← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

وليس مِن البغي إظهارُ كونِ الإمام سلَك في اجتهاده في مسألة، أو مسائل؛ طريقَ مخالفةٍ لا يقتضيه الدليل؛ فإنّه ما زال المجتهدون هكذا، ولكنه ينبغي لمن ظهَر له غلط الإمام أن يُناصحه، ولا يُظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد؛ بل كما ورَد في الحديث: "أنّه يأخذ بيده، ويخلو به، ويَبذُل له النصيحة، ولا يُذِلّ سلطان الله (١) " (٢). ولا يجوز الخروج على الأئمّة -وإن بلَغُوا في الظلم أيَّ مبلغ- ما أقاموا الصلاة، ولم يَظهر منهم الكفر البَوَاح، والأحاديث الواردة بهذا المعنى متواترة، ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله، ويعصيَه في معصية الله؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (٣).

стр. 2662

أقسام البغاة وما جاء في تأويلهم قال ابن حزم ﵀ في "المحلى" (١٢/ ٤٩٧) تحت مسألة (٢١٥٨) -بتصرف يسير-: قال الله- تعالى-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١). فكان قتال المسلمين فيما بينهم على وجهين: قتالِ البغاة وقتالِ المحاربين، فالبغاة قسمان لا ثالث لهما. إمّا قِسْم خرجوا على تأويلِ في الدين، فأخطئوا فيه؛ كالخوارج وما جرى مجراهم مِن سائر الأهواء المخالِفة للحقّ. وإمّا قِسْم أرادوا لأنفسهم دنياً، فخرجوا على إمام حقّ، أو على مَن هو في السيرة مثلهم، فإن تعدت هذه الطائفة إلى إخافة الطريق، أو إلى أخْذ مال مَن لقوا أو سفْك الدماء هملاً؛ انتقل حُكمهم إلى حكم المحاربين، وهم ما لم يفعلوا ذلك في حُكم البغاة. فالقِسم الأول مِن أهل البغي يُبيََّن حُكمهم [ثمّ ساق بإسناده إلى أمّ سَلَمة ﵂]: أنّ رسول الله ﷺ قال في عمار "تقتلك الفئة الباغية" (٢) قال أبو

стр. 2663

محمّد ﵀: وإنما قَتَل عمّاراً ﵁ أصحابُ معاوية ﵁ وكانوا متأولين تأويلهم فيه، وإنْ أخطئوا الحقَّ مأجورون أجراً واحداً لقصْدِهم الخير. ويكون مِن المتأولين قومٌ لا يُعذَرون ولا أجر لهم؛ كما روينا من طريق البخاري [ثم ساق بإسناده إلى عليّ ﵁ أنّه قال]: سمعْتُ رسول الله ﷺ يقول: "سيخرُج قومٌ في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام (١) يقولون من قول خير البرية (٢)، لا يُجاوزُ إيمانُهم حناجرَهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة (٣)، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجراً لمن قَتَلهم يوم القيامة" (٤) وروينا من طريق مسلم [ثم ساق بإسناده إلى] أبي سعيد الخدري ﵁ أنّ رسول الله ﷺ ذكَر قوماً يكونون في أمّته يخرجون في فِرقةٍ من النّاس سيماهم (٥) التحالق هم شرّ الخلق -أو من شرّ الخلق-، تَقْتُلهم أدنى الطائفتين إلى الحق" (٦). وذكَر الحديث. قال أبو محمّد ﵀: "ففي هذا الحديث نصٌّ جليٌّ بما قلنا وهو أنّ النبيّ ﷺ ذكر هؤلاء القوم؛ فذمّهم أشدَّ الذم وأنهم مِن شر الخلق، وأنهم يخرجون

стр. 2664

في فرقة مِن النّاس، فصحّ أنّ أولئك أيضاً مفترقون، وأنّ الطائفة المذمومة تقتلها أدنى الطائفتَين المفترِقَتَين إلى الحقّ، فجعَل ﵇ في الافتراق تفاضلاً، وجعَل إحدى الطائفتين المفترقتين لها دنواً من الحقِّ -وإنْ كانت الأخرى أولى به- ولم يجعل للثالثة شيئاً من الدنو إلى الحقّ. فصحّ أنّ التأويل يختلف، فأيّ طائفةٍ تأوَّلَت في بُغيتها طمساً لشيء من السّنة كمن قام برأي الخوارج ليُخرِجَ الأمر عن قريش، أو ليُردَّ النّاس إلى القول بإبطال الرجم، أو تكفيرِ أهل الذنوب، أو استقراضِ المسلمين، أو قتلِ الأطفال والنساء وإظهار القول بإبطال القدر، أو إبطال الرؤية، أو إلى أن الله تعالى لا يعلم شيئاً إلاّ حتى يكون، أو إلى البراءة عن بعض الصحابة أو إبطال الشفاعة، أو إلى إبطال العمل بالسنن الثابتة عن رسول الله ﷺ ، ودعا إلى الردّ إلى مَن دون رسول الله ﷺ أَو إلى المنع مِن الزكاة، أو مِن أداء حقّ مِن مسلم أو حقٍّ لله -تعالى- فهؤلاء لا يُعذَرون بالتأويل الفاسد؛ لأنها جهالةٌ تامةٌ. وأمّا مَن دعا إلى تأويل لا يُحِلّ به سُنّة، لكن مِثل تأويل معاوية في أن يقتص مِن قَتَلَة عثمان قبل البيعة لعليّ، فهذا يُعذَر؛ لأنه ليس فيه إحالة شيء مِن الدِّين، وإنّما هو خطأ خاصٌّ في قصّة بعينها لا تتعدّى. ومَن قام لعرض دنيا فقط؛ كما فَعَل يزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان في القيام على ابن الزبير، وكما فعَل مروان بن محمّد في القيام على يزيد بن الوليد، وكمن قام أيضاً على مروان، فهؤلاء لا يُعذَرون لأنهم لا تأويل لهم أصلاً وهو بغي مجرد. وأما مَن دعا إلى أمر بمعروف أو نهي عن منكر وإظهار القرآن والسنن

стр. 2665

والحُكم بالعدل؛ فليس باغياً بل الباغي مَن خالفَه وبالله -تعالى- التوفيق". وقال شيخ الإسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٣٥/ ٧٥): "وكلُّ مَن كان باغياً، أو ظالماً، أو معتدياً، أو مرتكباً ما هو ذنب؛ فهو قسمان: متأوِّل، وغير متأول. فالمتأوّل المجتهد؛ كأهلِ العِلم والدّين؛ الذين اجتهدوا، واعتقد بعضُهم حِلَّ أمور، واعتقَد الآخر تحريمَها، كما استحلّ بعضُهم بعضَ أنواعِ الأشربة، وبعضُهم بعضَ المعاملات الربوية، وبعضُهم بعضَ عقودِ التحليل والمتعة، وأمثال ذلك، فقد جرى ذلك وأمثالُه مِن خِيار السلف، فهؤلاء المتأوِّلون المجتهدون غايتهم أنَّهم مخُطئون، وقد قال الله -تعالى-: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١)، وقد ثبت في "الصحيح" أن الله استجابَ هذا الدعاء. وقال شيخ الإسلام ﵀ أيضاً (٣٥/ ٧٦): "أمّا إذا كان الباغي مجتهداً متأولاً، ولم يتبين له أنّه باغ، بل اعتقَد أنّه على الحقّ وإنْ كان مخطئاً في اعتقاده: لم تكن تسميته باغياً موجبةً لإثمه -فضلاً عن أن توجب فِسْقه- والذين يقولون بقتال البغاة المتأولين؛ يقولون مع الأمر بقتالهم: قتالنا لهم لدفع ضررِ بغيهم؛ لا عقوبةً لهم؛ بل للمنع مِن العدوان. ويقولون: إنهم باقون على العدالة؛ لا يَفْسُقون، ويقولون: هم كغير المكلَّف، كما يُمنَع الصبي والمجنون والناسي والمغمى عليه والنائم من العدوان؛ أن لا يَصْدُر منهم، بل تمُنْع البهائم من العدوان.

