← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

عقد الصلح لمصلحة": أقول: وَجْهُ هذا أنّ الله -سبحانه- قال في كتابه ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ فدلّ ذلك على جواز المصالحة؛ إذا طلَبها الكُفّار وجَنحُوا إليها. وقيل لا يجوز ذلك لقوله -سبحانه-: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (١). ولا يخفاك أنّه لا معارضة بين الآيتين، فإنّ الآية الأولى دلَّت على أن الكُفّار إذا نجحوا للسَّلم جَنَحْنا لها، والآية الأخرى دلّت على عدم جواز الدعاء مِن المسلمين إلى السَّلم، فالجمع بينهما بأنّه يجوز عَقد الصُّلح إذا طلَب ذلك الكفّار، ولا يجوز طَلبُه مِن المسلمين؛ إذا كانوا واثقين بالنصر ... وقيل: لا يجوز المصالحة أصلاً، وأنّ ما ورَد في جوازها منسوخ بقوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْركِينَ﴾ (٢). ونحوها، ولا وَجْهَ لدعوى النسخ، وأيضاً الجمعُ ممكِن بأنهم يُقتَلون ويُقاتَلون؛ ما لم يجنحوا إلى السَّلم. وأمّا كون المدّة معلومةً، فوجْهُه أنّه لو كان الصلحُ مُطلقاً أو مؤبَّداً؛ لكان ذلك مُبطلاً للجهاد الذي هو مِن أعظم فرائض الإسلام، فلا بُدّ مِن أن يكون مُدّةً معلومة على ما يَرَى الإمام من الصلاح، فإذا كان الكفّار مُستظهرِين وأمرهم مُستعلناً؛ جاز له أن يعقده على مُدّة طويلة، ولو فوق عشر سنين، وليس في ذلك مخالفة لعقده ﵌ للصُّلح الواقع مع قريش عشر سنين،

стр. 2557

فإنّه ليس في هذا ما يدّل على أنّه لا يجوز أن تكون المدة أكثرَ مِن عشر سنين؛ إذا اقتضت المصلحة" انتهى. والخلاصة: جواز المصالحة إذا طلبها الكفّار؛ إذا كان فيها نفعٌ للمسلمين، ولا يجوز ابتداؤها من المسلمين إذا كانوا واثقين بالنصر. ولا بُدّ أن تكون المُدّة معلومة -طالت أم قصرت- على ما يرى الإمام فيه تغليب المصلحة وترجيح المنفعة؛ والله -تعالى- أعلم. قال العلاّمة ابن القَيِّم ﵀ في زاد المعاد (٥/ ٩٣): (في حُكمه ﷺ في الهُدنة وما ينقضُها): "ثبت عنه ﷺ أنّه صالَح أهل مكّة، على وضْع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، ودخَل حلفاؤهم مِن بني بكر معهم، وحلفاؤه مِن خزاعة معه، فَعَدَتْ حلفاءُ قريش على حلفائه. فغدروا بهم، فرضِيَت قريش ولم تُنكِره، فجعَلَهم بذلك ناقضين للعهد، واستباح غزْوَهم مِن غير نبْذِ عهدِهم إليهم، لأنهم صاروا محاربين له، ناقضين لعهده؛ برضاهم وإقرارهم لحلفائهم على الغدر بحلفائه، وألحَقَ رِدأهم (١) في ذلك بمباشِرِهم. وثبت عنه أنّه صالَح اليهود، وعاهَدَهم لمّا قَدِمَ المدينة، فغَدَروا به، ونقَضوا عهده مراراً، وكلّ ذلك يُحاربهم ويظْفَر بهم، وآخرُ ما صالَح يهود خيبر؛ على أنّ الأرض له، ويُقرّهم فيها عُمّالاً له ما شاء، وكان هذا الحكمُ منه فيهم حُجّةً؛ على جواز صُلح الإمام لعدوِّه ما شاء مِن المدّة، فيكون العقدُ جائزاً له

стр. 2558

فسْخُه متى شاء، -وهذا هو الصواب-، وهو مُوجِب حُكْم رسولِ الله ﷺ الذي لا ناسخ له". عقد الذمّة الذمّة هي: العهد والأمان، وعقد الذّمة: هو أنْ يُقرّ الحاكم أو نائبه بعض أهل الكتاب من الكُفّار على كفرهم بالضوابط الشرعية (١). جاء في "المغني" (١٠/ ٥٧٢): "ولا يجوز عَقْد الذمّة المؤبَّدة إلاّ بشرطين: أحدهما: أن يلتزموا إعطاء الجزية في كلّ حول. والثاني: التزام أحكام الإسلام، وهو قَبول ما يُحكَم به عليهم مِن أداء حقّ، أو تَرْك محُرّم، لقول الله -تعالى-: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢). وقول النبيّ ﷺ في حديث بريدة: "فادْعُهم إلى أداء الجزية، فإنْ أجابوك فاقبَل منهم، وكُفَّ عنهم". وفيه (١٠/ ٥٧٣): "ومَن سواهم، فالإسلام أو القتل". يعني مَن سوى اليهود والنصارى والمجوس؛ لا تُقبَل منهم الجزية، ولا يُقرّون بها، ولا يُقبَل منهم إلاَّ الإسلام، فإنْ لم يسلموا قُتلوا ... (٣). وقال ﵀: "ولنا، قَوْل الله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ

стр. 2559

وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١) وقول النبيّ ﷺ : "أُمرتُ أن أقاتِل النّاس؛ حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم؛ إلاَّ بحقّها". ثمّ بين ما خُصِّص مِن ذلك بالكتاب والسنة (٢). أقول: خُصّص أهل الكتاب بالآية كما ذكَر المصنّف ﵀، والمجوس، بما يأتي: عن بَجَالة قال: "كُنت كاتباً لجزء بن معاوية عمّ الأحنف، فأتانا كتابُ عمر ابن الخطاب قبل موته بسنة: فرِّقوا بين كل ذي مَحْرَم مِن المجوس، ولم يكن عمر أخذَ الجزية من المجوس، حتى شهد عبد الرحمن بن عوف، أنّ رسول الله ﷺ أخذَها مِن مجوس هجَر" (٣). وعن المِسور بن مخرَمة أنّه أخبَرَه أنّ عمرَو بن عوف الأنصاري -وهو حليفٌ لبني عامر بن لؤي، وكان شهِدَ بدراً- أخبره أنّ رسول الله ﷺ "بعثَ أبا عُبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله ﷺ هو صالحَ أهلَ البحرين، وأمّر عليهم العلاء بن الحضرمي" (٤). قال الحافظ ﵀ في شرح قوله (بعثَ أبا عبيدة بن الجرّاح إلى البحرين): " ... وكان أغلب أهلها إذ ذاك المجوس، ففيه تقويةٌ للحديث الذي

стр. 2560

قبله، ومِن ثمّ ترجم عليه النسائي (بابُ أخذ الجزية مِن المجوس) ". وقال الإمام البخاري ﵀: (باب الجزية والموادعة، مع أهل الذّمة والحرب) وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (١)﴾ (٢). وما جاء في أخذ الجزية مِن اليهود والنّصارى والمجوس والعجم (٣). ثمّ ذكَر ﵀ ما تقدّم عن بجَالة. فائدة: وجاء في "المغني" (١٠/ ٥٧٤): "وإذا عقَدَ الذّمة لكفارٍ زعموا أنهم من أهل الكتاب؛ ثمّ تبيّن أنهم عَبَدَة الأوثان؛ فالعقد باطلٌ مِن أصْلِه، وإنْ شكَكْنا فيهم، لم ينتقض عهدُهم بالشك؛ لأن الأصل صحته، فإنْ أقرّ بعضهم بذلك دون بعض، قُبل من المقرّ في نفسه، فانتقض عهْدُه، وبقي في حقّ مَن لم يُقرَّ بحاله". موجب هذا العقد: *وإذا تمّ عقْد الذمّة، ترتَّبَ عليه حُرمة قتالهم، والحِفاظ على أموالهم، وصيانة أعراضهم، وكفالة حرّياتهم، والكفّ عن أذاهم.

