عن الصَّلاة. فإِنَّ حينئذ تُسْجَرُ جهنم (١) فإِذا أقبل الفيءُ فَصَلِّ (٢). فإِن الصَّلاة مشهودةٌ محضورةٌ، حتَّى تصلِّي العصر ثمَّ أقصِر عن الصَّلاة (٣) حتَّى تغرب الشمس. فإِنّها تغرُب بين قرني شيطانٍ، وحينئذ يسجد لها الكفار" (٤).
وعن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلِّي فيهنّ، أو أن نقبرَ فيهنّ موتانا (٥): حين تطلعُ الشمس بازغةً (٦) حتى ترتفع، وحين يقوم قائمُ الظهيرة (٧) حتى تميل
стр. 352
الشمس، وحين تضَيَّف (١) الشمس للغروب حتى تغرب" (٢).
أمّا الصلاة بعد العصر؛ فقد ذكر بعض العلماء جوازها قبل اصفرار الشمس؛ لحديث عليّ ﵁: "نهى رسول الله ﷺ عن الصَّلاة بعد العصر إلاَّ والشمس مرتفعة" (٣).
وعن المقدام بن شريح عن أبيه قال: "سألت عائشة عن الصلاة بعد العصر؛ فقالت: صلِّ، إِنما نهى رسول الله ﷺ قومك أهل اليمن عن الصلاة إِذا طلعت الشمس" (٤).
стр. 353
قال شيخنا في "الصحيحة" (١/ ٣٤٢) بعد حديث "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس": "فهذا مطلق، يقيّده حديث عليّ ﵁ وإلى هذا أشار ابن حزم ﵀ بقوله المتقدِّم: "وهذه زيادة عدْل لا يجوز ترْكها".
ثمَّ قال البيهقي: "وقد رُوي عن علي ﵁ ما يخالف هذا. وروي ما يوافقه".
ثمَّ ساق هو والضياء في "المختارة" (١/ ١٨٥) من طريق سفيان قال: أخبَرني أبو إِسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يُصلِّي ركعتين في دبر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ، إلاَّ الفجر والعصر".
قلتُ -أي: شيخنا حفظه الله تعالى-: "وهذا لا يخالف الحديث الأوّل إِطلاقاً، لأنَّه إنما ينفي أن يكون النّبيّ ﷺ صلَّى ركعتين بعد صلاة العصر، والحديث الأوّل لا يُثبِت ذلك حتى يُعارَض بهذا، وغاية ما فيه أنَّه يدلّ على جواز الصَّلاة بعد العصر إِلى ما قبل اصفرار الشمس، وليس يلزم أن يفعل النّبيّ ﷺ ما أثبت جوازه بالدليل الشرعي كما هو ظاهر.
نعم، قد ثبَت عن أمّ سلمة وعائشة ﵄ أنَّ النّبيّ ﷺ صلّى ركعتين سنة الظهر البعدية بعد صلاة العصر، وقالت عائشة: إِنَّه ﷺ داوم عليها بعد ذلك، فهذا يُعارض حديث عليّ الثاني، والجمع بينهما سهْل، فكلٌّ حَدَّث بما عَلِم، ومن عَلِم حُجَّةٌ على من لم يعلم، ويظهر أنَّ علياً ﵁ عَلِم فيما بعد من بعض الصحابة ما نفاه في هذا الحديث،
стр. 354
فقد ثبَت عنه صلاته ﷺ بعد العصر، وذلك قول البيهقي: "وأمّا الذي يوافقه ففيما أخبَرنا ... " ثمَّ ساق من طريق شعبة عن أبي إِسحاق عن عاصم بن ضمرة قال: "كُنّا مع عليّ ﵁ في سفر فصلَّى بنا العصر ركعتين، ثمَّ دخل فسطاطه (١) وأنا أنظر، فصلّى ركعتين".
ففي هذا أنَّ عليّاً ﵁ عَمِل بما دلّ عليه حديثه الأوّل من الجواز.
وروى ابن حزم (٣/ ٤) عن بلال مُؤذِّن رسول الله ﷺ قال: "لم ينه عن الصلاة إلاَّ عند غروب الشمس".