стр. 2666

ويجب على مَن قتل مؤمنا خطأً الدية بنصّ القرآن؛ مع أنّه لا إثم عليه في ذلك، وهكذا مَن رُفع إلى الإمام مِن أهل الحدود وتاب بعد القدرة عليه فأقام عليه الحدّ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والباغي المتأول يُجلَد عند مالك والشافعي وأحمد ونظائره متعددة". وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٥٤٥): "وقد اتفقَ علماءُ المسلمين؛ على أنّ الطائفةَ الممتنعةَ إذا امتنعَت عن بعض واجبات الإسلام الظاهرة المتواترة؛ فإنه يَجِب قتالها؛ إذا تكلَّموا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلاة والزكاة، أو صيامِ شهر رمضان أو حجّ البيت العتيق، أو عن الحُكم بينهم بالكتاب والسنّة، أو عن تحريم الفواحش، أو الخمرِ، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن استحلالِ النفوس والأموال بغير حقّ، أو الربا، أو الميمسر، أو الجهاد للكُفّار، أو عن ضربِهم الجزيةَ على أهل الكتاب، ونحو ذلك من شرائع الإسلام، فإنهم يُقاتَلون عليها حتى يكون الدينُ كلُّه لله. ثمّ ذكر قول أبي بكر ﵁: "والله لو منعوني عَناقاً" ثمّ قوله ﷺ : "يحقر أحدكم صلاته ... " ثمّ قال: "وقد اتفق السلف والأئمة على قتال هؤلاء". وفيه أيضاً (ص ٥٥٦): "وسُئل الشيخ: عن قومٍ ذوي شوكة مقيمين بأرض، وهم لا يُصلُّون الصلوات المكتوبات، وليس عندهم مسجد، ولا أذان، ولا إقامة، وإنْ صلّى أحدهم صلّى الصلاة غير المشروعة. ولا يؤدّون الزكاة مع كثرةِ أموالهم مِن المواشي والزروع. وهم يَقْتَتِلون فيَقْتُل بعضُهم بعضاً، ويَنْهَبون مالَ بعضِهم بعضاً، ويَقْتُلون الأطفال، وقد لا يمتنعون عن سَفْك الدماء وأخْذِ الأموال، لا في شهر رمضان ولا في الأشهر الحُرُم ولا غيرِها، وإذا أَسَرَ بعضهم

стр. 2667

بعضاً باعوا أسراهم للإفرنج. ويبيعون رقيقهم مِن الذكور والإناث للإفرنج عَلانية، ويسوقونهم كسوق الدوابّ. ويتزوجون المرأة في عِدَّتها. ولا يُوَرّثون النساء. ولا ينقادون لحاكِم المسلمين. وإذا دُعِي أحدهم إلى الشرع قال: أنا الشرع. إلى غير ذلك. فهل يجوز قتالهُم والحالة هذه؟ وكيف الطريق إلى دخولهم في الإسلام مع ما ذُكِر؟ فأجاب: نعم يجوز؛ بل يَجب بإجماع المسلمين قتالُ هؤلاء وأمثالهِم؛ من كلّ طائفة ممتنعَةٍ عن شريعةِ مِن شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة؛ مِثْل الطائفة الممتنعة عن الصلوات الخمس، أو عن أداء الزكاة المفروضة إلى الأصناف الثمانية التي سماها الله تعالى في كتابه، أو عن صيام شهر رمضان، أو الذين لا يمتنعون عن سَفْك دماءِ المسلمين وأخْذ أموالهم، أو لا يتحاكمون بينهم بالشرع الذي بَعَث الله به رسولَه ﷺ ، كما قال أبو بكر الصديق وسائر الصحابة ﵃ في مانعي الزكاة، وكما قاتل عليُّ بن أبي طالب وأصحاب النبيّ ﷺ الخوارج، الذين قال فيهم النبيّ ﷺ : "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرَهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميَّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قَتَلَهم يوم القيامة". وذلك بقوله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١). وبقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ

стр. 2668

الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١). والربا آخر ما حرَّمه الله ورسوله، فكيف بما هو أعظم تحريماً. ويُدْعَون قبل القتال إلى التزام شرائع الإسلام فإنِ التزموها استُوثِق منهم، ولم يُكْتَفَ منهم بمجرّد الكلام ... ". هل البغاة والخوارج لفظان مترادفان أم لا ؟ جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٥/ ٥٣): "وسُئل ﵀ عن البغاة والخوارج: هل هي ألفاظ مترادفة بمعنى واحد؟ أم بينهما فَرْق؟ وهل فرَّقَت الشريعة بينهما في الأحكام الجارية عليهما أم لا؟ وإذا ادّعى مُدّعٍ أنّ الأئمّة اجتمعَت على أن لا فرق بينهم إلاّ في الاسم؛ وخالفَه مخُالِف مستدلاً بأنّ أمير المؤمنين علياً ﵁ فرَّق بين أهل الشام وأهل النهروان: فهل الحقّ مع المدّعي؟ أو مع مخالفه؟ فأجاب: الحمد لله، أمّا قول القائل: إنّ الأئمّة اجتمعَت على أن لا فرْقَ بينهما إلاَّ في الاسم، فدعوى باطلة، ومدعيها مجُازِف فإنَّ نفيَ الفرق؛ إنما هو قول طائفة مِن أهل العلم مِن أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم؛ مثل كثير من المصنّفين في قتال أهل البغي؛ فإنهم قد يجعلون قتالَ أبي بكر لمانعي الزكاة، وقتالَ عليٍّ الخوارجَ وقتالَه لأهل الجمل وصِفّين إلى غير ذلك من قتال المنتسبين إلى الإسلام؛ مِن باب قتال أهل البغي". وقال ﵀ أيضاً (ص ٥٦): "وأيضاً؛ فالنبيّ ﷺ أمَر بقتال الخوارج

стр. 2669

قبل أن يُقاتلِوا. وأمّا أهل البغي فإنّ الله -تعالى- قال فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ فلم يأمر بقتال الباغية ابتداءً، فالاقتتال ابتداءً ليس مأموراً به؛ ولكن إذا اقتتلوا أمرَ بالإصلاح بينهم؛ ثم إنْ بغَت الواحدة قوتلت؛ ولهذا قال مَن قال مِن الفقهاء: إنّ البغاة لا يُبتدَءون بقتالهم حتى يُقاتلوا، وأمّا الخوارج فقد قال النبيّ ﷺ فيهم: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة" (١)، وقال: "لئن أدركتُهم لأقتلنّهم قَتْل عاد" (٢). وكذلك مانعو الزكاة؛ فإنّ الصّدِيق والصحابة ابتدءوا قتالهم، قال الصّديق ﵁: "والله لو منعوني عَناقاً (٣) كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتَلْتُهم عليه" (٤).

