشاهده، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وقد قال ﷺ : "ليس الخبر كالمعاينة" (٣). من ركع ركعتين عند القتل للحديث المتقدم وفيه: "فلمّا خرجوا مِن الحرَم ليقتلوه في الحِلِّ، قال لهم خُبَيب: ذروني أركعْ

стр. 2537

ركعتين، فتركوه فركَع ركعتين ثمّ قال: لولا أنْ تظنّوا أنّ ما بي جَزَع لطوّلتُها، اللهم أحْصِهِم عَدَداً. ولست أبالي حين أُقْتَلُ مسلماً ... على أي شِقٍّ كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإنْ يَشَأْ ... يُبارِك على أوصال شِلْوٍ مُمَزَّعِ فقتَله ابن الحارث، فكان خبيبٌ هو سنَّ الركعتين لكل امرئ مُسْلم قُتِلَ صَبْراً". استقبال الغزاة (١) عن ابن أبي مُليكة قال: قال ابن الزبير لابن جعفر ﵃: أتذكر إذ تلقّينا رسول الله ﷺ أنا وأنت وابن عبّاس؟ قال: نعم، فحَمَلَنا وترَكَك" (٢). وعن السائب بن يزيد ﵁ قال: "أَذْكُرُ أني خَرجْتُ مع الغِلمان إلى ثنيّة الوداع؛ نتلقّى رسول الله ﷺ " (٣). مراسلة المجاهدين والديهم وأهليهم يُشرَع للمجاهدين مراسلةُ، والدِيهم وأهلِيهم، لتذكيرِهم بالله، وطَلَبِ الدعاء منهم.

стр. 2538

عن ابن عباس ﵄ قال: "إني لأرى لجِواب الكتاب حقّاً كردِّ السلام" (١). وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٤٨) -بحذف-: "مِنْ أحمدَ بن تيمية إلى الوالدة السعيدة، أقرَّ الله عينيها بنعمه، وأسبَغ عليها جزيل كَرَمِه، وجعَلَها مِن خِيار إمائه وخَدَمِه. سلام الله عليكم، ورحمة الله وبركاته. فإنَّا نَحْمَد إليكم الله الذي لا إله إلاَّ هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير. ونسأله أن يصلّيَّ على خاتَم النبيين، وإمام المتقين، محمّدٍ عبدِه ورسولِه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً-. كتابي إليكم عن نِعَمٍ مِن الله عظيمة، ومنَنٍ كريمة، وآلاء جسيمة نشكُر الله عليها، ونسأله المزيد مِنْ فضله، ونِعَمُ الله كلَّما جاءت في نموٍّ وازدياد، وأياديه جلَّت عن التعداد، وتعلمون أنّ مقامنا الساعة في هذه البلاد، إنّما هو لأمورٍ ضرورية؛ متى أهملناها فسَد علينا أمْر الدين والدنيا. ولسنا والله مختارين للبعد عنكم، ولو حَمَلَتْنا الطيور لسِرنا إليكم، ولكن الغائب عذره معه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور، فإنّكم -ولله الحمد- ما تختارون الساعة إلاَّ ذلك، ولم نعزِم على المقام والاستيطان شهراً واحداً، بل كلّ يوم نستخير الله لنا ولكم، وادعوا لنا بالخِيَرة (٢)، فنسأل الله العظيم أن يَخيرَ لنا

стр. 2539

ولكم وللمسلمين ما فيه الخِيَرة، في خيرٍ وعافية. ومع هذا فقد فتَح الله مِن أبواب الخير والرحمة، والهداية والبركة، ما لم يكن يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال، ونحن في كل وقت مهمومون بالسفر، مستخيرون الله . فلا يظنّ الظانُّ أنّا نُؤثِر على قُربكم شيئاً مِن أمور الدنيا قطّ، بل ولا نُؤْثِر مِن أمور الدين ما يكون قربكم أرجح منه، ولكن ثَمّ أمورٌ كِبار، نخاف الضرر الخاصّ والعامّ مِن إهمالها. والشاهد يرى ما لا يرى الغائب. والمطلوب، كثرةُ الدعاء بالخِيرَة، فإنّ الله يَعلم، ولا نعلم ويَقْدِر ولا نَقْدِر. وهو علّام الغيوب. والتاجر يكون مسافراً فيخاف ضياعَ بعضِ مالِه فيحتاج أن يقيمَ حتى يستوفيَه، وما نحن فيه أمْر يَجِلّ عن الوصف، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته كثيراً كثيراً، وعلى سائِر مَنْ في البيت مِن الكبار والصغار، وسائِر الجيران والأهل والأصحابِ واحداً واحداً، والحمد لله رب العالمين. وصَلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلَّم تسليماً". انتهاء الحرب (١) تنتهي الحرب بأحد الأمور الآتية: ١ - إسلامِ المحاربين أو إسلامِ بعضهم، ودخولِهم في دين الله، وفي هذه الحال يُصبحون مسلمين، ويكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم مِن