قلت: وإِسناده صحيح، وهو شاهد قويّ لحديث عليّ ﵁ وأمّا الركعتان بعد العصر، فقد روى ابن حزم القول بمشروعيّتهما عن جماعةٍ من الصحابة، فمن شاء فليرجع إِليه.
وما دلَّ عليه الحديث من جواز الصلاة ولو نفلاً بعد صلاة العصر وقبل إصفرار الشمس، هو الذي ينبغي الاعتماد عليه في هذه المسألة التي كثُرت الأقوال فيها، وهو الذي ذهب إِليه ابن حزم تبعاً لابن عمر ﵄ كما ذكره الحافط العراقي وغيره، فلا تكن ممّن تغرّه الكثرة، إذا كانت على خلاف السُنَّة.
ثمَّ وجَدْتُ للحديث طريقاً أخرى عن عليّ ﵁ بلفظ: "لا تصلُّوا بعد العصر، إلاَّ أن تُصلّوا والشمس مرتفعة". أخرجه الإمام أحمد (١/ ١٣٠): حدثنا إِسحاق بن يوسف: أخبرنا سفيان عن أبي إِسحاق عن
стр. 355
عاصم عن عليّ ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنَّه قال: فذكره.
قلت: وهذا سند جيّد، ورجاله كلّهم ثقات رجال الشيخين غير عاصم وهو ابن ضمرة السلولي وهو صدوق. كما في "التقريب".
قلت: فهذه الطريق مما يُعطي الحديث قوّة على قوّة، لا سيما وهي من طريق عاصم الذي روى عن عليّ أيضاً أنَّ النّبيّ ﷺ كان لا يصلّي بعد العصر، فادّعى البيهقي من أجل هذه الرواية إِعلال الحديث، وأجَبْنا عن ذلك بما تقدّم، ثمَّ تأكَّدْنا من صحة الجواب حين وقَفْنا على الحديث من طريق عاصم أيضاً. فالحمد لله على توفيقه" اهـ.
ثمَّ وجدت لابن المنذر في "الأوسط" (٢/ ٣٨٨ - ٣٩١) كلاماً مفيداً في ذلك.
قال ﵀ (ص ٣٨٨): "قد ثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ بنهيه عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، فكان الذي يوجبه ظاهر هذه الأحاديث عن النّبيّ ﷺ الوقوف عن جميع الصلوات بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، فدّلت الأخبار الثابتة عن النّبيّ ﷺ على أنَّ النهي إِنّما وقع في ذلك على وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، فممّا دلّ على ذلك حديث عليّ بن أبي طالب، وابن عمر، وعائشة ﵃، وهي أحاديث ثابتة بأسانيد جياد، لا مطعن لأحد من أهل العلم فيها. ثمَّ ساقها بأسانيده.
ثمَّ قال (ص٣٩٠): (ذِكر الأخبار الدالة على إِباحة صلاة التطوّع بعد
стр. 356
صلاة العصر) ثمَّ ذكر حديث أم سلمة قالت: "دخل علي رسول الله ﷺ بعد العصر فصلّى ركعتين فقلت: يا رسول الله إِن هذه صلاة ما كنت تصليها؟ قال: قدم وفد بني تميم فحبسوني عن ركعتين كنت أركعهما بعد صلاة الظهر" (١).
وقال بعد ذلك: "قد ثبت أن نبي الله ﷺ صلّى بعد العصر صلاة كان يصليها بعد الظهر شغل عنها وهي صلاة تطوع، فإِذا جاز أن يتطوع بعد العصر بركعتين جاز أن يتطوع المرء ما شاء من التطوع إِذا اتقى الأوقات التي نهى رسول الله ﷺ عن التطوع فيها، مع أنا قد روينا عن رسول الله ﷺ بإِسناد ثابت لا أعلم لأحد من أهل العلم فيه مقالاً، أنّه كان يصلي بعد العصر ركعتين".
وذكر تحته عدداً من الأحاديث منها: حديث عائشة ﵂ أنها قالت: "والله ما ترك رسول الله ﷺ ركعتين عندي بعد العصر قط" (٢).
وحديث الأسود بن يزيد ومسروق يقولان: "نشهد على عائشة أنها قالت: ما كان رسول الله ﷺ عندي في يومي إلاَّ صلاها، تعني ركعتين بعد العصر" (٣).
стр. 357
التطوّع حين الإِقامة
عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "إِذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاَّ المكتوبة" (١).
