← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فأجاب: مثل هذا ما زال المسلمون يصلّون عليه، بل المنافقون الذين يكتمون النفاق يصلّي المسلمون عليهم، ويُغسَّلون، وتجري عليهم أحكام الإِسلام؛ كما كان المنافقون على عهد رسول الله ﷺ ، وإِن كان من علم نفاق شخص؛ لم يجُز له أن يصلّي عليه، كما نُهي النبي ﷺ عن الصلاة على من عَلم نفاقَه، وأمّا من شُكّ في حاله؛ فتجوز الصلاة عليه، إِذا كان ظاهره الإِسلام". وقال ابن القيّم ﵀ في كتاب "الصلاة وحُكم تاركها" (ص ٣٨) في المسألة الأولى -وقد رجّح استتابة تارك الصلاة: المسألة الثانية: " ... أنه لا يقتل حتى يُدعى إِلى فِعلها فيمتنع". فماذا إِذا لم يُدع ولم يُستَتب؟ وماذا إِذا لم يُهدَّد بالقتل من الحاكم، أيُحكَم عليه بالكفر، وهذا هو واقعنا مع الأسف، فتنبّه وتدبّر. ومِثله ما جاء في "الاختيارات" (ص٣٢) في ردّ شيخ الإِسلام ﵀ على متأخري الفقهاء: " ... إِذ يمتنع أن يعتقد أنّ الله فرَضها ولا يفعلها، ويصبر على القتل؛ هذا لا يفعله أحد قطّ" وقد سبقت الإِشارة إِلى مِثل هذا، وانظر "مجموع الفتاوى" (٧/ ٢١٨) فإِن فيه تفصيلاً أكثر. وجاء في "المرقاة" (٢/ ٢٧٦): "فمن تركها فقد كفر: أي: أظهر الكُفر وعمل عمل أهل الكُفر فإِنّ المنافق نفاقاً اعتقادياً كافر، فلا يُقال في حقّه كَفر". وجاء في "الصحيحة" (١/ ١٧٤) -بحذف-: "فالجمهور على أنَّه لا يكفُر بذلك، بل يفسق، وذهب أحمد -في رواية- إِلى أنَّه يكفر، وأنَّه يُقتَل ردّة لا حدّاً، وقد صحّ عن الصحابة أنَّهم كانوا لا يرون من الأعمال شيئاً ترْكه كُفر غير الصَّلاة. رواه الترمذي والحاكم.

стр. 317

وأنا أرى أنَّ الصواب رأي الجمهور، وأنّ ما ورَد عن الصحابة ليس نصّاً على أنَّهم كانوا يريدون بـ (الكفر) هنا الكفر الذي يُخلِّد في النار ... ثمَّ وقفْتُ على "الفتاوى الحديثة" (٨٤/ ٢) للحافظ السخاوي، فرأيته يقول بعد أن ساق بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصَّلاة -وهي مشهورة معروفة-: "ولكن؛ كل هذا إِنَّما يُحمل على ظاهره في حقّ تاركها جاحداً لوجوبها، مع كونه ممَّن نشأ بين المسلمين؛ لأنَّه يكون حينئذ كافراً مرتدّاً بإِجماع المسلمين، فإِنْ رجع إِلى الإِسلام؛ قُبِل منه وإِلاَّ قُتل. وأمّا من تركَها بلا عذر بل تكاسلاً مع اعتقاد وجوبها؛ فالصحيح المنصوص الذي قطَع به الجمهور أنَّه لا يكفر، وأنَّه -على الصحيح أيضاً بعد إِخراج الصَّلاة الواحدة عن وقتها الضروري؛ كأن يترك الظهر مثلاً حتى تغرب الشمس، أو المغرب حتى يطلع الفجر؛ يستتاب كما يستتاب المرتدّ، ثمَّ يُقتل إِن لم يَتُب، ويُغسل ويصلَّى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين، مع إِجراء سائر أحكام المسلمين عليه (١)، ويؤول إِطلاق الكفر عليه لكونه شاركَ الكافر في بعض أحكامه، وهو وجوب العمل؛ جمعاً بين هذه النصوص وبين ما صحّ أيضاً عنه ﷺ أنَّه قال: "خمس صلوات كتبهنّ الله ... (فذكر الحديث، وفيه:) إِنْ شاء عذبه، وإِن شاء غفر له"، وقال أيضاً: "من مات وهو يعلم أن لا إِله إلاَّ الله؛ دخل الجنّة" إِلى غير ذلك ... ولهذا لم يزل المسلمون يَرِثون تارك الصَّلاة ويورّثونه، ولو كان كافراً؛ لم يُغفر له؛ لم يَرِث ولم يُورَث". وقد ذكر نحو هذا الشيخ سليمان عبد الله في "حاشيته على المقنع"

стр. 318

(١/ ٩٥ - ٩٦)، وختم البحث بقوله: "ولأنَّ ذلك إِجماع المسلمين، فإِننا لا نعلم في عصرٍ من الأعصار أحداً من تاركي الصَّلاة تُرك تغسيلُه والصَّلاة عليه، ولا مُنع ميراث موروثه، مع كثرة تاركي الصَّلاة، ولو كَفَر؛ لثبتت هذه الأحكام، وأمَّا الأحاديث المتقدمة؛ فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكافر لا على الحقيقة؛ كقوله ﵊: "سِباب المسلم فسوق وقتاله كُفر" (١)، وقوله: "من حلف بغير الله فقد أشرك" (٢)، وغير ذلك. قال الموفق: وهذا أصوب القولين". أقول [أي: شيخنا -حفظه الله-]: نقلْت هذا النص من "الحاشية" المذكورة، ليعلم بعض متعصّبة الحنابلة أن الذي ذهَبْنا إِليه ليس رأياً لنا تفرَّدْنا به دون أهل العلم، بل هو مذهب جمهورهم، والمحققين من علماء الحنابلة أنفسهم؛ كالموفّق هذا -وهو ابن قدامة المقدسي- وغيره؛ ففي ذلك حُجّة كافية على أولئك المتعصبة، تَحْمِلُهم إِنْ شاء الله تعالى على ترك غلَوائهم، والاعتدال في حُكمهم. بيد أنَّ هنا دقيقة قَلَّ من رأيته تنبّه لها، أو نبّه عليها، فوجب الكشفُ عنها وبيانها، فأقول: إِنَّ التارك للصلاة كسَلاً؛ إِنَّما يصح الحكم بإِسلامه، ما دام لا يوجد هناك ما يكشف عن مكنون قلبه، أو يدلّ عليه، ومات على ذلك قبل أن يستتاب؛ كما هو الواقع في هذا الزمان، أمَّا لو خُيِّر بين القتل والتوبة بالرجوع إِلى

