← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٢٧٥): "فذكر المهاجرين والأنصار والذين جاءوا مِنْ بَعدِهم على ما وصَف فدخَل في الصنف الثالث، كلّ مَن جاء على هذا الوجه إلى يوم القيامة؛ كما دخلوا في قوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ (٢) وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) وفي قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤) ". وقال ﵀ (ص ٢٧٦): "وسمّيَ فيئاً؛ لأنَّ الله أفاءَه على المسلمين، أي ردَّه عليهم مِن الكفار؛ فإنّ الأصل أن الله -تعالى- إنّما خلَق الأموال إعانةً على عبادته؛ لأنه إنّما خلَق الخلْق لعبادته. فالكافرون به أباحوا أنفسهم التي لم يعبدوه بها، وأموالهم التى لم يستعينوا بها على عبادته؛ لعباده المؤمنين الذين

стр. 2627

يعبدونه، وأفاء إليهم ما يستحقّونه، كما يُعاد على الرجل ما غُصِبَ مِن ميراثه؛ وإن لم يكن قَبَضَه قبل ذلك". إنفاق رسول الله ﷺ على أهله نفقةَ سَنتِهِم مِن الفيء، وجعْل الباقي في مَجْعَل مال الله عن عمرو بن عَبَسَة ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ إلى بعيرٍ مِن المغنم، فلمّا سلَّم أخَذ وبرة من جنب البعير، ثمّ قال: ولا يَحلّ لي من غنائمكم مثل هذا، إلاَّ الخُمُس والخُمُس مردودٌ فيكم" (١). وعن عطاء في قوله- : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (٢). قال: خُمُس الله وخُمُس رسولِه، واحد كان رسول الله ﷺ ، يحمل منه، ويعطي منه، ويضعه حيث شاء، ويصنع به ما شاء" (٣). وعن عمر ﵁ قال: "إنّ الله قد خصَّ رسوله ﷺ في هذا الفيء بشيء؛ لم يُعْطِه أحداً غيره ثمّ قرأ: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم﴾ إلى قوله ﴿قَدِير﴾. فكانت هذه خالصةً لرسول الله ﷺ ووالله ما احتازها دونكم، ولا استأثَرَ

стр. 2628

بها عليكم، قد أعطاكموها، وبثَّها فيكم، حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ يُنفِق على أهله نفقةَ سَنتَهم مِن هذا المال، ثمّ يأخُذ ما بقي، فيجعله مَجْعَل مال الله، فَعمِل رسول الله ﷺ بذلك حياتَه" (١). وعن عمر ﵁: "كانت أموال بني النّضير مما أفاءَ الله على رسوله ﷺ ، مما لم يوجِف (٢) المسلمون عليه بخيل ولا ركاب (٢)، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة، وكان يُنفِق على أهله نفقة سنته (٣)، ثمّ يجعل ما بقي في السلاح والكُراع (٤)؛ عُدّةً (٥) في سبيل الله" (٦). *قال أبو عبيد ﵀ في كتاب "الأموال" (ص ٢٦٤): "وقد كان رأيُ عمرَ الأول؛ التفصيل على السوابق والغَنَاء عن الإسلام، وهذا هو المشهور مِن رأيه، وكان رأي أبي بكرٍ التسوية، ثمّ قد جاء عن عمرَ شيءٌ شبيهٌ بالرجوع إلى رأي أبي بكر".

стр. 2629

وروى (ص ٢٦٣) بسند صحيح عن عمرَ خطبتَه بالجابية، قال: أمّا بعد؛ فإنّ هذا الفيءَ شيءٌ أفاءه الله عليكم؛ الرفيع فيه بمنزلة الوضيع. ... إلخ. وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعْتُ عمر يقول: "لئن عِشت إلى هذا العام المقبِل؛ لأُلحقنّ آخر النّاس بأولهم؛ حتّى يكونوا بياناً (١) واحداً". وسنده حسن. وذكر عن شيخه عبد الرحمن بن مهدي قال: بياناً واحداً: أي: شيئاً واحداً* (٢). يُراعى في قَسْم الفيء قِدَمُ الرجل في الإسلام وبلاؤُه، وعِيالُه وحاجتُه عن مالك بن أوس بن الحدَثان قال: ذكَر عمرُ بن الخطاب ﵁ يوماً الفيء، فقال: "ما أنا بأحقَّ بهذا الفيء منكم، وما أحدٌ منّا بأحقَّ به من أحدٍ، إلاَّ أنّا على منازلنا مِن كتاب الله وقَسْمِ رسول الله ﷺ ، فالرجلُ وقِدَمُه (٣)، والرجل وبلاؤه، والرجل وعِياله والرجل وحاجته" (٤).

стр. 2630

إعطاء المتزوج حظّين والعزب حظاً واحداً فيه الحديث المتقدم: " ... والرجل وعِياله والرجل وحاجته". وعن عوف بن مالك "أنّ رسول الله ﷺ كان إذا أتاه الفيء؛ قسَمَه في يومه، فأعطى الآهل (١) حظين (٢)، وأعطى العَزبَ (٣) حظّاً، فدُعينا، وكنت أدعى قبل عمّار فدُعيت، فأعطاني حَظَّين وكان لي أهل، ثمّ دُعي بعدي عمّار بن ياسر، فأُعطي له حظّاً واحداً" (٤). جاء في "المرقاة" (٧/ ٦٥٨): "والظاهر أنّ في معناه؛ مَن له أحدٌ ممن يَجِب عليه نفقته" أي: له حظّان". استيعاب الفيء عامّة المسلمين عن مالك بن أوس الحدَثان قال: قَرَأ عمرُ بنُ الخطاب ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين ... ﴾ حتّى بلَغ: ﴿عليم حكيم﴾، فقال: هذه لهؤلاء، ثمّ قَرَأ: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيءٍ فأنَّ لله خُمُسَهُ ... ﴾ حتى بلَغ: ﴿وابن السَبِيلِ﴾، ثُمّ قال: هذه لهؤلاء، ثُمّ قرَأ: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ... ﴾ حتّى بلَغ:

стр. 2631

﴿للفقراء﴾، ثمّ قرأ: ﴿والذين جاءوا من بعدهم ... ﴾، ثمّ قال: هذه استوعَبَت المسلمين عامّة، فلئِن عشْتُ فليأتينّ الراعي -وهو بِسَرو حِمْيَر (١) - نصيبُه منها، لم يَعْرَق فيها جَبينه" (٢). وفي رواية: "ما مِن أحدٍ؛ إلاَّ وله في هذا المال حقّ أُعطِيَه أو مُنِعَه؛ إلاَّ ما ملكَت أيمانكم" (٣). بل وردَ عن النبيّ ﷺ أنّه قسَم للحُرّة والأَمَة. فعن عائشة: "أنّ النبيّ ﷺ أُتِيَ بظَبْية (٤) فيها خَرَزٌ، فقسَمها للحُرّة والأَمَة. قالت عائشة: وكان أبي يَقْسِم للحُرّ والعبد" (٥).