وعن ابن بُحينة ﵁ قال: أقيمت صلاة الصبحِ فرأى رسول الله ﷺ رجلاً يصلّي والمؤذن يُقيم، فقال: "أتُصلِّي الصبح أربعاً" (٢).
وعن عبد الله بن سَرجِس قال: "دخل رجلٌ المسجد ورسول الله ﷺ في صلاة الغداة فصلّى ركعتين في جانب المسجد، ثمَّ دخل مع رسول الله ﷺ ، فلمّا سلَّمَ رسول الله ﷺ قال: يا فلان! بأيِّ الصلاتين اعتددتَ؟ أبصلاتك وحدك، أم بصلاتك معنا؟ " (٣).
ولا يعني هذا أن يقطع كل مصلٍّ صلاته حين يسمع الإِقامة، إِذ الأمر يختلف من إِمام إِلى إِمام، ومن مُصلٍّ إِلى مُصلٍّ، فربّما كان المصلّي في حالٍ يُرجّح فيها أنه يُدرك التكبيرة الأولى لصلاة الفريضة، أو كان آخر في وسط الصلاة، وقد عَهِد من إمامه الانتظار لتسوية الصفوف وسدّ الفُرج، فيتسنّى له استكمال صلاته مع استعجال غير مُخلٍّ، فهذا وذاك لا يقطعان الصلاة، أمَّا إِذا رجّح المصلّي فوات تكبيرة الإِحرام لأنَّه في بداية صلاته، أو لاستعجال إمامه بالتكبير دون تسوية الصفوف؛ فعليه أن يُبادر بالفريضة ويدَع ما سواها. سمعتُه من شيخنا -حفظه الله-.
стр. 358
صلاة ما له سبب وقت الكراهة
ذهب بعض أهل العلم إِلى جواز صلاة ما له سبب؛ كتحيّة المسجد وسُنّة الوضوء بعد الصبح وعند اصفرار الشمس، واستدلُّوا بصلاة رسول الله ﷺ سنَّة الظهر بعد صلاة العصر، وغير ذلك من النصوص. وجاء في "الفتاوى" (٢٣/ ١٧٨) باختصارٍ وتصرُّف: "في أوقات النهي، والنزاع في ذوات الأسباب، وغيرها. فإِن للناس في هذا الباب اضطراباً كثيراً.
فنقول: قد ثبت بالنص والإِجماع أنّ النهي ليس عاماً لجميع الصلوات، فإِنّه قد ثبت في "الصحيحين" عن النّبيّ ﷺ أنه قال: "من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك -وفي لفظ- فيتم صلاته -وفي لفظ- سجدة".
وكلها صحيحة وكذلك قال: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك -وفي لفظ-: فليتم صلاته -وفي لفظ-: سجدة" (١).
وفي هذا أمره بالركعة الثانية من الفجر عند طلوع الشمس. وفيه أنه إِذا صلى ركعة من العصر عند غروب الشمس صحت تلك الركعة، وهو مأمور بأن يَصل إِليها أخرى.
وقد ثبت أن أبا بكر الصديق قرأ في الفجر بسورة البقرة. فلمّا سلّم، قيل له: كادت الشمس تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين.
فهذا خطاب الصديق للصحابة يبين أنها لو طلعت لم يضرهم ذلك، ولم تجدهم غافلين، بل وجدتهم ذاكرين الله.
وفي حديث جبير مرفوعاً: "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا
стр. 359
البيت وصلّى أية ساعة من ليل أو نهار" (١).
فهذا العموم لم يخص منه صورة لا بنص ولا إِجماع، وحديث النهي مخصوص بالنص والإِجماع، والعموم المحفوظ راجح على العموم المخصوص. والبيت ما زال الناس يطوفون به، ويصلون عنده مِن حين بناه إِبراهيم الخليل، وكان النّبيّ ﷺ وأصحابه قبل الهجرة يطوفون به، ويصلون عنده، وكذلك لما فتحت مكة كثر طواف المسلمين به، وصلاتهم عنده. ولو كانت ركعتا الطواف منهياً عنها في الأوقات الخمسة لكان النّبيّ ﷺ ينهى عن ذلك نهياً عاماً، لحاجة المسلمين إِلى ذلك، ولكان ذلك ينقل، ولم ينقل مسلم أنّ النّبيّ ﷺ نهى عن ذلك، مع أن الطواف طرفي النهار أكثر وأسهل.