стр. 2561

الأحكامُ التي تجري على أهل الذِّمَّة: وتجري أحكام الإسلام على أهل الذمّة في ناحيتين: الناحية الأولى: المعاملات المالية، فلا يجوز لهم أن يتصرَّفوا تصرُّفاً لا يتفق مع تعاليم الإسلام؛ كعقد الربا، وغيره مِن العقود المحرّمة. الناحية الثانية: العقوبات المقرّرة، فيُقتصّ منهم، وتُقام الحدود عليهم متى فعلوا ما يوجب ذلك، وقد ثبَت أنَّ النبي ﷺ رجَم يهوديين، زنيا بعد إحصانهما (١). وإنْ تحاكموا إلينا، فلنا أن نحكم لهم بمقتضى الإسلام، أو نرفض ذلك، يقول الله -تعالى-: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٢) * (٣). قال ابن جرير ﵀: "ثمّ اختلَف أهل التأويل في حكم هذه الآية، هل هو ثابتٌ اليوم؟ وهل للحكّام مِن الخِيار في الحُكم والنّظَر بين أهل الذمّة والعهد إذا احتكموا إليهم، مثل الذي جعَل لنبيّه ﷺ في هذه الآية، أم ذلك منسوخ؟

стр. 2562

فقال بعضهم: ذلك ثابتٌ اليوم، لم ينسخه شيء، وللحُكّام من الخِيار في كلّ دهر بهذه الآية، مثلُ ما جعَله الله لرسوله ﷺ . ثمّ ذكَر مَن قال ذلك. ثمّ قال ﵀: وقال آخرون: بل التخيير منسوخٌ (١)، وعلى الحاكم إذا احتكَم إليه أهل الذمَّة أن يحكُم بينهم بالحقّ، وليس له تْرك النظرِ بينهم. ثمّ ذكرَ من قال ذلك. ثمّ قال ﵀: "وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب: قول مَن قال: إنّ حُكم هذه الآية ثابتٌ لم يُنسَخ، وأنّ للحُكَّام مِن الخِيار في الحُكم بين أهل العهد إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا، وترْكِ الحكم بينهم والنظر، مثلُ الذي جَعَله الله لرسوله ﷺ مِن ذلك في هذه الآية" (٢) انتهى.

стр. 2563

قلت: والذي يبدو لي -والله تعالى أعلم- أن الأصل على بقاء الحُكم بالتخيير، وهذا التخيير قائمٌ على تقدير المصلحة، والنسخ المذكور هو إعادة إلى أصل الأمر؛ وهو التحاكم إلى شرع الله، ولكن إذا كان هناك تلعّبٌ وأهواء، ورجّح الحاكم الإعراض عن طَلَبِهم؛ فله ذلك، ففي السياق القرآني ما يُبِّين هذا، وذلك لأنهم قالوا ﴿إنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ أي: الجلد والتحميم ﴿فَخُذُوهُ﴾ أي: اقبلوه، ﴿وَإن لمْ تُؤتَؤهُ فَاَحذَرُوا﴾ أي: مِن قَبوله واتّباعه. ﴿سَمّاَعُونَ لِلكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (١). فلأجل تلاعبهم وأهوائهم، ولأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إلى النبيّ ﷺ اتّباع الحق واجتناب الضلال، بل ما وافَق أهواءهم، لأجل ذلك قال الله -تعالى-: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ (٢). الجزية تعريفها: مِن جزأت الشيء: إذا قَسمْته، ثمّ سُهّلت الهمزة، وقيل: مِن الجزاء، أي: لأنها جزاء ترْكِهم ببلاد الإسلام، أو مِن الإجزاء؛ لأنها تكفي مَن توضَع عليه في عصمة دمِه (٣). فالجزية: مبلغٌ مِن المال، يُؤخَذ من الكافر؛ لإقامته بدار الإسلام في كل

стр. 2564

عام (١). مشروعيتها: قال الله -تعالى-: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ (٢) وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣)﴾ (٤). عن بَجَالة قال: "كُنت كاتباً لجزء بن معاوية عمّ الأحنف، فأتانا كتابُ عمر ابن الخطاب قبل موته بسنة: فرِّقوا بين كل ذي محَرَم مِن المجوس. ولم يكن عمر أخذَ الجزية من المجوس، حتى شَهِد عبد الرحمن بن عوف أنّ رسول الله ﷺ أخذَها مِن مجوس هجر" (٥). عن جبير بن حية قال: "بعثَ عمرُ النّاس في أفناء الأمصار يُقاتلون المشركين [وذكر الحديث إلى أن قال:] ... فلْينفِروا إلى كسرى وقال: فندَبَنا عمرُ، واستعمل علينا النعمانَ بنَ مُقرِّن حتى إذا كُنّا بأرض العدوّ وخرَج علينا عاملُ كسرى في أربعينَ ألفاً، فقام تَرجُمانٌ فقال: ليكلّمْني رجلٌ منكم. فقال المغيرة: سل عمّا شئتَ، قال: ما أنتم؟ قال: نحن أناسٌ من العرب، كنّا في شقاءٍ شديدٍ، وبلاءٍ شديدٍ، نمصُّ الجلْدَ والنوى من الجوع، ونلْبسُ الوَبَرَ

стр. 2565

والشَّعَرَ، ونعبد الشَّجر والحجرَ، فبينا نحن كذلك؛ إذ بعَث ربُّ السماوات وربُّ الأرَضِينَ -تعالى ذكره وجَلّت عَظَمَتُه- إلينا نبيّاً من أنفسِنا، نعرفُ أباه وأمّهُ، فأمرَنا نبيُّنا رسولُ ربِّنا ﷺ أن نقاتِلَكُمْ حتّى تعبُدوا اللهَ وحدهُ، أو تؤدّوا الجزيَة" (١). ممن تُقبَل ؟ تُقبل الجزية من كل المِلَل والنّحل والأمم، عربهم وعجمهم. قال الإمام البخاري ﵀: (باب الجزية والموادعة ... وما جاء في أخْذِ الجزية مِن اليهود والنصارى والمجوس والعَجَم). ثمّ ذكَر ﵀ حديث بجَالة المتقدّم، وفيه أنّ رسول الله أخذ الجزية مِن مجوس هجر (٢). وقال العلاّمة ابن القَيِّم ﵀ في حكمه ﷺ في الجزية: "قد تقدَّم أنَّ أول ما بَعَث -الله به نبيّه ﷺ الدعوة إليه بغير قتالٍ ولا جزية، فأقام على ذلك بضع عشرة سنةً بمكّة ثمّ أذِنَ له في القتال؛ لمّا هاجر مِن غير فرضٍ له، ثمّ أمَرَه بقتال مَن قاتلَه، والكفِّ عمّن لم يقاتله، ثمّ لمّا نزلت (براءة) سنة ثمان، أمَرَه بقتال جميع مَن لم يُسلِم من العرب؛ مَن قاتله أو كفَّ عن قتاله إلاَّ مَن عاهدَه ولم يَنْقُصْه مِن عهده شيئاً فأمَرَه أن يفيَ له بعهده، ولم يأمره بأخذ الجزيةِ مِن المشركين، وحارَب اليهود مراراً، ولم يُؤمَر بأخذ الجزية منهم.