стр. 319

المحافظة على الصَّلاة، فاختار القتل عليها، فقُتل؛ فهو في هذه الحالة يموت كافراً، ولا يُدفَن في مقابر المسلمين، ولا تَجري عليه أحكامهم؛ خلافاً لما سبق عن السخاوي؛ لأنَّه لا يُعقل -لو كان غير جاحد لها في قلبه - أن يختار القتل عليها، هذا أمر مستحيل معروف بالضرورة من طبيعة الإِنسان، لا يحتاج إِثباته إِلى برهان". انتهى. وكم أعجبني قول بعض طلاب العلم: "إِنَّ ممّا أخشاه أن يكون المكفّرون لتارك الصلاة مطلقاً؛ قد عظّموا الصَّلاة أكثر من الشهادتين". وعن ابن مسعود ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "أُمِرَ بعبد من عباد الله أن يضربَ في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة، فجُلدَ جلدةً واحدةً، فامتلأ قبره عليه ناراً، فلما ارتفع عنه وأفاق قال: على ما جلدتموني؟ قالوا: إِنّك صليت صلاةً واحدةً بغير طهورٍ، ومررتَ على مظلومٍ فلم تنصره" (١). قال شيخنا -حفظه الله تعالى- من فقه الحديث: قال الطحاوي عقبه: "فيه ما قد دل أن تارك الصلاة لم يكن بذلك كافراً، لأنّه لو كان كافراً لكان دعاؤه باطلاً لقول الله تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلاَّ في ضلال﴾. ونقله عنه ابن عبد البر في "التمهيد" (٤/ ٢٣٩)، وأقره، بل وأيده بتأويل الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة على أن معناها: "من ترك الصلاة جاحداً لها معانداً مستكبراً غير مقرّ بفرضها. وألزم من قال بكفره بها وقبلها

стр. 320

على ظاهرها فيهم أن يكفر القاتل والشاتم للمسلم، وأن يكفر الزاني و ... و .. إِلى غير ذلك مما جاء في الأحاديث لا يُخرج بها العلماء المؤمن من الإِسلام، وإِن كان بفعل ذلك فاسقاً عندهم، فغير نكير أن تكون الآثار في تارك الصلاة كذلك". وفي "المغني" (٢/ ٢٩٨) بحثٌ نفيسٌ فارجِع إِليه -إِن شئت-. ثمَّ رأيتُ ردّاً للشيخ علي الحلبي -حفظه الله- على من يقول بتكفير تارك الصلاة إِذا كان غير جاحد لوجوبها، ذكر فيه عدداً من الحجج والبراهين من ذلك: ١ - في كتاب "الجامع" (٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧) للخلاّل، عن إِبراهيم بن سعد الزّهري، قال: سألتُ ابن شهابٍ عن الرجل يترك الصلاة؟ قال: "إِنْ كان إِنّما يتركها أنه يبتغي ديناً غير الإِسلام قُتل، وإِنْ كان إِنّما هو فاسق من الفُسّاق، ضُرب ضرباً شديداً أو سُجن". ٢ - قال الإِمام ابن المنذر في كتاب "الإِجماع" (ص ١٤٨) في مسألة تارك الصلاة: "لم أجِدْ فيها إِجماعاً" (١) أي: على كُفره. ٣ - نَقَلَ الحافظ محمد بن نصر المقدسيّ عن ابن المبارك قولَه في تكفير تارك الصلاة -في كتابه "تعظيم قدر الصلاة" (٢/ ٩٩٨) -، ثمَّ قال: "فقيل

стр. 321

لابن المبارك: أيتوارثان إِنْ مات؟! أو إِن طَلَّقها يقع طلاقُهُ عليها؟ فقال: أمّا في القياس؛ فلا طلاق ولا ميراث، ولكنْ أَجْبُنُ" ... ٤ - قال الإِمام ابن القيّم في "كتاب الصلاة" (ص ٥٥): "وها هنا أصل آخر، وهو أنّ الكفر نوعان: كُفر عمل، وكُفر جحود وعناد. فكُفر الجحود: أن يكفر بما علم أنّ الرسول جاء به من عند الله جُحوداً وعناداً من أسماء الربّ وصفاته وأفعاله وأحكامه، وهذا الكفر يضادُّ الإِيمان من كل وجه، وأما كُفر العمل، فينقسم إِلى ما يضادّ الإِيمان، وإِلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف، وقتل النّبيّ وسّبه يضادّ الإِيمان. وأمّا الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة، فهو من الكفر العملي قطعاً، ولا يمكن أن يُنفى عنه اسم الكفر؛ بعد أنْ أطلقه الله ورسوله عليه، فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله ﷺ ، ولكنْ هو كفر عمل لا كفر اعتقاد، ومن الممتنع أن يُسمّي الله -سبحانه- الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً، ويُسمّي رسول الله ﷺ تارك الصلاة كافراً، ولا يُطلِق عليهما اسم الكفر، وقد نفى رسول الله ﷺ الإِيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر، وعمّن لا يأمن جاره بوائقه، وإِذا نفي عنه اسم الإِيمان، فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كُفر الجحود والاعتقاد، وكذلك قوله: "لا ترْجِعوا بعدي كُفّاراً يضربُ بعضكم رقاب بعض" (١) فهذا كُفر عمل (٢) ".

стр. 322

٥ - قال الإِمام الشنقيطي -رحمه الله تعالى- في "أضواء البيان" (٤/ ٣٤٧) -بعد نقاشٍ طويلٍ في المسألة، وسَرْدٍ مستوعب لأدلة المكفِّرين، وغيرهم-: "هذا هو حاصل كلام العلماء وأدلتهم في مسألة ترك الصلاة عمداً؛ مع الاعتراف بوجوبها. وأظهر الأقوال أدلة عندي: قول من قال إِنه كافر، وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور: إِنه كُفر غير مخرج عن الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إِذا أمكن. وإِذا حمل الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج من الملة؛ حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إِذا أمكن؛ لأن إِعمال الدليلين أولى من إِلغاء أحدهما؛ كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث. وقال النووي في "شرح المهذب" -بعد أن ساق أدلة من قالوا إِنه غير كافر ما نصه-: "ولم يزل المسلمون يورّثون تارك الصلاة ويوَرِّثون عنه، ولو كان كافراً لم يغفر له ولم يرث ولم يورث". من أجل هذا؛ عدّ الإِمام ابن رشد في كتابه "بداية المجتهد" (١/ ٢٢٨) قول مكفّري تارك الصلاة: " ... مضاهياً لقول من يكفّر بالذنوب". ولعلّه -من أجل ذا- قال العلامة أبو الفضل السَّكْسَكي في كتابه "البرهان" (ص ٣٥): "إِنّ تارك الصلاة -إِذا لم يكن جاحداً- فهو مسلم -على الصحيح من مذهب أحمد- وأنّ المنصورية يسمّون أهل السنّة مرجئة؛ لأنهم يقولون بذلك، ويقولون: هذا يؤدي إِلى أن الإيمان

стр. 323

عندهم قول بلا عمل"! ٦ - قال الإِمام ابن عبد البّر في "التمهيد" (٤/ ٢٣٦) مُلزِماً مكفّري تارك الصلاة -لمجرّد العمل-: "ويلزم من كَفَّرهم بتلك الآثار (١) وقبلها على ظاهرها فيهم: أن يكفِّر القاتل، والشاتم للمسلم، وأن يكفِّر الزاني، وشارب الخمر، والسارق، والمنتهب، ومن رغب عن نسب أبيه. فقد صح عنه ﷺ أنّه قال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (٢). وقال ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ... " (٣). وقال ﷺ : "لا ترغبوا عن آبائكم، فإِنّه كُفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم" (٤). وقال أيضاً: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" (٥). إِلى آثار مِثل هذه لا يُخرجُ بها العلماء المؤمن من الإِسلام، وإِنْ كان بفعل ذلك فاسقاً عندهم، فغير نكير أنْ تكون الآثار في تارك الصلاة كذلك".