стр. 2670

وهم يقاتَلون إذا امتنعوا مِن أداء الواجبات وإنْ أقرّوا بالوجوب. ثمّ تنازع الفقهاء في كُفر مَن مَنَعهما وقاتَل الإمام عليها مع إقراره بالوجوب؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، كالروايتين عنه في تكفير الخوارج. وأمّا أهل البغي المجرد فلا يُكفَّرون باتفاق أئمّة الدين؛ فإنّ القرآن قد نصَّ على إيمانهم وأخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي. والله أعلم". إذا بغت طائفة ولم تَقْبَل الصلح كانت بمنزلة الصائل وقال شيخ الإسلام ﵀ (ص ٣٥/ ٧٨): "ولكن إذا اقتَتَلت طائفتان مِن المؤمنين؛ فالواجب الإصلاح بينهما؛ وإن لم تكن واحدة منهما مأمورةً بالقتال، فإذا بغَت الواحدة بعد ذلك قوتلت؛ لأنها لم تترك القتال ولم تُجِب إلى الصلح؛ فلم يندفع شرّها إلاَّ بالقتال، فصار قتالها بمنزلة قتال الصائل الذي لا يندفع ظُلْمُه عن غيره إلاَّ بالقتال، كما قال النبيّ ﷺ : "مَن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومَن قُتِل دون دمه فهو شهيد، ومَن قُتِل دون دينه فهو شهيد ... " (١)،

стр. 2671

قالوا: فبتقدير أنّ جميع العسكر بغاة، فلم نُؤمَر بقتالهم ابتداءً؛ بل أُمِرنا بالإصلاح بينهم". العدل بين الطائفتين وما يترتّب على ذلك مِن ضمان وقِصاص وحَمالة (١). جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٥/ ٧٩): "وسُئل ﵀ عن الفتن التي تقع مِن أهل البرّ وأمثالها؛ فيقْتُل بعضهم بعضاً ويستبيح بعضُهم حرمة بعض، فما حُكم الله -تعالى- فيهم؟ فأجاب: الحمد لله، هذه الفِتن وأمثالها مِن أعظم المحرَّمات، وأكبر المنكرات، قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٢).

стр. 2672

وهؤلاء الذين تفرَّقوا واختلفوا حتى صار عنهم مِن الكُفر ما صار، وقد قال النبيّ ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كُفّاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض" (١) فهذا مِن الكُفر؛ وإنْ كان المسلم لا يُكفَّر بالذنب، قال -تعالى-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. فهذا حُكم الله بين المقتتلين من المؤمنين: أخبر أنهم إخوة، وأمر أوّلاً بالإصلاح بينهم إذا اقتتلوا ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ ولم يَقْبَلوا الإصلاح ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ فأمَر بالإصلاح بينهم بالعدل بعد أن ﴿تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي ترجعَ إلى أمر الله، فمَن رجَع إلى أمر الله؛ وجَب أن يُعدَل بينه وبين خصمه، ويُقسَط بينهما، فَقَبْل أن نُقاتِل الطائفة الباغية وبعد اقتتالهما؛ أُمِرنا بالإصلاح بينهما مطلقا؛ لأنه لم تُقهَر إحدى الطائفتين بقتال. وإذا كان كذلك؛ فالواجب أن يُسعى بين هاتين الطائفتين بالصلح الذي أَمَر الله به ورسوله، ويقال لهذه: ما تَنْقِم من هذه؟ ولهذه: ما تَنْقِم من هذه؟ فإنْ ثبَت على إحدى الطائفتين أنها اعتدت على الأخرى: بإتلاف شيءٍ من الأنفس، والأموال؛ كان عليها ضمان ما أتلفته، وإنْ كان هؤلاء أتلفوا لهؤلاء وهؤلاء أتلفوا لهؤلاء تقاصّوا بينهم، كما قال الله -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.

стр. 2673

وقد ذكَرَت طائفة من السلف أنها نَزَلت في مِثل ذلك في طائفتين اقتتلتا فأمَرَهم الله بالمقاصة، قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ والعفو الفضل، فإذا فَضُل لواحدة مِن الطائفتين شيء على الأخرى ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ والذي عليه الحقّ يؤديه بإحسان. وإن تعذَّر أنْ تضمن واحدة للأخرى؛ فيجوز أن يتحمَّل الرجل حَمَالةً يؤديها لصلاح ذات البين، وله أن يأخذها بعد ذلك مِن زكاة المسلمين، ويسأل الناس في إعانته في هذه الحالة وإنْ كان غنياً، قال النبيّ ﷺ لقبيصة بن مخارق الهلالي: "يا قبيصةُ إنّ المسألة لا تحلُّ إلاَّ لأحد ثلاثة: رجلٍ تحمَّل حَمالة، فحَلّت له المسألة؛ حتى يصيبها ثم يُمسك، ورجل أصابته جائحة (١) اجتاحت ماله فحلّت له المسألة حتى يصيب قِواماً (٢) من عيش (أو قال سِداداً (٢) من عيشٍ) ورجل أصابته فاقة؛ حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجا (٣) من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقةٌ؛ فحلَّت له المسألة حتى يصيب قِواماً من عيش (أو قال سِداداً من عيشٍ) " (٤).

стр. 2674

والواجب على كل مسلم قادر أن يسعى في الإصلاح بينهم ويأمرهم بما أمر الله به مهما أمكن". ثواب صبر مَنْ يظُنّ أنّه مظلوم مبغيٌّ عليه وقال شيخ الإسلام ﵀ (٣٥/ ٨٢): "ومَن كان مِن الطائفتين يظنّ أنّه مظلوم مَبْغيٌّ عليه فإذا صبَر وعفا أعزَّه الله ونصرَه؛ كما ثبت في الصحيح عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلاَّ عِزّاً، وما تواضَع أحدٌ لله إلاَّ رفعَه الله؛ ولا نقَصَت صدقة مِن مال" (١). وقال -تعالى-: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ وقال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. فالباغي الظالم يَنْتقم الله منه في الدنيا والآخرة؛ فإن البغي مصرعُه، قال ابن مسعود ﵁: "ولو بغَى جبلٌ على جبلٍ لجعل الله الباغي منهما دكاً" (٢). ومن حِكمة الشعر: قضى الله أنّ البغي يُصرَع أهلُه ... وأنّ على الباغي تدور الدوائر

стр. 2675

ويشهد لهذا قوله -تعالى-: ﴿إنَمَا بَغيُكم على أنفُسِكُم متاعَ الحياة﴾ الآية، وفي الحديث: "ما مِن ذنب أحرى أن يُعجَّل لصاحبه العقوبةُ في الدنيا مِن البغي، وما حَسَنَة أحرى أن يُعجَّل لصاحبها الثواب مِن صلة الرحم" (١) فمن كان من إحدى الطائفتين باغياً ظالماً فليتق الله وليتُب، ومَن كان مظلوماً مبغيّا عليه وصَبر كان له البشرى مِن الله، قال -تعالى-: ﴿وبشر الصابرين﴾ قال عمرو بن أوس: "هُم الذين لا يَظْلِمون إذا ظُلِموا، وقد قال -تعالى- للمؤمنين في حقّ عدوّهم: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً﴾ ". وقال يوسف ﵇ لَمّا فعَل به إخوته ما فَعَلوا، فصبر واتقى حتى نَصَره الله، ودخلوا عليه وهو في عِزّه ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. فمَن اتقى الله مِن هؤلاء وغيرهم بصِدْق وعدل، ولم يتعدّ حدود الله، وصبَر على أذى الآخر وظُلْمِه؛ لم يضرَّه كيد الآخر؛ بل ينصرُه الله عليه". ما يفعله ولاة الأمور مع أقوام لم يصلّوا ولم يصوموا ... وجاء في "مجموع الفتاوى" (٣٥/ ٨٩): "وسُئل- ﵀ عن أقوامٍ لم يُصلّوا ولم يصوموا، والذي يصوم لم يُصَلِّ، ومالهُم حرام، ويأخذون أموال الناس، ويُكرمون الجار والضعيف، ولم يُعرَف لهم مذهب، وهم مسلمون؟