وفي النهي تعطيلٌ لمصالح ذلك الطواف والصلاة. وذوات الأسباب إِنما دعا إِليها داع؛ لم تفعل لأجل الوقت؛ بخلاف التطوع المطلق الذي لا سبب له، وحينئذ فمفسدة النهي إِنما تنشأ ممّا لا سبب له دون ما له السبب، ولهذا قال في حديث ابن عمر: "لا تحرّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها" (٢). وانظر الكتاب المذكور للمزيد من الفوائد.
стр. 360
الأذان
تعريفه:
الأذان لغةً: الإِعلام وهو اشتقاق من الأذَن -بفتحتين- وهو الاستماع.
قال الله تعالى: ﴿وأَذانٌ من اللهِ ورسولِه﴾ (١)، أي: إِعلام. و ﴿آذنْتُكم على سواء﴾ (٢) أعلمتكم فاستوينا في العلم.
وقال الحارث بن حلزة:
آذنَتْنا ببينها أسماء ... رُبَّ ثاوٍ يملّ منه الثواء
أي: أعلَمَتْنا.
وشرعاً: "الإِعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة" (٣).
قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٧٧): "قال القرطبي وغيره: الأذان على قلّة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة، لأنَّه بدَأ بالأكبرية وهي تتضمّن وجود الله وكماله، ثمَّ ثنّى بالتوحيد ونفَى الشريك، ثمَّ بإِثبات الرسالة لمحمد ﷺ ، ثمَّ دعا إِلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة، لأنّها لا تعرف إِلا من جهة الرسول، ثمَّ دعا إِلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإِشارة إِلى المعاد، ثمَّ أعاد ما أعاد توكيدا. ويحصل من الأذان الإِعلام بدخول الوقت، والدعاء
стр. 361
إِلى الجماعة، وإِظهار شعائر الإِسلام. والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول، وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان".
فضله:
لقد وردَت أحاديثُ كثيرةٌ في فضل الأذان والمؤذِّنين، من ذلك:
١ - ما رواه أبو هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا نودي للصلاة أدبَر الشيطان وله ضُراط؛ حتى لا يسمعَ التأذين، فإِذا قضىَ النِّداء أقَبَل، حتى إِذا ثُوِّب (١) بالصلاة أدبَر (٢) ... " (٣).
٢ - وعنه ﵁ أيضاً أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم النّاس ما في النّداء والصفّ الأوّل؛ ثمَّ لم يجدوا إلاَّ أن يستَهِموا (٤) عليه لاستهَموا،
стр. 362
ولو يعلمون ما في التهجير (١) لاستبقوا إِليه، ولو يعلمون ما في العَتَمَة والصُّبح لأتوهما ولو حَبْواً" (٢).
٣ - وعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المؤذّنون أطول النّاس أعناقاً يوم القيامة" (٣).
٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يسمع مدى صوت المؤذّن جنّ ولا إِنسٌ ولا شيءٌ؛ إلاَّ شَهِدَ له يوم القيامة" (٤).
٥ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُغفر للمؤذّن مُنتهى أذانه، ويستغفر له كلّ رطب ويابس سمِعَه" (٥).
٦ - وقد دعا النّبيّ ﷺ للمؤذّنين والأئمّة فقال: "اللهم أرشِدِ الأئمّةَ،
стр. 363
واغفر للمؤذنين" (١).
٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "الإِمام ضامنٌ، والمؤذن مُؤتَمنٌ، فأرشدَ الله الأئمّة، وعفا عن المؤذنين" (٢).
٨ - وعن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا كان الرجل بأرض قِيٍّ (٣)، فحانت الصلاة، فليتوضأ، فإِن لم يجد ماءً فليتيمّم، فإِن أقام، صلّى معه مَلَكاه، وإِن أذَّنَ وأقام، صلّى خلفه من جنود الله ما لا يُرى طرفاه" (٤).
سبب مشروعيّته
١ - عن ابن عمر ﵄ قال: "كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون؛ فيتحيَّنون الصلاة ليس يُنادى لها، فتكلّموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتخِذوا ناقوساً مِثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقاً مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : يا بلال، قم فنادِ بالصلاة" (٥).