стр. 2540

الحقوق والواجبات. ٢ - طلَبِهم إيقافَ القتالِ مدة مُعيَّنة، وحينئذٍ يُحقق القائد الاستجابة إلى ما طلَبوا، [إنْ رأى المصلحة في ذلك] كما فعَل ذلك رسول الله ﷺ في صُلح الحديبية. ٣ - رغبتِهم في أن يبقوا على دينهم، مع دفْع الجزية، ويتمّ بمقتضى هذا عقد الذّمة بينهم وبين المسلمين. ٤ - هزيمتِهم، وظَفَرِنا بهم، وانتصارِنا عليهم، وبهذا يكونون غنيمةً للمسلمين. ٥ - وقد يحدُث أن يطلب بعض المحاربين الأمان (١)، فيُجاب إلى ما طلَب، وكذلك إذا طلَب الدخول في دار الإسلام. لا يجوزُ نزْعُ ثيابِ الشهيد التي قُتل فيها (٢) لا يجوز نزْعُ ثيابِ الشهيدِ التي قُتل فيها، بل يُدفن وهي عليه لقولهِ ﷺ في قتلى أُحُد: "زمِّلوهم في ثيابهم" (٣)، وفي رواية له: "زمِّلوهم بدمائهم" (٤). استحبابُ تكفين الشهيد بثوبٍ واحدٍ أو أكثر فوق ثيابهِ (٢) يُستحبُّ تكفينُ الشّهيد بثوبٍ واحدٍ أو أكثر فوقَ ثيابهِ.

стр. 2541

فعن شَدّاد بن الهاد: "أن رجلاً من الأعراب، جاء إلى النبي ﷺ فآمن به واتَّبعَه، ثمّ قال: أُهاجرُ معك، فأوصى به النبيّ ﷺ بعضَ أصحابه، فلمّا كانت غزوة [خَيْبرَ] غَنِمَ النبي ﷺ [فيها] شيئاً، فَقَسم، وَقَسَمَ له، فأعطى أصحابه ما قَسَم له، وكان يرعى ظَهْرَهم، فلمّا جاءهم دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قَسَمَ لك النبي ﷺ . فأخذه فجاء به إلى النبيّ ﷺ فقال: ما هذا؟ قال: قَسَمْتُه لك، قال: ما على هذا اتَّبعْتُك، ولكن اتَّبعْتُك على أن أرمى إلى هاهنا -وأشار إلى حَلْقهِ- بسهمٍ فأموتَ، فأدخلَ الجنة، فقال: إن تَصدُقِ الله يَصْدُقْك. فَلَبِثُوا قليلاً، ثمّ نهَضُوا في قتال العَدُوِّ، فأُتي به النبيّ ﷺ يُحْمَل، قد أصابه سهمٌ حيث أشار، فقال النبيّ ﷺ أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: صدَق الله فصدَقَه. ثمّ كفَّنه النبيّ ﷺ في جُبَّةِ النبيّ ﷺ ، ثمّ قدَّمه فصلَّى عليه، فكان فيما ظَهرَ مِن صلاتِهِ: اللهمَّ هذا عبدك، خرج مهاجراً في سبيلك، فقُتِل شهيداً، أنا شهيدٌ على ذلك" (١). وعن الزُّبَير بن العَوّام ﵁ قال: "لمّا كان يومُ أُحُد؛ أقبَلتِ امرأةٌ تسعى، حتى إذا كادت أن تُشرِف على القتلى، قال: فَكرِهَ النبيّ ﷺ أن تَراهم، فقال: المرأةَ المرأةَ! قال: فتوسَّمْتُ أنها أمّي صفيّةُ، فخرجْتُ أسعى إليها، فأدْركْتُها قبل أن