стр. 2566

ثمّ أَمَره بقتال أهل الكتاب كلِّهم حتى يُسلِموا، أو يُعطوا الجزية، فامتَثَل أمْر ربِّه فقاتَلهم، فأسلَم بعضُهم، وأعطى بعضُهم الجزية، واستمرَّ بعضُهم على محاربته .... ولم يأخذها مِن مشركي العرب، فقال أحمد والشافعي: لا تُؤخَذ إلاَّ مِن الطوائف الثلاث التي أخذَها رسول الله ﷺ منهم، وهم اليهود والنصارى والمجوس (١). ومَن عداهم فلا يُقبل مِنهم إلاّ الإسلام أو القتل. وقالت طائفة: في الأمم كلِّها إذا بذَلُوا الجزية؛ قُبلت منهم: أهل الكتابين بالقرآن، والمجوس بالسُّنَّة، ومَن عَداهم مُلحقٌ بهم؛ لأن المجوس أهلُ شركٍ لا كتاب لهم، فأخذُها منهم دليل على أخْذِهِا من جميع المشركين؛ وإنمّا لم يأخذها ﷺ من عَبَدة الأوثانِ مِن العرب؛ لأنّهم أسلموا كلُّهم قبل نزول آية الجزية، فإنها نزلت بعد تبوك، وكان رسول الله ﷺ قد فرَغ مِن قتال العرب، واستوثَقَت كُلّها له بالإسلام، ولهذا لم يأخُذْها مِن اليهود الذين حاربوه، لأنّها لم تكن نزَلَت بعد، فلما نزَلت، أخَذَها مِن نصارى العرب، ومِن المجوس، ولو بقي حينئذ أحدٌ مِن عَبَدَة الأوثان بذَلهَا؛ لقَبِلها منه، كما قَبِلها من عَبَدَة الصُّلبان والنِّيران، ولا فرق ولا تأثير، لتغليظ كُفرِ بعض الطوائف على بعض.

стр. 2567

ثمّ إن كُفر عَبَدَة الأوثان ليس أغلظَ مِن كُفر المجوس، وأيُّ فرقٍ بين عَبَدة الأوثانِ والنّيران، بل كُفرُ المجوس أغلظ، وعُبّادُ الأوثان كانوا يُقرّون بتوحيد الربوبية، وأنّه لا خالق إلاَّ الله، وأنّهم إنّما يعبدُون اَلهتم لتُقرِّبهم إلى الله ولم يكونوا يُقِرّون بصانِعَيْن للعالم، أحدهما: خالقٌ للخير، والآخر للشر - كما تقوله المجوس- ولم يكونوا يستحلّون نكاح الأمّهات والبنات والأخوات، وكانوا على بقايا مِن دين إبراهيم -صلوات الله وسلامه عليه-. وأمّا المجوس فلم يكونوا على كتاب أصلاً، ولا دانوا بدين أحدٍ مِن الأنبياء - لا في عقائدهم ولا في شرائِعهم-، والأثر الذي فيه أنّه كان لهم كتابٌ فرُفِع، ورُفِعت شريعتهم لما وقع مَلِكُهم على ابنته لا يَصحُّ البتة، ولو صحّ لم يكونوا بذلك مِن أهل الكتاب، فإنّ كتابهم رُفِع، وشريعتهم بطلت، فلم يبقوا على شيء منها. ومعلومٌ أنّ العرب كانوا على دين إبراهيم ﵇ وكان له صُحُف وشريعة، وليس تغيير عَبَدَة الأوثان لدين إبراهيم ﵇ وشريعته بأعظم مِن تغيير المجوس لدين نبيهم وكتابهم -لو صحّ-، فإنّه لا يُعرف عنهم التّمسك بشيء مِن شرائع الأنبياء -عليهم الصلوات والسلام- بخِلاف العرب، فكيف يُجعَل المجوس الذين دينهُم أقبحُ الأديان، أحسنَ حالاً مِن مشركي العرب، وهذا القول أصحُّ في الدليل كما ترى (١).

стр. 2568

مقدار الجزية عن معاذ ﵁ "أنّ النبيّ ﷺ لمّا وجَّهَه إلى اليمن؛ أمَرَه أن يأخذ مِن كُلّ حالمٍ (١) ديناراً أو عدله من المعافر (٢) " (٣). ثمّ زاد فيها عمر ﵁ فجَعَلَها على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الوَرِق أربعين درهماً، ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام" (٤). وعن ابن أبي نُجيح قال: "قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جُعل ذلك مِن قبَل اليَسار" (٥). فرسول الله ﷺ عَلِم ضعف أهل اليمن، وعمر ﵁ عَلِم غنى أهل الشام وقوّتهم (٦). وقال شيخنا ﵀ في "التعليقات الرضية" (٣/ ٤٩٢) بعد ذكر بعض أقوال الأئمة-: "لعلّ الأقربَ إلى الصواب، أن يُقال أن لا حدّ في الجزية يُرجَع إليه، فيقدّرها ولي الأمر بحسب المصلحة، وبهذا قال ابن تيمية ﵀ ... ". انتهى.

стр. 2569

وجاء في "المغني" (١٠/ ٥٧٥): قال الأثرم: "قيل لأبي عبد الله، فيُزاد اليوم فيه ويُنقص؟ يعني -الجزية- قال: نعم، يُزاد فيه ويُنقص على قَدْر طاقتهم، على قدر ما يرى الإمام". ما يجوز للإمام اشتراطه ويجوز للإمام أن يَشْترِط على أهل الجزية، ضيافة من يمرّ بهم من المسلمين، وإصلاح القناطر -وهي الجسور المتقوّسة المبنية فوق الأنهار لتسهيل العبور-، وأن يدفعوا دِيَة مَن يُقتَل مِن المسلمين بأرضهم. فعن أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵁ " أنّ عمر بن الخطاب ضرَبَ الجزية على أهل الذّهب أربعة دنانير، وعلى أهل الوَرِق أربعين درهماً، ومع ذلك أرزاق المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام" (١). وقال ابن قدامة في "المغني" (١٠/ ٦٠٢): "حديث عمر ﵁ لا شكَّ في صحتة وشهرته بين الصحابة ﵃ وغيرهم، لم يُنكِره مُنكر، ولا خلاف فيه، وعَمِل به مَن بعده من الخلفاء ﵃ فصار إجماعاً لا يجوز الخطأ عليه". الزيادة من غير إجهاد ولا مشقّة ولأثر عمر ﵁ السابق طريق أخرى يرويه شعبة، قال: أخبرني