стр. 324

٧ - قال الإِمام عبد الحقِّ الإِشبيلي في كتابه "الصلاة والتهجّد" (ص ٩٦): " ... وذهب سائر المسلمين من أهل السنّة -المحدثين وغيرهم- إِلى أن تارك الصلاة متعمداً، لا يكفر بتركها، وأنه أتى كبيرة من الكبائر إِذ كان مؤمناً بها، مُقرّاً بفرضها، وتأولوا قول النّبيّ ﷺ ، وقول عمر، وقول غيره ممن قال بتكفيره، كما تأولوا قوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (١)، وغير ذلك مما تأوّلوه، ومن قال بقتل تارك الصلاة من هؤلاء، فإِنما قال: يقتل حدّاً، ولا يقتل كفراً، وإِلى هذا ذهب مالك والشافعي وغيرهما. ٨ - ويقول الحافظ العراقي في "طرح التثريب" (٢/ ١٤٩): "وذهب جمهور أهل العلم إِلى أنه لا يكفر بترك الصلاة -إِذا كان غير جاحد لوجوبها-، وهو قول بقية الأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهي رواية عن أحمد بن حنبل -أيضاً-". انتهى كلام الشيخ علي الحلبي -حفظه الله-. قلتُ: ومهما يكن مِن أمر؛ فإِنه لا ينبغي أن نختلف في هذه المسألة، أو نجعل فيها ولاءً وبراءً -إِذ الخلاف شرٌّ- وهذه من مسائل الاجتهاد، والذي ينبني على هذه المسألة أمران: ١ - أمْرٌ يتعلّق بجزاء تارك الصلاة عند اللَّه -تعالى- أيخلُد في النّار أم لا؟ وليس لنا من هذا الأمر شيء. ٢ - وأمْرٌ يتعلق بإِجراء الأحكام عليه في الدنيا، وينقسم إِلى قسمين: أ- ما ينبني عليه من إِجراء أحكام الكافر؛ كمنع الميراث، وتطليق زوجته، وعدم دفنه في مقابر المسلمين عند موته ... إِلخ.

стр. 325

وهذا لم يمض عليه عَمَلُ مَن قبلنا، ومن هم خيرٌ منا، وتقدم الكلام فيه. ب- ما ينبني عليه من الاستتابة إِذا امتنع؛ من قتل، ونحن نعلم -مع الأسف- غياب هذا، والعجز عنه. ولو تحقق هذا؛ لانتهى ما طال حوله الجدل، فلنتآلف ولتجتمع قلوبنا، ولنعمل للإِسلام؛ ليأتي اليوم الذي نفرح فيه؛ بتطبيق أحكامه، وهذا من أبرزها، وبالله التوفيق. على مَن تجب ؟ تجب الصَّلاة على المسلم العاقل البالغ؛ لحديث عائشة ﵂ عن النّبيّ ﷺ قال: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النّائم حتى يستيقظ، وعن المُبتَلى حتى يبرَأ (١)، وعن الصّبيّ حتى يكبُر (٢) " (٣). صلاة الصبيّ تقدَّم حديث عائشة ﵂: "رفع القلم ... " ويتضمّن ذلك الصبيّ حتى يكبر أو يحتلم. بيْد أنَّ عدم الوجوب لا يُعفي وليَّه أن يأمره بها حين يبلغ سبْع سنين، وأن يُعاقبه بالضّرب على ترْكها حين يبلغ عشراً، كما في الحديث: "مُرُوا أولادكم بالصَّلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرِّقوا

стр. 326

بينهم في المضاجع" (١). عدد الفرائض وفرائض الصَّلاة في اليوم والليلة خمس كما في حديث طلحة بن عبيد الله: "أنَّ أعرابياً جاء إِلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس فقال: يا رسولَ الله أخبِرني ماذا فرض الله عليَّ من الصَّلاة، فقال: الصلوات الخمس إلاَّ أن تطوَّع شيئاً، فقال: أخبِرني ما فرَض الله عليَّ من الصيام. فقال: شهر رمضان إلاَّ أن تطوَّع شيئاً، فقال: أخبِرني بما فرض الله عليَّ من الزكاة، فقال: فأخبَره رسول الله ﷺ شرائع الإِسلام، قال: والذي أكرمك لا أتطوّع شيئاً، ولا أنقُص ممَّا فرض الله عليَّ شيئاً. فقال رسول الله ﷺ : أفلح إِنْ صدق، أو دخل الجنَّة إِن صدق" (٢). مواقيت الصَّلاة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً (٣)﴾ (٤). قال في "المغني" (١/ ٣٧٨): "أجمعَ المسلمون على أنَّ الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت محددةٍ".

стр. 327

وقد بيّنَت الأحاديث هذه المواقيت؛ كما في حديث عبد الله بن عمرو، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "وقتُ الظهر إِذا زالت الشمس وكان ظلُّ الرَّجلِ كطوله، ما لم يحضُر العصر، ووقت العصر ما لم تصفَرَّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إِلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم تطلع الشمس، فإِذا طلعت الشمس فأمسِك عن الصَّلاة، فإِنَّها تطلع بين قرنيْ شيطانٍ" (١). وكذلك حديث جابر: "أنَّ النّبيّ ﷺ جاءه جبريلُ ﵇ فقال: قم فصلِّه، فصلّى الظهر حين زالت الشمس، ثمَّ جاءه العصر فقال: قم فصلّه فصلّى العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، ثمَّ جاءه المغرب فقال: قم فصلّه، فصلّى المغرب حين وجبت (٢) الشمس، ثمَّ جاءه العشاء فقال: قم فصلّه، فصلّى العشاء حين غاب الشفَق، ثمَّ جاءه الفجر فقال: قم فصلِّه، فصلَّى الفجر حين برق الفجر أو قال: سطع الفجر، ثمَّ جاء من الغد للظهر فقال: قم فصلّه، فصلّى الظهر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله، ثمَّ جاءه العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثليه، ثمَّ جاءه المغرب وقتاً واحداً لم يَزُل عنه. ثمَّ جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثلث الليل، فصلّى العشاء، ثمَّ جاء حين أسفر (٣) جداً، فقال له: قم فصلّه، فصلّى الفجر ثمَّ قال: ما بين هذين

стр. 328

وقتٌ" (١) وعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "إِنَّ للصلاة أولاً وآخراً، وإنّ أوّل وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإنّ أول وقت صلاة العصر حين يدخل وقتها، وإِنّ آخر وقتها حين تصفرّ الشمس، وإنّ أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق، وإِنّ أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإِنّ أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإِنَّ آخر وقتها حين تطلع الشمس" (٢). وقت الظُّهر (٣) عن عبد الله بن عمرو أنَّ رسول الله ﷺ قال: "وقت الظهر إِذا زالت