стр. 2676

فأجاب: الحمد لله، هؤلاء وإنْ كانوا تحت حُكم ولاة الأمور؛ فإنه يَجب أن يأمروهم بإقامة الصلاة، ويعاقبوا على تركها، وكذلك الصيام، وإنْ أقروا بوجوب الصلوات الخمس وصيام رمضان والزكاة المفروضة؛ وإلا فمَن لم يُقِرّ بذلك فهو كافر، وإنْ أقرّوا بوجوب الصلاة وامتنعوا عن إقامتها؛ عوقبوا حتى يقيموها، ويجب قَتْل كلِّ مَن لم يُصلِّ إذا كان بالغاً عاقلاً عند جماهير العلماء، كمالك، والشافعي، وأحمد، وكذلك تقام عليهم الحدود، وإنْ كانوا طائفةً ممتنعةً ذاتَ شوكة؛ فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا أداء الواجبات الظاهرة والمتواترة؛ كالصلاة، والصيام، والزكاة، وتَرْك المحرمات، كالزنا، والرّبا، وقطع الطريق، ونحو ذلك. ومن لم يُقرّ بوجوب الصلاة والزكاة؛ فإنه كافر يستتاب، فإنْ تاب وإلا قُتِل". لا يجوز لإحدى الطائفتين أن تقول: نأخذ حقّنا بأيدينا جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٥/ ٨٨): "وأما إذا طَلَبت إحدى الطائفتين حُكم اللهِ ورسولِه، فقالت الأخرى: نحن نأخذ حقنا بأيدينا في هذا الوقت؛ فهذا مِن أعظمَ الذنوب الموجبة عقوبةَ هذا القاتل الظالم الفاجر، وإذا امتنعوا عن حُكم الله ورسوله ولهم شوكة؛ وجَب على الأمير قتالهم، وإن لم يكن لهم شوكة؛ عُرِف مَن امتنع مِن حُكم الله ورسوله، وألزم بالعدل". مَن قَتَل أحداً بعد إصلاح جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٥/ ٨٨): "وأمّا مَن قتل أحداً مِن بعد الإصطلاح أو بعد المعاهدة والمعاقدة؛ فهذا يستحِقّ القتل، حتى قالت طائفةٌ مِن

стр. 2677

العلماء: إنه يُقتَل حدّاً، ولا يجوز العفو عنه لأولياء المقتول، وقال الأكثرون: بل قَتْلُه قِصاص، والخيار فيه إلى أولياء المقتول". بيان طُرُق الإصلاح المذكور في قوله تعالى: ﴿فأصلِحوا بين أخويكم﴾ قال شيخ الإسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٣٥/ ٨٥): "والإصلاح له طُرُق؛ منها أن تُجمَع أموال الزكوات وغيرها حتى يُدفع في مِثل ذلك فإنّ الغرم لإصلاح ذات البين؛ يبيح لصاحبه أن يأخذ من الزكاة بقَدْر ما غرم؛ كما ذكَره الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، كما قال النبيّ ﷺ لقبيصة بن مخارق ﵁: "إن المسألة لا تحلُّ إلاَّ لثلاثة: ... " (١). ومِن طُرُق الصلح أن تعفو إحدى الطائفتين أو كلاهما عن بعض مالها عند الأخرى من الدماء والأموال ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين﴾. ومِن طُرق الصلح أن يُحكَم بينهما بالعدل، فيُنظَر ما أتلفته كلّ طائفة من الأخرى؛ من النفوس والأموال؛ فيتقاصّان ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾. وإذا فَضُل لإحداهما على الأخرى شيء؛ ﴿فاتباع بالمعروف وأداء إليه بأحسانٍ﴾؛ فإنْ كان يُجهَل عدد القتلى، أو مقدار المال؛ جُعِل المجهول كالمعدوم. وإذا ادَّعَت إحداهما على الأخرى بزيادة؛ فإمّا أن تُحلّفها على نفي ذلك، وإمّا أن تقيم البيِّنة، وإمّا تمتنع عن اليمين، فيقضى بردّ اليمين أو النكول.

стр. 2678

فإنْ كانت إحدى الطائفتين تبغي بأن تمتنع عن العدل الواجب، ولا تُجيب إلى أمر الله ورسوله، وتُقاتِل على ذلك، أو تَطلُب قتالَ الأخرى وإتلافَ النفوس والأموال، كما جرَت عادتهم به؛ فإذا لم يُقدَر على كفّها إلاَّ بالقتل؛ قوتلت حتى تفيء إلى أمر الله؛ وإنْ أمكَن أن تُلزَم بالعدل بدون القتال، مِثل أن يُعاقَب بعضُهم، أو يُحبَس؛ أو يُقتَل مَن وجَب قَتْلُه منهم، ونحو ذلك: عُمِل ذلك، ولا حاجة إلى القتال". محاورة الخوارج (١) والمتمرّدين على الإمام لا بُدّ من محاورةِ الخوارج والبغاة، ومراسلتِهم، وإزالةِ شُبَهِهِم، لمنْع الفتنة، وحقْنِ الدماء، والتوصُّل للحقّ، واجتماع الكلمة. عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: "قَدِمت عائشةُ ﵂، فبينا نحن جلوس عندها مرجعَها مِن العراق لياليَ قوتِل عليّ ﵁ إذ قالت: يا عبدَ الله بن شدّاد، هل أنت صادقي عمّا أسألك عنه؟ حدِّثني عن هؤلاء القوم الذين قَتَلَهم عليّ، قلت: ومالي لا أَصْدُقُك؟ قالت: فحدّثني عن قصتهم. قلت: إنّ عليّاً لمّا كاتبَ معاوية وحَكم الحكَمَين؛ خرَج عليه ثمانية آلاف مِن قُرّاء الناس، فنزلوا أرضاً مِن جانب الكوفة يُقال لها: حروراء، وإنهم أنكروا عليه،

стр. 2679

فقالوا: انسلخْتَ مِن قميصٍ ألبسَكَه اللهُ وأسماك به، ثمّ انطلقْتَ فحَكمْتَ في دين الله ولا حُكم إلاَّ لله، فلمّا أنْ بلَغَ عليّاً ما عتبوا عليه وفارقوه، أمَر فأَذّن مُؤذِّن: لا يدخُل على أمير المؤمنين إلاَّ رجلٌ قد حَمَل القرآن. فلمّا أن امتَلأَ مِن قُرّاء الناس الدار؛ دعا بمُصحفٍ عظيم فوضَعَه عليٌّ ﵁ بين يديه فطفِق يصكّه بيده، ويقول: أيّها المصحف حدِّث الناس، فناداه الناس، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، ما تسأله عنه، إنما هو وَرَقٌ ومِداد، ونحن نتكلّم بما روينا منه فماذا تريد؟ قال: أصحابكم الذين خَرَجوا بيني وبينهم كتاب الله -تعالى-، يقول الله في امرأةٍ ورجل: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله﴾ (١) فأمّة محمّد ﷺ أعظمُ حرمةً مِن امرأةٍ ورجل. ونقموا عليَّ أنّي كاتبْتُ معاويةَ وكتْبتُ عليَّ بن أبي طالب، وقد جاء سهيل ابن عمرو ونحن مع رسول الله ﷺ بالحديبية حين صالح قومُه قريشاً، فكتبَ رسولُ الله ﷺ : (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال سهيل: لا تكتب (بسم الله الرحمن الرحيم)، قال: فكيف أكتب؟ قال: اكتب باسمك اللهمّ. فقال رسول الله ﷺ : اكتبه، ثمّ قال: اكتب: مِن محمّد رسول الله، قالوا: لو نعلم أنك رسول الله لم نخالفك، فكتب: هذا ما صالَح عليه محمّدُ بنُ عبدِ الله قريشاً. يقول الله في كتابه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٢).