стр. 2570

الحَكَم قال: "سمعت عمرو بن ميمون، يُحدّث عن عمر بن الخطاب ﵁ فذكره، قال: ثمّ أتاه عثمان بن حنيف، فجعَل يُكلّمه مِن وراء الفسطاط، يقول: والله لئن وضعْتَ على كل جريبٍ (١) من أرضٍ درهماً وقفيزاً (٢) مِنْ طعام، وزدت على كل رأسٍ درهمين؛ لا يشق ذلك عليهم ولا يجهدهم، قال: نعم، فكان ثمانية وأربعين، فجعلها خمسين" (٣). وعن الأحنف بن قيس: "أنّ عمر شرَطَ على أهل الذِّمّة ضيافة يوم وليلة، وأن يُصلحوا القناطر، وإنْ قُتِل رجل من المسلمين بأرضهم؛ فعليهم ديَته" (٤). وقد روى أسلَم عن عمر أنّه ضَرَبَ عليهم ضيافة ثلاثة أيام، كما تقدّم في الأثر قبل هذا، وقال البيهقي: "حدث أسلم أشبه، لأنّ رسول الله ﷺ جعَل الضيافة ثلاثاً، وقد يجوز أن

стр. 2571

يكون جَعَلَها على قومٍ ثلاثاً، وعلى قومٍ يوماً وليلة، ولم يجعل على آخرين ضيافةً؛ كما يختلف صلحه لهم، فلا يَرُدّ بعضُ الحديث بعضاً". وقال شيخنا ﵀: "هذا هو الوجه وقد توبع الأحنف على اليوم والليلة، فقال الشافعي: أنبأ سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب أنّ عمر بن الخطاب فرَض على أهل السواد ضيافة يوم وليلة، فمن حَبَسَه مرض أو مطر أنفَق مِن ماله" (١). تحريم أخْذ ما يَشُقُّ على أهل الجزية عن صفوان بن سليم، عن عِدّةٍ من أبناء أصحاب رسول الله ﷺ عن آبائهم دِنْيةً (٢) عن رسول الله ﷺ قال: "ألا مَن ظلم مُعاهَداً (٣)، أو انتقصَه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخَذ منه شيئاً بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة (٤) " (٥).

стр. 2572

إعفاء من لم يقدر على أدائها ويعفى من الدفع مَن كان عاجزاً عن ذلك لقول الله -تعالى-: ﴿لَا يُكَلِفُ الله نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١) ولقوله ﷺ في الحديث المتقدّم "مَن ظلم معاهداً ... أو كلّفه فوق طاقته، فأنا حجيجه يوم القيامة". وذكر بعض العلماء أنّ الجزية لا تؤخذ مِن الأعمى والزَّمِن، والشيخ الفاني (٢). قلت: قد تكون هذه الأصناف غنيّة فلا تسقط عنها، وإنما تسقط عند العجز عن الدفع، فلا يلزم مِن العمى مثلاً الفقر؛ كما لا يلزم من الإبصار الغنى. لا تُؤخَذ الجزية مِن النساء والصبيان عن نافع عن أسلَم أنّ عمر ﵁ كتَب إلى أمراء الأجناد: "أن يُقاتِلوا في سبيل الله، ولا يُقاتِلوا إلاّ مَنْ قاتَلَهم، ولا يقتُلوا النساء والصبيان، ولا يقتلوا إلاَّ من جَرَت عليه الموسى، وكتَب إلى أمراء الأجناد: أن يضْربوا الجزية، ولا يَضْرِبوها على النّساء والصبيان، ولا يَضْرِبوها إلاّ على مَن جَرَت عليه الموسى" (٣). ثمّ قال أبو عبيد: "وهذا الحديث هو الأصل فيمن تَجِب عليه الجزية، ومَن

стр. 2573

لا تَجِب عليه، ألا تراه إنما جَعَلَها على الذكور المدرِكين، دون الإناث والأطفال، وذلك أنّ الحُكم كان عليهم القتل لو لم يؤدّوها، وأسقطَها عمن لا يستحقّ القتل، وهم الذّرية". قال: وذكَر حديث معاذ الذي قبله: "وقد جاء في كتاب النبيّ ﷺ إلى معاذ باليمن أنّ على كلّ حالمٍ ديناراً، ما فيه تقوية لقول عمر، ألا ترى أنّه ﷺ خَصَّ الحالم دون المرأة والصبي، إلاّ أنّ في بعض ما ذكَرْنا مِن كُتُبِه: "الحالم والحالمة"، فترى -والله أعلم- أنّ المحفوظ مِن ذلك هو الحديث الذي لا ذِكْر للحالمة فيه، لأنه الأمر الذي عليه المسلمون" (١). لا تؤخذ الجزية ممن أسلم ولو كان إسلامه فراراً من دفع الجزية عن عبيد الله بنِ رواحة قال: "كنت مع مسروق بالسلسلة، فحدّثني أنّ رجلاً مِن الشعوب أسلَم، فكانت تُؤخَذ منه الجزية، فأتى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين إني أسلمْتُ والجزية تُؤخَذ منّي. قال: لعلك أسلمت مُتعوِّذاً؟ فقال: أمَا في الإسلام ما يُعيذُني؟ قال: بلى، قال: فكتَب عمر: أن لا تُؤخَذ منه الجزية" (٢).

стр. 2574

قال أبو عبيد: الشعوب: الأعاجم. خَتْم رقابِ أهل الجزية في أعناقهم عن أسلَم قال: "كتب عُمرُ بنُ الخطاب إلى أمراء الأجناد؛ أن اختِموا رقابَ أهلِ الجزية في أعناقهم" (١). بمَ يُنقض العهد *ويُنقَض عهد الذّمّة بالامتناع عن الجزية، أو إباء التزام حُكْم الإسلام؛ إذا حَكَم حاكمٌ به، أو تعدّى على مُسلم بقَتْلٍ، أو بفتنتهِ عن دينه، أو زَنَى بمسلمة، أو أصابها بزواج، أو عَمِلَ عَمَل قوم لوط، أو قطَع طريقاً، أو تجسَّس، أو آوى الجاسوس، أو ذكَر الله أو رسوله أو كتابه أو دينه بسوء، فإنّ هذا ضررٌ يعُمّ المسلمين في أنفسهم وأعراضهم وأموالهم وأخلاقهم ودينهم* (٢). وعن ابن عباس ﵄ "أنّ أعمى كانت له أمّ ولَدٍ تشتم النبيّ ﷺ وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلمّا كانت ذات ليلة جعَلت تقع في النبيّ ﷺ وتشتمه، فأخذ المِغْوَل (٣)، فوضعَه في بطنها، واتكأ عليها فَقَتلها، فوقَع بين رجليها طِفْل، فلطخَت ما هناك بالدم. فلمّا أصبح ذُكِر ذلك لرسول الله ﷺ ، فجمَع النّاس، فقال: أُنشِد الله رجُلاً