стр. 329

الشمس، وكان ظلّ الرجل كطوله، ما لم يحضُر العصر" (١). يبدأ وقت الظهر حين تزول الشمس عن بطن السماء ووسطها، ويستمرّ ذلك حتى يصير ظلّ كلّ شيء مثله، باستثناء فيء (٢) الزوال. وأجمع أهل العلم على أن أوّل وقت الظهر زوال الشمس، قاله ابن المنذر وابن عبد البرّ، وقد تظاهرَت الأخبار بذلك ... (٣). قال في "المغني" (١/ ٣٨٠): "ومعنى زوال الشمس: ميلها عن كبد

стр. 330

السماء، ويُعرف ذلك بطول ظلّ الشخص بعد تناهي قِصَره، فمن أراد معرفة ذلك فليُقدّر ظلّ الشمس، ثمَّ يصبر قليلاً ثمَّ يقدّره ثانياً، فإِنْ كان دون الأول فلم تَزُل، وإن زاد ولم ينقص فقد زالت، وأمَّا معرفة ذلك بالأقدام فتختلف باختلاف الشهور والبلدان، فكلّما طال النهار قصر الظل، وإِذا قصر طال الظلّ، فكلّ يوم يزيد أو ينقص". جاء في "عون المعبود" (٣/ ٣٠٠): "قال الشيخ عبد القادر الجيلاني في "غنية الطالبين": فإِذا أردت أن تعرف ذلك؛ فقِس الظل بأن تنصب عموداً أو تقوم قائماً في موضع الأرض مستوياً معتدلاً، ثمَّ علِّم على منتهى الظل؛ بأن تخط خطاً، ثم انظر أينقص أو يزيد، فإِن رأيته ينقص؛ علمْتَ أنّ الشمس لم تَزُل بعد، وإِنْ رأيته قائماً لا يزيد ولا ينقص؛ فذلك قيامها وهو نصف النهار، لا تجوز الصلاة حينئذ، فإِذا أخذ الظل في الزيادة؛ فذلك زوال الشمس، فقِس من حدّ الزيادة إِلى ظلّ ذلك الشيء الذي قست به طول الظل، فإِذا بلغ إِلى آخر طوله؛ فهو وقت آخر الظهر". وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- موضّحاً دخول وقت الظهر (١): "لو وضَعْنا شاخصاً وراقبْنا ظلّه حتى صار الظلّ ٢ سم مثلاً، وبعد ذلك لم يطُل أكثر من ذلك ولم يقصُر، ثمَّ تحرَّك حتى صار مثلاً ٢ سم و١ ملم، فهذا اسمه فيء الزوال، بمعنى زالت الشمس عن وسط السماء، ودخل وقت الظهر".

стр. 331

وانظر ما قاله ابن المنذر في "الأوسط" (٢/ ٣٢٨) تحت (باب ذكر معرفة الزوال). الإِبراد بصلاة الظهر عند الحرّ عن أبي ذرّ ﵁ قال: "كان النّبيّ ﷺ في سفر، فقال: أبرِد، ثمَّ قال: أبرِد، حتى فاء الفيء -يعني للتلول (١) - ثمَّ قال: أبردوا بالصَّلاة؛ فإِنَّ شدّة الحرّ من فيح (٢) جهنّم" (٣). وعن أبي سعيد ﵁ قال: "قال النّبيّ ﷺ : أبردوا بالصَّلاة، فإِنَّ شدّة الحرّ من فيح جهنّم" (٤). قال في "المغني" (١/ ٤٠٠): "وقال القاضي: إِنَّما يُستحبُّ الإِبراد بثلاثة شروط: شدّة الحرّ، وأن يكون في البلدان الحارّة ومساجد الجماعات، فأمَّا من صلاّها في بيته، أو في مسجدٍ بفناء بيته؛ فالأفضل تعجيلها، وهذا مذهب الشافعي؛ لأنَّ التأخير إِنَّما يُستحبّ لينكسر الحرّ ويتسع في

стр. 332

الحيطان، ويكثر السعي إِلى الجماعات، ومن لا يصلّي في جماعة لا حاجة به إِلى التأخير". واختلف العلماء في غاية الإِبراد: قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٢/ ٢٠) (١): "وقد اختلف العلماء في غاية الإِبراد، فقيل: حتى يصير الظلّ ذراعاً بعد ظلّ الزوال، وقيل: رُبع قامة، وقيل: ثلثها وقيل: نصفها، وقيل: غير ذلك. ونزلها المازري على اختلاف الأوقات، والجاري على القواعد أنَّه يختلف باختلاف الأحوال، لكن يشترط أن لا يمتدّ إِلى آخر الوقت". وقت صلاة العصر ويبدأ حين يكون ظلّ الشيء مثله مع فيء الزوال، ويمتدّ إِلى غروب الشمس. قال لي شيخنا -حفظه الله تعالى- في بيان وقت العصر في درس عمليّ: "قلنا في بيان صلاة الظهر أنَّ طول الشاخص ١م مثلاً وفيء الزوال ٢سم و١ ملم، فمتى يكون وقت العصر؟ عندما يصير هذا الظلّ طوله ١م و٢سم و١ملم، فالشاخص الذي قلنا إِنَّ طوله ١م، يصير ظلّه على الأرض ١م و٢سم و١ملم وهو فيء الزوال". انتهى. وفي ذلك أحاديث منها حديث جابر المتقدّم وفيه: " ... ثمَّ جاءه العصر فقال: قُم فصلِّه، فصلَّى العصر حين صار ظلّ كل شيء مثليه". وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال:

стр. 333

" ... ومن أدرك ركعة (١) قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (٢). وفي رواية: "إِذا أدرك أحدكم سجدةً (٣) من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، فليتمّ صلاته" (٤). الترهيب من ترك صلاة العصْر عن أبي المَليح قال: كنّا مع بريدة في غزوةٍ في يوم ذي غيم، فقال: بكِّروا بصلاة العصر، فإِنَّ النّبيّ ﷺ قال: "من ترك صلاة العصر فقد حَبِط عمله" (٥). وعن ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الذى تفوتُه صلاة العصر كأنَّما وُتِرَ (٦) أهلَه وماله" (٧).