стр. 2632

قال القاري: "أي يُعطي كلّ واحد مِن الحرّ والعبد، بقدْر حاجته مِن الفيء ... " (١). عطاء المحرَّرين عن زيد بن أسلم: "أنّ عبد الله بن عمر دخل على معاوية ﵃ أجمعين- فقال: حاجَتَك (٢) يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: عطاء المحرَّرين (٣)، فإنّي رأيتُ رسول الله ﷺ أول ما جاء شيء بدأ بالمحرَّرين" (٤). *قال الخطابي ﵀: "يريد بالمحرَّرين المعتَقين، وذلك أنهم قوم لا ديوان لهم، وإنّما يدخلون تبعاً في جملة مواليهم"، وقال القاضي الشوكاني: "فيه استحباب البداءة بهم، وتقديمهم عند القِسمة على غيرهم"* (٥). كيفية تجزئة النبيّ ﷺ الفيء عن مالك بن أوس بن الحدَثان قال: "كان فيما احتجَّ (٦) به عمر

стр. 2633

-﵁ أنّه قال: كانت لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا (١): بنو النضير (٢) وخيبر وفَدَك (٣)، فأمّا بنو النضير فكانت حُبْساً (٤) لنوائبه (٥)، وأمّا فَدَك فكانت حُبْساً لأبناء السبيل (٦)، وأمّا خيبر؛ فجزَّأَها رسول الله ﷺ ثلاثة أجزاء: جزأين بين المسلمين، وجزءاً نفقةً لأهله، فما فَضَل عن نفقة أهله؛ جَعَله بين فقراء المهاجرين" (٧). وقال شيخ الإسلام ﵀ مُفصِّلاً في الفيء: *"وهو الذي ذَكَرَه الله -تعالى- في "سورة الحشر" حيث قال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ معنى قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ أي ما حرَّكتم ولا أعملتم ولا

стр. 2634

سُقتم [خيلاً ولا إبلاً]. يقال وجَف البعير يَجِف وُجوفاً وأوجَفْته: إذا سار نوعاً مِن السير، فهذا هو الفيء الذي أفاءه الله على رسوله، وهو ما صار للمسلمين بغير إيجاف خيلٍ ولا رِكاب، وذلك عبارة عن القتال، أي: فما قاتلوا عليه، كان للمقاتِلةِ، وما لم يُقاتِلوا عليه؛ فهو فيء. مصادر الفيء وهذا الفيء يدخُل فيه جزية الرؤوس التي تُؤخَذ مِن أهل الذمّة، ويدخُل فيه ما يُؤخَذ منهم مِن العشور، وأنصاف العشور، وما يُصالَح عليه الكُفَّار مِن المال؛ كالذي يحملونه، وغيرِ ذلك، ويدخُل فيه ما جَلَوا عنه وتركوه خوفاً مِن المسلمين؛ كأموال بني النضير التي أنزل الله فيها "سورة الحشر" وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ * وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾. وهؤلاء أجلاهم النبيّ ﷺ وكانوا يَسكُنون شرقيَّ المدينة النبوية فأجلاهم بعد أنْ حاصَرهم، وكانت أموالهم مما أفاء الله على رسوله.* (١). وقال ﵀ (٢٨/ ٢٧٦): "والمال الذي يُصالَح عليه العدو أو يهدونه إلى سلطان المسلمين؛ كالحِمل الذي يُحمَل مِن بلاد النصارى ونحوهم؛ وما يُؤخَذ من تجار أهل الحرب -وهو العشر- ومِنْ تُجّار أهل الذِّمَّة إذا اتجَرَوا

стр. 2635

في غير بلادهم -وهو نصف العشر- هكذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يأخذ، وما يُؤخَذ مِن أموال مَنْ ينقُض العهد منهم، والخَراج الذي كان مضروباً في الأصل عليهم أيضاً -وإن كان قد صار بعضه على بعض المسلمين- ثمّ إنّه يجتمع مِن الفيء جميعُ الأموال السلطانية التي لبيت مالِ المسلمين؛ كالأموال التي ليس لها مالك مُعيَّن مثل من مات من المسلمين وليس له وارث مُعيَّن؛ وكالغصوب، والعواري، والودائع التي تَعذَّر معرفة أصحابِها، وغير ذلك مِن أموال المسلمين: العقار والمنقول، فهذا ونحوه مال المسلمين". مصارف الفيء * [وذكر- ربنا سبحانه- مصارف الفىء بقوله]: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١). فهؤلاء المهاجرون والأنصار؛ ومَن جاء بعدهم إلى يوم القيامة، ولهذا قال مالك وأبو عبيد وأبو حكيم النهرواني -من أصحاب أحمد وغيرهم-: "إنّ مَن

стр. 2636

سَبَّ الصحابة؛ لم يكن له في الفيء نصيب". ومِن الفيء ما ضَرَبه عمر ﵁ على الأرض التي فتحها عَنْوَة (١) ولم يَقْسِمها؛ كأرض مصر، وأرض العراق -إلاَّ شيئا يسيرا منها- وبَرّ الشام وغير ذلك. فهذا الفيء لا خُمُس فيه عند جماهير الأئمة: كأبي حنيفة ومالك وأحمد. وإن يرى تخميسه الشافعيّ، وبعض أصحاب أحمد، وذُكر ذلك رواية عنه، قال ابن المنذر: لا يُحفَظ عن أحدٍ قبل الشافعي؛ أنّ في الفيء خُمُساً كخُمُس الغنيمة. وهذا الفىء لم يكن ملكاً للنبيّ ﷺ في حياته عند أكثر العلماء وقال الشافعى وبعض أصحاب أحمد: كان ملكاً له. وأمّا مصرفه بعد موته؛ فقد اتفَق العلماء على أن يُصْرَف منه أرزاقُ الجند المقاتِلين الذين يُقاتِلون الكُفّار؛ فإنَّ تقويتَهم تُذلّ الكُفَّار؛ فيُؤخَذ منهم الفيء. وتنازعوا هل يُصَرف في سائر مصالح المسلمين، أم تَخْتَصّ به المقاتِلة؟ على قولين للشافعي، ووجهين في مذهب الإمام أحمد، لكن المشهور في مذهبه -وهو مذهب أبي حنيفة ومالك-: أنّه لا يَخْتَص به المقاتِلة؛ بل يصرف في المصالح كلِّها. وعلى القولين؛ يُعطَى مَن فيه منفعةٌ عامة لأهل الفيء، فإنّ الشافعيّ قال: ينبغي للإمام أن يَخُصّ مَن في البلدان مِن المقاتِلة -وهو مَنْ بَلَغ، ويُحصي الذُّرّية- وهي من دون ذلك والنساء- إلى أن قال: ثمّ يُعطي المقاتِلة في كلّ عام عطاءهم ويُعطي الذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم.