стр. 2542

تنتهيَ إلى القتلى، قال: فَلَدَمَتْ (١) في صدري، وكانت امرأةً جَلْدةً، قالت: إليك لا أرضَ لك، فقلتُ: إن رسولَ ﷺ عَزَمَ عليك، فَوقَفتْ، وأخرجَتْ ثوبين معها، فقالت: هذان ثوبانِ جئتُ بهما لأخي حمزَةَ، فقد بلغني مقتلُه، فكفِّنْهُ فيهما. قال؛ فجئنا بالثوبين لِنُكفِّن فيهما حمزة، فإذا إلى جَنْبهِ رجلٌ من الأنصار قتيل، قد فُعل بهِ كما فُعل بحمزة، فوجدنا غضاضةً (٢) وحياءً، أن نُكفِّنَ حمزةَ في ثوبين، والأنصاريُّ لا كَفنَ له، فقلنا: لحمزةَ ثوبٌ، وللأنصاريِّ ثوبٌ، فقدَّرناهما فكان أحدُهما أكبرَ مِن الآخر، فأقْرَعْنا بينهما، فكفَّنّا كلَّ واحدٍ منهما في الثوبِ الذي صار له" (٣). لا يُشْرَعُ غَسْلُ الشهيد قتيلِ المعركة ولو كان جُنُباً (٤) لا يُشْرع غسْل الشهيد قتيل المعركة، ولو كان جُنُباً، وفي ذلك أحاديث: الأول: عن جابرٍ قال: "قال النبي ﷺ : ادفنوهم في دمائهم -يعني يوم أحد- ولم يَغْسِلْهم" (٥).

стр. 2543

وفي رواية: فقال: "أنا شهيدٌ على هؤلاء، لُفُّوهم في دمائهم، فإنه ليس جريح يُجرح [في الله] إلاَّ جاء وجرحه يوم القيامة يدْمي، لونُه لونُ الدم، وريحهُ ريحُ المسك" (١). وفي رواية: "لا تغْسِلوهم، فإنّ كلّ جرحٍ يفوح مِسْكاً يوم القيامة، ولم يُصلِّ عليهم" (٢). الثاني: عن أبي بَرْزَةَ ﵁: "أنّ النبيّ ﷺ كان في مغْزىً له، فأفاءَ اللهُ عليه، فقال لأصحابه: هل تفقدون مِن أحدٍ؟ قالوا: نعم، فلاناً، وفلاناً، وفلاناً. ثمّ قال: هل تفْقِدون مِن أحدٍ؟ قالوا: لا: قال: لكني أفقد جُليْبِيباً، فاطلُبوه. فطُلب في القتلى، فوجدوه إلى جَنْبِ سبعةٍ قد قَتَلهم، ثمّ قتلوه! فأتى النبيُّ ﷺ ، فوقفَ عليه فقال: قَتَلَ سبعةً ثم قَتَلوه! هذا منِّي، وأنا منه، هذا منِّي، وأنا منه، قال: فَوَضَعه على ساعِدِيْه، ليس له إلاّ ساعدا (٣) النبيّ ﷺ قال: فحُفر له ووُضِع في قبره، ولم يَذْكُر غَسْلاً" (٤). الثالث: عن أنس: "أنّ شهداء أُحُد لم يُغَسَّلوا، ودُفنوا بدمائهم، ولم يصلِّ

стр. 2544

عليهم [غير حمزة] " (١). الرابع: عن عبد الله بن الزُّبير في قصة أُحُدٍ واستشهاد حنظلَة بن أبي عامر، قال: "فقال رسول الله ﷺ : إنّ صاحِبَكم تَغسِلُه الملائكةُ، فاسألوا صاحِبَتَه، فقالت: خَرَجَ وهو جُنُبٌ لمّا سَمِع الهائعة (٢)، فقال رسول الله ﷺ : لذلك غسَّلتْهُ الملائكة" (٣). الخامس: عن ابن عباس قال: "أصيبَ حمزةُ بن عبد المطّلب، وحنظلةُ بن الراهب، وهما جُنُبٌ (٤)، فقال رسول الله ﷺ : رأيتُ الملائكةَ تُغَسِّلُهما" (٥). قال شيخنا ﵀ في "أحكام الجنائز" (ص ٧٥): "واعلم أن وجه دلالة الحديث على عدم مشروعية غَسْل الشهيد الجنبِ؛ هو ما ذكَره الشافعيةُ وغيرهُم؛ أنّه لو كان واجباً لما سَقَطَ بغسل الملائكةِ، ولأَمرَ النبيُّ ﷺ بغسلِه، لأنّ المقصودَ منه تعبُّدُ الآدمى به، انظر "المجموع" (٥/ ٢٦٣) و"نيل الأوطار" (٤/ ٢٦) ".