стр. 364
٢ - وعن عبد الله بن زيد ﵁ قال: لمّا أمر رسول الله بالناقوس يعمل؛ ليضرب به للنّاس لجمْع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجلٌ يحمل ناقوساً في يده فقلت: يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إِلى الصلاة، قال: أفلا أدُلّك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى، قال: فقال تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمداً رسول الله، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله.
قال: ثمَّ استأخرَ عنّي غير بعيد، ثمَّ قال: تقول إِذا أقَمْت الصلاة:
الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله.
فلما أصبحْتُ أتيْتُ رسول الله ﷺ فأخبرتُه بما رأيتُ فقال: "إِنَّها لَرُؤيا حَقّ إِنْ شاء الله، فقم مع بلال فَألْقِ عليه ما رأيت فليؤذِّن به، فإِنَّه أندى صوتاً منك".
فقمت مع بلال، فجعلْتُ أُلقيه عليه ويُؤذِّن به، قال: فسمعَ ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج يجرّ رداءَه ويقول: والذي بعثَك بالحقّ يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما أُري، فقال رسول الله ﷺ : "فللَّه الحمد" (١).
стр. 365
وجوب الأذان
وفي وجوب الأذان العديد من الأدلّة منها:
١ - حديت مالك بن الحويرث قال: "أتينا إِلى النّبيّ ﷺ ونحن شَبَبَة مُتقاربون فأقمنا عندهُ عشرين يوماً وليلةً، وكان رسول الله ﷺ رحيماً رفيقاً، فلما ظنَّ أنَّا قد اشتهينا أهلنا -أو قد اشتقنا- سألَنا عمّن تركْنا بعدنا، فأخبرناهُ، قال: ارجعوا إِلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلِّموهم، ومروهم -وذكَر أشياء أحفظُها أو لا أحفظها- وصلُّوا كما رأيتموني أصلّي، فإِذا حضرتِ الصلاة فليؤذن لكم أحدُكم وليؤمَّكم أكبرُكم" (١).
٢ - حديث عمرو بن سَلِمَة وفيه ... فقال [أي: النّبيّ ﷺ ]: "صلّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلّوا كذا في حين كذا، فإِذا حضرت الصلاة فليؤذّن أحدكم وليؤمّكم أكثركم قرآناً" (٢).
قال في "المحلّى" (٣/ ١٦٧): " ... فصحّ بهذين الخبرين (٣) وجوب الأذان ولا بدّ، وأنّه لا يكون إلاَّ بعد حضور الصلاة في وقتها".
وقال أيضاً فيه (٣/ ١٦٩): "وممّن قال بوجوب الأذان والإِقامة فرضاً: أبو سليمان وأصحابه، وما نعلم لمن لم يرَ ذلك فرضاً حُجّة أصلاً، ولو لم يكن إلاَّ استحلال رسول الله ﷺ دماء من لم يسمع عندهم أذاناً وأموالهم وسبيهم
стр. 366
لكفى في وجوب فرض ذلك (١)، وهو إِجماع متيقّن من جميع من كان معه من الصحابة ﵃ بلا شكّ؛ فهذا هو الإِجماع المقطوع على صحّته".
قال ابن المنذر في "الأوسط" (٣/ ٢٤): "فالأذان والإِقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر، لأنَّ النّبيّ ﷺ أمر بالأذان، وأمره على الفرض، وقد أمر النّبيّ ﷺ أبا محذورة أن يؤذن بمكة، وأمر بلالاً بالأذان، وكل هذا يدل على وجوب الأذان".
صفة الأذان
لقد وردَ الأذان بالكيفيّتين الآتيتين:
١ - خمس عشرة كلمة، كما في حديث عبد الله بن زيد ﵁ المتقدِّم.
٢ - تسع عشرهّ كلمة بترجيع الشهادتين، كما في حديث أبي محذورة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ علَّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإِقامة سبع عشرة كلمة:
الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمداً رسول الله، أشهد أنَّ محمداً رسول الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله (٢)، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمداً رسول الله،
стр. 367
أشهد أنَّ محمداً رسول، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله.
والإِقامة: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمداً رسول الله، أشهد أنَّ محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله (١).