стр. 2575

فَعَل ما فعَل لي عليه حقّ، إلاَّ قام، فقام الأعمى يتخطّى الناس، وهو يتزلزل، حتى قعَد بين يديِ النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، كانت تشْتمك، وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مِثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلمّا كانت البارحة، جَعَلَت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المِغْوَل فوضعتُه في بطنها، واتكأتُ عليها حتى قتلتُها، فقال النبيّ ﷺ : ألا اشهدوا أنّ دَمَها هَدَر" (١). ورُفع إلى عمر ﵁ رجلٌ أراد استكراهَ امرأةٍ مسلمة على الزنا، فقال: ما على هذا صالحناكم، فأَمَر به فصُلب في بيت المقدس. فعن سويد بن غفلة قال: "كنّا مع عمرَ بن الخطاب -وهو أمير المؤمنين بالشام-، فأتاه نبطي مضروب مُشجَّج مستعدى، فغضب غضباً شديداً، فقال لصهيب: انظر من صاحب هذا؟ فانطلق صهيب، فإذا هو عوف بن مالك الأشجعي، فقال له: إن أمير المؤمنين قد غضِب غضباً شديداً فلو أتيت معاذ بن جبل، فمشى معك إلى أمير المؤمنين فإني أخاف عليك بادرته، فجاء معه معاذ، فلمّا انصرف عمر من الصلاة قال: أين صهيب؟ فقال: أنا هذا يا أمير المؤمنين، قال: أجئت بالرجل الذي ضرَبَه؟ قال: نعم، فقام إليه معاذ بن جبل فقال: يا أمير المؤمنين إنه عوف بن مالك فاسمع منه ولا تعجَل عليه، فقال له عمر: مالك ولهذا؟ قال: يا أمير المؤمنين رأيته يسوق بامرأةٍ مسلمةٍ، فنخس الحمار ليصرعَها،

стр. 2576

فلم تُصرَع، ثمّ دفعها فخرّت عن الحمار، ثمّ تغشاها، فَفَعلْتُ ما ترى. قال: ائتني بالمرأة لنصدقك، فأتى عوف بالمرأة، فذكر الذي قال له عمر ﵁ قال أبوها وزوجها: ما أردْتَ بصاحبتنا؟ فضَحْتَها! فقالت المرأة: والله لأذهبنّ معه إلى أمير المؤمنين، فلمّا أجمعَت على ذلك، قال أبوها وزوجها: نحن نُبلّغ عنك أمير المؤمنين، فأَتَيا فصدَّقا عوف بن مالك، بما قال. قال: فقال عمر لليهودي: والله ما على هذا عاهدناكم، فَأَمَر به فصُلب ثمّ قال: يا أيها الناس فُوْا (١) بذمّة محمّدٍ ﷺ ، فمن فعَل منهم هذا فلا ذمّة له، قال سويد بن غفلة: وإنه لأوّل مصلوب رأيته" (٢). وعن زياد بن عثمانَ أنّ رجُلاً من النصارى استكرَه امرأةً مسلمةً على نفسها، فرُفع إلى أبي عبيدة بن الجرّاح، فقال: "ما على هذا صالحناكم، فضَرَب عُنقه" (٣). ...

стр. 2577

الغنائم (١) تعريفها: الغنائم، جمع غنيمة، وهي في اللغة، ما يناله الإنسان بسعي، وأَصْل الغُنم: الرِّبح والفضل، يقول الشاعر: وقد طوَّفتُ في الآفاق حتى ... رَضِيتُ مِن الغنيمة بالإياب وفي الشّرع؛ هي المال المأخوذ مِن أعداء الإسلام؛ عن طريق الحرب والقتال. وتشمل الأنواع الآتية: ١ - الأموال المنقولة. ٢ - الأسرى. ٣ - الأرض. وتُسمّى الأنفال -جمع نَفَل- لأنها زيادة في أموال المسلمين، وكانت قبائل العرب في الجاهلية قبل الإسلام إذا حاربت وانتصر بعضها على بعض؛ أخذَت الغنيمة ووزَّعَتْها على المحاربين، وجَعَلَت منها نصيباً كبيراً للرئيس: أشار إليه أحد الشعراء فقال: لك المرباع (٢) منها والصفايا (٣) ... وحُكْمك والنشيطة (٤) والفضول (٥)

стр. 2578

إحلالها لهذه الأمّة دون غيرها وقد أحلَّ الله الغنائم لهذه الأمَّة: فيُرشِد الله -سبحانه- إلى حِلِّ أخْذِ هذه الأموال بقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). ويشير الحديث الصحيح إلى أنّ هذا خاصٌ بالأمّة المسلمة، فإنّ الأمم السابقة لم يكن يحلُّ لها شيءٌ من ذلك. عن جَابِر بْن عَبْدِ اللهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُن أَحَدٌ قَبْلي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُوراً، فَأيمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلي، وَأعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النّاس عامّة" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبيّ ﷺ : "أحلّ الله لنا الغنائم، رأى ضعْفَنا وعَجْزنا فأحلّها لنا" (٣). وجوب المجيء بالغنائم إذا نادى المُنادي في الناس بذلك عن عبد الله بن عمرو قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أصاب غنيمة، أمَرَ بلالاً فنادى في الناس، فيجيئون بغنائمهم، فيخمِّسُه ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزِمامٍ مِن شعر فقال: يا رسول الله هذا فيما كنّا أصبنا من الغنيمة، فقال:

стр. 2579

أسمعتَ بلالاً يُنادي ثلاثاً؟ قال: نعم، قال: فما مَنَعك أن تجيء به؟ فاعتذَرَ فقال: كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبَلَه عنك" (١). كيفية تقسيم الغنائم لقد بيَّن الله كيفية تقسيم الغنائم، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢). قال الإمام الطبري ﵀: "وهذا تعليمٌ من الله المؤمنين قَسْم غنائمهم إذا غَنِموها". واختلفَ أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿فأنَّ لله خُمُسَهُ﴾ والراجح أنها مفتاحُ كلام. وعن قيس بن مسلم قال: "سألْتُ الحسن بن محمّد عن قوله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ قال: هذا مفاتح كلام الله: الدنيا والآخرة لله ... " (٣). فالآية الكريمة نصَّت على الخُمس، وأنه يُصرَف على المصارف التي ذكَرها الله ، وهي: الله ورسوله، وذو القربى، واليتامى،

стр. 2580

والمساكين، وابن السبيل، فيُنفق سهم الله ورسوله على الفقراء، والسلاح والخيل وغير ذلك مِن المصالح العامّة. عن عمرو بن عَبَسة ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ إلى بعيرٍ (١) مِن المغنم، فلمّا سلَّم، أخذ وَبَرَة مِن جنب البعير، ثمّ قال: ولا يَحِلُّ لي مِن غنائمكم مثل هذا إلاّ الخُمس، والخُمس مردودٌ فيكم" (٢). وعن عبادةَ بن الصامت ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ يوم حنين إلى جنب بعيرٍ مِن المقاسم، ثمّ تناوَل شيئاً مِن البعير، فأخَذ منه قَرَدَةً -يعني وَبَرَة (٣) - فجَعل بين إصبعيه، ثمّ قال: يا أيها الناس إنّ هذا مِن غنائمكم، أدّوا الخَيْط والمِخْيَط، فما فوق ذلك، فما دون ذلك، فإنّ الغُلول عارٌ على أهله يوم القيامة وشَنارٌ (٤) ونار" (٥). وفي الحديث: "وأيّما قرية عَصَت الله ورسولَه، فإنّ خمسَها لله ورسوله، ثمّ هي لكم" (٦). قال في "عون المعبود" (٧/ ٣٠٩): "أي مصروفٌ في مصالحكم مِن