стр. 2545

أين يُدفن الشهيد (١) عن جابر بن عبد الله ﵄ "أن النبيّ ﷺ أَمَر بقتلى أُحُد؛ أن يُرَدّوا إلى مصارعهم، وكانوا قد نُقِلوا إلى المدينة" (٢). عن نُبيح العَنَزي، عن جابر: أن النبيّ ﷺ قال: "ادْفِنُوا القتْلَى في مَصَارعِهِمْ" (٣). دفنْ أكثر من شهيد في قبر واحد إذا كَثُر القتلى عن هشام بن عَامِرٍ، قال: "شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهَّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ الله الحْفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : احْفِرُوا، وَأَعْمِقُوا، وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، قَالُوا: فَمَنْ نُقَدِّمُ يَا رَسُولَ الله؛ قَالَ: قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآناً، قَالَ: فَكَانَ أَبي ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ، فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ" (٤). وقال الإمام البخاري ﵀ (باب دفْنِ الرجلين والثلاثة في قبرٍ) (٥) ثمّ ذكر حديث جابر ﵁: "أنّ النبيّ ﷺ كان يجمع بين الرجلين من

стр. 2546

قتلى أُحد" (١). من غَلب العدوّ فأقام على عرْصتهم (٢) ثلاثاً (٣) عن قتادةَ قال: "ذكَر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة ﵄ عن النبيّ ﷺ أنّه كان إذا ظهَر على قوم، أقام بالعَرْصة ثلاثَ ليال" (٤). ما يقول إذا رجع من الغزو (٥) عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "أن رسول الله ﷺ كان إذا قَفَل (٦) مِن غزوٍ أو حجٍّ أو عُمرة؛ يُكبّر على كل شَرَف (٧) مِن الأرض ثلاث تكبيرات، ثمّ يقول: لا إله إلاَّ الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، آيبون (٨) تائبون عابِدون ساجدون لربنا حامدون، صدَق الله

стр. 2547

وعدَه (١)، ونصَر عبدَه، وهزَم الأحزاب وحده (٢) " (٣). إذا قَدِمَ الإمام أو القائد مِن الغزو يبدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين عن كعب بن مالك ﵁ قال: " ... وصبَّح رسول الله ﷺ قادماً، وكان إذا قَدِم مِن سفرٍ (٤) بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين، ثمّ جَلَس للناس" (٥). مراجعة الإمام أو القائد مَن تخلّف من الغزو والقتال في الحديث المتقدّم: "ثمّ جلَس للناس، فلمّا فَعل ذلك جاءه المخلَّفون، فطفِقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً، فقَبِل منهم رسول الله ﷺ علانِيَّتَهم وبايعَهَم واستغَفَر لهم وَوَكَل سرائرهم إلى الله، فجئتُه (٦) فلمّا سلّمتُ عليه تبسَّم تبسُّم المُغضَب، ثمّ قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: ما خلَّفَك؟ ألم تكن قد ابتعتَ ظهرك؟ ... " (٧).

стр. 2548

قتال الإمام مانعي الزكاة عن أبي هريرة ﵁ قال: "لمّا تُوفّيَ رسولُ الله ﷺ ، واستُخلِف أبو بكر بعده، وكفَر مَن كفَر من العرب؛ قال عمر لأبي بكر: كيف تُقاتل النّاس وقد قال رسول الله ﷺ : أُمِرتُ أنْ أقاتِل النّاس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فمَن قال: لا إله إلاَّ الله عَصَمَ مني ماله ونفسه إلاَّ بحقّه، وحسابهُ على الله، فقال: والله لأُقاتلنّ مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنّ الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عِقالاً (١) كانوا يؤدّونه إلى رسول الله ﷺ لقاتَلْتُهم على مَنْعِه. فقال عمر: فوالله ما هو إلاَّ أنْ رأيتُ الله قد شَرح صدْرَ أبي بكر للقتال، فعرفْتُ أنّه الحقّ، قال ابن بكير وعبد الله عن الليث: عَناقاً؛ وهو أصح" (٢). قتل الجاسوس (٣) عن سلمةَ بن الأكوع ﵁ قال: "أتى النبيَّ ﷺ عينٌ من المشركين وهو في سفر، فجلَس عند أصحابه يتحدث ثمّ انفَتَل، فقال: النبيّ ﷺ اطلبوه واقتلوه، فقَتَله فنفَّله سَلَبَه" (٤). وهذا ما يتعلّق الجاسوس الحربيّ، وأمّا المعاهَد والذمّي؛ فقال مالك