стр. 2680

فبعَث إليهم عليّ بن أبي طالب عبد الله بن عباس، فخرجْت معه حتى إذا توسَّطنا عسْكَرهم، قام ابن الكواء فخطَب الناس فقال: يا حَمَلَة القرآن إنّ هذا عبدُ الله بن عباس، فمن لم يكن يعرفه، فأنا أعرفه مِن كتاب الله هذا، مَن نَزَل في قومه: ﴿بل هم قومٌ خصمون (١)﴾ (٢) فرُدوه إلى صاحبه، ولا تواضعوه كتاب الله ، قال: فقام خطباؤُهم فقالوا: والله لنواضعنَّه كتاب الله، فإذا جاءنا بحقٍّ نعرفه اتبعناه، ولئن جاءنا بالباطل لنبكتنه بباطله، ولنردنّه إلى صاحبه، فواضَعوه على كتاب الله ثلاثة أيام. فرجع منهم أربعة آلاف كلّهم تائب، فأقبل بهم ابن الكواء، حتى أدخَلَهم على عليّ ﵁ فبعثَ عليٌّ إلى بقيّتهم، فقال: قد كان مِن أمرنا وأمْرِ الناس ما قد رأيتم، قِفوا حيث شئتم حتى تجتمعَ أمّة محمّد ﷺ ، وتنزلوا فيها حيث شئتم، بيننا وبينكم أن نقيَكم رماحنا؛ ما لم تقطعوا سبيلاً، وتطلبوا دَماً، فإنكم إنْ فعلتم ذلك فقد نبذْنا إليكم الحرب على سواء، إنّ الله لا يُحبّ الخائنين. فقالت عائشة ﵂: يا ابن شداد فقد قَتَلَهُم؟ فقال: والله ما بعَث إليهم حتى قطَعُوا السبيل، وسفكُوا الدماء، وقَتلُوا ابن خباب واستحلّوا أهلَ الذمّة فقالت: آلله؟ قلتُ: آلله الذي لا إله إلاَّ هو لقد كان.

стр. 2681

قالت: فما شيء بلغني عن أهل العراق يتحدّثون به يقولون: ذو الثدي ذو الثدي، قلت: قد رأيتُه ووقفتُ عليه مع عليّ ﵁ في القتلى فدعا الناس، فقال: هل تعرفون هذا؟ فما أكثر من جاء يقول: قد رأيته في مسجد بني فلان يصلّي، ورأيته في مسجد بني فلان يصلّي، فلم يأتوا بثَبْتٍ يعرف إلاَّ ذلك. قالت: فما قول عليّ حين قام عليه كما يزعم أهل العراق؟ قلت: سمعْتُه يقول: صدَق الله ورسوله، قالت: فهل سمعت أنت منه قال غير ذلك؟ قلت: اللهم لا، قالت: أجل؛ صَدَق الله ورسوله، يَرحم الله عليّاً، إنّه مِن كلامه كان لا يرى شيئاً يعجبه إلاّ قال: صدَق الله ورسوله" (١). متى يُقاتَل الخوارج والمتمرّدون على الإمام لا يجوز مبادرة الخوارج والمتمرّدين على الإمام بالقتال، لقولِ عليّ ﵁ في الحرورية: "لا تبدؤوهم بقتال" (٢). ويُقتَل المتمرِّدون على الإمام إذا قطَعوا السبيل، وسفَكوا الدماء، واستحلّوا الحُرُمات؛ كما في الأثَر المتقدِّم، قال عليٌّ ﵁ للخوارج: "قد كان مِنْ أمرِنا وأمْرِ النّاس ما قد رأيتم قفوا حيث شئتم، حتى تجتمعَ أمّه محمّد ﷺ ، وتنزلوا فيها حيث شئتم، بيننا وبينكم أن نقيَكم رماحنا؛ ما لم تقطعوا سبيلاً وتطلبوا دماً، فإنكم إنْ فعلتم ذلك، فقد نبَذْنا إليكم الحرب على سواء، إنّ الله لا يُحبّ الخائنين.

стр. 2682

فقالت عائشة ﵂: يا ابن شداد فقد قَتَلَهُم؟ فقال: والله ما بعَث إليهم حتى قطَعُوا السبيل، وسفكُوا الدماء، وقتلوا ابن خباب واستحلُّوا أهل الذمّة فقالت: آلله؟ قلت: آلله الذي لا إله إلاَّ هو، لقد كان". فائدة: قال في "منار السبيل" (٢/ ٣٥٢): "وكلُّ مَن ثبَتَت إمامتُه؛ حَرُم الخروج عليه وقتاله، سواءٌ ثبَتَت بإجماع المسلمين عليه: كإمامة أبي بكر الصديق ﵁، أو بعهدِ الإمام الذي قبله إليه: كعهد أبي بكر إلى عمر، ﵄، أو باجتهاد أهل الحلّ والعقد؛ لأنّ عمرَ جعَل أمْرَ الإمامة شورى بين ستةٍ من الصحابة، ﵃ فوقع الاتفاق على عثمان أو بقهره للناس، حتى أذعنوا له، ودعوه إماماً: كعبد الملك بن مروان؛ لمّا خرجَ علي ابن الزبير فقتَله، واستولى على البلاد وأهلِها حتى بايعوه طوعاً وكرهاً، ودعوه إماماً، لأنّ في الخروج على مَن ثبتَت إمامته بالقهر شقَّ عصا المسلمين، وإراقةَ دمائهم، وإذهابَ أموالهم. قال أحمد في رواية العطار: "ومَن غَلَب عليهم بالسيف حتى صار خليفة، وسُمِّي أمير المؤمنين؛ فلا يحلّ لأحدٍ يؤمن بالله أن يبيت، ولا يراه إماماً بَرّاً كان أو فاجراً. وقال في "الغاية ": ويتجه؛ لا يجوز تعدّد الإمام، وأنه لو تغلَّب كلُّ سلطان على ناحية كزماننا؛ فحُكمه كالإمام". ما جاء مِن نصوص تبيّن بعض أمارات الخوارج ومثيري الفتن عن أبي سعيد الخدري قال: "بَعَثَ عليٌّ ﵁ وهو باليمن

стр. 2683

بِذَهَبةٍ (١) في تُربَتِها (٢) إلى رسول الله ﷺ فقَسَمَها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعُيينة بن بدر الفزاريّ، وعلْقَمَةُ بن عُلاثة العامريّ، ثمّ أحَد بني كِلاب، وزيد الخير الطائي، ثمّ أحَد بني نبهان. قال: فغَضِبَت قريش فقالوا: أتعطي صناديد (٣) نجد وتَدَعُنا، فقال رسول الله ﷺ : إنّي إنّما فعلْتُ ذلك لأتألّفَهُم، فجاء رجل كثُّ اللحية (٤)، مُشرف الوجنتين (٥)، غائر العينين (٦)، ناتئ الجبين (٧) محلوق الرأس، فقال: اتّق الله يا محمّد، قال: فقال رسول الله ﷺ : فمن يُطِع الله إنْ عصيتُه! أيأمَنُنِي على أهلِ الأرض ولا تأمَنُوني؟ قال: ثمّ أدبَر الرجل، فاستأذَن رجلٌ من القوم في قَتْله -يرَوْن أنّه خالد بن الوليد-، فقال: رسول الله ﷺ : إنّ مِن ضئضئ (٨) هذا قوماً؛ يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يَقْتُلون أهل الإسلام ويَدَعُون أهل الأوثان، يمرُقون من