стр. 334

تعجيلها عند الغيم لقول بريدة السابق حين غزا في يوم ذي غيمْ: "بكّروا بصلاة العصر ... ". صلاة العصر هي الصَّلاة الوسطى قال الله تعالى: ﴿حافِظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ (١). وعن عليّ ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال يوم الخندق: "ملأ الله عليهم بيوتهم، وقبورهم ناراً؛ كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" (٢). وفي رواية: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً ... " (٣). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "حَبَسَ المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر، حتى احمرَّت الشمس أو اصفرَّت، فقال رسول الله ﷺ : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً"، أو قال: "حشا الله أجوافهم وقبورهم ناراً" (٤). قال ابن المنذر في "الأوسط" (٢/ ٣٦٨): "ويُقال: إِنها سُمّيت وسطى

стр. 335

لأنها بين صلاتين في الليل، وصلاتين في النهار". وقت صلاة المغرب ويبدأ وقت صلاة المغرب إِذا غابَ جميع قُرص الشمس، ويستمرّ إِلى مغيب الشّفق (١) الأحمر، وتقدَّم حديث مسلم (٦١٢): "فإِذا صلّيتم المغرب؛ فإِنَّه وقْتٌ إِلى أن يسقُط الشّفق". ويُستحبّ التعجيل بصلاة المغرب وفي ذلك نصوص عديدة منها: ١ - ما رواه سلمة بن الأكوع ﵁ "أنَّ رسول الله ﷺ كان يصلي المغرب إِذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب" (٢). ٢ - عن أبي أيوب ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "صلّوا صلاة المغرب مع سقوط الشمس" (٣). ٣ - ما رواه رافع بن خديج ﵁ قال: "كُنّا نصلّي المغرب مع النّبيّ ﷺ فينصرف أحدُنا؛ وإِنَّه ليُبصر مواقع نَبْلِه" (٤). جاء في "المغني" (١/ ٣٩٠): "وإِذا غابت الشمس وجَبَت المغرب، ولا يُستحبّ تأخيرها إِلى أن يغيب الشّفق، أمَّا دخول وقت المغرب بغروب

стр. 336

الشمس؛ فإِجماع أهل العلم لا نعلم بينهم خلافاً فيه، والأحاديث دالّة عليه وآخره مغيب الشّفق، وبهذا قال الثوري وإِسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وبعض أصحاب الشافعي، وقال مالك والأوزاعي والشافعي: ليس لها إلاَّ وقت واحد عند مغيب الشمس؛ لأن جبريل ﵇ صلاّها بالنّبيّ ﷺ في اليومين لوقت واحد في بيان مواقيت الصَّلاة". التعجيل بصلاة المغرب: لما تقدّم من النصوص: وقال ابن المنذر في "الأوسط" (٢/ ٣٦٩): "وأجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ التعجيل بصلاة المغرب أفضل، وكذلك نقول". وقت العشاء يبدأ وقت صلاة العشاء حين يغيب الشّفق، ويمتدّ إلى نصف الليل، وتقدَّم حديث جابر ﵁: " ... فصلّى العشاء حين غاب الشّفق ... "، إِلى قوله: "ثمَّ جاء من الغد ... ثمَّ جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثُلث الليل، فصلّى العشاء ... ثمَّ قال: ما بين هذين وقْت". وفي الحديث: "إِذا ملأ الليل بطن كلِّ وادٍ فصلّ العشاء الآخرة" (١). استحباب تأخير العشاء عن أوّل وقْتها وفيه أحاديثُ عديدة، منها:

стр. 337

حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ يصف صفة صلاة النّبيّ ﷺ المكتوبة- قال: "وكان يستحِبُّ أن يؤخّر من العشاء التي تدْعونها العَتَمةَ" (١). وعن حميد قال: "سُئل أنسٌ: هل اتخذ النّبيّ ﷺ خاتَماً؟ قال: أخّرَ ليلةً صلاة العشاء إِلى شطر الليل، ثمَّ أقبلَ علينا بوجهه، فكأني أنظر إِلى وبيص (٢) خاتمه، قال: إِنّ الناس قد صلَّوا وناموا، وإِنَّكَم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتموها" (٣). وعن عائشة؛ قالت: "أَعْتَم (٤) النّبيّ ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامّة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثمَّ خرج فصلّى، فقال: "إِنَّه لَوَقتها؛ لولا أن أشقَّ على أمّتي" (٥). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشقَّ على أمّتي، لأمَرْتهم أن يُؤخّروا العشاء إِلى ثلث الليل أو نصفه" (٦). وعن محمد بن عمرو بن الحسن بن عليّ قال: قدم الحجّاج فسأَلنا جابر

стр. 338

ابن عبد الله فقال: "كان النّبيّ ﷺ يصلّي الظهرَ بالهاجرةِ (١)، والعصر والشمس نقيةٌ، والمغرب إِذا وجبتْ، والعشاء أحياناً وأحياناً: إِذا رآهم اجتمعوا عجّلَ، وإذا رآهم أبطأوا أخَّر، والصبح -كانوا أو كان النّبيّ ﷺ يصليها بغَلَس" (٢). قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٤٨) عقب الحديث (٥٦٧): " ... فعلى هذا من وجد به قوّةً على تأخيرها، ولم يغلِبه النوم ولم يشقّ على أحد من المأمومين؛ فالتأخير في حقّه أفضل، وقد قرّر النووي ذلك في "شرح مسلم"، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعيّة وغيرهم والله أعلم. ونقل ابن المنذر عن الليث وإِسحاق؛ أنَّ المستحبّ تأخير العشاء إِلى قبل الثُلث، وقال الطحاوي: يُستحبُّ إِلى الثلث، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم: التعجيل أفضل، وكذا قال في "الإِملاء" وصحّحه النووي وجماعة وقالوا: إِنَّه ممَّا يُفتي به على القديم، وتعقب بأنَّه ذكره في "الإِملاء" وهو من كُتُبه الجديدة، والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير، ومن حيث النظر التفصيل والله أعلم". قلت: "ولعلّ ذلك يتبع ما بالحيّ والجماعة من قوّة؛ يُراعى فيها أضعفهم؛ حرصاً على صلاة الجماعة.

стр. 339

فربّما استدعى الأمر إِلى عدم التأخير مُطلقاً لظروف المصلِّين، وربما كان المصلّون قلَّةً في مسجدٍ ما، يستطيعون تأخير الصلاة إِلى ثلث الليل أو قبله أو بعده، ويراعى في ذلك الانتفاع من وقت الانتظار في العبادة والطاعة، والله أعلم". ولابن المنذر في "الأوسط" (٢/ ٣٦٩) كلام نفيس في هذا فارجع إِليه -إِن شئت-. آخر وقت للعشاء تعدَّدت الأقوال في آخر وقت للعشاء، فمنهم مَن قال: إِنَّ العشاء يمتدُّ إِلى طلوع الفجر الثاني، ومنهم من قال: إِنّه يمتدّ إِلى ثُلث الليل، ومنهم من قال: إِلى نصف الليل. ومنهم من قال: وقت الاختيار إِلى ثلث الليل، ووقت الضرورة إِلى طلوع الفجر الثاني. واستدلّ من قال بامتداد العشاء إِلى طلوع الفجر الثاني بحديث "مسلم" (٦٨١): " ... أما إِنّه ليس في النّوم تفريط، إِنَّما التفريطُ على من لم يُصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأُخرى ... ". قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في "تمام المنّة" (ص١٤٠): " ... ولا دليل فيه على ما ذهبوا إِليه، إِذ ليس فيه بيان أوقات الصلاة، ولا سيق من أجل ذلك وإِنّما لبيان إِثم من يؤخِّر الصلاة حتى يخرجها عامداً عن وقتها مطلقاً؛ سواء كان يعقبها صلاة أخرى مِثل العصر مع المغرب، أوْ لا، مِثْل الصبح مع الظهر، ويدلّ على ذلك أنّ الحديث ورَد في صلاة الفجر؛ حين فاتتْه ﷺ مع