стр. 2549

والأوزاعي: ينتقض عهده بذلك. وعن فرات بن حيّان أن رسول الله ﷺ أمَرَ بقتله -وكان عيناً لأبي سفيان، وحليفاً لرجُل مِن الأنصار-، فمرّ بحلقة من الأنصار، فقال: إنّي مسلم، فقال رجلٌ من الأنصار: يا رسول الله إنه يقول إنّى مُسلم، فقال رسول الله ﷺ إنّ منكم رجالاً نَكِلُهم إلى إيمانهم؛ منهم فُراتُ بنُ حيان (١) " (٢). في حُكم قتل الجاسوس إذا كان مُسلماً فيه الحديث المتقدّم في شأن فُرات بن حيّان. وعن عليٍّ ﵁ قال: "بعثَني رسول الله ﷺ أنا والزبيرَ والمقدادَ

стр. 2550

ابنَ الأسودِ، وقال: انطلِقوا حتى تأتوا روضة خاخ (١) فإنّ بها ظعينةً (٢) ومعها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تَعادَى (٣) بنا خيلنا؛ حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أَخْرجي الكتاب، فقالت: ما معي مِن كتاب، فقلنا: لتُخْرِجِنّ الكتاب أو لنُلقينّ الثياب، فأخرَجَتْه مِن عِقاصها (٤). فأتينا به رسول ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بَلْتَعة إلى أناسٍ مِن المشركين مِن أهل مكة؛ يُخبِرهم ببعض أمْرِ رسولِ الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجَلْ عليّ، إنّي كنتُ امرَءاً مُلصَقاً في قريش، ولم أكن مِن أنفُسِها وكان مَن معك مِن المهاجرين لهم قَرابات بمكّة؛ يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببتُ إذ فاتني ذلك مِن النَّسَب فيهم؛ أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلتُ كُفراً ولا ارتداداً، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول ﷺ لقد صدَقكم. فقال عمرُ: يا رسولَ الله دعني أضربْ عُنُقَ هذا المنافق، قال: إنه قد شهِد بدراً، وما يدريك لعلّ الله أن يكون قد اطَّلَع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرْتُ لكم" (٥). قال ابن القيّم ﵀ في "زاد المعاد" (٣/ ١١٥): "فاستدلَّ به مَن لا

стр. 2551

يرى قَتْل المسلم الجاسوس؛ كالشافعي وأحمد، وأبي حنيفة ﵏ واستدل به من يرى قَتْلَه؛ كمالك، وابن عقيل من أصحاب أحمد ﵀ وغيرهما. قالوا: لأنه علّل بعلّة مانعةٍ من القتل، منتفية في غيره (١)، ولو كان الإسلام مانعاً من قَتْله؛ لم يُعلّل بأخص منه (٢)، لأن الحكم إذا علّل بالأعم (٣) كان الأخص (٤) عديم التأثير وهذا أقوى. والله أعلم". وقال ﵀ أيضاً- (ص ٤٢٢): "وفيها (٥) جواز قَتْل الجاسوس -وإنْ كان مُسلِماً- لأن عمر ﵁ سأل رسول الله ﷺ قَتْل حاطب بن أبي بلتعة، لمّا بعَث يُخبر أهل مكة بالخبر، ولم يَقُل ﷺ لا يحلّ قتلُه إنه مسلم، بل قال وما يدريك لعل الله قد اطلَع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم. فأجاب بأنّ فيه مانعاً مِنْ قَتْله وهو شهودُه بدراً، وفي الجواب بهذا؛ كالتنبيه على جواز قَتْل جاسوسٍ ليس له مِثل هذا المانع. وهذا مذهب مالك، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يُقتَل وهو ظاهر مذهبِ أحمد والفريقان يحتجّون بقصة حاطب. والصحيح أن قَتْله راجع إلى رأي الامام فإنْ رأى في قَتْله مصلحة