стр. 2684

الإسلام كما يمرُق السهم من الرَّميّة، لئن أدركتُهم لأقتلنّهم قَتْل عاد" (١). وفي رواية: قال أبو سعيد ﵁: "بينا نحن عند رسول الله ﷺ وهو يَقسِم قَسْماً، أتاه ذو الخويصِرة -وهو رجلٌ من بني تميم- فقال: يا رسول الله اعدِل، قال رسول الله ﷺ : ويلك، ومَن يَعدِل إنْ لم أعدِل؟ قد خِبتَُ وخسرتَُ إنْ لم أعدل، فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه. قال رسول الله ﷺ : دعه فإنّ له أصحاباً يحقِر أحدُكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيَهم (٢)، يمرقون من الإسلام؛ كما يمرُق السهم مِن الرميّة" (٣). وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "أتى رجل رسول الله ﷺ بالجِعْرانَة مُنْصَرَفَه (٤) مِن حُنين وفي ثوب بلالٍ فضّة، ورسول الله ﷺ يقبض منها يُعطي الناس، فقال: يا محمّد اعدل، قال: ويلك ومَن يَعدِل إذا لم أكن أعدِل؟ لقد خبتَُ وخسِرْتَُ إن لم أكن أعدل. فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله فأقتلَ هذا

стр. 2685

المنافق، فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أَقْتُل أصحابي، إنّ هذا وأصحابَه يقرأون القرآن؛ لا يُجاوِز حناجرهَم، يمرُقون منه كما يمرق السهم مِن الرّميّة" (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنّ النبيّ ﷺ ذكَر قوماً يكونون في أمّته، يخرُجون في فرقة مِن الناس، سيماهم التحالُق (٢)، قال: هم شرّ الخلق (أو مِن أشرّ الخلق) (٣)، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحقّ (٤). قال: فضرَب النبيّ ﷺ لهم مَثَلاً أو قال قولاً: الرجل يرمي الرميّة (أو قال الغَرَض) فينظر في النصل فلا يرى بصيرة (٥)، وينظر في النضيّ (٦) فلا يرى بصيرة، وينظر في الفُوق (٧) فلا يرى بصيرة، قال: قال: أبو سعيد وأنتم قتلتموهم يا أهل

стр. 2686

العراق" (١). وفي رواية من حديث أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "سيكون في أمّتي اختلافٌ وفُرقة، قومٌ يُحسنون القِيلَ ويسيئون الفِعل، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيَهم، يَمرقون مِن الدين مروق السهم مِن الرميّة، لا يرجعون حتى يرتد على فُوقِه، هم شرُّ الخلق والخليقة، طوبى لمن قَتَلَهم وَقَتلوه، يَدْعون إلى كتاب الله، وليسوا منه في شيء، مَن قاتَلَهم كان أولى بالله منهم، قالوا: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال: التّحليق" (٢). وعن سويد بن غَفَلَة قال: قال عليّ ﵁: "إذا حدَّثتُكم عن رسول الله ﷺ فَلأَنْ أخِرَّ مِن السماء أحبُّ إليَّ مِن أن أقول عليه ما لم يَقُل، وإذا حدَّثتُكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خَدْعة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيخرج في آخر الزمان قومٌ أحداثُ الأسنان سفهاءُ الأحلام (٣)، يقولون مِن خير قول البريّة (٤)، يقرأون القرآن لا يُجاوز حناجرهم، يَمرقون مِن الدين كما يَمرُق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجراً لمن قَتَلهم عند الله يوم القيامة" (٥).

стр. 2687

وعن عبيد الله بن- أبي رافع: "أنّ الحروريّة (١) لمّا خَرَجت وهم مع عليِّ بن أبي طالب ﵁ قالوا: لا حُكم إلاَّ لله، قال عليّ: كلمةُ حقٍّ أريد بها باطل، إن رسولَ الله ﷺ وصَفَ ناساً إني لأعرِف صِفَتَهم في هؤلاء، يقولون الحقّ بألسنتهم، لا يجوز (٢) هذا منهم، وأشار إلى حَلْقِه، مِن أبغض خَلْق الله إليه، منهم أسود، إحدى يديه طُبْيُ (٣) شاة، أو حلمة ثدي، فلمّا قتلَهم علي بن أبي طالب ﵁. قال: انظروا، فنظَروا، فلم يجدوا شيئاً، فقال: ارجعوا فوالله ما كَذَبتُ ولا كُذِّبتُ -مرتين أو ثلاثاً-، ثمّ وجدوه في خَرِبَة، فأتَوا به حتى وضعوه بين يديه، قال عبيد الله وأنا حاضر ذلك مِن أمرِهم وقولِ عليّ ﵁ فيهم" (٤). عن أبي رزين: "لما وقَع التحكيم، ورجَع عليٌّ من صِفّين رجعوا مبايِنين له، فلمّا انتهوا إلى النهرِ؛ أقاموا به فدخَل عليُّ في الناس الكوفة، ونزلوا بحروراء، فبعث إليهم عبدَ الله بن عباس، فرجَع ولم يصنع شيئاً، فخرَج إليهم عليٌّ فكلَّمَهم، حتى وقع الرضا بينه وبينهم، فدخلوا الكوفة، فأتاه رجُل فقال: إنّ الناس قد

стр. 2688

تحدثوا أنّك رجحْتَ لهم عن كُفرك، فخطَب الناسَ في صلاة الظهر فذكَر أمْرَهم فعابه، فوثبوا من نواحي المسجد يقولون: لا حُكم إلاّ لله، واستقبله رجل منهم واضع أصبعيه في أذنيه فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) فقال عليّ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٢) " (٣). ومِن أجل فهم مُراد عليٍّ ﵁ لا بُد من معرِفة سياق الآية، قال الله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ * كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٤). يعني: مِن شأن الكافرين إذا رأوا الآيات البيّنات والمُعجِزات الباهرات، أن يحكُموا ببطلان مَن جاء بها؛ لأنّه قد طُبع على قلوبهم فهم لا يفقهونها، فأمرَ الله -تعالى- نبيّه ﷺ بالصبر على مخالفتهم وعنادهم وأذاهم، فالعاقبة له ولمن اتبعَه في الدارَيْن. وأمَرَه -سبحانه- ألاّ يستخفنّ حِلْمه ورأيه (٥) أولئك المشركين الذين لا

стр. 2689

يوقنون بالمعَاد، ولا يؤمنون بالبعث بعد الممات، بل عليه بالثبات على الحقّ، وعدم العدول عنه. فذِكر ذلك الخارجي الآية: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ هو حُكمٌ على عليّ ﵁ بأنه مُبطل، كما هو شأن الكفّار في اتهام النبيّ ﷺ ولمّا أمَرَ الله -تعالى- نبيه بالصبر وأنّ وعده -سبحانه- حقّ، فإنّ علياً أراد أن يقول لهذا الخارجي: إنّ الله -تعالى- يأمرني أن أصبر على مخالفتك وعنادك وأذاك، وهو ناصري ومُعيني، وهو -سبحانه- يأمرني بالصبر والثبات؛ على ما أنا عليه مِن الحقّ، وعدم العدول عنه. السمع والطاعة للإمام ما لم يَأْمُر بمعصية وما جاء في عدم منازعة الأمر أهله قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١). جاء في تفسير ابن كثير ﵀: "قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني: أهلَ الفقه والدين، وكذا قال مجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وأبو العالية: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني: العلماء. والظاهر -والله أعلم- أنّ الآية عامّة في جميع أولي الأمر مِن الأمراء والعلماء، -كما تقدّم-، وقد قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ

стр. 2690

وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). وفي الحديث الصحيح المتفق عليه، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنّه قال: "مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن أطاع أميري فقد أطاعني، ومَن عصى أميري فقد عصاني" (٣). فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال -تعالى-: ﴿أطِيعُوا الله﴾ أي: اتبعوا كتابه ﴿وَأَطِيعُوا اَلرسولَ﴾ أي: خذوا بسنَّته ﴿وأولي الأمر منكم﴾ أي: فيما أمروكم به من طاعة الله، لا في معصية الله؛ فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما تقدم في الحديث الصحيح: "إنما الطاعة في المعروف" (٤). وعن عمرانَ بن حصين، عن النبيّ ﷺ قال: "لا طاعة في معصية الله" (٥). وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال مجاهد وغيرُ واحدٍ مِن السلف: أي: إلى كتاب الله وسُنّة رسوله. وهذا أمْرٌ من الله ، بأنّ كلَّ شيء تنازَع الناس فيه من أصول الدين وفروعه، أن يُرَدّ التنازع في ذلك إلى الكتاب والسُّنّة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا

стр. 2691

اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) فما حَكَم به كتابُ الله وسُنّةُ رسولِه وشهدا له بالصّحّة فهو الحق، وماذا بعد الحقّ إلاَّ الضلال. ولهذا قال -تعالى-: ﴿إن كنتم تُؤمِنُونَ بِاَللهِ وَاَليومِ الآخِرِ﴾ أي: رُدّوُا الخصومات والجهالاتِ إلى كتاب الله وسُنّة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجَر بينكم ﴿إن كنتم تُؤمِنُونَ بِاَللهِ وَاَليومِ الآخِرِ﴾. فدلَّ على أنَّ مَن لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتابِ والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك؛ فليس مُؤمِناً بالله ولا باليوم الآخر. وقوله: ﴿ذلك خيرٌ﴾ أي: التحاكُم إلى كتاب الله وسُنة رسوله. والرجوع في فصل النزاع إليهما خير ﴿وَأَحْسَنُ تَأوِيلاً﴾ أي: وأحسنُ عاقبةً ومآلاً؛ كما قاله السدي وغير واحد. وقال مجاهد: وأحسن جزاءً. وهو قريب". عن ابن عمر ﵄ عن النبيّ ﷺ . قال: "السمع والطاعة حقّ؛ ما لم يُؤمَر بمعصية، فإذا أُمِرَ بمعصية، فلا سمْعَ ولا طاعة" (٢). وعن ابن عباس ﵄ عن النبيّ ﷺ قال: من رأى مِن أميره شيئاً يكرهه؛ فليصبِر عليه؛ فإنه مَن فارق الجماعة شبراً فمات؛ إلاّ مات ميتة جاهلية" (٣). وعن جُنادةَ بن أَبي أميّة قال: "دخَلْنا على عُبادة بنِ الصامت وهو مريض، قُلنا أصلحَك الله، حدِّث بحديثٍ ينفعك الله به، سمعْتَه من النبيّ ﷺ ، قال: دعانا

стр. 2692

النبيّ ﷺ فبايعناه، فقال فيما أخذَ علينا؛ أن بايَعَنا على السمع والطاعة، في مَنْشَطنا (١) ومَكْرَهنا (٢) وعُسرنا ويُسرنا، وأثَرَةٍ (٣) علينا، وأن لا نُنازع الأمرَ أهلَه (٤) إلاَّ أن تروا كُفراً بَواحاً (٥)؛ عندكم من الله فيه بُرهان (٦) " (٧). وعن عبد الرحمن بن عبد ربِّ الكعبة، قال: "دخلتُ المسجد، فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالسٌ في ظِلِّ الكعبة، والناس مجتمِعون عليه، فأتيتُهم

стр. 2693

فجلسْتُ إليه، فقال: كنّا مع رسول الله ﷺ في سفَر فنزلنا منزلاً، فمنّا من يُصلح خِباءَه ومنا من يَنتضِلُ (١) ومنّا من هو في جَشَرِه (٢) إذ نادى منادي رسولِ الله ﷺ : الصلاةَ جامعةً، فاجتمعْنا إلى رسول الله ﷺ فقال: إنه لم يكن نبيٌّ قبلي، إلاَّ كان حقّاً عليه أن يدُلّ أمّته على خيرِ ما يعلمُه لهم، ويُنذرَهم شرَّ ما يعلمه لهم، وإنَّ أمّتكم هذه جُعِل عافيتُها في أولها، وسيصيب آخرَها بلاءٌ وأمورٌ تنكرونها، وتجيء فتنة، فيُرقِّق (٣) بعضها بعضاً، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مُهلِكتي، ثمّ تنكشف وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحَبَّ أن يُزَحزَحَ عن النار وَيُدْخَل الجنة؛ فلتأته منيّته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يُحبّ أن يُؤتَى إليه (٤)، ومن بايع إماماً فأعطاه صفْقَة يدِه وثمرةَ قلبه (٥) فليطعه إن استطاع، فإنْ جاء آخرُ ينازعه؛ فاضربوا عُنُق الآخر. فدنوت منه فقلت له: أنشدك الله آنت سمعْتَ هذا من رسول الله ﷺ ،

стр. 2694

فأهوى إلى أذنيه وقلبِه بيديه وقال: سَمِعَتْه أذناي ووعَاه قلبي. فقلت له: هذا ابن عَمِّك معاوية يأمُرنا أن نأكلَ أموالَنا بيننا بالباطل، ونقتُلَ أنفسنا، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ (١) إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ قال: فسكَت ساعة ثمّ قال: أطِعه في طاعة الله (٢)، واعصه في معصية الله" (٣). وعن عوف بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "خِيارُ أئمّتكم الذين تحبّونهم ويُحبّونكم، ويُصلّون عليكم (٤)، وتصلّون عليهم، وشرار أئمّتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله أفلا ننابذُهُم بالسيف؟ فقال: لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة (٥)، وإذا رأيتم مِن ولاتكم شيئاً تكرهونه، فاكرهوا عَمَله، ولا تنزِعوا يَداً مِن طاعة" (٦). قال شيخ الإسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ١٧٠):

стр. 2695

وأولوا الأمر أصحاب الأمر وذووه؛ وهم الذين يأمُرون الناس؛ وذلك يشترك فيه أهلُ اليد والقدرة وأهلُ العلم والكلام؛ فلهذا كان أولوا الأمر صنفين: العلماء؛ والأمراء، فإذا صلحوا صلح الناس وإذا فسدوا فسَد الناس؛ كما قال أبو بكر الصديق ﵁ للأحمسية لما سألته: "ما بقاؤنا على هذا الأمر؟ قال: ما استقامت لكم أئمّتكم"، ويدخُل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان؛ وكل مَن كان متبوعاً فإنه مِن أولي الأمر. وعلى كل واحد من هؤلاء أن يَأْمُر بما أمرَ الله به، وينهى عمّا نهى عنه، وعلى كل واحدٍ ممن عليه طاعته، أن يطيعه في طاعة الله؛ ولا يطيعه في معصية الله ... ". السلام في الإسلام إنّ حامل هذه الرسالة هو حاملُ راية السلام، لأنه يَحْملُ إلى البشرية الهدى، والنور، والخير، والرشاد. وهو يُحدّث عن نفسه، فيقول: "إنما أنا رحمة مهداة" (١). ويحدث القرآن عن رسالته، فيقول: ﴿وما أرسلناك إلاَّ رحمةً للعالمين﴾ (٢). يقول الله- تعالى-: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ (٣). قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٤).

