← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ فَيُدَاوِينَ الجرْحَى وَيُحْذَيْنَ (١) مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ لهُنَّ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لم يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ، فَلَا تَقْتُلْ الصِّبْيَانَ. وَكَتَبْتَ تَسْألنِي مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتيمِ؛ فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لتنْبُتُ لحيَتُهُ وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا، فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا يَأْخُذُ النّاس؛ فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْمُ. وَكَتَبْتَ تَسْألنِي عَنْ الْخُمْسِ لمِنْ هُوَ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ: هُوَ لَنَا فَأبى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاكَ" (٢). وفي رواية: "وسألت عن المرأة والعبد: هل كان لهما سهم معلوم إذا حضروا البأس؟ فإنهم لم يكن لهم سهمٌ معلوم إلاَّ أن يُحذَيا مِن غنائم القوم" (٣). وفي زيادة: "وأما العبد فليس له من المغنم نصيب، ولكنهم قد كان يُرضَخ لهم" (٤). وعن عمير مولى آبي اللحم قال: "شَهِدْت خيبر مع سادتي، فكلّموا فيَّ رسول الله ﷺ فأمَرَ بي، فقُلّدْتُ سيفاً، فإذا أنا أجرّه (٥)، فأُخبِر أني مملوك، فأَمَر لي

стр. 2592

بشيء مِن خُرثيِّ المتاع (١) " (٢). وعن ثابت بن حارث الأنصاري ﵁ قال: "قسَم رسول الله ﷺ يوم خيبر؛ لسهلةَ بنتِ عاصم بن عدي، ولابنةٍ لها وُلِدَت" (٣). وعن زينب امرأة عبد الله الثقفية " أنّ النبيّ ﷺ أعطاها بخيبر خمسين وَسْقاً (٤) تمراً، وعشرين وسْقاً شعيراً بالمدينة" (٥). جواز تنفيل بعض الجيش مِن الغنيمة يجوز للإمام تنفيل بعض الجيش، وإعطاؤهم سوى قسم عامّة الجيش، إذا كان لهم مِن العناية، والمقاتلة ما لم تكن لغيرهم. عن ابن عمر ﵄ "أنّ رسول الله ﷺ بعَثَ سرِيّة فيها عبد الله بن عمر قِبَلَ نجد، فغنموا إبلاً كثيرة، فكانت سُهمانهم اثني عشَر بعيراً، أو أحدَ

стр. 2593

عشَر بعيراً، ونُفِّلوا بعيراً بعيراً" (١). وفي رواية: قال ابن عمر ﵄: "بَعَثنا رسول الله ﷺ في جيش قِبَلَ نجدٍ، وانبعثت سرية من الجيش، فكان سُهمان الجيش اثني عشَر بعيراً، اثني عشر بعيراً، ونفل أهل السريّة (٢) بعيراً بعيراً، فكانت سُهْمانُهُم (٣) ثلاثةَ عشَر ثلاثةَ عشَر" (٤). جاء في "عون المعبود" (٧/ ٢٩٦): "فيه دليلٌ على أنّه يجوز للإمام أن يُنفِّل بعض الجيش ببعض الغنيمة، إذا كان له مِن العناية والمقاتلة ما لم يكن لغيره". وعَن ابن عمر ﵄: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَدْ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنْ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قَسْمِ عامّة الجيْشِ [وَالْخُمْسُ فِي ذَلِكَ وَاجِبٌ كُلِّهِ (٥)] " (٦). جاء في "عون المعبود" (٧/ ٣٠٠): "وهذا تصريحٌ بوجوب الخُمُس في كل الغنائم، قاله النّووي، وقال في "فتح الودود": يفيد أنّ الخُمُس يُؤخَذ أولاً من الغنيمة، ثمّ يُنفَّل من الباقي ثمّ يُقْسم ما بقي".

стр. 2594

وعن حبيب بن مسلمة الفهري ﵁ أنّه قال: "كان رسول الله ﷺ يُنفل الثلث بعد الخُمُس" (١). وعنه: "أنّ رسول الله ﷺ كان يُنفّل الرُّبع (٢) بعد الخُمس (٣)، والثُّلث بعد الخُمس، إذا قَفَل (٤) " (٥). وعن أبي وَهْبٍ يَقُولُ: "سَمِعْتُ مَكْحُولاً يَقُولُ: كُنْتُ عَبْداً بِمِصْرَ لِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي هُذَيْلٍ، فَأَعْتَقَتْنِي، فَما خَرَجتُ مِنْ مِصْرَ وَبِهَا عِلْمٌ إِلا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أرَى، ثُمَّ آليْتُ الحجَازَ، فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إِلَّا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُمَّ أتيْتُ الْعِرَاقَ، فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إِلا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُمَّ أَتَيْتُ الشَّامَ، فَغَرْبَلْتُهَا، كُلُّ ذَلِكَ أَسْأل عَنْ النَّفَلِ، فَلَمْ أَجِدْ أحَدًا يُخْبِرُنِي فِيهِ بِشَيْءٍ، حَتَّى لَقِيتُ شَيْخاً يُقَالُ لَهُ زِيَادُ بْنُ جَارِيَةَ التَّمِيمِيُّ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ فِي النّفلِ شَيْئاً؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ يَقُولُ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ نَفَّلَ الرُّبُعَ فِي الْبَدْأَةِ، وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ" (٦). وجاء في "عون المعبود" (٧/ ٣٠٠): "وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال مكحول والأوزاعي: لا يجاوز بالنّفل الثُّلُث، وقال الشافعي: ليس في النّفل حدٌّ

стр. 2595

لا يُجاوَز؛ إنما هو اجتهاد الإمام". انتهى. قلت: هو اجتهاد الإمام بما ورَد في النّصوص. ردّ أموال وسبايا التائبين عن ابن شهاب قال: وزعم عروة أنّ مروانَ بن الحكم والمِسْوَرَ بن مَخْرَمَةَ ﵄ أخبراه: "أنّ رسول الله ﷺ قامَ حين جاءه وفْدُ هوازنَ مسلمين، فسألوه أن يَرُدّ إليهم أموالهم وسبْيَهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : أحبُّ الحديثِ إليّ أصدقُه، فاختاروا إحدى الطائفتين إمّا السبي وإمّا المال، وقد كنت استأنَيت (١) بهم، وقد كان رسول الله ﷺ انتظَرَهم بضعَ عشَرةَ ليلةً؛ حين قَفَل من الطائف، فلمّا تبيّن لهم أنّ رسول الله ﷺ غيرُ رادٍّ إليهم إلاَّ إحدى الطائفتين؛ قالوا: فإنّا نختار سَبْيَنا. فقام رسول الله ﷺ في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله ثمّ قال: أمّا بعد؛ فإنّ إخوانكم هؤلاء قد جاءونا تائبين، وإنّي قد رأيت أن أردّ إليهم سبْيَهم، فمن أحبَّ منكم أن يَطيب بذلك فليفعل، ومَن أحبَّ منكم أن يكون على حظّه حتى نعطيَه إياه مِن أوّل ما يفيء الله علينا فليفعل. فقال النّاس: قد طيّبنا ذلك لرسول الله ﷺ لهم، فقال رسول الله ﷺ : إنا لا ندري مَنْ أذِن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يَرفَعَ إلينا عرفاؤكم أمرَكم، فرجَع النّاس فكلَّمهم عرفاؤهم ثمّ رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه

стр. 2596

أنهم قد طيَّبوا وأذِنوا" (١). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "أعطَى رسول الله ﷺ عمرَ ابن الخطاب جارية من سَبْيِ هوازن، فوهَبَها لي فبعثْتُ بها إلى أخوالي من بني جمح ليُصلحوا لي منها، حتى أطوف بالبيت، ثمّ آتيَهم وأنا أريد أن أصيبَها إذا رجعْت إليها. قال: فخرجْت مِن المسجد حين فرغْتُ فإذا النّاس يشتدّون، فقُلت: ما شأنكم؟ قالوا: ردَّ علينا رسول الله ﷺ أبناءنا ونساءنا، قال: قلت: تلك صاحبتكم في بني جمح، فاذهبوا فخذوها، فذهبوا فأخَذوها" (٢). إذا غنم المشركون مال المسلم ثمّ وجده المسلم (٣) إذا غنم المشركون مال المسلم، أو وجد المسلم ماله عند الأعداء، فإنّه يُرَدُّ على صاحبه، ولا يُضاف إلى الغنائم ولا يُخمّس. عن ابن عمر ﵄ قال: "ذهَب (٤) فرسٌ له فأخذَه العدوّ، فظَهر عليه المسلمون، فرُدَّ عليه في زمن رسول الله ﷺ ، وأَبَقَ (٥) عبدٌ له، فَلَحِقَ بالروم، فظَهر عليه المسلمون، فردَّه عليه خالد بن الوليد بعد النبيّ ﷺ " (٦).

стр. 2597

وعن عمرانَ بن حصين قال: "كانت ثقيفُ حلفاءَ لبني عُقَيل، فأسرَت ثقيفُ رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأسَر أصحاب رسول الله رجُلاً من بني عُقيلٍ، وأصابوا معه العضباء [وذكر الحديث إلى أن قال:] وأُسِرت امرأةٌ مِن الأنصار، وأصيبت العضباء، فكانت المرأة في الوَثاق، وكان القوم يُريِحُون نَعَمَهُم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذاتَ ليلةٍ مِن الوَثاق، فأتت الإِبِلَ؛ فجعَلت إذا دنَت من البعير رغا فتتركه، حتى تنتهي إلى العضباء، فلم تَرْغُ، قال: وناقة مُنَوّقَة (١)، فقعدَت في عَجُزِها ثمّ زجَرَتْها فانطلَقت ونذِروا بها (٢) فطلبوها، فأعجَزَتْهم، قال: ونَذَرت لله إنْ نجاها الله عليها لتنحَرَنَّها. فلمّا قَدِمت المدينة رآها النّاس فقالوا: العضباء ناقةُ رسولِ الله ﷺ فقالت: إنها نَذَرَت إنْ نجّاها الله عليها لتنحرنّها، فأتَوا رسول الله ﷺ ، فذكروا ذلك له. فقال: سبحان الله بئسما جَزَتْها، نَذَرت لله إنْ نجّاها الله عليها لتنحرَنَّها، لا وفاء لنذرٍ في معصية ولا فيما لا يملك العبد" (٣). إذا أسلَم قومٌ في دار حرب ولهم مالٌ أو أرضون (٤) فهي لهم (٥) عن صخر بن عيلة "إنّ قوماً مِن بني سليم؛ فرّوا عن أرضهم حين جاء الإسلام، فأخَذْتُها فأسلموا، فخاصموني فيها إلى النبيّ ﷺ ، فردَّها عليهم وقال:

стр. 2598

إذا أسلَم الرجل فهو أحقّ بأرضه وماله" (١). قال الإمام البخاري ﵀ (باب إذا أسلم قوم ... ) وذكر العنوان السابق ثم ذكر تحته حديثين (٢). قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٦/ ١٧٥): "أشار [أي: الإمام البخاري ﵀] بذلك إلى الردّ على من قال مِن الحنفية إنّ الحربي إذا أسلَم في دار الحرب، وأقام بها حتى غلَب المسلمون عليها، فهو أحقُّ بجميع ماله إلاَّ أرضَه وعقاره، فإنّها تكون فيئاً للمسلمين، وقد خالفَهم أبو يوسف في ذلك فوافق الجمهور ... ". ثمّ ذكَر حديث صخر بن عيلة المتقدّم، وأشار شيخنا إلى استدلال الحافظ -رحمهما الله- في "الصحيحة" (١٢٣٠). جاء في "السيل الجرار" (٤/ ٥٥٤): "الإسلام عصمةٌ لمال الرجل ولأولاده الذين لم يبلغوا، فمَن زعَم أنّه يَحِلُّ شيءٌ مِن مال مَن أسلم؛ لكون المال في دار الحرب؛ لم يُقبل منه ذلك إلاّ بدليلٍ يدلّ على النقل مِن عصمة الإسلام، ولا دليل ... فإنّ الأحاديث الصحيحة المُصرّحة بأنّ الكُفَّار إذا تكلَّموا بكلمة الإسلام؛ عصموا بها دماءهم وأموالهم، يُغني عن غيرها ... ". انتهى. قلت: يُشير ﵀ إلى حديث: ابن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "أُمِرتُ أنْ أُقاتِل النّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأنّ محمداً

стр. 2599

رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعَلوا؛ ذلك فقد عصَموا منّي دماءهم وأموالهم؛ إلاَّ بحقّ الإسلام وحسابهم على الله" (١). حُكم الأرض المغنومة (٢) الأرض المغنومة أمْرُها إلى الإمام، يفعل الأصلح مِن قِسمَتها، أو ترْكِها مشتركةً بين الغانمين، أو بين جميعِ المسلمين، لأنّ النبيّ ﵌ قَسَم نصفَ أرض خيبر بين المسلمين، وجَعل النصف الآخر لمن ينزل به مِن الوفود والأمور ونوائبِ الناس. فعن بُشير بن يَسار مولى الأنصار، عن رجالٍ مِن أصحاب النبيّ ﷺ "أنّ رسول الله ﷺ لما ظَهَر على خيبر؛ قسَّمها على ستة وثلاثين سهماً، جمَع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله ﷺ وللمسلمين النصفُ مِن ذلك، وعزَل النصف الباقي؛ لمن نَزَل به من الوفود والأمور ونوائب النّاس" (٣). وفي رواية مِن حديث سهل بن أبي حثمة ﵁ قال: "قَسَم رسول الله ﷺ خيبر نصفين: نصفاً لنوائبه وحاجته، ونصفاً بين المسلمين، قسَمَها بينهم على ثمانيةَ عشَرَ سهماً" (٤). وقد ترَك الصحابة ما غَنِموه من الأراضي مُشترَكَةً بين جميع المسلمين،