стр. 340

أصحابه وهم نائمون في سَفَر لهم، واستعظَم الصحابة ﵃ وقوع ذلك منهم، فقال ﷺ لهم: "أما لكم فيَّ أُسوة؟ " ثمَّ ذكَر الحديث. كذلك هو في "صحيح مسلم" وغيره، فلو كان المراد من الحديث ما ذهبوا إِليه من امتداد وقت كل صلاة إِلى دخول الأخرى، لكان نصّاً صريحاً على امتداد وقت الصبح إِلى وقت الظهر، وهم لا يقولون بذلك، ولذلك اضطروا إِلى استثناء صلاة الصبح من ذلك، وهذا الاستثناء على ما بينّا من سبب الحديث يعود عليه بالإِبطال؛ لأنَّه إِنَّما ورَد في خصوص صلاة الصبح، فكيف يصحّ استثناؤها؟! فالحقّ أنَّ الحديث لم يَرِد من أجل التحديد، بل لإِنكار تعمُّد إِخراج الصلاة عن وقتها مطلقاً، ولذلك قال ابن حزم في "المحلّى" (٣/ ٢٣٣) مجيباً على استدلالهم المذكور: "هذا لا يدلّ على ما قالوه أصلاً، وهم مُجمِعون معَنا أنَّ وقت صلاة الصبح لا يمتدّ إِلى وقت صلاة الظهر، فصحّ أنَّ هذا الخبر لا يدل على اتّصال وقْت كلّ صلاة بوقت التي بعدها، وإِنَّما فيه معصية من أخَّرَ صلاةً إِلى وقْتِ غيرها فقط، سواءٌ اتصل آخر وقتها بأول الثانية أمْ لم يتَّصل، وليس فيه أنّه لا يكون مفرِّطاً أيضاً من أخَّرها إِلى خروج وقتها، وإِن لم يدخُل وقتُ أخرى، ولا أنّه يكون مُفرِّطاً، بل هو مسكوت عنه في هذا الخبر، ولكن بيانه في سائر الأخبار التي فيها نصٌّ على خروج وقتِ كلِّ صلاة، والضرورة توجبُ أنَّ من تعدَّى بكل عمل وقته الذي حدَّه الله تعالى لذلك العمل؛ فقد تعدّى حدود الله، وقال تعالى: ﴿ومن يتَعَدَّ حدودَ الله فأولئكَ هم الظالمون﴾ (١) ". وإذ قد ثَبت أنّ الحديث لا دليل فيه على امتداد وقت العشاء إِلى الفجر،

стр. 341

فإِنَّه يتحتّم الرجوع إِلى الأحاديث الأخرى التي هي صريحة في تحديد وقت العشاء مِثل قوله ﷺ : "ووقت صلاة العشاء إِلى نصف الليل الأوسط ... ". رواه "مسلم" (٦١٢) وغيره. وقد مضى بتمامه في الكتاب، ويؤيّده ما كتب به عمر بن الخطاب إِلى أبي موسى الأشعري: " ... وأَن صلِّ العشاء ما بينك وبين ثلث الليل، وإنْ أخَّرْت فإِلى شطْر الليل، ولا تكن من الغافلين". أخرجه مالك والطحاوي وابن حزم، وسنده صحيح. فهذا الحديث دليل واضح على أنَّ وقت العشاء إِنّما يمتدّ إِلى نصف الليل فقط، وهو الحقّ، ولذلك اختارَه الشوكاني في "الدرر البهية"، فقال: " ... وآخر وقت صلاة العشاء نصف الليل"، وكذا في "السيل الجرّار" (١/ ١٨٣) وتبِعه صديق حسن خان في "شرحه" (١/ ٦٩ - ٧٠)، وقد رُوي القول به عن مالك كما في "بداية المجتهد"، وهو اختيار جماعة من الشافعية كأبي سعيد الاصطخري وغيره. انظر "المجموع" (٣/ ٤٠). فخلاصة الأمر أنَّ وقت صلاة العشاء؛ يمتدّ إلى نصف الليل فقط، وحديث "مسلم" (٦١٢) المتقدم عُمدة في ذلك وفيه: " ... ووقت صلاة العشاء إِلى نصف الليل الأوسط ... " وبالله التوفيق. فائدة: ينتهي الليل بطلوع الفجر الصادق، قال الله تعالى: ﴿وكلُوا واشْرَبُوا حتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِن الخَيْطِ الأسْوَدِ من الفَجْر﴾ (١). فالخيط

стр. 342

الأسود آخر الليل، والخيط الأبيض أول الفجر. وقت صلاة الصبح يبدأ وقت صلاة الصبح حين يطلُع الفجر الصّادق، ويمتدّ إِلى طلوع الشمس. جاء في "المغني" (١/ ٣٩٥): "وإذا طلَع الفجر الثاني وجَبَت صلاة الصبح، والوقت مُبقىً إِلى ما قبل أنْ تطلُع الشمس، ومن أدرَك منها ركعةً قبل أن تطلُع فقد أدرَكها وهذا مع الضرورة. وجملته: إِنَّ وقت الصبح يدخل بطلوع الفجر الثاني إِجماعاً، وقد دلَّت عليه أخبار المواقيت وهو البياض المستطير (١) المنتشر في الأفق، ويُسمَّى الفجر الصادق؛ لأنَّه صدقَك عن الصبح وبيَّنه لك، والصبحُ ما جمع بياضاً وحمرةً، ومنه سُمِّي الرجل الذي في لونه بياض وحمرة أصبح، فأمَّا الفجر الأول: فهو البياض المستدق صُعُداً (٢) من غير اعتراض، فلا يتعلّق به حكم، ويُسمَّى الفجر الكاذب".

стр. 343

التغليس (١) بصلاة الفجر يستحبُّ التغليس بصلاة الفجر ؛ بأن تُصلّى في أوّل وقتها، كما تدلّ على ذلك الأحاديث الصحيحة، منها: حديث أبي مسعود البدري: "أنَّ النّبيّ ﷺ صلّى الصبح مرّة بغلس، ثمَّ صلّى مرّة أخرى فأسفَر بها، ثمَّ كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد إِلى أن يسفر" (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: "كنَّ نساءُ المؤمنات يشهدنَ مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر مُتَلَفِّعاتٍ بمروطهنَّ، ثمَّ ينقلبنَ إِلى بيوتهنَّ حين يقضين الصلاة؛ لا يعرفهنَّ أحدٌ من الغَلَس" (٣).