стр. 2696

أسباب النصر والتمكين (١) ١ - التوحيد قال -تعالى-: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ (٢). ولا يُلقى الرعب في قلوب الكُفّار؛ إلاَّ إذا كان المسلمون موحِّدين حقّاً، ألا ترى ما كان مِن شأن الأعداء زمن الصحابة ﵃ فإنّه لم يكن لهم عليهِم مِن سبيل، ولكننا نراهم الآن قد تسلّطوا على المسلمين! فلا بُدّ من التوحيد، فإنّه حقّ الله على عباده، وهو سعادة الدارين. وكيف ينصُر الله -تعالى- أُناساً يُؤلهّون الملائكة والأنبياء والأولياء؟! كيف ينصُر الله أناساً اعتقدوا أنّ الله تفرّد بالخلق، ولم يتفرّد بالاستجابة؛ إلاّ بواسطة مخلوقاته؛ مِن أحياء وأموات، يرفعون له الدعاء والاستغاثة والتوسل؟! قال الله -تعالى-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣).

стр. 2697

قال ابن كثير ﵀ -بحذف-: "هذا وَعْدٌ مِن الله لرسوله ﷺ ؛ بأنه سيجْعَل أمّته خلفاء الأرض، أي: أئمّة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلُح البلاد، وتخضع لهم العباد، ولَيُبدلَنّ بعد خوفهم من الناس أمناً وحُكماً فيهم، وقد فعَل تبارك -وتعالى- ذلك، وله الحمد والمِنّة، فإنه لم يمت رسول الله ﷺ ، حتى فتَح الله عليه مكّة وخيبر والبحرين، وسائرَ جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالها، وأخَذ الجزية مِن مجوس هَجَر، ومِن بعض أطراف الشام، وهاداه هِرَقْل مَلِك الروم وصاحب مصر والاسكندرية -وهو المقوقس- وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة، الذي تَملَّك بعد أصْحَمة ﵀ وأكرمه-. ثمّ لمّا مات رسول الله ﷺ واختار الله له ما عنده مِن الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق ﵁، فلمَّ شَعْث ما وَهَى عند موته ﵊ وأطَّدَ جزيرة العرب ومهَّدها، وبعَث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد ﵁، ففتحوا طَرَفاً منها، وقتلوا خلقاً مِن أهلها، وجيشاً آخر صحبة أبي عبيدة ﵁، ومَن معه مِن الأمراء إلى أرض الشام، وثالثاً صحبة عمرو بن العاص ﵁ إلى بلاد مصر، ففتَح الله للجيش الشاميّ في أيامه بُصرى ودمشق ومَخَاليفهما من بلاد حوران، وما والاها، وتوفاه الله ، واختار له ما عنده مِن الكرامة. ومَنّ على الإسلام وأهله؛ بأن أَلهْمَ الصِّديق أن استخلَف عمرَ الفاروق، فقام في الأمر بعده قياماً تامّاً، لم يَدُر الفَلَك بعد الأنبياء ﵈ على مثله، في قوة سيرته وكمال عَدْله، وتمّ في أيامه فتْح البلاد الشاميّة بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكَسَّر كسرى وأهانه غاية الهوان، وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقَصَّر قيصر، وانتزع يدَه عن بلاد الشام فانحاز إلى القُسطنطينة،

стр. 2698

وأنفَق أموالَهما في سبيل الله، كما أخبَر بذلك ووعَد به رسول الله -عليه مِن ربّه أتمّ سلام وأزكى صلاة-. ثمّ لمّا كانت الدولة العثمانية (١)، امتدَّت المماليك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففُتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك: الأندلس، وقبرص، وبلاد القيروان، وبلاد سَبْتَةَ؛ مما يلي البحر المحيط، ومِن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقُتِل كسرى، وباد مُلْكُه بالكُلّية، وفُتحت مدائن العراق، وخُراسان، والأهواز، وقَتَل المسلمون مِن الترك مقتلةً عظيمةً جداً، وخذَل الله ملكهم الأعظم خاقان، وجُبي الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمْعِه الأمّة على حِفظ القرآن. ولهذا ثبَت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنّه قال: "إن الله زَوَى (٢) لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وسيبلغُ ملك أمّتي ما زُوي لي منها" (٣). فها نحن نتقلب فيما وعَدَنا الله ورسوله، وصدَق الله ورسوله، فنسأل الله الإيمان به، وبرسوله، والقيام بشُكره على الوجه الذي يُرضيه عنّا. قال الإمام مسلم بن الحجاج في "صحيحه": حدَّثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سَمُرَة قال: "سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: لا يزال أمْرُ الناس ماضياً ما وَلِيَهم اثنا عشر رجلاً ثمّ تكلَّم النبيّ ﷺ بكلمة

стр. 2699

خَفِيت عني فسألْتُ أبي: ماذا قال رسول الله ﷺ ؟ فقال: كُلُّهم مِن قريش" (١). ورواه البخاري من حديث شعبة، عن عبد الملك بن عمير، به (٢). وهذا الحديث فيه دِلالة على أنّه لا بُدّ من وجود اثني عشَر خليفةً عادلاً وليسوا هم بأئمّة الشيعة الاثني عشَر؛ فإنَّ كثيراً مِن أولئك لم يكن إليهم مِن الأمر شيء، فأمّا هؤلاء؛ فإنهم يكونون مِن قريش، يَلُون فيَعْدِلون، وقد وقَعَت البِشارة بهم في الكتب المتقدمة. ثمّ لا يُشتَرط أن يكونوا متتابعين، بل يكون وجودهم في الأمّة متتابعاً ومتفرّقاً، وقد وُجِد منهم أربعة على الولاء، وهم: أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ ﵃، ثمّ كانت بعدهم فترة، ثمّ وُجِد منهم ما شاء الله، ثمّ قد يُوجَد منهم مَن بقي في وقتٍ يعلمه الله، ومنهم المهدي الذي يطابق اسمه اسمَ رسول الله ﷺ ، وكُنيته كنيتَه، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما مُلئت جوراً وظلماً. [وعن] سعيد بن جُمْهان، عن سَفِينة -مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثمّ يكون مُلكاً (٣) " (٤).

стр. 2700

وقوله -تعالى-: ﴿كما استخلف الذين من قبلهم﴾ كما قال -تعالى- عن موسى ﵇، أنّه قال لقومه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (٣). ثمّ ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ بعضاً مِن حديث عديِّ بن حاتم، وأرى مِن الفائدة أن أسوقه بتمامه: قال ﵁: "بَينا أنا عند النبيّ ﷺ إذ أتاه رجُلٌ فشكا إليه الفاقَةَ، ثمّ أتاه آخر فشكا إليه قَطْع السبيل، فقال: يا عديّ هل رأيت الحِيْرَة؟ قلت: لم أرها وقد أُنبِئتُ عنها. قال: فإنْ طالت بك حياة لتَرَّين الظّعينة (٤) ترتحل من الحِيرَة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحداً إلاَّ الله -قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعّار (٥) طَيئ الذين قد سَعّروا البلاد؟ - ولئنْ طالت بك حياة لتُفتَحنّ كنوزُ كسرى، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، ولئنْ طالت بك حياة لتَرّين الرجل
следующие страницы →