стр. 2600

يَقسِمون خَراجها بينهم، وقد ذهَب إلى هذا جمهور الصحابة ومَن بعدهم، وعمل عليه الخلفاء الراشدون ﵃. وعن أبي هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : أيُّما قريةٍ أتيتموها وأقمتم فيها؛ فسَهْمُكم فيها، وأيُّما قريةٍ عَصت الله ورسوله؛ فإنَّ خُمُسَها لله ولرسوله، ثمّ هي لكم" (١). وجاء في "الروضة الندية" (٢/ ٧٥٦): أقول: قسمة الأموال المجتمعة للمسلمين مِن: خراجٍ، ومعاملةٍ، وجزيةٍ، وصُلحٍ، وغير ذلك؛ ينبغي تفويض قِسْمتها إلى الإمام العادل الذي يمحض النّصح لرعيته، ويبذْل جهده في مصالحهم، فيَقْسِم بينهم ما يقوم بكفايتهم، ويدَّخر لحوادثهم ما يقوم بدفعها. ولا يلزمه في ذلك سلوكُ طريقٍ مُعيَّنة سلَكَها السلف الصالح، فإنّ الأحوال تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فإنْ رأى الصلاح في تقسيم ما حَصل في بيت المال في كلّ عامٍ فعَل، وإنْ رأى الصلاح في تقسيمه في الشهر أو الأسبوع أو اليوم فَعَل. ثمّ إذا فاضَ مِن بيتِ مال المسلمين على ما يقوم بكفايتهم، وما يدخِر لدفْع ما ينوبهم، جعل ذلك في مُناجزة الكَفَرة، وفتْح ديارِهم، وتكثير جهاتِ المسلمين، وفي تكثير الجيوش والخيل والسلاح، فإنّ تقويةَ جيوش المسلمين هي الأصلُ الأصيل في دفْع المفاسد وجَلْبِ المصالح.

стр. 2601

ومِن أعظم موجبات تكثيرِ بيت المال وتوسيع دائرته؛ العدلُ في الرعية، وعدمُ الجور عليهم، والقَبولُ من مُحْسِنهم، والتجاوزُ عن مسيئهم، وهذا معلومٌ بالاستقراء في جميعِ دول الإسلام والكُفر ... ". وعن زيدٍ عن أبيه أنّه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "أما والذي نفسي بيده؛ لولا أن أتركَ آخر النّاس بَبَّاناً (١) ليس لهم شيء ما فُتِحت عليَّ قرية إلاَّ قَسمْتُها كما قسَم النبيّ ﷺ خيبر، ولكنّي أتركها خِزانةً لهم يقتسمونها (٢) " (٣). وفي رواية: "لولا آخر المسلمين؛ ما فُتِحَت عليهم قرية، إلاّ قسمْتُها كما قسَم النبيّ ﷺ خيبر" (٤).

стр. 2602

الغُلول تعريفه: الغلول: هو الخيانة في المغنم، والسّرقة مِن الغنيمة قبل القِسمة (١). تحريم الغُلول: قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢). عن ابن عباس ﵄ في قوله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾، قال: "ما كان لنبيّ أن يتَّهمَه أصحابُه (٣) " (٤). وفي رواية: قال ابن عباس ﵄: "نزلت هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ في قطيفة حمراء فُقِدت يوم بدر، فقال بعضُ النّاس: لعلّ رسول الله ﷺ أخذها، فأنزل الله- ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ إلى آخر الآية" (٥). وعن أبي هريرة ﵁ قال: "خَرجْنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر، فلم نغنم ذهباً ولا فضة؛ إلاّ الأموال والثياب والمتاع، فأهدى رجل من بني الضُّبَيب -يقال له: رِفاعة بن زيد- لرسول الله ﷺ غلاماً يقال له مِدعَم، فوجَّه

стр. 2603

رسول الله ﷺ إلى وادي القُرى، حتى إذا كان بوادي القُرى -بينما مِدْعَم يحطُّ رَحْلاً لرسول الله ﷺ إذا سهْمٌ عائر (١) فقتَله، فقال النّاس: هنيئاً له الجنّة. فقال رسول الله ﷺ : كلاّ؛ والذي نفسي بيده؛ إنّ الشملة (٢) التي أخذَها يوم خيبر مِن المغانم؛ لم تُصبها المقاسم، لتَشْتَعل عليه ناراً، فلمّا سَمِع ذلك النّاس جاء رجل بشِراكٍ (٣) أو شِراكين إلى النبيّ ﷺ فقال: شِراك من نار أو شِراكان من نار" (٤). وعن عمرَ بن الخطاب ﵁ قال: "لمّا كان يومُ خيبر أقْبَل نفرٌ مِن صحابة النبيّ ﷺ ، فقالوا: فلانٌ شهيد، فلانٌ شهيد، حتى مرّوا على رجلٍ فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله ﷺ : كلاّ إني رأيته في النار في بُردةٍ (٥) غلَّها أو عباءةٍ" (٦).

стр. 2604

وعن أبي هريرة ﵁ قال: "قام فينا النبيّ ﷺ فذكَر الغلول فعظَّمَه، وعظَّم أمْرَه، قال: "لا أُلفِيَنَّ (١) أحدكم يوم القيامة؛ على رقبته شاةٌ لها ثُغاء (٢)، وعلى رقبته فرسٌ له حَمْحَمَة (٣) " (٤). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "كان على ثَقَل (٥) النبيّ ﷺ رجلٌ يقال له كِركَرة، فمات، فقال رسول الله ﷺ : هو في النار، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءةً قد غلَّها" (٦). وعن أبي أمامة ﵁ عن النبيّ ﷺ "أنّه نهى أن تُباع السهام حتى تُقسم" (٧). وعن عبادةَ بن الصامت ﵁ أنّ النبيّ ﷺ كان يقول: "أدّوا الخِياط والمِخْيَط (٨)، وإيّاكم والغُلول، فإنّه عارٌ على أهله يوم القيامة" (٩).

стр. 2605

ما يجوز الانتفاع به قبل قسمة الغنائم يُباح للمقاتلين أن ينتفعوا بالطعام وعَلَف الدواب؛ ما داموا في أرض العدوّ، قبل أنْ تُقسّم عليهم. عن عبد الله بن مُغَفَّلٍ ﵁ قال: "كنّا محاصِرين قصرَ خيبر، فرمى إنسانٌ بجرابٍ (١) فيه شحم، فنزوت (٢) لآخذه، فالتفتُّ، فإذا النبيّ ﷺ فاستحييتُ منه" (٣). وفي رواية " فالتَفَتُّ فإذا رسول الله ﷺ مُتبسّماً" (٤). وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: "أصبنا طعاماً يوم خيبر، فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثمّ ينصرف" (٥). وعن ابن -عمر ﵄ " كنّا نُصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه (٦) " (٧).