стр. 2637

قال: والعطاء مِن الفيء لا يكون إلاَّ لبالغٍ يُطيق القتال. قال: ولم يختلف أحدٌ ممن لقيه، في أنّه ليس للمماليك في العطاء حقّ ولا للأعراب الذين هم أهل الصدقة. قال: فإنْ فَضُل مِن الفيء شيء؛ وَضَعه الإمام في أهل الحصون والازدياد، في الكُراع والسلاح، وكلّ ما يقوى به المسلمون. فإنِ استغنَوا عنه وحَصَلت كلّ مصلحةٍ لهم فُرِّق ما يبقى عنهم بينهم؛ على قدْر ما يستحقّون مِن ذلك المال. قال: ويعطي من الفيء رزقَ العمال والولاة وكلّ مَن قام بأمر الفيء؛ مِن والٍ وحاكم وكاتب وجندي؛ ممن لا غنى لأهل الفيء عنه. وهذا مُشْكِلٌ مع قوله: إنه لا يُعطى من الفيء صبيٌّ ولا مجنون ولا عبدٌ ولا امرأة ولا ضعيف لا يَقْدِر على القتال؛ لأنه للمجاهدين. وهذا إذا كان للمصالح؛ فيُصرَف منه إلى كلِّ مَن للمسلمين به منفعةٌ عامّة؛ كالمجاهدين وكولاة أمورِهم؛ مِن ولاة الحرب ووُلاة الديوان، وولاة الحُكم، ومَن يقرئهم القرآن، وُيفتيهم ويُحدّثهم ويؤمّهم في صلاتهم ويُؤَذِّن لهم. ويُصرَف منه في سداد ثغورهم وعمارةُ طُرقاتهم وحصونهم ويُصرَف منه إلى ذوي الحاجات منهم أيضاً ويُبدَأ فيه بالأهم فالأهم، فيقدَّم ذوو المنافع الذين يَحْتاج المسلمون إليهم على ذوي الحاجات الذين لا مَنفَعة فيهم. هكذا نصَّ عليه عامّة الفقهاء مِن أصحاب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرِهم. قال أصحاب أبي حنيفة يُصرَف في المصالح ما يُسَدُّ به الثغور من القناطر والجسور ويُعطَى قضاة المسلمين ما يكفيهم، ويُدفَع منه أرزاقُ المقاتِلة وذوو الحاجات يُعطَون من الزكوات ونحوها. وما فَضُل عن منافع المسلمين قُسم بينهم.

стр. 2638

لكن مذهب الشافعي، وبعض أصحاب أحمد؛ أنّه ليس للأغنياء الذين لا منفعةَ للمسلمين بهم فيه حقٌّ إذا فضُل المال واتسع عن حاجات المسلمين كما فعَل عمرُ بن الخطاب ﵁ لمّا كَثُر المال أعطى منهم عامّة المسلمين؛ فكان لجميع أصناف المسلمين فرضٌ في ديوان عمر بن الخطاب؛ غنيّهِم وفقيرِهم. لكن كان أهلُ الديوان نوعين: مقاتلة -وهم البالغون- وذرية -وهم الصغار والنساء الذين ليسوا من أهل القتال-؛ ومع هذا فالواجب تقديمُ الفقراءِ على الأغنياء الذين لا منفعةَ فيهم فلا يُعطَى غنيٌّ شيئاً حتى يَفضُل عن الفقراء. هذا مذهب الجمهور؛ كمالك وأحمد في الصحيح من الروايتين عنه. ومذهب الشافعي -كما تقدم- تخصيص الفقراء بالفاضل"* (١). عقد الأمان إذا طلَب الأمانَ أيُّ فردٍ مِن الأعداء المحاربين، قُبِل منه، وصار بذلك آمناً؛ لا يجوز الاعتداء عليه؛ بأيّ وجهٍ مِن الوجوه، يقول الله- : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). (٣). قال الحافظ ابن كثير ﵀: "يقول تعالى لنبيِّه -صلوات الله وسلامه عليه-: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الذين أمَرْتُكَ بقتالهم، وأحلَلْتُ لك استباحة

стр. 2639

نفوسهم وأموالهم، ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ أي: استأمَنك، فأجِبْه إلى طِلْبته ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ أي: القرآن تقرؤه عليه وتذكُر له شيئاً من أمر الدين تُقيم عليه به حُجَّة الله، ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أي: وهو آمِنٌ مُستمرّ الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنِه، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما شَرَعْنا أمانَ مِثْلِ هؤلاء ليعلموا دين الله، وتنتشر دعوة الله في عباده. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في تفسير هذه الآية، قال: "إنسانٌ يأتيك ليسمع ما تقول، وما أُنزِل عليك، فهو آمِنٌ حتى يأتيَك فيسمعَ كلام الله، وحتى يبلغَ مأمنَه حيث جاء". ومِن هذا كان رسول الله ﷺ يُعطي الأمان لمن جاءه، مُسترشداً أو في رسالة، كما جاءه يوم الحديبية جماعةٌ مِن الرسُل مِن قريش، منهم: عروة بن مسعود، ومِكْرَز بن حفص، وسهيل بن عمرو، وغيرهم؛ واحداً بعد واحد، يتردّدون في القضية بينه وبين المشركين، فرأَوا مِن إعظام المسلمين رسول الله ﷺ ما بَهَرهم وما لم يشاهدوه عند مَلِكٍ ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم فأخبَروهم بذلك، وكان ذلك وأمثالُه مِن أكبر أسباب هداية أكثرِهم (١).

стр. 2640

ولهذا أيضاً لمّا قَدِم رسولُ مسيلمةَ الكذّاب على رسول الله ﷺ ، قال له: "أتشهدُ أنَّ مسيلمة رسول الله؟ قال: نعم، فقال رسول ﷺ : لولا أن الرسلَ لا تُقتَل لضَربْتُ عُنُقَك" (١). وقد قيّض الله له ضَرْب العُنُق في إمارة ابن مسعود على الكوفة، وكان يقال له: ابن النواحة، ظَهَر عنه في زمانِ ابن مسعودٍ أنّه يشهد لمسيلمةَ بالرسالة، فأرسَل إليه ابن مسعودٍ فقال له: إنك الآن لستَ في رسالة، وأمَرَ به فضُرِبت عنقُه، لا ﵀ ولَعَنه (٢). والغرض أنّ مَن قَدِمَ من دار الحرب إلى دار الإسلام، في أداء رسالة أو تجارة، أو طَلَبِ صُلحٍ أو مهادنة أو حَمْلِ جِزية، أو نحو ذلك من الأسباب، فطلَب من الإمام أو نائبه أمانًا -أُعطي أماناً ما دام مُتردّدًا في دار الإسلام، وحتى يرجع