стр. 344

وفي رواية: "وما يعرف بعضنا وجوه بعض" (١). ولا يُعارض هذا الحديث قوله ﷺ : "أسفروا (٢) بالفجر؛ فإِنَّه أعظم

стр. 345

للأجر" (١). قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٢/ ٥٥): "وأمّا ما رواه أصحاب السنن وصحّحه غير واحد من حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ : "أسفِروا بالفجر فإِنَّه أعظم للأجر"، فقد حَمَله الشافعي وغيره على أنَّ المراد بذلك تحقُّق طلوع الفجر، وحَمله الطحاوي على أنَّ المراد الأمر بتطويل القراءة فيها؛ حتى يخرج من الصلاة مُسفِراً، وأبعَدَ من زَعمَ أنَّه ناسخ للصلاة في الغلس". وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في "الإِرواء" (١/ ٢٨٦): "قال الترمذي عقب الحديث: وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النّبيّ ﷺ والتابعين الإِسفار بصلاة الفجر. وبه يقول سفيان الثوري. وقال الشافعي وأحمد وإِسحاق: معنى الإِسفار: أن يتضح الفجر، فلا يُشكّ فيه، ولم يرو أنَّ معنى الإِسفار تأخير الصَّلاة". قلت [الكلام لشيخنا -حفظه الله-]: "بل المعنى الذي يدل عليه مجموع ألفاظ الحديث إِطالة القراءة في الصَّلاة حتى يخرج منها في الإِسفار، ومهما أسفَر فهو أفضل وأعظم للأجر؛ كما هو صريحُ بعضِ الألفاظ المتقدمة، فليس معنى الإِسفار إِذن هو الدخول في الصَّلاة في وقت الأِسفار؛ كما هو

стр. 346

مشهور عن الحنفية، لأنَّ هذا خلاف السنّة الصحيحة العملية التي جرى عليها رسول الله ﵌ كما تقدَّم في الحديث الذي قبله، ولا هو التحقّق من دخول الوقت كما هو ظاهر كلام أولئك الأئمّة، فإِنَّ التحقق فرْض لا بد منه، والحديث لا يدلّ إلاَّ على شيء هو أفضل من غيره، لا على ما لا بدّ منه كما هو صريح قوله: " ... فإِنَّه أعظم للأجر"، زِدْ على ذلك أنَّ هذا المعنى خلاف قوله في بعض ألفاظ الحديث: " ... فكلّما أصبحتم بها فهو أعظم للأجر". وخلاصة القول؛ أنَّ الحديث إِنّما يتحدّث عن وقت الخروج من الصلاة، لا الدخول، فهذا أمر يُستفاد من الأحاديث الأخرى، وبالجمع بينها وبين هذا: نستنتج أنَّ السنَّة الدخول في الغلس والخروج في الإِسفار، وقد شرح هذا المعنى الإِمام الطحاوي في "شرح المعاني"، وبيّنه أتمّ البيان بما أظهر أنَّه لم يُسبَق إِليه، واستدلّ على ذلك ببعض الأحاديث والآثار، وختم البحث بقوله: فالذي ينبغي الدخول في الفجر في وقت التغليس، والخروج منها في وقت الإِسفار؛ على موافقة ما روينا عن رسول الله ﷺ وأصحابه. وهو قول أبي حنيفة وأيي يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهم الله تعالى-. وقد فاتهَ ﵀ أصرح حديث يدلّ على هذا الجمع؛ منْ فِعْله ﵊ وهو حديث أنس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يصلّي، .. الصُّبح إِذا طلَع الفجر إِلى أن ينفسح البصر". أخرجه أحمد بسند صحيح كما تقدَّم بيانه في آخر تخريج الحديث السابق. وقال الزيلعي (١/ ٢٣٩): "هذا الحديث يُبطلِ تأويلهم الإِسفار بظهور الفجر" وهو كما قال -رحمه الله تعالى-". انتهى ولشيخ الإِسلام

стр. 347

كلام مهم في "الفتاوى" (٢٢/ ٩٥) فارجع إِليه -إِن شئت-. من أدرَك ركعة من صلاة الفجر أو العصر عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من أدرَك من الصبح ركعةً قبل أن تطلع الشمس؛ فقد أدرَك الصبح، ومن أدرَك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرَك العصر" (١). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أدرَك أحدُكم سجدةً من صلاة العصر قبل أن تغرُب الشمس، فليُتمَّ صلاته، وإذا أدرَك سجدةً من صلاة الصُّبح قبل أن تطلع الشمس، فليتمّ صلاته" (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أدرَك من العصر سجدةً قبل أن تغرب الشمس؛ أو من الصبح قبل أنْ تطلع، فقد أدرَكها" (٣) والسجدة إِنَّما هي الركعة (٤).

стр. 348

وجاء في "صحيح البخاري" (٥٥٦) (كتاب مواقيت الصلاة) "باب من أدرَك ركعةً من العصر قبل الغروب"، وأورد فيه حديث أبي هريرة ﵁: "إِذا أدرَك أحدكم سجدةً ... ". قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٣٨): "قوله (باب من أدرَك ركعةً من العصر قبل الغروب) أورد فيه حديث أبي سلمة عن أبي هريرة: "إِذا أدرَك أحدكم سجدةً من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتمّ صلاته، فكأنَّه أراد تفسير الحديث، وأنَّ المراد بقوله: "فيه سجدة"، أي: ركعة. وقد رواه الإِسماعيلي من طريق حسين بن محمد عن شيبان بلفظ: "من أدرَك منكم ركعة" فدلّ على أنَّ الاختلاف في الألفاظ وقَع من الرواة، ... و [في] رواية مالك في أبواب وقت الصبح بلفظ: "من أدرَك ركعة" ولم يُختَلف على راويها في ذلك، فكان عليها الاعتماد. وقال الخطابي: "المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إِنّما يكون تمامها بسجودها فسُمّيت على هذا المعنى سجدة"". قال شيخنا في "الإِرواء" (١/ ٢٧٥): " ... وقد أخرجه البيهقي (١/ ٣٧٨) من طريق محمد بن الحسين بن أبي الحنين حدثنا الفضل يعني ابن دكين به، بلفظ: "إِذا أدرك أحدكم أوّل سجدة ... " بزيادة "أوّل" في الموضعين. ... فثبتَ مما ذكَرْنا أنَّ هذه الزيادة صحيحة ثابتة في الحديث، وهي تعيِّن أنَّ المراد من الحديث إدراك الركوع مع السجدة الأولى؛ كما سبَق بيانه، وما يترتّب عليه من رفْع الخلاف الفقهي في الحديث الذي قبله"،

стр. 349

أي: حديث: "من أدرَك ركعةً من الصبح ... ". الأوقات التي ورَد النّهي عن الصَّلاة فيها لقد ورَد النهي عن الصَّلاة في عِدّه مواطن، وهي ما يأتي: ١ - بعد صلاة الفجر حتى تطلُع الشمس. ٢ - وحين طلوعها حتى ترتفع قدر رمح. ٣ - وحين استوائها. ٤ - وحين تميل إِلى الغروب. ٥ - وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس؛ وذكر بعض العلماء جواز ذلك قبل اصفرار الشمس، كما سيأتي إِن شاء الله. ودليل ذلك: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صلاة بعد صلاة العصر حتَّى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتَّى تطلع الشمس" (١).