وفي رواية لأبي محذورة ﵁ قال: قلت يا رسول الله، علِّمْني سُنَّةَ الأذان، قال: فمسحَ مُقَدَّمَ رأسي وقال: "الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، ترفع بها صوتك، ثمَّ تقول: أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله، تخفض بها صوتك، ثمَّ ترفع صوتك بالشهادة (٢): أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح.
فإِنْ كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله" (٣).
وسألت شيخنا -حفظه الله تعالى-: هل الأصل الإِكثار من أذان بلال أم
стр. 368
أذان أبي محذورة ﵄؟
فقال: ليس عندنا شيء يحدد الأكثر من الأذانات الثابتة في السنَّة، وإِنَّما السنَّة أن ينوّع.
وسألته عن الترجيع، فقال: أحياناً.
وجوب ترتيب الأذان
قال في "المغني" (١/ ٤٣٨): "ولا يصحّ الأذان إلاَّ مرتَّباً؛ لأنَّ المقصود منه يختلّ بعدم الترتيب وهو الإِعلام؛ فإِنَّه إِذا لم يكن مرتَّباً لم يُعلم أنَّه أذان، ولأنَّه شُرِع في الأصل مُرتّباً، وعلَّمه النّبيّ ﷺ أبا محذورة مرتّباً".
تثويب (١) المؤذّن في صلاة الصبح وهو قوله: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم
للحديث السابق، وموضعه الفجر الأوّل لحديث أبي محذورة ﵁ عن النّبيّ ﷺ : "الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم؛ في الأولى من الصبح".
وعنه أيضاً قال: "كنت أؤذّن لرسول الله ﷺ ، وكنت أقول في أذان الفجر الأوّل: حيَّ على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر
стр. 369
الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله" (١).
وكن بلال أنَّه: أتى النّبيّ ﷺ يُؤْذنه بصلاة الفجر فقيل: هو نائم، فقال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، فأُقرَّت في تأذين الفجر، فثبت الأمر على ذلك" (٢).
قال شيخنا في "تمام المنّة" (ص١٤٦): "قلتُ: إِنّما يشرع التثويب في الأذان الأوّل للصبح، الذي يكون قبل دخول الوقت بنحو ربع ساعة تقريباً؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: "كان في الأذان الأوّل بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين". رواه البيهقي (١/ ٤٢٣)، وكذا الطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ٨٢)، وإِسناده حسن كما قال الحافظ.
وحديث أبي محذورة مُطلق، وهو يشمل الأذانين، لكنّ الأذان الثاني غير مراد؛ لأنَّه جاء مُقيَّداً في رواية أخرى بلفظ: "وإِذا أذَّنْتَ بالأوّل من الصبح فقُل: الصلاة خير من النوم. الصلاة خير من النوم"، أخرجه أبو داود والنسائي والطحاوي وغيرهم، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٥١٠ - ٥١٦)، فاتفقَ حديثه مع حديث ابن عمر، ولهذا قال الصنعاني في "سبل السلام" (١/ ١٦٧ - ١٦٨) عَقبَ لفْظ النسائي: "وفي هذا تقييد لما أطلقَتْه الروايات. قال ابن رسلان: وصحَّح هذه الرواية ابن خزيمة. قال: فشرعيّة التثويب إِنّما هي في الأذان الأوّل للفجر؛ لأنَّه لإِيقاظ النائم، وأمَّا الأذان الثاني
стр. 370
فإِنَّه إِعلام بدخول الوقت، ودعاء إِلى الصلاة. اهـ من "تخريج الزركشي لأحاديث الرافعي".
ومِثْل ذلك في "سنن البيهقي الكبرى" عن أبي محذورهّ: أنَّه كان يُثوّب في الأذان الأوّل من الصبح بأمْره ﷺ .
قلت [أي: شيخنا -حفظه الله تعالى-]: وعلى هذا ليس "الصلاة خير من النوم" من ألفاظ الأذان المشروع للدعاء إِلى الصلاة والإِخبار بدخول وقتها، بل هو من الألفاظ التي شُرعت لإِيقاظ النائم، فهو كألفاظ التسبيح الأخير الذي اعتاده الناس في هذه الأعصار المتأخرة؛ عِوَضاً عن الأذان الأول".