стр. 2641

إلى مأمِنه ووطنه. لكن قال العلماء: لا يجوز أن يمكَّن مِن الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكَّن مِن إقامة أربعة أشهر، وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعةِ أشهر ونقَص عن سنة قولان؛ عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء، ﵏". انتهى. قلت: والذي يبدو أن الأمر يرجع إلى الحاكم، فهو الذي يرجّح المُدّة ما بين الأربعة أشهر والسنة، مع تحرّي المصلحة، والله -تعالى- أعلم. مَن أَمّنه أحد المسلمين صارَ آمناً عنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عنْ أَبيه قَالَ: "خَطَبَنَا عَلِيٌّ ﵁ عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ آجُرٍّ (١)، وَعَلَيْهِ سَيْفٌ فِيهِ صَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فَقَالَ: وَالله مَا عِنْدَنَا مِنْ كِتَابٍ يُقْرَأُ إِلَّا كِتَابُ اللهِ وَمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَةِ، فَنَشَرَهَا فَإِذَا فِيهَا أَسَنَانُ الْإِبِلِ (٢)، وإذَا فِيهَا: المدِينَةُ حَرَمٌ مِن عَيْرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالملَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفاً وَلَا عَدْلاً (٣)، وَإِذَا فِيهِ: ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ (٤)،

стр. 2642

يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ (١)، فَمَنْ أَخْفَرَ (٢) مُسْلِماً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالملَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفاً وَلَا عَدْلاً، وَإِذَا فِيهَا: مَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَاليهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالمُلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفاً وَلَا عَدْلاً" (٣). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: "قال رسول الله ﷺ : المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمّتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم (٤)، وهم يدٌ على مَن سواهم ... " (٥). جاء في "الروضة النديّة" (٢/ ٧٥٩): "وقد أجمَعَ أهل العِلم على أنّ مَن أمّنه أحدُ المسلمين؛ صار آمناً. وأمّا العبد، فأجاز أمانَه الجمهور، وأمّا الصبيّ، فقال ابن المنذر: أجمَعَ أهل العِلم على أنّ أمانَ الصبيّ غيرُ جائز. انتهى. وأمّا المجنون فلا يصحّ أمانُه بلا خلاف. قلت: [أي: صاحب الروضة]: إنّما يصحّ الأمان مِن آحاد المسلمين، إذا أَمَّن واحداً أو اثنين، فأمّا عَقْد الأمان لأهل ناحيةٍ على العموم؛ فلا يَصحّ إلاّ مِن

стр. 2643

الإمام على سبيل الاجتهاد وتحرّي المصلحة كَعَقْد الذّمّة؛ ولو جُعِل ذلك لآحاد النّاس؛ صار ذريعةً إلى إبطال الجهاد". انتهى. قلت: أمّا جواز أمانِ المرأة؛ فلعموم النصوص الواردة المتقدّمة؛ فهي تمضي على الرجل والمرأة، وقد قال النبيّ ﷺ : "النساء شقائق الرجال" (١). ولا دليل على تخصيص ذلك بالرجال. بل إنه قدر وَرد حديث صريحٌ يدلّ على صحة أمان المرأة. فعن أمّ هانئ (بنت أبي طالب) قالت، قلت: "يا رسول الله زَعَم ابن أمّي (٢) أنّه قاتِلٌ رجلاً قد أجرْتُه، فلانَُ بنُ هُبَيرَة فقال رسول الله ﷺ : قد أجَرْنا مَن أجرْتِ يا أمّ هانئ" (٣). قال الإمام النّووي ﵀ (٥/ ٢٣٢): "واستدلَّ بعضُ أصحابنا وجمهور العلماء بهذا الحديث؛ على صحّة أمان المرأة". وجاء في "الروضة الندية" (٢/ ٧٥٩): "قال ابن المنذر: أجمَع أهل العِلم

стр. 2644

على جواز أمان المرأة" (١). وأمّا عدم قَبولِ أمانِ الصبيّ والمجنون؛ فلقوله ﷺ لي: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيّ، حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يَعْقِل" (٢). تحريم قتل المؤمَّن عن أنس ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : لكل غادر لواء يوم القيامة يُعرَف به" (٣). وعن رفاعة بن شداد القِتباني قال: "قال ﷺ : من أمَّنَ رَجُلاً على دَمِهِ فَقَتَلَهُ؛ فأَنا بريءٌ مِن القاتل، وإنْ كان المقتول كافِراً" (٤). وفي رواية: "من أَمَّن رجلاً على دمه فقتَله، فإنّه يحمل لواء غدرٍ يوم القيامة" (٥). حُكم الرسول كالمؤَمّن وحُكم الرسول كحُكم المؤَمّن.

стр. 2645

عن نُعَيم بن مسعود الأشجعي قال: "سمعْتُ رسول الله ﷺ يقول لهما (١) حين قَرَأ كتاب مسيلمة: ما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال، قال: أمَا والله لولا أنّ الرسل لا تُقتَل لضربْتُ أعناقَكما" (٢). وعن أبي رافع ﵁ قال: "بَعَثَتْني قريش إلى رسول الله ﷺ ، فلمّا رأيت رسول الله ﷺ ؛ أُلقيَ في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله إني والله لا أرجع إليهم أبداً، فقال رسول الله ﷺ : إني لا أخِيسُ (٣) بالعهد ولا أحبِس البُرُد (٤)، ولكن ارجِعْ، فإنْ كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع (٥)، قال: فذهبت، ثمّ أتيت النبيّ ﷺ فأسلمْتُ" (٦). قال في "سُبل الإسلام" (٤/ ١٢٠): "وفي الحديثِ دليلٌ على حِفظ العهد