стр. 2606

جاء في "الروضة النديّة" (٢/ ٧٤٥): "قال مالك في "الموطأ": لا أرى بأساً أن يأكُل المسلمون إذا دخلوا أرض العدو مِن طعامهم؛ ما وجدوا مِن ذلك كلّه، قبل أن تقع في المقاسم". وقال أيضاً: "أنا أرى الإبل والبقر والغنم بمنزلة الطعام؛ يأكُلُ منه المسلمون إذا دخَلوا أرض العدو؛ كما يأكلون الطعام". وقال: "ولو أنّ ذلك لا يُؤكَل حتى يحضُر النّاس المقاسم ويُقسَم بينهم؛ أضرَّ ذلك بالجيوش، قال: فلا أرى بأساً بما أُكل من ذلك كلّه؛ على وجه المعروف والحاجة إليه، ولا أرى أن يدّخِرَ ذلك شيئاً؛ يَرجِع به إلى أهله. قلت: وعليه أهل العلم". انتهى. قلت: ويجوز ركوب الدوابّ وما في معناها، ولبس الثياب، مِن غير إتلاف ولا إخلاق. فعَنْ رُوَيْفعِ بْنِ ثَابِتٍ الأنصَارِيِّ ﵁ أَنَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ المسْلِمِينَ، حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا (١) رَدَّهَا فِيهِ (٢)، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ فَلَا يَلْبَسْ ثَوْباً مِنْ فَيْءِ المسْلِمِينَ، حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ (٣) رَدَّهُ فِيهِ" (٤).

стр. 2607

جاء في عون المعبود (٧/ ٢٦٨): "قال في "السبيل": يُؤخَذ منه جوازُ الركوبِ ولبسِ الثوب، وإنما يتوجه النهي إلى الإعجاف والإخلاق للثوب، فلو رَكِب من غير إعجاف، وَلَبِس من غَير إخلاق وإتلافٍ؛ جاز. انتهى. قال في "الفتح": وقد اتفقوا على جواز رُكوب دوابِّهم يعني؛ أهلَ الحرب ولبس ثيابِهم، واستعمال سلاحهم حال الحرب، ورد ذلك بعد انقضاء الحرب. وشرط الأوزاعي فيه إذن الإمام وعليه أن يردّ كلما فرغت حاجته، ولا يستعمله في غير الحرب، ولا ينتظر بردّه انقضاء الحرب لئلا يُعرّضه للهلاك". قلت: وقوله بإذن الإمام ليس على الإطلاق، لحديث عبد الله بن مغفّل ﵁ قال: "أصبت جراباً من شحم يوم خيبر، فقال: فالتزمتُه، فقلت: لا أُعطي اليوم أحداً من هذا شيئاً؛ فالتفتّ فإذا رسولُ الله ﷺ متبسَّماً" (١). قال النّووي ﵀: "ويجوز بإذن الإمام وبغير إذنه، ولم يشترط أحد من العلماء استئذانه إلاَّ الزهري ... ". ...

стр. 2608

أسرى الحرب ومن جملة الغنائم الأسرى، ولا خلافَ في ذلك (١)، وهم على قسمين: ١ - النساء والصبيان، وهذا القسم يكون رقيقاً بمجرّد السبي، لأن النبيّ ﷺ نهى عن قَتْل النساء والصبيان (٢). فعن ابن عمر ﵄ " أنّ النبيّ ﷺ أغار على بني المُصطَلَق وهم غارُّون (٣) وأنعامُهم تُسقى على الماء، فقَتَل مُقاتِلتَهم (٤)، وسبى ذراريَّهم، وأصاب يومئذ جُوَيْرية (٥) " (٦).

стр. 2609

٢ - الرجال البالغون المقاتِلون، والإمام فيهم مخُيَّرٌ بينَ قَتْلٍ وَرِقٍّ ومَنٍّ وفداءٍ بمالٍ أو بأسيرٍ مسلم. أمّا القَتل: فلقوله تعالى: ﴿فاقتُلُوا المُشْركِينَ حَيْثُ وَجَدتمُوهُم﴾ (١). وقَتَل النبيّ ﷺ رجالاً مِن بني قريظة حين حكَم فيهم سعد بن معاذ ﵁ فقال: أَحْكُم فيهم أن تُقتل مُقاتلتهم وتُسبَى ذراريُّهُم وتُقسّم أموالهم، فقال رسول الله ﷺ : لقد حكمْتَ بحُكم الله وحُكم رسوله" (٢). وجاء في "سنن أبي داود " تحت (بابُ قتلِ الأسير ولا يُعرَض عليه الإسلام) عن سعد قال: "لمّا كان يوم فتح مكة أمَّنَ رسول الله ﷺ الناس إلاَّ أربعةَ نفر وامرأتين وسمّاهم، وابن أبي سَرْح، فذكَر الحديث. قال: وأمّا ابنُ أبي سرح؛ فإنّه اختَبأ عند عثمان بن عفان، فلمّا دعا رسول الله ﷺ النّاس إلى البيعة؛ جاء به حتى أوقَفَه على رسول الله ﷺ ، فقال: يا نبيَّ الله بايعْ عبد الله، فرفَع رأسه فنظَر إليه ثلاثاً، كلّ ذلك يأبى، فبايَعَه بعد ثلاث، ثمّ أقبَلَ على أصحابه فقال: أمَا كان فيكم رجل رشيد؛ يقوم إلى هذا حيث رآني كَففْتُ يدي عن بيعته فيقتله؟ فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأتَ إلينا بعينك؟ قال: إنه لا ينبغي لنبيٍّ أن تكون له خائنةُ الأعين" (٣). وعن أنس بن مالك ﵁ "أنّ رسول الله ﷺ دخَل مكَّة عام

стр. 2610

الفتح وعلى رأسه المِغفَر (١)، فلمَّا نَزَعَه جاءه رجل فقال: ابن خَطَل متعلِّقٌ بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه. قال أبو داود: ابن خَطَل اسمه عبد الله، وكان أبو برزة الأسلمي قَتَله" (٢). وأمّا دليل الرِّق، فقوله ﷺ لوفد هوازن: " ... وأحبّ الحديث إليّ أصدقُه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إمّا المال وإمّا السبي" (٣). قال في "منار السبيل" (ص ٢٧٢): "ولأنه يجوز إقرارهم بالجزية، فبالرقّ أولى؛ لأنّه أبلَغُ في صَغارهم". وأمّا المنّ -وهو إطلاق سراح الأسير مجّاناً-، فلقوله -تعالى-: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (٤). ولأنّه ﷺ مَنّ على ثُمامة بن أُثال، وسيأتي بتمامه -إن شاء الله تعالى- في (باب ما جاء في الإحسان إلى الأسرى). وكذلكَ منَّ النبيُّ ﷺ على أبي العاص بن الربيع. فعن عائشة ﵂ قالت: "لمّا بعَثَ أهلُ مكّةَ في فداء أسراهم؛ بَعَثَتْ زينبُ بنتُ رسول الله ﷺ في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبَعَثَتْ فيه