وقال -حفظه الله- (ص١٤٨): (فائدة): قال الطحاوي بعد أن ذكر حديث أبي محذورة وابن عمر المتقدّمين الصريحين في التثويب في الأذان الأوّل: "وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله تعالى-".
آخر الأذان (١)
عن بلال قال: آخر الأذان: "الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله" (٢). عن الأسود قال: كان آخر أذان بلال: "الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله" (٣).
عن أبي محذورة: أنَّ آخر الأذان: "لا إِله إلاَّ الله" (٤).
стр. 371
صفة الإِقامة
١ - إِفراد كلماتها إلاَّ التكبير الأوّل والأخير و (قد قامت الصلاة)، ففيها التثنية، كما في حديث عبد الله بن زيد المتقدّم، وفيه: " ... وتقول إِذا أقيمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله".
٢ - تربيع الأوّل وتثنية جميع الكلمات، إلاَّ الكلمة الأخيرة (لا إِله إلاَّ الله). كما في حديث أبي محذورة المتقدّم:
"والإِقامة: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله".
ما يقول مَن يسمع المؤذّن
١ - يقول مِثْل ما يقول المؤذّن، إلاَّ في الحيعلتين: (حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح)، فإِنَّه يقول: لا حول ولا قوّة إلاَّ بالله، كما في حديث أبي سعيد الخدريّ: "إِذا سمعتم النّداء، فقولوا مِثل ما يقول المؤذّن" (١).
قال يحيى وحدّثني بعض إِخواننا أنَّه قال: "لمّا قال حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، وقال: هكذا سمعتُ نبيّكم ﷺ يقول" (٢).
стр. 372
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا قال المؤذّن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدُكم: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قال: أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، قال: أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، ثمَّ قال: أشهد أنَّ محمّداً رسول الله، قال: أشهد أنَّ محمّداً رسول الله، ثمَّ قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، ثمَّ قال: حيَّ على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، ثمَّ قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قال: لا إِله إلاَّ الله، قال: لا إِله إلاَّ الله، من قلبه- دخل الجنّة" (١).
وسألت شيخنا -حفظه الله- عن حديث مسلم (٣٨٦): "من قال حين يسمع المؤذّن: أشهد أنْ لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمّداً عبده ورسوله، رضيت بالله ربّاً وبمحمّد رسولاً، وبالإِسلام ديناً؛ غُفر له ذنبه".
سألتُه: "حين يسمع" أي: حين ينتهي من الأذان أم خلاله؟
فقال: إِذا لاحظت أنّ إِجابة المؤذّن ليست واجبة، فالأمر حينئذٍ واسع.
٢ - أن يصلّي على النّبيّ ﷺ ، بعد الانتهاء من الأذان، ثمَّ يسأل الله له الوسيلة، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أنَّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: "إِذا سمعتُم المؤذّن فقولوا مِثل ما يقول، ثمَّ صلّوا عليَّ، فإِنَّه من صلّى عليَّ صلاةً صلّى الله عليه بها عشراً، ثمَّ سلوا الله لي الوسيلة، فإِنّها منزلةٌ في الجنّة لا تنبغي إلاَّ لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي
стр. 373
الوسيلة حلَّت له الشفاعة" (١).
وعن جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يسمع النّداء: اللهمّ ربّ هذه الدعوة التامّة (٢) والصلاة القائمة؛ آت محمّداً الوسيلة (٣)
стр. 374
والفضيلة (١)، وابعثه مقاماً محموداً (٢) الذي وعَدْته، حلّت له (٣) شفاعتي يوم القيامة" (٤).
وعن عمرو بن العاص ﵁ أنَّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: "إِذا سمعتم المؤذّن فقولوا مِثل ما يقول، ثمَّ صلّوا عليّ، فإِنَّه من صلّى عليَّ صلاة؛ صلّى الله بها عشراً، ثمَّ سلوا الله لي الوسيلة، فإِنَّها منزلة فى الجنّة؛ لا تنبغي إلاَّ لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل ليّ الوسيلة حلّت له شفاعتي (٥) " (٦).