стр. 2581

السلاح والخيل وغير ذلك، فيه أنّ أربعة أخماس الغنيمة للغانمين، وأنّها لم تكن لرسول الله ﷺ . قال الشوكانّي: لا يَأْخُذ الإمامُ من الغنيمة إلاَّ الخُمس، ويقسم الباقي منها بين الغانمين، والخُمس الذي يَأخذه أيضاً ليس هو له وحده، بل يجب عليه أن يرُدّه على المسلمين على حسب ما فصَّله الله -تعالى- في كتابه بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ". انتهى. أمّا نفقات رسول الله ﷺ فقد كانت ممّا أفاء الله عليه من أموال بني النضير كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في باب (الفيء). عن ابن عمر ﵄ قال: "رأيت المغانم تُجزّأ خمسة أجزاء، ثمّ يُسْهَم عليها، فما كان لرسول الله ﷺ فهو له يَتَخير" (١). وعن رجل مِن بلقين قال: "أتيت النبيّ ﷺ وهو بوادي القرى فقلت: يا رسول الله لمن المغنم؟ فقال: لله سهم، ولهؤلاء أربعة أسهم، قلت: فهل أحد أحقّ بشيء من المغنم من أحد؟ قال: لا؛ حتى السهم يأخذه أحدكم من حينه؛ فليس بأحقَّ به مِن أخيه" (٢).

стр. 2582

وأمّا الأربعة الأخماس الباقية، فتُعطى للجيش، ويختصُّ بها الذكور، الأحرار، البالغون، العقلاء. جاء في "الروضة الندية" (٢/ ٧٣٢): "وما غَنِمَه الجيش كان لهم أربعةُ أخماسهِ، وخُمُسه يَصرفهُ الإمام في مصارفهِ لقوله -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ قلت: اتفق أهل العلم على أن الغنيمة تُخَمّس، فالخُمُس للأصناف التي ذُكِرت في القرآن، وأربعة أخماسها للغانمين". وسَهْم ذوي القُربى: أي قرابة رسولِ الله، وهم بنو هاشم، وحُلفاؤُهم مِن بني المطلب (١) ممّن آزرَ النبيّ ﷺ وناصَرَه، دون مَن خذَلَه منهم. عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: "مَشَيْتُ أنا وَعثْمانُ بنُ عفانَ إلى رَسُولِ الله ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله أَعْطَيْتَ بَني المطَّلِبِ وتركْتنا، ونحْنُ وَهُمْ منكَ بِمنْزلةٍ وَاحدةٍ، فقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّما بنو المطَّلبِ وبنُو هاشمٍ شيءٌ واحدٌ" (٢). وفي لفظٍ: قال جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: "مَشَيْتُ أنا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى النَبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا: أَعْطَيْتَ بَنِي المطَّلبِ مِنْ خُمْسِ خَيْبَرَ وَتركْتنا وَنحْنُ بِمنْزلَةٍ واحدةٍ مِنْكَ، فقال: إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو المطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، قَالَ جُبَيْرٌ: وَلم يَقْسِمْ النَبِيُّ ﷺ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا" (٣).

стр. 2583

وفي لفظٍ: قال جبير بن مطعم: "لما كان يوم خيبر قَسَم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، فأتيتُ أنا وعُثمان بن عفّان، فقلْنا: يا رسول الله، أمّا بنو هاشم، فلا نُنكر فضلَهم؛ لمكانِك الذي وضعكَ اللهُ بهِ منْهم، فما بالُ إخواننا من بَني المُطلب أعطيتَهم وتركْتَنا، وإنّما نحنُ وَهُمْ بمنزلةٍ واحدة؟! فقال: إنّهم لمْ يفارِقوني في جاهليةٍ ولا إسْلام، وإنّما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، وشبك أصابعه" (١). وقد ثبت عن النبيّ ﷺ أنّه كان سيُعطي منه عمّه العبّاس -وهو غنيّ-، ويُعطي عمّته صفيّة ﵄ (٢). والعبّاس ﵁ كان موسراً في الجاهلية والإسلام؛ كما جزَم بذلك غيرُ واحدٍ من الحُفّاظ؛ منهم أبو جعفر الطحاوي ﵀ (٣). يأخذ الفارس مِن الغنيمة ثلاثة أسهم، والراجل (٤) سهماً عن ابن عمر ﵄ "أنّ رسول الله ﷺ جعَل للفرس سهمين، ولصاحبه سهماً" (٥)، وقد ذهب إلى ذلك الجمهور (٦). وفي لفظٍ: عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قال: "قَسَمَ رَسُولُ الله

стр. 2584

- ﷺ يَوْمَ خيْبرَ لِلْفرَس سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِل سَهْماً، قَالَ: فَسَّرَهُ نَافِعٌ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسٌ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَسٌ فَلَهُ سَهْمٌ" (١). وقال مالك: "يُسهم للخيل والبراذين (٢) منها لقوله: ﴿وَالخيلَ وَالبِغَالَ وَاَلحَمِيرَ لِتَركَبُوهَا (٣)﴾ (٤) ولا يُسهَم لأكثر من فرس" (٥). قال الإمام النّووي ﵀ (١٢/ ٨٣): "واختلف العلماء في سهم الفارس والراجل مِن الغنيمة؛ فقال الجمهور: يكون للراجل سهمٌ واحد وللفارس ثلاثة أسهم، سهمان بسبب فرسه، وسهم بسبب نفسه. ممّن قال بهذا: ابن عباس ومجاهد والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز

стр. 2585

ومالك والأوزاعي والثوري والليث والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وابن جرير وآخرون. وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان فقط، سهم لها وسهم له، قالوا: ولم يقل بقوله هذا أحد إلاَّ ما روي عن علي وأبي موسى. وحُجّة الجمهور هذا الحديث، وهو صريح على رواية مَن روى "للفرس سهمين، وللرجل سهماً" بغير ألف في (الرجل) وهي رواية الأكثرين، ومن روى (وللراجل) روايتهُ محتَملة، فيتعيّنَ حمْلها على موافقة الأولى جمعاً بين الروايتين، قال أصحابنا وغيرهم: ويرفَع هذا الاحتمال ما وَرَدَ مُفسَّراً في غير هذه الرواية، في حديث ابن عمر هذا؛ من رواية أبي معاوية وعبد الله بن نمير وأبي أسامة وغيرهم بإسنادهم عنه "أن رسول الله ﷺ أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه"، ومِثْلُه من رواية ابن عباس وأبي عمرة الأنصاري ﵃. والله أعلم". أقول: المراد مِن قوله ﷺ "جعَل للفرس سهمين، ولصاحبه سهماً" أي غير سهمي الفرس، فيصير للفارس ثلاثة أسهم كما قال الحافظ ﵀: "وسيأتي في غزوة خيبر أنّ نافعاً فسّره كذلك، ولفظه: "إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم" (١). وعن أبي عمرة عن أبيه قال: "أتينا رسول الله ﷺ أربعةَ نَفَر، ومعنا فرس،