стр. 2611

بقلادة لها؛ كانت خديجة أدخلَتْها بها على أبي العاص؛ حينَ بنَى عليها. قالت: فلمّا رآها رسول الله ﷺ ، رقَّ لها رِقّةً شديدة، وقال؛ إنْ رأيتم أنْ تُطلِقوا لها أسيرها، وترُدُّوا عليها مالها، فافعلوا، فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلَقوه وردُّوا عليها الذي لها" (١). وأمّا الفداء بالمال، فإنّه قد ثبَت عن النبيّ ﷺ أنّه فدى أهل بدرٍ بمال (٢). ْوأمّا الفداء بالأسير المسلم، فلأنّه قد ثبَت عن رسول الله ﷺ أنّه فدّى رجلين مِن أصحابه برجلٍ مِن المشركين من بني عُقَيل. عن عمرانَ بنِ حصين قال: "كانت ثقيف حلفاء لبنى عُقَيل، فأسرَت ثقيف رجلين مِن أصحاب رسول الله ﷺ ، وأسرَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ رجلاً مِن بني عقيل ... ففُدِي بالرجلين" (٣). ويَجب على الحاكم فِعْل الأصلح، فمتى رأى المصلحة للمسلمين في إحدى الخصال، تعيَّنَت عليه، لأنّه ناظرٌ للمسلمين، وتخييره تخيير اجتهاد لا شهوة (٤). قال ابن المناصف ﵀، في "الإنجاد" (١/ ٢٦٩): "يكون نَظَر

стр. 2612

الإمام في الأسرى؛ بحسب الاجتهاد والمصلحة لأهل الإسلام، فمَن خُشيت شجاعته منهم وإقدامُهُ، أو رأيُهُ وتدبيرُه، وما أشبه ذلك مِن الوجوه التي تعود بتقوية بأس العدو على المسلمين في بقائه؛ كان الأولى قَتْلُهُ، إلاَّ أن يَعْرضَ هناك ما يمنع، وتكونُ مراعاته أهمّ، مِثل أن يكون في بلاد الكفر أسيرٌ مِن المسلمين، لا يُستطاع إخراجُه إلاَّ بالمفاداة بهذا، وما أشبهَ ذلك مِن وجوه النَّظَرِ في الحال، وذلك غير مُنْحَصرٍ، بل هو بحسب ما يرى الحاضر والمجتهد، ومَن لم يكن مِن الأسرى على هذه الصِّفة، وكان في المفاداة به مصلحةٌ وتقويةٌ للمسلمين بالمال، وما أشبه ذلك مما لا ينحصر أيضاً مِن وجوه النَّظَر - فالأوْلَى المفاداةُ. ومن يُرجى إسلامُه بَعدُ، أو الانتفاع به في استمالة أهل الكفر، أو كَسْرِ شوكتهم، وما في معنى ذلك إذا رُدَّ وأُنعِم عليه؛ فالأَوْلَى المَنُّ. ومَن كان صانعاً أو عسيفاً يُنتفع بمِثله في الخدمة، ولم يعرض فيه وجهٌ مِن الوجوه المتقدمة؛ اسْتُرِقَّ هؤلاء، أو ضُربت عليهم الجزية -إن كانوا من أهلها- على حسب ما يظهر من ذلك. وبالجملة، فالنَّظَر في هذه الوجوه لمصالح المسلمين بحسب الحال؛ أوسَعُ من هذا، وإنما نَبَّهْنا على أنموذج من طريق النَّظَر، لا أنَّ ذلك واجبٌ بعينه، إلاَّ أنّه لا ينبغي أن يميل إلى واحدٍ من هذه الوجوه؛ إلاَّ لمصلحةٍ في حقِّ المسلمين؛ يغلب على نَظَرِه واجتهاده أنهأ أَوْلى. فأمَّا القتل، فما دام الإمام مُرتئياً؛ لم يَعزِم على واحدةٍ مما سواه؛ ساغَ له القتل -ولو بعد مدةٍ-. قال بعض الفقهاء: لو عَرَضَهم للبيع ليختبر أثمانهم، ويناظر بها وجه

стр. 2613

المصلحة في إحرازها للمسلمين، أو قتلهم، وما أشبه هذا؛ كان له من ذلك ما رآه بعد، فإذا أنفَذَ نظَرَهُ في واحدةٍ من ذلك غير القتل، أو أسقَط عنه القتل، وبقي مرتئياً فيما عداه من الوجوه؛ لم يكن له الرجوع إلى القتل؛ لأنه حُكْمٌ وَقَعَ، يتضمَّن التأمين، والله أعلم". جوازُ استرقاقِ الكُفّار مِنْ عربٍ أو عَجَم (١) يجوزُ استرقاقُ العرب، لأنّ الأدلة الصحيحة قد دلَّت على جواز استرقاق الكُفَّار، مِن غير فَرْقٍ بين عربيٍّ وعجمي، وذَكَرٍ وأنثى. ولم يقُم دليلٌ يصلُح للتمسك قطّ في تخصيص أسْرى العرب بعدم جواز استرقاقهم؛ بل الأدلّة قائمةٌ متكاثرة على أن حُكْمهم حُكمُ سائر المشركين. فعن أبي هريرة ﵁ قال: "ما زلت أُحبُّ بني تميم منذ ثلاثٍ، سمعتُ مِن رسول الله ﷺ يقول فيهم: سمعته يقول: هم أشدّ أمّتي على الدجّال، قال: وجاءت صدقاتهم فقال رسول الله ﷺ : هذه صدقات قومِنا، وكانت سَبِيَّةٌ منهم عند عائشة؛ فقال: أعتقيها؛ فإنها مِن وَلَد إسماعيل" (٢). وعن مروان والمِسْوَر بنِ مخرمة ﵄: "أنّ النبيّ ﷺ قام حين جاءه وفْد هوازن، فسألوه أن يَرُدّ إليهم أموالهم وسبْيَهم فقال: إنّ معي من ترون وأَحَبُّ الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إمّا المال وإمّا السبي ... " (٣).