стр. 2552

للمسلمين، قَتله وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه، والله أعلم". وأشار إلى هذا شيخنا ﵀ في "التعليقات الرضيّة" (٣/ ٤٧٧). قلت: والذي يبدو لي أنّ هذا يتعلّق بدراسةِ سببِ فِعْل هذا الجاسوس، والنظر فيما إذا كانت ثمّه قرائن تدلّ على توبته، ففي قصة حاطب ﵁ ظَهَر سبب انجراره إلى هذا الفعل، وهو اتخاذ أسباب الحماية من قِبَل أقاربه، وتصريحه أنّه لم يكن لكُفرٍ أو ارتداد، ثمّ ما كان مِن قولِ رسول الله ﷺ : "لعلّ الله أن يكون قد اطّلعَ على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرْتُ لكم". فالأمر متعلِّق بالتوفيق للتوبة المستجلِبة للمغفرة، والأمر يعود إلى الإمام فيما يترجّح لديه مِن حال هذا الجاسوس مِن هذا الجانب، والنظر كذلك فيما يتعلَّق بمصلحة المسلمين، سواءٌكان ذلك في القتل أو عدمه والله -تعالى- أعلم. من قفز من عسكر المسلمين إلى عسكر الكُفّار جاء في "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٥٣٤): "فمن قفَز عنهم إلى التتار كان أحقَّ بالقتال مِنْ كثيرٍ من التتار؛ فإنَّ التتار فيهم المُكْرَه وغيرُ المكْرَه، وقد استقرَّت السُّنَّة بأنَّ عقوبةَ المرتدّ أعظمُ مِن عقوبة الكافر الأصلي مِن وجوهٍ متعددة. منها أنَّ المرتدَّ يُقتَل بكل حال، ولا يُضرَب عليه جزية، ولا تُعقَد له ذِمَّة؛ بخلاف الكافر الأصلي. ومنها أنَّ المرتد يُقتل -وإنْ كان عاجزاً عن القتال-؛ بخلاف الكافر الأصليّ الذي ليس هو مِن أهل القتال، فإنّه لا يُقتَل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد؛ ولهذا كان مذهب الجمهور أن المرتدَّ يُقتَل؛ كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد.

стр. 2553

ومنها أن المرتدَّ لا يَرِث ولا يُناكَح ولا تُؤكَل ذبيحته بخلاف الكافر الأصلي. إلى غير ذلك من الأحكام". الهدنة الهدنة لغةً: السكون. واصطلاحاً: الصُّلح والموادعة بين المسلمين والكفار، وبين كلّ متحارِبَين، والاتفاق على عدم القتال فترة زمنية معيّنة (١). قال العلماء: "إذا مال العدوّ للمسالمة؛ فإنّه يجاب طَلَبُه، إذا كانت مصلحة المسلمين تقتضي ذلك؛ كأن يكون العدوّ كثيفاً، وكان الأنفع تأجيل القتال؛ حتى يتقوى المسلمون". وقد يريد العدوّ المكر والخديعة، فيجب الحذَر والتيقّظ قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ (٢) هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). قال ابن كثير ﵀: يقول -تعالى-: إذا خفت من قوم خيانة فانبذ إليهم عهدهم على سواء، فإن استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم، ﴿وإنْ جَنَحُوا﴾ أي: مالوا ﴿لِلسَّلْمِ﴾ أي: المسالمة والمصالحة والمهادنة، ﴿فَاَجْنَحْ لَهَا﴾ أي:

стр. 2554

فمِلْ إليها، واقبَلْ منهم ذلك؛ ولهذا لما طلَبَ المشركون عام الحديبية الصلحَ ووضْعَ الحرب بينهم وبين رسول الله ﷺ تسعَ سنين؛ أجابهم إلى ذلك؛ مع ما اشترطوا من الشروط الأُخَر. قال الإمام البخاريّ ﵀: (باب ما يُحذَر من الغدر) وقول الله - تعالى-: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ (١). ثمّ ذكر تحته حديث عوف بن مالك ﵁ وفيه "اعدُد ستّاً بين يدي الساعة"، ومنها قوله ﷺ : "ثمّ هُدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر (٢)، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية (٣)، تحت كل غاية اثنا عَشَرَ ألفاً" (٤). وعن البراء ﵁ قال: "اعتمَر النبيّ ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يَدَعوه يدخُل مكة؛ حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام. فلمّا كتبوا الكتاب، كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمّد رسول الله ﷺ فقالوا لا نقرّ بها، فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك، لكن أنت محمّد بن عبد الله، قال: أنا رسول الله وأنا محمّد بن عبد الله، ثمّ قال لعليّ: امْحُ رسولَ الله، قال: لا والله لا أمحوك أبداً. فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتَب: هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبد الله،