стр. 2646

والوفاء به ولو لكافر، وعلى أنّه لا يُحبَس الرسول، بل يُرَدُّ جوابه فكأنّ وصولَه أمانٌ له؛ فلا يجوز أن يُحبَس بل يُردّ". وجاء في "السيل الجرار" (٤/ ٥٦٠) -في تأمين الرُّسُل-: " ... وجْهُه أنّ تَأمينَ الرُّسلِ ثابت في الشريعة الإسلامية ثبوتاً معلوماً، فقد كان رسولُ الله ﵌ يَصِل إليه الرّسلُ من الكفار، فلا يتعرّض لهم أحد مِن أصحابه، وكان ذلك طريقةً مستمرة وسُنّةً ظاهرة، وهكذا كان الأمر عند غيرِ أهل الإسلام مِن ملوك الكفر، فإن النبيّ ﵌ كان يُرَاسلهم من غير تَقدُّم أمانٍ منهم لرُسُلِه، فلا يتعرض لهم مُتعرّض. والحاصل أنّه لو قال قائل: إنّ تأمين الرسل قد اتفقت عليه الشرائع، لم يكن ذلك بعيداً، وقد كان أيضاً معلوماً ذلك عند المشركين أهل الجاهلية عَبَدة الأوثان، ولهذا إنّ النبيّ ﵌ يقول: "لَوْلا أنَّ الرُّسلَ لا تُقْتلُ لضربتُ أعْناقَهُما" قاله لرسولي مسيلمة أخرجه أحمد وأبو داود فقوله: "لولا أنَّ الرُّسَلَ لا تُقْتلُ" فيه التصريح بأنَّ شأنَ الرُّسل أنهم لا يُقتلون في الإسلام وقبلَه". المستأمَن *المستأمَن: هو الحربيّ الذي دخَل دار الإسلام بأمان، دون نيةِ الاستيطان بها، والإقامةِ فيها بصفةٍ مستمرّةٍ، بل يكون قصْدُه إقامةَ مدّةٍ معلومةٍ، لا تزيد على سَنةٍ، فإن تجاوَزَها (١)، وقصَد الإقامة بصفةٍ دائمةٍ، فإنه يتحوّل إلى ذميّ، ويكون له

стр. 2647

حُكم الذّمّي في تبعيَّته للدولة الإسلامية، ويتبعُ المستأمنَ في الأمان، ويلحقُ به زوجتُه وأبناؤُه الذكور القاصرون، والبناتُ جميعاً، والأمّ، والجدات، والخدَم، ما داموا عائشين مع الحربي الذي أُعطي الأمان. وأصْل هذا قول الله- : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (١). وجاء في "المغني" (١٠/ ٦٠٥): "وليس لأهلِ الحرب دخولُ دارِ الإسلام بغير أمان؛ لأنه لا يُؤمَن أن يَدْخُل جاسوساً، أو مُتلصّصاً، فيُضِرّ بالمسلمين، فإنْ دخَل بغيرِ أمانٍ، سُئل، فإنْ قال: جئت رسولاً، فالقول قوله؛ لأنه تتعذر إقامة البينة على ذلك، ولم تزل الرُسل تأتي من غير تَقَدُّمِ أمان. وإنْ قال: جئتُ تاجراً، نظرنا؛ فإنْ كان معه متاع يبيعه، قُبِل قوله أيضاً، وحُقن دمُه؛ لأنَّ العادةَ جارية بدخول تُجارهم إلينا، وتُجّارنا إليهم، وإنْ لم يكن معه ما يُتّجَر به، لم يُقبل قوله؛ لأن التجارة لا تحصُل بغير مال، وكذلك مُدّعي الرسالة، إذا لم يكن معه رسالة يؤديها، أو كان ممن لا يكون مثله رسولاً. وإنْ قال: أمَّنَني مُسلم، فهل يُقبَل منه؟ على وجهين؛ أحدهما، يُقبَل، تغليباً لحقْن دَمهِ، كما يُقبَل من الرسول والتاجر. والثاني: لا يُقبَل؛ لأن إقامَة البيّنة عليه ممكنة، فإنْ قال مسلم: أنا أمَّنتُه قُبلَ

стр. 2648

قوله؛ لأنه يملك أن يُؤمِّنه، فقُبِل قوله فيه؛ كالحاكم إذا قال: حَكَمْت لفلان على فلان بحقّ. وإنْ كان جاسوساً، خُيّر الإمام فيه بين أربعة أشياء؛ كالأسير". حقوقه وإذا دخَل الحربيُّ دار الإسلام بأمان؛ كان له حقُّ المحافظةِ على نفسه وماله وسائِر حقوقه ومصالحه؛ مادام مُستمسِّكا بعقد الأمان ولم ينحرف عنه. ولا يحل تقييد حُريتِه، ولا القبض عليه مُطلَقاً، سواء قُصِدَ به الأسر، أو قُصِد به الاعتقال -لمجرَّد أنهم رعايا الأعداء، أو لمجرّد قيامِ حالِة الحرب بيننا وبينهم. الواجب عليه وعليه المحافظة على الأمن والنظام العامّ، وعدم الخروج عليهما، بأن يكون عيناً، أو جاسوساً، فإن تجسَّسَ على المسلمين لحساب الأعداء، حلَّ قَتْلُه إذ ذاك. تطبيق حكم الإسلام عليه تُطبَّق على المستأمَنِ القوانين الإسلامية بالنسبة للمعاملات المالية، فيَعقِد عَقْد البيع وغيره مِن العقود؛ حسب النظام الإسلامي، ويُمنَع ِمن التعامل بالربا، لأن ذلك محُرَّم في الإسلام. وأمّا بالنسبة للعقوبات، فإنّه يعاقَب بمقتضى الشريعة الإسلامية إذا اعتدى على حقّ مسلم.

стр. 2649

وكذلك إذا كان الاعتداء على ذمّي، أو مستأمَن مِثلِه؛ لأنّ إنصافَ المظلوم مِن الظالم وإقامةَ العدل مِن الواجبات التي لا يَحلّ التساهلُ فيها. وإذا كان الاعتداء على حقٍّ مِن حُقوق الله؛ مثل اقتراف جريمة الزنا؛ فإنّه يُعاقَب كما يُعاقَب المسلم؛ لأنّ هذه جريمةٌ مِن الجرائم التي تُفسد المجتمع الإسلامي (١). مُصادرة ماله ومال المستأمَن لا يُصادَر إلاَّ إذا حارَب المسلمين، فأُسِر واستُرِقّ، وصار عبداً، فإنه في هذه الحال؛ تزول عنهُ مُلكيّة مالِه، لأنه صار غيرَ أهلٍ للملكية. ولا يستحق الوَرَثة، -ولو كانوا في دار الإسلام- شيئاً، لأنَّ استحقاقهم يكون بالخلافة عنه، وهي لا تكون إلاَّ بعد موته، وهو لم يمت، وماله في هذه الحال يؤول إلى بيت مال المسلمين، على أنّه من الغنائم [والله -تعالى- أعلم]. ميراثه إذا ماتَ المستأمَن في دار الإسلام، أو في دار الحرب، فإنَّ ملكيته لماله لا تَذهب عنه، وتَنْتقل إلى وَرَثَتِه عند الجمهور، خلافاً للشافعي. وعلى الدولة الإسلامية؛ أن تَنْقُل مالَه إلى وَرَثَتِه، وتُرسلَه إليهم، فإنْ لم يكن له ورثة، كان ذلك المال فيئاً للمسلمين.* (٢) [والله -تعالى- أعلم].