стр. 2614

وعن ابن عون قال: "كتبتُ إلى نافع، فكتَب إليّ أن النبيّ ﷺ أغارَ على بني المصطلِق وهم غارّون وأنعامُهم تُسقى على الماء فَقَتل مُقاتلتهم وسبَى ذراريَّهم وأصاب يومئذٍ جُوْيرية ... " (١). وقد ذهَب إلى جوازِ استرقاق العرب الجمهور، والحاصل: أنّ الواجب الوقوفُ على ما دلّت عليه الأدلة الكثيرة الصحيحة؛ مِن التخيير في كلِّ مُشرك بين القتل والمَنّ والفداء والاسترقاق، فمن ادَّعى تخصيصَ نوعٍ منهم، أو فرْدٍ مِن أفرادهم فهو مُطالَب بالدليل. وأمّا أسْرُ نساء العرب فالأمر أظهر مِن أن يُذكر، والوقائع في ذلك ثابتة في كُتُب الحديث: الصحيحين وغيرِهما، وفي كتب السِّيَر جميعها". إذا أسلم الأسير حَرُمَ قتْلُه عن ابن شُماسةَ المَهْري قال: حَضَرْنا عمرو بنَ العاص وهو في سياقةِ الموت، فبكى طويلا وحوّل وجهَه إلى الجدار، [وذكر الحديث وفيه] أما علِمت أنّ الإسلام يَهْدِم (٢) ما كان قبله، وأنّ الهجرة تهدِم ما كان قبلها، وأنّ الحجَّ يَهدِم ما كان قبله" (٣). قلت: فيستفاد من هذا الحديث؛ أن الإسلام يهدِم ما استوجبه هذا الأسير من قَتْل.

стр. 2615

ما وَرَد في الإحسان إلى الأسرى قال الله -تعالى-: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ (١) مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (٢). قال ابن جرير ﵀: ﴿وَأَسِيرًا﴾: وهو الحربيّ مِن أهل دار الحرب، يُؤخَذ قهراً بالغَلبَة، أو مِن أهل القبلة يُؤخذ فيُحبَس بحقّ. وعن أبي موسى ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : فُكّوا العاني -يعني الأسير- وأطعموا الجائع، وعودوا المريض" (٣). ومِن جملة الإحسان المنّ على الأسرى إذا رأى الإمام مصلحةً في ذلك. عن أبي هريرة ﵁ قال: "بَعثَ النبيّ ﷺ خيلاً قِبَلَ نجد، فجاءت برجُلٍ مِن بني حنيفة يقال له ثُمامةُ بن أُثال، فرَبطوه بساريةٍ من سواري المسجد، فخرَج إليه النبيّ ﷺ فقال: ماذا عندك يا ثُمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد إنْ تَقْتلني تقتْل ذا دم، وإن تُنْعم تُنْعِم على شاكر، وإنْ كنت تريد المال فَسلْ منه ما شئت. فتُرك حتى كان الغد ثمّ قال: له ما عندك يا ثُمامة فقال: ما قلت لك، إنْ تُنْعِم تُنْعِم على شاكر، فترَكَه حتى كان بعد الغد فقال: ما عندك يا ثُمامة فقال: عندي ما قلت لك، فقال: أطلقوا ثُمامة.

стр. 2616

فانطلق إلى نخْلٍ (١) قريب من المسجد، فاغتسل ثم دَخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمّد والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغَضُ (٢) إليّ مِن وجهك، فقد أصبَحَ وجهُك أحبَّ الوجوه إليّ، والله ما كان مِن دينٍ أبغضَ إليّ من دينك فأصبح دينُك أحبَّ الدين إليّ، والله ما كان مِن بلدٍ أبغضُ إليّ مِن بلدِك، فأصبَح بلدُك أحبَّ البلاد إليّ، وإنَّ خيلَك أخذتني وأنا أريد العمرة؛ فماذا ترى؟ فبشَّره رسول الله ﷺ وأمرَهَ أن يعتمر، فلمّا قَدم مكة قال له قائل: صَبَوْت؟ قال: لا ولكنْ أسلمتُ مع محمّد رسولِ الله ﷺ ، ولا والله لا يأتيكم مِن اليمامة حبّةُ حِنطة حتى يأذَن فيها النبيّ ﷺ " (٣). وفي زيادة: "وانصَرف إلى بلده، ومنَع الحمل إلى مكّة؛ حتى جَهِدَت قريش، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة، يُخلِّي إليهم حمْل الطعام، ففعَل رسول الله ﷺ " (٤). وفي زيادة أُخرى: حتى قال عمر: "لقد كان والله في عيني أصغر من الخنزير، وإنّه في عيني، أعظم من الجبل" (٤).

стр. 2617

وعن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: "لما قَسَمَ رسول الله ﷺ سبايا بني المُصْطَلِق؛ وقعَت جويرية بنت الحارث في السّهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عمٍّ له، وكاتَبته على نفسها، وكانت امرأةً حلوة مُلاّحة (١)، لا يراها أحد إلاَّ أخذَت بنفسه، فأتَت رسول الله ﷺ تستعينه في كِتابتها. قالت: فوالله ما هو إلاّ أن رأيتها على باب حجرتي؛ فكرِهْتُها، وعرفت أنّه سيرى منها ما رأيت، فدخَلَت عليه، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيّد قومه، وقد أصابني ما لم يخفَ عليك، فوقعْتُ في السهم لثابت بن قيس بن الشِّماس أو لابن عمٍّ له، فكاتَبْتُه على نفسي، فجئتك أستعينك على كِتابتي. قال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أقضي كتابتَك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعَلْتُ، قالت: وخرَج الخبر إلى النّاس أنّ رسول الله ﷺ تزوَّجَ جويريةَ بنتَ الحارث، فقال النّاس: أصهار رسول الله ﷺ فأرسَلُوا ما بأيديهم. قالت: فلقد أعتقَ بتزويجه إياها مائةَ أهلِ بيتٍ مِن بني المُصطَلِق، فما أعلَمُ امرأةً كانت أعظمَ بركةً على قومها منها" (٢).

стр. 2618

ما ورَد في الإحسان إلى الرقيق قال الله -تعالى-: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى (١) وَالْجَارِ الْجُنُبِ (٢) وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ (٣) وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤). عن أبي ذرِ الغِفاريّ ﵁ قال: "قال النبيّ ﷺ إنّ إخوانكم خوَلُكم (٥) جعَلَهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليُطعمِه مما يأكل وليُلبِسْه مما يلبس، ولا تُكلّفوهم ما يغلبهم، فإنْ كلّفتموهم ما يَغْلِبهُم، فأعينوهم" (٦). وعن أبي هريرة- ر ضي الله عنه- عن رسول الله ﷺ أنّه قال: "للمملوك طعامه وكسوته ولا يُكلَّف مِن العمل إلاَّ ما يُطيق" (٧). عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان النبيّ ﷺ يوصي