стр. 350

وحديث عمرو بن عبسة ﵁ في قصة إِسلامه، وفيه: "فقلتُ: يا نبي الله! أخبِرني عمَّا علَّمك الله وأجهلُهُ، أخبرْني عن الصلاة؟ ". قال: "صلِّ صلاة الصبح. ثمَّ أقْصِرْ عن الصَّلاة حتى تطلع الشمس حتَّى ترتفع، فإِنّها تطلعُ حين تطلعُ بين قرْني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثمَّ صلِّ فإِنَّ الصَّلاة مشهودةٌ محضورةٌ (١) حتَّى يستقلَّ الظِّلُّ بالرمح (٢). ثمَّ أقصِرْ

стр. 351

عن الصَّلاة. فإِنَّ حينئذ تُسْجَرُ جهنم (١) فإِذا أقبل الفيءُ فَصَلِّ (٢). فإِن الصَّلاة مشهودةٌ محضورةٌ، حتَّى تصلِّي العصر ثمَّ أقصِر عن الصَّلاة (٣) حتَّى تغرب الشمس. فإِنّها تغرُب بين قرني شيطانٍ، وحينئذ يسجد لها الكفار" (٤). وعن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلِّي فيهنّ، أو أن نقبرَ فيهنّ موتانا (٥): حين تطلعُ الشمس بازغةً (٦) حتى ترتفع، وحين يقوم قائمُ الظهيرة (٧) حتى تميل

стр. 352

الشمس، وحين تضَيَّف (١) الشمس للغروب حتى تغرب" (٢). أمّا الصلاة بعد العصر؛ فقد ذكر بعض العلماء جوازها قبل اصفرار الشمس؛ لحديث عليّ ﵁: "نهى رسول الله ﷺ عن الصَّلاة بعد العصر إلاَّ والشمس مرتفعة" (٣). وعن المقدام بن شريح عن أبيه قال: "سألت عائشة عن الصلاة بعد العصر؛ فقالت: صلِّ، إِنما نهى رسول الله ﷺ قومك أهل اليمن عن الصلاة إِذا طلعت الشمس" (٤).

стр. 353

قال شيخنا في "الصحيحة" (١/ ٣٤٢) بعد حديث "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس": "فهذا مطلق، يقيّده حديث عليّ ﵁ وإلى هذا أشار ابن حزم ﵀ بقوله المتقدِّم: "وهذه زيادة عدْل لا يجوز ترْكها". ثمَّ قال البيهقي: "وقد رُوي عن علي ﵁ ما يخالف هذا. وروي ما يوافقه". ثمَّ ساق هو والضياء في "المختارة" (١/ ١٨٥) من طريق سفيان قال: أخبَرني أبو إِسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يُصلِّي ركعتين في دبر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ، إلاَّ الفجر والعصر". قلتُ -أي: شيخنا حفظه الله تعالى-: "وهذا لا يخالف الحديث الأوّل إِطلاقاً، لأنَّه إنما ينفي أن يكون النّبيّ ﷺ صلَّى ركعتين بعد صلاة العصر، والحديث الأوّل لا يُثبِت ذلك حتى يُعارَض بهذا، وغاية ما فيه أنَّه يدلّ على جواز الصَّلاة بعد العصر إِلى ما قبل اصفرار الشمس، وليس يلزم أن يفعل النّبيّ ﷺ ما أثبت جوازه بالدليل الشرعي كما هو ظاهر. نعم، قد ثبَت عن أمّ سلمة وعائشة ﵄ أنَّ النّبيّ ﷺ صلّى ركعتين سنة الظهر البعدية بعد صلاة العصر، وقالت عائشة: إِنَّه ﷺ داوم عليها بعد ذلك، فهذا يُعارض حديث عليّ الثاني، والجمع بينهما سهْل، فكلٌّ حَدَّث بما عَلِم، ومن عَلِم حُجَّةٌ على من لم يعلم، ويظهر أنَّ علياً ﵁ عَلِم فيما بعد من بعض الصحابة ما نفاه في هذا الحديث،

стр. 354

فقد ثبَت عنه صلاته ﷺ بعد العصر، وذلك قول البيهقي: "وأمّا الذي يوافقه ففيما أخبَرنا ... " ثمَّ ساق من طريق شعبة عن أبي إِسحاق عن عاصم بن ضمرة قال: "كُنّا مع عليّ ﵁ في سفر فصلَّى بنا العصر ركعتين، ثمَّ دخل فسطاطه (١) وأنا أنظر، فصلّى ركعتين". ففي هذا أنَّ عليّاً ﵁ عَمِل بما دلّ عليه حديثه الأوّل من الجواز. وروى ابن حزم (٣/ ٤) عن بلال مُؤذِّن رسول الله ﷺ قال: "لم ينه عن الصلاة إلاَّ عند غروب الشمس". قلت: وإِسناده صحيح، وهو شاهد قويّ لحديث عليّ ﵁ وأمّا الركعتان بعد العصر، فقد روى ابن حزم القول بمشروعيّتهما عن جماعةٍ من الصحابة، فمن شاء فليرجع إِليه. وما دلَّ عليه الحديث من جواز الصلاة ولو نفلاً بعد صلاة العصر وقبل إصفرار الشمس، هو الذي ينبغي الاعتماد عليه في هذه المسألة التي كثُرت الأقوال فيها، وهو الذي ذهب إِليه ابن حزم تبعاً لابن عمر ﵄ كما ذكره الحافط العراقي وغيره، فلا تكن ممّن تغرّه الكثرة، إذا كانت على خلاف السُنَّة. ثمَّ وجَدْتُ للحديث طريقاً أخرى عن عليّ ﵁ بلفظ: "لا تصلُّوا بعد العصر، إلاَّ أن تُصلّوا والشمس مرتفعة". أخرجه الإمام أحمد (١/ ١٣٠): حدثنا إِسحاق بن يوسف: أخبرنا سفيان عن أبي إِسحاق عن

стр. 355

عاصم عن عليّ ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنَّه قال: فذكره. قلت: وهذا سند جيّد، ورجاله كلّهم ثقات رجال الشيخين غير عاصم وهو ابن ضمرة السلولي وهو صدوق. كما في "التقريب". قلت: فهذه الطريق مما يُعطي الحديث قوّة على قوّة، لا سيما وهي من طريق عاصم الذي روى عن عليّ أيضاً أنَّ النّبيّ ﷺ كان لا يصلّي بعد العصر، فادّعى البيهقي من أجل هذه الرواية إِعلال الحديث، وأجَبْنا عن ذلك بما تقدّم، ثمَّ تأكَّدْنا من صحة الجواب حين وقَفْنا على الحديث من طريق عاصم أيضاً. فالحمد لله على توفيقه" اهـ. ثمَّ وجدت لابن المنذر في "الأوسط" (٢/ ٣٨٨ - ٣٩١) كلاماً مفيداً في ذلك. قال ﵀ (ص ٣٨٨): "قد ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ بنهيه عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، فكان الذي يوجبه ظاهر هذه الأحاديث عن النّبيّ ﷺ الوقوف عن جميع الصلوات بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، فدّلت الأخبار الثابتة عن النّبيّ ﷺ على أنَّ النهي إِنّما وقع في ذلك على وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، فممّا دلّ على ذلك حديث عليّ بن أبي طالب، وابن عمر، وعائشة ﵃، وهي أحاديث ثابتة بأسانيد جياد، لا مطعن لأحد من أهل العلم فيها. ثمَّ ساقها بأسانيده. ثمَّ قال (ص٣٩٠): (ذِكر الأخبار الدالة على إِباحة صلاة التطوّع بعد
следующие страницы →