стр. 2650

العهود والمواثيق *احترامُ العهود: إنَّ احترامَ العهودِ والمواثيق واجبٌ إسلاميّ؛ لما له مِن أثرٍ طيِّب، ودورٍ كبير في المحافظة على السلام، وأهميةٍ كبرى في فضِّ المشكلات، وحَلِّ المنازعات، وتسوية العلاقات. والله -سبحانه- يأمُر بالوفاء بالعهود، سواءٌ أكانت مع الله، أم مع النّاس، فيقول: ﴿يا أيُّهُا الذين آمَنُوَا أَوفُوا بالعُقُودِ﴾ (١). وأيّ تقصيرٍ في الوفاء بهذا الأمر يُعَدُّ إثماً كبيراً؛ يستوجِب المقت والغضَب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢). وكل ما يقطعه الإنسان على نفسه مِن عهدٍ، فهو مسؤول عنه، ومحاسَبٌ عليه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٣). [وحقُّ العهد مُقدَّم على حقِّ نَصْرِ مَن استنصَر في الدين لقوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤)].

стр. 2651

قال الحافظ ابن كثير ﵀: "وقوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يقول -تعالى-: وإن استنصروكم هؤلاء الأعراب، الذين لم يُهاجروا في قتالٍ دينيّ، على عدوٍّ لهم فانصُروهم، فإنّه واجبٌ عليكم نَصْرهم؛ لأنهم إخوانكم في الدّين، إلاَّ أن يستنصروكم على قومٍ مِن الكُفَّار ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: مُهادنة إلى مُدّة، فلا تخفِروا ذمَّتكم، ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم. وهذا مرويٌّ عن ابن عباس ﵄" انتهى. والوفاء جُزءٌ من الإيمان، عن عائشة ﵂ أنّ النبيّ ﷺ قال: "إنّ حُسنَ العهد مِن الإيمان" (١). وليس للوفاء جزاءٌ إلاَّ الجنَّة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢). ولقد كان الوفاء خُلُقَ الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام-: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (٣). وقد عاهدَ رسولُ الله ﷺ بعد الهجرة اليهود عهداً، [أَمَّنَهم على دمائهم، وأموالهم]، بشرط ألا يُعينوا عليه المشركين، فنقَضُوا العهد، ثمّ اعتذروا، ثمّ

стр. 2652

رجَعوا فنقضوه مرّةً أخرى، فأنزَل الله- : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ * فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١)﴾ (٢). وفي التشنيع على الناقضين للعهود، يقول الله : ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "آيةُ المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلَف، وإذا أؤتمُن خان" (٤). وعن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن قَتَل

стр. 2653

مُعاهَداً (١) في غير كُنهِهِ (٢) حرّم الله عليه الجنّة" (٣). شروط العهود: ويشترط في العهود التي يجب احترامها والوفاء بها، الشروط الآتية: ١ - ألا تخالف حُكْماً مِن الأحكام الشرعية المتَّفق عليها. عن عائشة ﵂ قالت: "قال رسول الله ﷺ : ما كان مِن شرط ليس في كتاب الله فهو باطل؛ وإنْ كان مائةَ شرط" (٤). ٢ - أن تكون عن رضا واختيار، فإنَّ الإكراه يَسْلُب الإرادة، ولا احترامَ لعقْدٍ لم تتوفر فيه حريتُها. ٣ - أن تكون بيّنةً واضحةً، لا لُبْس فيها ولا غموض؛ حتى لا تؤوّلَ تأويلاً يكون مثاراً للاختلاف عند التطبيق. نقض العهود: ولا تُنقَضُ العهود إلاّ في إحدى الحالات الآتية: ١ - إذا كانت مؤقتةً أو مُحدَّدةً بظرف، وانتهت مدّتُها أو ظرفُها.

стр. 2654

عن سُلَيم بن عامر -رجلٍ مِن حِمْيَر- قال: "كان بين معاويةَ وبينَ الروم عهدٌ، وكان يسيرُ نحو بلادِهم؛ حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجلٌ على فرَس أو بِرذَون (١)، وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غَدر، فنظروا فإذا عمرو بن عَبَسَة، فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: سمعْتُ رسول ﷺ يقول: مَن كان بينه وبين قوم عهد؛ فلا يشدَّ عقدةً ولا يحُلّها (٢) حتى ينقضيَ أمدُها أو يَنْبِذَ (٣) إليهم (٤) على سواء (٥)، فرجع معاوية (٦) " (٧). قال الله- تعالى-: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٨).

стр. 2655

٢ - إذا أخلّ العدو بالعهد: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (١). ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢). ٣ - إذا ظهرت بوادر الغدر، ودلائل الخيانة: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (٣). قلت: قال ابن كثير ﵀: "يقول -تعالى- لنبيّه صلوات الله وسلامه عليه ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ قد عاهدْتهم ﴿خِيَانَةً﴾ أي: نَقْضًا لما بينك وبينهم؛ مِن المواثيق والعهود، ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: عَهْدَهم ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: أعْلِمْهم بأنك قد نقضْتَ عهدَهم؛ حتى يبقى عِلمُك وعِلْمَهم بأنك حرْبٌ لهم، وهم حَرْبٌ لك، وأنه لا عهدَ بينك وبينهم على السواء، أي: تستوي أنت وهم في ذلك، قال الراجز: فَاضْرِبْ وُجُوهَ الغُدّر الأعْداء ... حتى يجيبوك إلى السواء وعن الوليد بن مسلم أنّه قال في قوله: ﴿فانبِذْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: على مهل، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ أي: حتى ولو في حقّ الكافرين، لا يحبّها أيضاً.

стр. 2656

الإعلام بالنقض تحرُّزاً عن الغدر إذا عَلِم الحاكم الخيانة ممّن كان بينهم وبين المسلمين عَهْد؛ فإنّه لا تَحِلّ محاربتُهم إلاَّ بعد إعلامهم بنبذ العهد، وبلوغِ خَبرِهِ إلى القريب والبعيد، حتى لا يُؤخَذوا على غِرّة. يقول الله- سبحانه- في سورة الأنفال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (١). قال محمّد بن الحسن في كتاب "السير الكبير": لو بَعث أمير المسلمين إلى مَلِك الأعداء، مَن يُخبره بنبذ العهد عند تحقّق سبَبه، فلا ينبغي للمسلمين أن يُغيروا عليهم وعلى أطراف مملكتهم؛ إلاَّ بعد مُضيّ الوقت الكافي، لأن يبعثَ الملِك إلى تلك الأطراف؛ خَبَر النبْذ حتى لا نأخذَهم على غِزة. ومع ذلك إذا عَلِم المسلمون يقيناً أن القوم لم يأتهم خبرٌ مِن قِبَل مَلِكِهم؛ فالمستَحبّ لهم أن لا يُغيروا عليهم حتى يعلموهم بالنبذ؛ لأن هذا شبيه الخديعة. وكما على المسلمين أن يتحرزوا مِن الخديعة، عليهم أن يتحرزوا من شبه الخديعة. وحدث أنّ أهل قبرص أحدثوا حَدَثاً عظيماً في ولاية عبد الملك بن مروان، فأراد نَبْذ عهدِهم ونقْض صُلحهم، فاستشار الفقهاءَ في عصره، منهم الليث بن سعد ومالك وأنس، فكتَبَ الليث بن سعد: إن أهل قبرص لا يزالون متّهمين