стр. 2586

فأعطى كلّ إنسان منّا سهماً، وأعطى للفرس سهمين" (١). قال أبو داود ﵀: وعن أبي عمرة -بمعناه- إلاَّ أنّه قال: "ثلاثة نفر: فزاد: فكان للفارس ثلاثة أسهم" (٢). يستوي في الغنائم مِن أفراد الجيش القوي والضعيف ومَن قاتَل ومن لم يُقاتِل وَيستوي فيما تقدم مِن تقسيم الغنائم؛ القوي والضعيف، ومَن قاتَل ومن لم يُقاتل مِن أفراد الجيش. عن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ يوم بدر: "مَن فَعَل كذا وكذا؛ فله من النفل كذا وكذا. قال: فتقدَّم الفتيان، ولَزِم المشيخةُ الراياتِ فلم يبرحوها، فلمّا فتح الله عليهم، قال المشيخة: كنا ردْءاً (٣) لكم، لو انهزمتم لفِئْتُم إلينا فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى. فأبى الفِتيان وقالوا: جعَلَه رسول الله ﷺ لنا، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ (٤). يقول: فكان ذلك خيراً لهم، فكذلك أيضاً فأطيعوني فإني أعلم بعاقبة هذا منكم، زاد في رواية: "فقسَمَها رسول الله ﷺ بالسواء" (٥).

стр. 2587

وعن مصعب بن سعد قال: "رأى سعد ﵁ أنّ له فضلاً على مَن دونه، فقال النبيّ ﷺ : هل تُنصَرون وتُرزقون إلاّ بضعفائكم" (١). قال الحافظ ﵀ "الفتح": "وعلى هذا؛ فالمراد بالفضل؛ إرادة الزيادة مِن الغنيمة، فأعلَمَه ﷺ أنّ سهام المقاتِلة سواء؛ فإنْ كان القوي يترجّح بفضل شجاعته فإن الضعيف يترجّح بفضل دعائه وإخلاصه". ويستوي كذلك في تقسيم الغنائم مَن تغيَّب لعُذر، أو مَن بعَثَه الأمير لمصلحةِ الجيش. فعن ابن عمر ﵄ قال: "إنما تغيّب عثمانُ عن بدر، فإنّه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ ، وكانت مريضة، فقال له النبيّ ﷺ : إنّ لك أجرَ رجُلٍ ممن شهِد بدراً وسهمَه" (٢). وجاء في "الروضة النديّة" (٢/ ٧٣٦) وفي كتاب حُجّة الله البالغة: "ومَن بَعثَه الأمير لمصلحة الجيش؛ كالبريد، والطليعة، والجاسوس؛ يُسهَم له، وإن لم يَحْضُر الواقعة، كما كان لعثمان يوم بدر". السَّلَب للقاتل السَّلَب: هو ما يأخذه المقاتل في الحرب مِن المقتول، ممّا يكون عليه،

стр. 2588

ومعه من سلاح وثياب ودابّة وغيرها، وهو (فَعَل) بمعنى (مفَعول) أي: مسلوب (١). وللإمام أو القائد أن يُحفّز المجاهدين في سبيل الله، وأن يُرَغّبهم بأخذ سَلَب المقتول والتفرّد به. عن أبي قتادة ﵁ قال: "مَن قَتَل قتيلاً له عليه بيّنة؛ فله سَلَبُهُ" (٢). وعن أنس بن مالك ﵁: "أنّ رسول الله ﷺ قال يوم حُنين: مَن قتل قتيلاً فله سلَبُه، فقَتَل أبو طلحة يومئذٍ عشرين رجلاً، وأخَذَ أسلابهم" (٣). وعن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد ﵄: "أنّ رسول الله ﷺ قضى بالسَّلب للقاتل، ولم يُخمّس السَّلب" (٤). وعن سَلمةَ بن الأكوع عن أبيه قال: "أتى النبيّ ﷺ عينٌ من المشركين -وهو في سفر- فجلَس عند أصحابه يتحدّث، ثمّ انفَتَل، فقال النبيّ ﷺ اطلبوه واقتلوه، فقَتَلَه، فنفَّله (٥) سَلَبَه" (٦).

стр. 2589

تخميس السَّلَب إذا بلغ مالاً كثيراً لقد تقدّم أنّ رسول الله ﷺ قضى بالسَّلَب للقاتل، ولم يُخمّس السَّلَب، ولكن وردت بعض الآثار في التخميس. فقد بارز البراء مرزبان الزارة (١) فقتله، فبلغ سواره ومِنطَقَته (٢)، ثلاثين ألفاً فخمّسه (٣) عمر ودفَعَه إليه. عن أنس بن مالك: أنّ البراء بن مالك أخا أنس بن مالك؛ بارز مرزبان الزارة، فطَعنه طعنة فكسر القَرَبوس (٤)، وخَلص إليه فَقَتَله، فقوَّم سَلَبَه ثلاثين ألفا، فلمّا صلّينا الصبح، غدا علينا عمر، فقال لأبي طلحة: إنّا كنّا لا نُخمِّس الأسلاب، وإنَّ سَلَب البراء قد بلغ مالاً، ولا أرانا إلاَّ خامسيه، فقوَّمناه ثلاثين ألفا، فدفَعْنا إلى عمر ستة آلاف" (٥). وفي لفظ: "إن أول سَلَبٍ خمّس في الإسلام، سَلَب البراء بن مالك، كان حَمَل على المرزبان فطعَنه، فقتَله، وتفرّق عنه أصحابه، فنزل إليه، فأخذ منطقته وسواريه، فلمّا قَدِم، مشى عمر بن الخطاب ﵁، حتى أتى أبا طلحة الأنصاري ... " فذكره مثل رواية الطحاوي، دون قوله في آخرها:

стр. 2590

"فدفعنا إلى عمر ستة آلاف" (١). وفي لفظ: "فنَفَلَه السلاح وقوّم المنطقة ثلاثين ألفاً، فخمَّسَها، وقال: إنها مال" (٢). أقول: ولا تعارُض بين عدم تخميسه ﷺ السَّلَب، وبين فِعْل عمر ﵁، لأنّ السَّلَب الذي عُرف بقيمته المتداولة الشائعة؛ هو الذي لا يُخمَّس، أمّا إذا بلغَ مالاً كثيراً؛ فإنّه يُخمّس ليكون النفع أكثر، والفائدة أعمّ، مع تحقيق معنى استفادة المقاتل مِن ذلك، والله -تعالى- أعلم. الرّضخ (٣) من الغنيمة لمن حضر وَيرْضَخ الإمامُ لمن حضَر، مِن النساء والعبيد -ممن لا سهم له في الغنيمة-. عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ "أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْألهُ عَنْ خَمْسِ خِلَالٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ، كَتَبَ إِلَيْهِ نَجْدَةُ: أَمَّا بَعْدُ فَأَخْبِرْنِي هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنِّسَاءِ؟ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لهُنَّ بِسَهْمٍ؟ وَهَلْ كَانَ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ؟ وَمَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟ وَعَنْ الْخُمْسِ لمِنْ هُوَ؟ فكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتبتَ تَسْألُني هَلْ كَانَ رَسُولُ ﷺ ِيَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟

стр. 2591

وَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ فَيُدَاوِينَ الجرْحَى وَيُحْذَيْنَ (١) مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ لهُنَّ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لم يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ، فَلَا تَقْتُلْ الصِّبْيَانَ. وَكَتَبْتَ تَسْألنِي مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتيمِ؛ فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لتنْبُتُ لحيَتُهُ وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا، فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا يَأْخُذُ النّاس؛ فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْمُ. وَكَتَبْتَ تَسْألنِي عَنْ الْخُمْسِ لمِنْ هُوَ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ: هُوَ لَنَا فَأبى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاكَ" (٢). وفي رواية: "وسألت عن المرأة والعبد: هل كان لهما سهم معلوم إذا حضروا البأس؟ فإنهم لم يكن لهم سهمٌ معلوم إلاَّ أن يُحذَيا مِن غنائم القوم" (٣). وفي زيادة: "وأما العبد فليس له من المغنم نصيب، ولكنهم قد كان يُرضَخ لهم" (٤). وعن عمير مولى آبي اللحم قال: "شَهِدْت خيبر مع سادتي، فكلّموا فيَّ رسول الله ﷺ فأمَرَ بي، فقُلّدْتُ سيفاً، فإذا أنا أجرّه (٥)، فأُخبِر أني مملوك، فأَمَر لي

стр. 2592

بشيء مِن خُرثيِّ المتاع (١) " (٢). وعن ثابت بن حارث الأنصاري ﵁ قال: "قسَم رسول الله ﷺ يوم خيبر؛ لسهلةَ بنتِ عاصم بن عدي، ولابنةٍ لها وُلِدَت" (٣). وعن زينب امرأة عبد الله الثقفية " أنّ النبيّ ﷺ أعطاها بخيبر خمسين وَسْقاً (٤) تمراً، وعشرين وسْقاً شعيراً بالمدينة" (٥). جواز تنفيل بعض الجيش مِن الغنيمة يجوز للإمام تنفيل بعض الجيش، وإعطاؤهم سوى قسم عامّة الجيش، إذا كان لهم مِن العناية، والمقاتلة ما لم تكن لغيرهم. عن ابن عمر ﵄ "أنّ رسول الله ﷺ بعَثَ سرِيّة فيها عبد الله بن عمر قِبَلَ نجد، فغنموا إبلاً كثيرة، فكانت سُهمانهم اثني عشَر بعيراً، أو أحدَ

стр. 2593

عشَر بعيراً، ونُفِّلوا بعيراً بعيراً" (١). وفي رواية: قال ابن عمر ﵄: "بَعَثنا رسول الله ﷺ في جيش قِبَلَ نجدٍ، وانبعثت سرية من الجيش، فكان سُهمان الجيش اثني عشَر بعيراً، اثني عشر بعيراً، ونفل أهل السريّة (٢) بعيراً بعيراً، فكانت سُهْمانُهُم (٣) ثلاثةَ عشَر ثلاثةَ عشَر" (٤). جاء في "عون المعبود" (٧/ ٢٩٦): "فيه دليلٌ على أنّه يجوز للإمام أن يُنفِّل بعض الجيش ببعض الغنيمة، إذا كان له مِن العناية والمقاتلة ما لم يكن لغيره". وعَن ابن عمر ﵄: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَدْ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنْ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قَسْمِ عامّة الجيْشِ [وَالْخُمْسُ فِي ذَلِكَ وَاجِبٌ كُلِّهِ (٥)] " (٦). جاء في "عون المعبود" (٧/ ٣٠٠): "وهذا تصريحٌ بوجوب الخُمُس في كل الغنائم، قاله النّووي، وقال في "فتح الودود": يفيد أنّ الخُمُس يُؤخَذ أولاً من الغنيمة، ثمّ يُنفَّل من الباقي ثمّ يُقْسم ما بقي".

стр. 2594

وعن حبيب بن مسلمة الفهري ﵁ أنّه قال: "كان رسول الله ﷺ يُنفل الثلث بعد الخُمُس" (١). وعنه: "أنّ رسول الله ﷺ كان يُنفّل الرُّبع (٢) بعد الخُمس (٣)، والثُّلث بعد الخُمس، إذا قَفَل (٤) " (٥). وعن أبي وَهْبٍ يَقُولُ: "سَمِعْتُ مَكْحُولاً يَقُولُ: كُنْتُ عَبْداً بِمِصْرَ لِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي هُذَيْلٍ، فَأَعْتَقَتْنِي، فَما خَرَجتُ مِنْ مِصْرَ وَبِهَا عِلْمٌ إِلا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أرَى، ثُمَّ آليْتُ الحجَازَ، فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إِلَّا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُمَّ أتيْتُ الْعِرَاقَ، فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إِلا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُمَّ أَتَيْتُ الشَّامَ، فَغَرْبَلْتُهَا، كُلُّ ذَلِكَ أَسْأل عَنْ النَّفَلِ، فَلَمْ أَجِدْ أحَدًا يُخْبِرُنِي فِيهِ بِشَيْءٍ، حَتَّى لَقِيتُ شَيْخاً يُقَالُ لَهُ زِيَادُ بْنُ جَارِيَةَ التَّمِيمِيُّ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ فِي النّفلِ شَيْئاً؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ يَقُولُ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ نَفَّلَ الرُّبُعَ فِي الْبَدْأَةِ، وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ" (٦). وجاء في "عون المعبود" (٧/ ٣٠٠): "وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال مكحول والأوزاعي: لا يجاوز بالنّفل الثُّلُث، وقال الشافعي: ليس في النّفل حدٌّ

стр. 2595

لا يُجاوَز؛ إنما هو اجتهاد الإمام". انتهى. قلت: هو اجتهاد الإمام بما ورَد في النّصوص. ردّ أموال وسبايا التائبين عن ابن شهاب قال: وزعم عروة أنّ مروانَ بن الحكم والمِسْوَرَ بن مَخْرَمَةَ ﵄ أخبراه: "أنّ رسول الله ﷺ قامَ حين جاءه وفْدُ هوازنَ مسلمين، فسألوه أن يَرُدّ إليهم أموالهم وسبْيَهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : أحبُّ الحديثِ إليّ أصدقُه، فاختاروا إحدى الطائفتين إمّا السبي وإمّا المال، وقد كنت استأنَيت (١) بهم، وقد كان رسول الله ﷺ انتظَرَهم بضعَ عشَرةَ ليلةً؛ حين قَفَل من الطائف، فلمّا تبيّن لهم أنّ رسول الله ﷺ غيرُ رادٍّ إليهم إلاَّ إحدى الطائفتين؛ قالوا: فإنّا نختار سَبْيَنا. فقام رسول الله ﷺ في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله ثمّ قال: أمّا بعد؛ فإنّ إخوانكم هؤلاء قد جاءونا تائبين، وإنّي قد رأيت أن أردّ إليهم سبْيَهم، فمن أحبَّ منكم أن يَطيب بذلك فليفعل، ومَن أحبَّ منكم أن يكون على حظّه حتى نعطيَه إياه مِن أوّل ما يفيء الله علينا فليفعل. فقال النّاس: قد طيّبنا ذلك لرسول الله ﷺ لهم، فقال رسول الله ﷺ : إنا لا ندري مَنْ أذِن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يَرفَعَ إلينا عرفاؤكم أمرَكم، فرجَع النّاس فكلَّمهم عرفاؤهم ثمّ رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه
следующие страницы →