стр. 2619

بالمملوكين خيراً ويقول: أطعِموهم مما تأكلون، وألبِسوهم من لَبوسكم، ولا تُعذِّبوا خَلْق الله " (١). وعن أبي مسعود ﵁ قال: كنت أضرب غلاماً لي، فسمِعْت مِن خلفي صوتاً: اعلم أبا مسعود للهُ أقدَرُ عليك منك عليه، فالتفتُّ فإذا هو رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! هو حرٌّ لوجه الله، فقال: أما لو لم تفعل، للفَحَتْك النار، أو لمسَّتك النار" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعْتُ أبا القاسم ﷺ يقول: "مَن قذَف مملوكه وهو بريء ممّا قال؛ جُلدَ يوم القيامة، إلاّ أن يكون كما قال" (٣). وعن عمّار بن ياسر ﵁ قال: "لا يَضْرب أحدٌ عبداً له، وهو ظالمٌ له؛ إلاّ أُقيدَ (٤) منه يوم القيامة" (٥). عن أبي ليلى قال: "خرَج سلمان فإذا علَفُ دابّته يتساقط من الآريّ (٦)، فقال لخادمه: لولا أنّي أخاف القِصاص لأوجعتك ضَرْباً" (٧). وعن زاذان: "أن ابن عمر ﵄ دعا بغلام له فرأى بظهره أثراً

стр. 2620

فقال له: أوجعتك؟ قال: لا قال: فأنت عتيقٌ. قال: ثم أخذ شيئاً مِن الأرض فقال: ما لي فيه من الأجر ما يَزِن هذا، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: مَن ضرَب غلاماً له حدّاً لم يأته، أو لَطَمه؛ فإن كفّارتَه أن يُعتقه" (١). وعن أبي موسى ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : مَن كانت له جارية، فعلَّمها فأحسن إليها، ثمّ أعتقَها وتزوَّجَها كان له أجران" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "لا يَقُلْ أحدكم: عبدي، أَمَتي، وليقُل: فتاي وفتاتي وغلامي" (٣). وعن عليّ ﵁ قال: "كان آخر كلام رسول الله ﷺ : الصلاةَ (٤)، الصلاةَ، اتقوا الله فيما ملكت أيمانُكم" (٥). ربط الأسير وحبْسُه فيه حديث أبي هريرة ﵁ قال: "بَعَثَ النبيُّ ﷺ خيلاً قِبَلَ نجد، فجاءت برجل مِن بني حَنيفة، يقال له ثُمامة بن أُثال، فرَبطوه بساريةٍ مِن

стр. 2621

سواري المسجد" (١). نفيُ جوازِ قتْلِ الحربيّ إذا أتى ببعضِ أَمارات الإسلام (٢) عن ابن عباس ﵄ قال: "مرّ رجل مِن بني سُليم على نَفَر مِن أصحاب رسول الله ﷺ ، ومعَه غنَم فسلَّم عليهم، فقالوا ما سلَّم عليكم إلاَّ ليتعوّذ مِنكم، فعدَوا عليه فقتلوه، وأخذوا غنَمه، فأتوا بها رسول الله ﷺ فأنزل الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ... ﴾ (٣) إلى آخر الآية" (٤). تحرير الرقاب (٥) لقد فَتَح الإسلام أبواب تحرير الرِّقاب، وبيَّنَ سُبُل الخلاص، واتخذ وسائل شتّى لإنقاذ هؤلاء مِن الرِّقّ؛ منها: ١ - أنّه طريقٌ إلى رحمةِ الله وجنّته، يقول الله -سبحانه-: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (٦).

стр. 2622

عن البراء ﵁ قال: "جاء أعرابي فقال: يا نبيّ الله علِّمْني عَمَلاً يُدخلني الجنة، قال: لئن كنت أقصَرْتَ الخُطبة لقد أعرضْتَ المسألة (١)، أعتق النَّسَمَة (٢)، وفُكَّ الرَقَبَة. قال: أوليستا واحداً؟ قال: لا؛ عتق النَّسَمَة: أن تعتق النَّسَمَة (٣)، وفكُّ الرَّقبةِ: أن تُعين على الرقبة" (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال النبيّ ﷺ : "أيُّما رجلٍ أعتَق امرَءاً مسلماً؛ استنقَذَ الله بكل عضوٍ عضواً منه مِن النار" (٥). وفي رواية "مَن أعتقَ رقبةً مسلمة؛ أعتقَ اللهُ بكلِّ عضوٍ منه عضواً مِنه مِن النار، حتى فَرجَه بفرجِه" (٦). ٢ - وأنّ العِتق كَفّارة للقتل الخطأ. يقول الله : ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٧). ٣ - وأنّه كفَّارةٌ للحَنْث في اليمين لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٨).

стр. 2623

٤ - وأنّ العِتق كفّارة في حالة الظِّهار، يقول الله -سبحانه-: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١). ٥ - وجعَل الإسلامُ من مصارف الزكاة شراءَ الارقاء وعِتْقَهم، يقول الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٢). ٦ - ومَن نَذَر أن يُحرّر رقبةَ، وجَب عليه الوفاء بالنذر متى تحقَّق له مقصوده. وبهذا يتبيّن أنّ الإسلام ضيَّق مصادر الرَّق، وعامَل الأرقاء معاملةً كريمةً، تمهيداً لتحريرهم. ٧ - وأمَرَ الله -سبحانه- بمكاتبة العبد على قَدْرِ من المال، قال -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا (٣) وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٤). والكتابة: أن يكاتِب الرجلُ عبده على مالٍ يؤديه إليه مُنجَّماً (٥)، فإذا أدّاه صار حُرّاً، وسُمّيت كتابةً لمصدر كتَب كأنه يكتُب على نفسه لمولاه ثمنه، ويكتب

стр. 2624

مولاه له عليه العِتق، وقد كاتبتُه مكاتبةً والعبد مكاتَب (١). وقد ذهب بعض العلماء إلى أنّ هذا أمرُ إرشاد واستحباب، والسيّدُ مخيَّرٌ في ذلك، وذهَب آخرون إلى وجوب ذلك. والآية تدل على وجوب المكاتبة، بشرط أن يكون للمملوك حيلة وقوة وكسْبٌ ومال؛ يؤدي إلى سيده ما شارطه على أدائه. والأثران الآتيان يدلان على الإيجاب: عن ابن جريج قلتُ لعطاء: "أواجبٌ عليَّ إذا علِمْتُ له مالاً أن أكاتِبَهُ؟ قال: ما أراه إلاَّ واجباً". وقال عمرو بن دينارٍ: "قلتُ (٢) لعطاء: أتأثُرُه (٣) عن أحد؟ قال: لا، ثمّ أخبَرَني أن موسى بنَ أنس أخبَره أنّ سيرين سأَل أنسَاً المكاتَبَة وكان كثير المال، فأبى، فانطلَق إلى عمر ﵁ فقال كاتِبه، فأبى، فضربَه بالدِّرَّة ويتلو عمر: ﴿فَكاتِبوُهُم إنْ عَلِمتُم فِيهِم خيراً﴾ فكاتَبهُ" (٤). وعن أنس بن مالك ﵁: "أنّ سيرين أراد أن يُكاتِبه، فتلكَّأَ