стр. 2555

لا يدخُلُ مكة سلاح إلاَّ في القِراب (١)، وأن لا يَخرُجَ مِن أهلها بأحدٍ إنْ أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع أحدا مِن أصحابه أراد أن يُقيمَ بها. فلمّا دخَلها ومضى الأجل، أَتَوا عليّاً فقالوا: قل لصاحِبِك اخرُج عنّا فقد مضى الأجل، فخَرج النبيّ ﷺ " (٢). وعن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكَم: أنّهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين، يأمَن فيهن النّاس، وعلى أن بيننا عيْبَةً (٣) مكفوفة، وأنّه لا إسلال ولا إغلال (٤) " (٥). قال الإمام البخاري ﵀: (باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره، وإثم من لم يفِ بالعهد) (٦). وجاء في "السيل الجرار" (٤/ ٥٦٤): تعليقاً على عبارة "ويجوز للإمام

стр. 2556

عقد الصلح لمصلحة": أقول: وَجْهُ هذا أنّ الله -سبحانه- قال في كتابه ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ فدلّ ذلك على جواز المصالحة؛ إذا طلَبها الكُفّار وجَنحُوا إليها. وقيل لا يجوز ذلك لقوله -سبحانه-: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (١). ولا يخفاك أنّه لا معارضة بين الآيتين، فإنّ الآية الأولى دلَّت على أن الكُفّار إذا نجحوا للسَّلم جَنَحْنا لها، والآية الأخرى دلّت على عدم جواز الدعاء مِن المسلمين إلى السَّلم، فالجمع بينهما بأنّه يجوز عَقد الصُّلح إذا طلَب ذلك الكفّار، ولا يجوز طَلبُه مِن المسلمين؛ إذا كانوا واثقين بالنصر ... وقيل: لا يجوز المصالحة أصلاً، وأنّ ما ورَد في جوازها منسوخ بقوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْركِينَ﴾ (٢). ونحوها، ولا وَجْهَ لدعوى النسخ، وأيضاً الجمعُ ممكِن بأنهم يُقتَلون ويُقاتَلون؛ ما لم يجنحوا إلى السَّلم. وأمّا كون المدّة معلومةً، فوجْهُه أنّه لو كان الصلحُ مُطلقاً أو مؤبَّداً؛ لكان ذلك مُبطلاً للجهاد الذي هو مِن أعظم فرائض الإسلام، فلا بُدّ مِن أن يكون مُدّةً معلومة على ما يَرَى الإمام من الصلاح، فإذا كان الكفّار مُستظهرِين وأمرهم مُستعلناً؛ جاز له أن يعقده على مُدّة طويلة، ولو فوق عشر سنين، وليس في ذلك مخالفة لعقده ﵌ للصُّلح الواقع مع قريش عشر سنين،

стр. 2557

فإنّه ليس في هذا ما يدّل على أنّه لا يجوز أن تكون المدة أكثرَ مِن عشر سنين؛ إذا اقتضت المصلحة" انتهى. والخلاصة: جواز المصالحة إذا طلبها الكفّار؛ إذا كان فيها نفعٌ للمسلمين، ولا يجوز ابتداؤها من المسلمين إذا كانوا واثقين بالنصر. ولا بُدّ أن تكون المُدّة معلومة -طالت أم قصرت- على ما يرى الإمام فيه تغليب المصلحة وترجيح المنفعة؛ والله -تعالى- أعلم. قال العلاّمة ابن القَيِّم ﵀ في زاد المعاد (٥/ ٩٣): (في حُكمه ﷺ في الهُدنة وما ينقضُها): "ثبت عنه ﷺ أنّه صالَح أهل مكّة، على وضْع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، ودخَل حلفاؤهم مِن بني بكر معهم، وحلفاؤه مِن خزاعة معه، فَعَدَتْ حلفاءُ قريش على حلفائه. فغدروا بهم، فرضِيَت قريش ولم تُنكِره، فجعَلَهم بذلك ناقضين للعهد، واستباح غزْوَهم مِن غير نبْذِ عهدِهم إليهم، لأنهم صاروا محاربين له، ناقضين لعهده؛ برضاهم وإقرارهم لحلفائهم على الغدر بحلفائه، وألحَقَ رِدأهم (١) في ذلك بمباشِرِهم. وثبت عنه أنّه صالَح اليهود، وعاهَدَهم لمّا قَدِمَ المدينة، فغَدَروا به، ونقَضوا عهده مراراً، وكلّ ذلك يُحاربهم ويظْفَر بهم، وآخرُ ما صالَح يهود خيبر؛ على أنّ الأرض له، ويُقرّهم فيها عُمّالاً له ما شاء، وكان هذا الحكمُ منه فيهم حُجّةً؛ على جواز صُلح الإمام لعدوِّه ما شاء مِن المدّة، فيكون العقدُ جائزاً له