стр. 2657

بغش أهل الإسلام ومناصحة أهل الأعداء -الروم- وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ وإنّي أرى أن تنبِذَ إليهم، وأنْ تنظرَهم سنة. أمّا مالك بنُ أنس فكتب في الفتيا يقول: إنَّ أمان أهلِ قبرص وعهدهم؛ كان قديماً متظاهراً مِن الولاة لهم، ولم أجِدْ أحداً مِن الولاة نقَضَ صُلحَهم، ولا أخرَجَهم من ديارهم، وأنا أرى أن لا تعجلَ بمنابذتهم؛ حتى تتجه الحُجَّة عليهم؛ فإن الله يقول: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (١). فإن لم يستقيموا بعد ذلك، ويدَعَوا غشَّهم ورأيت الغدر ثابتاً فيهم؛ أوقعْتَ بهم بعد النبذ والإعذار، فرُزِقْتَ النصر، فرُزقْتَ النصر* (٢). قلت: والمتأمّل فيما سَبَق من أقوال الفقهاء؛ يرى اتفاقهم؛ لكن موطن الخلاف: هل التخوّف كائنٌ؛ من خيانة أهل قبرص العهد أم لا، وعليه؛ فإنّ الأمر يرجع إلى تقدير الإمام والله -تعالى- أعلم. إقرار القوانين الدّولية في تحريم قتل الرسل عن نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِي قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهَّ ﷺ يَقُولُ لهما (٣) حِينَ قَرَأَ كِتَابَ مُسَيْلِمَةَ: مَا تَقُولانِ أَنْتما؟ قَالَا: نَقُولُ كَمَا قَالَ، قَاَلَ: أمَا وَاللهِ لَوْلَا

стр. 2658

أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا" (١). قلت: فالمصلحة تقتضي عدم قَتْل الرُّسل؛ الذين يُبتعثون للتفاوض والتفاهم والحوار، مهما بلغ فسادُ اعتقادهم، إذ لو مضى القتل في هؤلاء الرُّسل؛ لما كان هناك مجالٌ لتبليغ الدعوة، أو تحقيق المصالح، أو دفْع المفاسد. قتال البغاة البغاة: هم الذين لهم مَنَعة وشُبهة، فنصَّبوا رئيساً، وخرجوا على الإمام العدل (٢). ويجب قتال البغاة حتى يرجعوا إلى الحقّ؛ لقوله- تعالى-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٣). فأوجَب الله -سبحانه- قتال الطائفة الباغية حتى ترجع إلى أمر الله، ولا فَرْق بين أن يكون البغي مِن بعض المسلمين على إمامهم، أو على طائفةٍ منهم. ويُستفاد حُكم البغاة مِن أثر علي ﵁ حين قاتل أهل البصرة، وأهل الشام وأهل النّهروان (٤).

стр. 2659

والحاصل: أنّ أصلَ دم المسلم وماله؛ العِصمَة، ولم يأذن الله سوى بقتال الطائفة الباغية حتى تفيء، فيجب الاقتصار على هذا (١). وعن عرفجة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يُقول: "إنّه ستكون هَنات وهَنات، فمن أراد أن يُفرّق اْمر هذه الأُمّة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائناً مَن كان" (٢). وفي لفظ: "مَن أتاكم وأمرُكم جميع، على رجل واحد، يُريد أن يَشُقّ عصاكم؛ أو يُفرّق جماعتكم؛ فاقتلوه" (٣). لا يُجهز على الجريح منهم ولا يُسلب القاتل ولا يُطلب المولّي عن أبي أمامة ﵁ قال: "شهدت صفّين فكانوا لا يجيزون على جريح (٤)، ولا يطلبون مُوَليّاً، ولا يسلِبون قتيلاً" (٥).

стр. 2660

وعن الزهري قال: "قد هاجَت الفتنة الأولى، وأدركَت -يعني الفتنة- رجالاً ذوي عددٍ مِن أصحاب رسول الله ﷺ ، ممن شهد معه بدراً، وبلَغَنا أنهم كانوا يرون أن يُهدَر أمر الفتنة، ولا يُقام فيها على رجلِ قاتِلٍ في تأويلِ القرآن قِصاصٌ فيمن قتل (١)، ولا حدٌّ (٢) في سباءِ امرأةٍ سُبيَت (٣)، ولا يُرى عليها حدٌّ (٤)، ولا بينها وبين زوجها ملاعنة (٥)، ولا يُرى أن يَقْفُوها أحدٌ إلاَّ جُلد (٦)، ويُرى أنْ تُردَّ إلى زوجها الأول؛ بعد أنْ تعتدّ فتقضى عدّتَها مِن زوجها الآخر (٧)، ويُرى أنْ يَرِثَها زوجُها الأوّل (٨) " (٩). وفي لفظ: "ولا مالٌ استحلَّه بتأويلِ القرآن إلاّ أنْ يوجَدَ شيء بعينه (١٠) " (١١). والزهري لم يدرك الفتنة المشار إليها، وهي وقعة صفّين.

стр. 2661

وليس مِن البغي إظهارُ كونِ الإمام سلَك في اجتهاده في مسألة، أو مسائل؛ طريقَ مخالفةٍ لا يقتضيه الدليل؛ فإنّه ما زال المجتهدون هكذا، ولكنه ينبغي لمن ظهَر له غلط الإمام أن يُناصحه، ولا يُظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد؛ بل كما ورَد في الحديث: "أنّه يأخذ بيده، ويخلو به، ويَبذُل له النصيحة، ولا يُذِلّ سلطان الله (١) " (٢). ولا يجوز الخروج على الأئمّة -وإن بلَغُوا في الظلم أيَّ مبلغ- ما أقاموا الصلاة، ولم يَظهر منهم الكفر البَوَاح، والأحاديث الواردة بهذا المعنى متواترة، ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله، ويعصيَه في معصية الله؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (٣).