стр. 2625

عليه، فقال له عمر: لتُكاتِبنَّه" (١). الفيء الفيء: ما حصَل للمسلمين، وأفاءه الله -تعالى- عليهم مِن أموال الكُفار من غير حربٍ ولا جهاد. وأصْل الفيء: الرجوع، يُقال: فاء يفيء فئةً وفُيُوءاً؛ كأنّه كان في الأصل لهم فرجَع إليهم، قال الله -تعالى-: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) (٣). *لأنَّ الله أفاءه على المسلمين؛ فإنّه خَلَقَ الخَلْق لعبادته، وأحلَّ لهم الطيبات، ليأكلوا طيِّباً، ويعملوا صالحاً، والكُفّار عبدوا غيره، فصاروا غيرَ مُستحقّين للمال، فأباحَ للمؤمنين أن يعبدوه، وأن يسترِقّوا أنفسهم (٤)، وأن يسترجعوا الأموال منهم، فإذا أعادَها الله إلى المؤمنين منهم فقد فاءت، أي: رجَعَت إلى مُستحقّيها* (٥). وقد تنزّل ذِكر الفيء في القرآن الكريم قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى

стр. 2626

وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٢٧٥): "فذكر المهاجرين والأنصار والذين جاءوا مِنْ بَعدِهم على ما وصَف فدخَل في الصنف الثالث، كلّ مَن جاء على هذا الوجه إلى يوم القيامة؛ كما دخلوا في قوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ (٢) وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) وفي قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤) ". وقال ﵀ (ص ٢٧٦): "وسمّيَ فيئاً؛ لأنَّ الله أفاءَه على المسلمين، أي ردَّه عليهم مِن الكفار؛ فإنّ الأصل أن الله -تعالى- إنّما خلَق الأموال إعانةً على عبادته؛ لأنه إنّما خلَق الخلْق لعبادته. فالكافرون به أباحوا أنفسهم التي لم يعبدوه بها، وأموالهم التى لم يستعينوا بها على عبادته؛ لعباده المؤمنين الذين

стр. 2627

يعبدونه، وأفاء إليهم ما يستحقّونه، كما يُعاد على الرجل ما غُصِبَ مِن ميراثه؛ وإن لم يكن قَبَضَه قبل ذلك". إنفاق رسول الله ﷺ على أهله نفقةَ سَنتِهِم مِن الفيء، وجعْل الباقي في مَجْعَل مال الله عن عمرو بن عَبَسَة ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ إلى بعيرٍ مِن المغنم، فلمّا سلَّم أخَذ وبرة من جنب البعير، ثمّ قال: ولا يَحلّ لي من غنائمكم مثل هذا، إلاَّ الخُمُس والخُمُس مردودٌ فيكم" (١). وعن عطاء في قوله- : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (٢). قال: خُمُس الله وخُمُس رسولِه، واحد كان رسول الله ﷺ ، يحمل منه، ويعطي منه، ويضعه حيث شاء، ويصنع به ما شاء" (٣). وعن عمر ﵁ قال: "إنّ الله قد خصَّ رسوله ﷺ في هذا الفيء بشيء؛ لم يُعْطِه أحداً غيره ثمّ قرأ: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم﴾ إلى قوله ﴿قَدِير﴾. فكانت هذه خالصةً لرسول الله ﷺ ووالله ما احتازها دونكم، ولا استأثَرَ

стр. 2628

بها عليكم، قد أعطاكموها، وبثَّها فيكم، حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ يُنفِق على أهله نفقةَ سَنتَهم مِن هذا المال، ثمّ يأخُذ ما بقي، فيجعله مَجْعَل مال الله، فَعمِل رسول الله ﷺ بذلك حياتَه" (١). وعن عمر ﵁: "كانت أموال بني النّضير مما أفاءَ الله على رسوله ﷺ ، مما لم يوجِف (٢) المسلمون عليه بخيل ولا ركاب (٢)، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة، وكان يُنفِق على أهله نفقة سنته (٣)، ثمّ يجعل ما بقي في السلاح والكُراع (٤)؛ عُدّةً (٥) في سبيل الله" (٦). *قال أبو عبيد ﵀ في كتاب "الأموال" (ص ٢٦٤): "وقد كان رأيُ عمرَ الأول؛ التفصيل على السوابق والغَنَاء عن الإسلام، وهذا هو المشهور مِن رأيه، وكان رأي أبي بكرٍ التسوية، ثمّ قد جاء عن عمرَ شيءٌ شبيهٌ بالرجوع إلى رأي أبي بكر".

стр. 2629

وروى (ص ٢٦٣) بسند صحيح عن عمرَ خطبتَه بالجابية، قال: أمّا بعد؛ فإنّ هذا الفيءَ شيءٌ أفاءه الله عليكم؛ الرفيع فيه بمنزلة الوضيع. ... إلخ. وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعْتُ عمر يقول: "لئن عِشت إلى هذا العام المقبِل؛ لأُلحقنّ آخر النّاس بأولهم؛ حتّى يكونوا بياناً (١) واحداً". وسنده حسن. وذكر عن شيخه عبد الرحمن بن مهدي قال: بياناً واحداً: أي: شيئاً واحداً* (٢). يُراعى في قَسْم الفيء قِدَمُ الرجل في الإسلام وبلاؤُه، وعِيالُه وحاجتُه عن مالك بن أوس بن الحدَثان قال: ذكَر عمرُ بن الخطاب ﵁ يوماً الفيء، فقال: "ما أنا بأحقَّ بهذا الفيء منكم، وما أحدٌ منّا بأحقَّ به من أحدٍ، إلاَّ أنّا على منازلنا مِن كتاب الله وقَسْمِ رسول الله ﷺ ، فالرجلُ وقِدَمُه (٣)، والرجل وبلاؤه، والرجل وعِياله والرجل وحاجته" (٤).

стр. 2630

إعطاء المتزوج حظّين والعزب حظاً واحداً فيه الحديث المتقدم: " ... والرجل وعِياله والرجل وحاجته". وعن عوف بن مالك "أنّ رسول الله ﷺ كان إذا أتاه الفيء؛ قسَمَه في يومه، فأعطى الآهل (١) حظين (٢)، وأعطى العَزبَ (٣) حظّاً، فدُعينا، وكنت أدعى قبل عمّار فدُعيت، فأعطاني حَظَّين وكان لي أهل، ثمّ دُعي بعدي عمّار بن ياسر، فأُعطي له حظّاً واحداً" (٤). جاء في "المرقاة" (٧/ ٦٥٨): "والظاهر أنّ في معناه؛ مَن له أحدٌ ممن يَجِب عليه نفقته" أي: له حظّان". استيعاب الفيء عامّة المسلمين عن مالك بن أوس الحدَثان قال: قَرَأ عمرُ بنُ الخطاب ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين ... ﴾ حتّى بلَغ: ﴿عليم حكيم﴾، فقال: هذه لهؤلاء، ثمّ قَرَأ: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيءٍ فأنَّ لله خُمُسَهُ ... ﴾ حتى بلَغ: ﴿وابن السَبِيلِ﴾، ثُمّ قال: هذه لهؤلاء، ثُمّ قرَأ: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ... ﴾ حتّى بلَغ:
следующие страницы →