стр. 2558

فسْخُه متى شاء، -وهذا هو الصواب-، وهو مُوجِب حُكْم رسولِ الله ﷺ الذي لا ناسخ له". عقد الذمّة الذمّة هي: العهد والأمان، وعقد الذّمة: هو أنْ يُقرّ الحاكم أو نائبه بعض أهل الكتاب من الكُفّار على كفرهم بالضوابط الشرعية (١). جاء في "المغني" (١٠/ ٥٧٢): "ولا يجوز عَقْد الذمّة المؤبَّدة إلاّ بشرطين: أحدهما: أن يلتزموا إعطاء الجزية في كلّ حول. والثاني: التزام أحكام الإسلام، وهو قَبول ما يُحكَم به عليهم مِن أداء حقّ، أو تَرْك محُرّم، لقول الله -تعالى-: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢). وقول النبيّ ﷺ في حديث بريدة: "فادْعُهم إلى أداء الجزية، فإنْ أجابوك فاقبَل منهم، وكُفَّ عنهم". وفيه (١٠/ ٥٧٣): "ومَن سواهم، فالإسلام أو القتل". يعني مَن سوى اليهود والنصارى والمجوس؛ لا تُقبَل منهم الجزية، ولا يُقرّون بها، ولا يُقبَل منهم إلاَّ الإسلام، فإنْ لم يسلموا قُتلوا ... (٣). وقال ﵀: "ولنا، قَوْل الله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ

стр. 2559

وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١) وقول النبيّ ﷺ : "أُمرتُ أن أقاتِل النّاس؛ حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم؛ إلاَّ بحقّها". ثمّ بين ما خُصِّص مِن ذلك بالكتاب والسنة (٢). أقول: خُصّص أهل الكتاب بالآية كما ذكَر المصنّف ﵀، والمجوس، بما يأتي: عن بَجَالة قال: "كُنت كاتباً لجزء بن معاوية عمّ الأحنف، فأتانا كتابُ عمر ابن الخطاب قبل موته بسنة: فرِّقوا بين كل ذي مَحْرَم مِن المجوس، ولم يكن عمر أخذَ الجزية من المجوس، حتى شهد عبد الرحمن بن عوف، أنّ رسول الله ﷺ أخذَها مِن مجوس هجَر" (٣). وعن المِسور بن مخرَمة أنّه أخبَرَه أنّ عمرَو بن عوف الأنصاري -وهو حليفٌ لبني عامر بن لؤي، وكان شهِدَ بدراً- أخبره أنّ رسول الله ﷺ "بعثَ أبا عُبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله ﷺ هو صالحَ أهلَ البحرين، وأمّر عليهم العلاء بن الحضرمي" (٤). قال الحافظ ﵀ في شرح قوله (بعثَ أبا عبيدة بن الجرّاح إلى البحرين): " ... وكان أغلب أهلها إذ ذاك المجوس، ففيه تقويةٌ للحديث الذي

стр. 2560

قبله، ومِن ثمّ ترجم عليه النسائي (بابُ أخذ الجزية مِن المجوس) ". وقال الإمام البخاري ﵀: (باب الجزية والموادعة، مع أهل الذّمة والحرب) وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (١)﴾ (٢). وما جاء في أخذ الجزية مِن اليهود والنّصارى والمجوس والعجم (٣). ثمّ ذكَر ﵀ ما تقدّم عن بجَالة. فائدة: وجاء في "المغني" (١٠/ ٥٧٤): "وإذا عقَدَ الذّمة لكفارٍ زعموا أنهم من أهل الكتاب؛ ثمّ تبيّن أنهم عَبَدَة الأوثان؛ فالعقد باطلٌ مِن أصْلِه، وإنْ شكَكْنا فيهم، لم ينتقض عهدُهم بالشك؛ لأن الأصل صحته، فإنْ أقرّ بعضهم بذلك دون بعض، قُبل من المقرّ في نفسه، فانتقض عهْدُه، وبقي في حقّ مَن لم يُقرَّ بحاله". موجب هذا العقد: *وإذا تمّ عقْد الذمّة، ترتَّبَ عليه حُرمة قتالهم، والحِفاظ على أموالهم، وصيانة أعراضهم، وكفالة حرّياتهم، والكفّ عن أذاهم.
следующие страницы →