стр. 2662

أقسام البغاة وما جاء في تأويلهم قال ابن حزم ﵀ في "المحلى" (١٢/ ٤٩٧) تحت مسألة (٢١٥٨) -بتصرف يسير-: قال الله- تعالى-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١). فكان قتال المسلمين فيما بينهم على وجهين: قتالِ البغاة وقتالِ المحاربين، فالبغاة قسمان لا ثالث لهما. إمّا قِسْم خرجوا على تأويلِ في الدين، فأخطئوا فيه؛ كالخوارج وما جرى مجراهم مِن سائر الأهواء المخالِفة للحقّ. وإمّا قِسْم أرادوا لأنفسهم دنياً، فخرجوا على إمام حقّ، أو على مَن هو في السيرة مثلهم، فإن تعدت هذه الطائفة إلى إخافة الطريق، أو إلى أخْذ مال مَن لقوا أو سفْك الدماء هملاً؛ انتقل حُكمهم إلى حكم المحاربين، وهم ما لم يفعلوا ذلك في حُكم البغاة. فالقِسم الأول مِن أهل البغي يُبيََّن حُكمهم [ثمّ ساق بإسناده إلى أمّ سَلَمة ﵂]: أنّ رسول الله ﷺ قال في عمار "تقتلك الفئة الباغية" (٢) قال أبو

стр. 2663

محمّد ﵀: وإنما قَتَل عمّاراً ﵁ أصحابُ معاوية ﵁ وكانوا متأولين تأويلهم فيه، وإنْ أخطئوا الحقَّ مأجورون أجراً واحداً لقصْدِهم الخير. ويكون مِن المتأولين قومٌ لا يُعذَرون ولا أجر لهم؛ كما روينا من طريق البخاري [ثم ساق بإسناده إلى عليّ ﵁ أنّه قال]: سمعْتُ رسول الله ﷺ يقول: "سيخرُج قومٌ في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام (١) يقولون من قول خير البرية (٢)، لا يُجاوزُ إيمانُهم حناجرَهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة (٣)، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجراً لمن قَتَلهم يوم القيامة" (٤) وروينا من طريق مسلم [ثم ساق بإسناده إلى] أبي سعيد الخدري ﵁ أنّ رسول الله ﷺ ذكَر قوماً يكونون في أمّته يخرجون في فِرقةٍ من النّاس سيماهم (٥) التحالق هم شرّ الخلق -أو من شرّ الخلق-، تَقْتُلهم أدنى الطائفتين إلى الحق" (٦). وذكَر الحديث. قال أبو محمّد ﵀: "ففي هذا الحديث نصٌّ جليٌّ بما قلنا وهو أنّ النبيّ ﷺ ذكر هؤلاء القوم؛ فذمّهم أشدَّ الذم وأنهم مِن شر الخلق، وأنهم يخرجون

стр. 2664

في فرقة مِن النّاس، فصحّ أنّ أولئك أيضاً مفترقون، وأنّ الطائفة المذمومة تقتلها أدنى الطائفتَين المفترِقَتَين إلى الحقّ، فجعَل ﵇ في الافتراق تفاضلاً، وجعَل إحدى الطائفتين المفترقتين لها دنواً من الحقِّ -وإنْ كانت الأخرى أولى به- ولم يجعل للثالثة شيئاً من الدنو إلى الحقّ. فصحّ أنّ التأويل يختلف، فأيّ طائفةٍ تأوَّلَت في بُغيتها طمساً لشيء من السّنة كمن قام برأي الخوارج ليُخرِجَ الأمر عن قريش، أو ليُردَّ النّاس إلى القول بإبطال الرجم، أو تكفيرِ أهل الذنوب، أو استقراضِ المسلمين، أو قتلِ الأطفال والنساء وإظهار القول بإبطال القدر، أو إبطال الرؤية، أو إلى أن الله تعالى لا يعلم شيئاً إلاّ حتى يكون، أو إلى البراءة عن بعض الصحابة أو إبطال الشفاعة، أو إلى إبطال العمل بالسنن الثابتة عن رسول الله ﷺ ، ودعا إلى الردّ إلى مَن دون رسول الله ﷺ أَو إلى المنع مِن الزكاة، أو مِن أداء حقّ مِن مسلم أو حقٍّ لله -تعالى- فهؤلاء لا يُعذَرون بالتأويل الفاسد؛ لأنها جهالةٌ تامةٌ. وأمّا مَن دعا إلى تأويل لا يُحِلّ به سُنّة، لكن مِثل تأويل معاوية في أن يقتص مِن قَتَلَة عثمان قبل البيعة لعليّ، فهذا يُعذَر؛ لأنه ليس فيه إحالة شيء مِن الدِّين، وإنّما هو خطأ خاصٌّ في قصّة بعينها لا تتعدّى. ومَن قام لعرض دنيا فقط؛ كما فَعَل يزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان في القيام على ابن الزبير، وكما فعَل مروان بن محمّد في القيام على يزيد بن الوليد، وكمن قام أيضاً على مروان، فهؤلاء لا يُعذَرون لأنهم لا تأويل لهم أصلاً وهو بغي مجرد. وأما مَن دعا إلى أمر بمعروف أو نهي عن منكر وإظهار القرآن والسنن

стр. 2665

والحُكم بالعدل؛ فليس باغياً بل الباغي مَن خالفَه وبالله -تعالى- التوفيق". وقال شيخ الإسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٣٥/ ٧٥): "وكلُّ مَن كان باغياً، أو ظالماً، أو معتدياً، أو مرتكباً ما هو ذنب؛ فهو قسمان: متأوِّل، وغير متأول. فالمتأوّل المجتهد؛ كأهلِ العِلم والدّين؛ الذين اجتهدوا، واعتقد بعضُهم حِلَّ أمور، واعتقَد الآخر تحريمَها، كما استحلّ بعضُهم بعضَ أنواعِ الأشربة، وبعضُهم بعضَ المعاملات الربوية، وبعضُهم بعضَ عقودِ التحليل والمتعة، وأمثال ذلك، فقد جرى ذلك وأمثالُه مِن خِيار السلف، فهؤلاء المتأوِّلون المجتهدون غايتهم أنَّهم مخُطئون، وقد قال الله -تعالى-: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١)، وقد ثبت في "الصحيح" أن الله استجابَ هذا الدعاء. وقال شيخ الإسلام ﵀ أيضاً (٣٥/ ٧٦): "أمّا إذا كان الباغي مجتهداً متأولاً، ولم يتبين له أنّه باغ، بل اعتقَد أنّه على الحقّ وإنْ كان مخطئاً في اعتقاده: لم تكن تسميته باغياً موجبةً لإثمه -فضلاً عن أن توجب فِسْقه- والذين يقولون بقتال البغاة المتأولين؛ يقولون مع الأمر بقتالهم: قتالنا لهم لدفع ضررِ بغيهم؛ لا عقوبةً لهم؛ بل للمنع مِن العدوان. ويقولون: إنهم باقون على العدالة؛ لا يَفْسُقون، ويقولون: هم كغير المكلَّف، كما يُمنَع الصبي والمجنون والناسي والمغمى عليه والنائم من العدوان؛ أن لا يَصْدُر منهم، بل تمُنْع البهائم من العدوان.
следующие страницы →