стр. 375
ويقول إِن شاء: "رضيتُ بالله ربّاً وبمحمّد رسولاً وبالإِسلام ديناً"، لحديث سعد بن أبي وقاص عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "من قال حين يسمع المؤذّن: أشهد أن لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسولُه، رضيت بالله ربّاً وبمحمّد رسولاً وبالإِسلام ديناً؛ غُفر له ذنبُه" (١).
والدعاء مستجاب بعد الأذان؛ كما في حديث عبد الله بن عمرو -رضي
стр. 376
الله عنهما- أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إِنَّ المؤذّنين يفضلوننا، فقال رسول الله ﷺ : "قل كما يقولون، فإِذا انتهيتَ فسَلْ تُعطه" (١).
وفي الحديث: "لا يُردّ الدعاء بين الأذان والإِقامة" (٢).
وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : ثنتان لا تُردّان، أو قلَّما تُردّان: الدعاء عند النّداء، وعند البأس؛ حين يلحم بعضهم بعضاً" (٣).
استحباب إِجابة المؤذّن والدليل على عدم وجوبها
عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال: "إِنّهم كانوا يتحدثون حين يجلس عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر حتى يسكت المؤذّن، فإِذا قام عمر على المنبر، لم يتكلّم أحد حتى يقضي خطبتيه كلتيهما".
قال شيخنا في "الضعيفة" تحت الحديث (٨٧): أخرجه مالك في موطئه والطحاوي والسياق له وابن أبي حاتم في "العلل" وإِسناد الأوّلين صحيح.
وقال في "تمام المنّة" (ص٣٤٠): "نعم، قد وجدْتُ له متابعاً قوياً، أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنّف" (٢/ ١٢٤) من طريق يزيد بن عبد الله عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال: "أدركت عمر وعثمان، فكان الإِمام إِذا
стр. 377
خرج يوم الجمعة تركْنا الصلاة، فإِذا تكلّم تركْنا الكلام".
وهذا إِسناد صحيح، ويزيد هذا هو ابن الهاد الليثي المدني.
ثمَّ قال -حفظه الله-: "في هذا الأثر دليل على عدم وجوب إِجابة المؤذّن، لجريان العمل في عهد عمر على التحدث في أثناء الأذان وسكوت عمر عليه، وكثيراً ما سئلتُ عن الدليل الصارف للأمر بإِجابة المؤذّن عن الوجوب؛ فأجبْت بهذا. والله أعلم".
الآداب التي ينبغي أن يتصف بها المؤذّن، وما يفعله عند الأذان:
١ - أن يحتسب في أذانه ويبتغي وجْه الله سبحانه، ولا يطلب الأجر .
لحديث عثمان بن أبي العاص قال: "إِنَّ آخر ما عَهد إِليّ رسول الله ﷺ أن اتخِذ مؤذّناً؛ لا يأخذ على أذانه أجراً" (١).
وقد ذكر الترمذي -رحمه الله تعالى- كراهة أهل العلم أخْذ المؤذّن على الأذان أجراً، واستحبابهم الاحتساب في ذلك.
٢ - أن يكون على طُهر ، لحديث المهاجر بن قنفذ ﵁ "أنَّه أتى النّبيّ ﷺ وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يردّ عليه حتى توضّأ، ثمَّ اعتذر إِليه فقال: إِنّي كرِهتُ أن أذكر الله إلاَّ على طهر -أو قال- على طهارة" (٢).
قال ابن المنذر في "الأوسط" (٣/ ٣٨): "ليس على من أذّن وأقام وهو
стр. 378
جُنُب إِعادة، لأنَّ الجنب ليس بنجس، لقي النّبيّ ﷺ فأهوى إِليه فقال: إِنّي جُنُب، فقال: إِنَّ المسلم ليس بنجس (١)، وروي عن النّبيّ ﷺ أنّه كان يذكر الله على كل أحيانه (٢)، والأذان على الطهارة أحب إِليَّ، وأكره أن يقيم جنبا لأنّه يعرض نفسه للتهمة ولفوات الصلاة". انتهى.
قال لي شيخنا -حفظه الله تعالى-: "الأصل في الأذكار حتى السلام أن تكون على طهارة وهو الأفضل فالأذان من باب أولى، ولكن نقول عن الأذان بغير وضوء مكروه كراهة تنزيهيّة".
٣ - أن يؤذّن قائماً لما ثبت عن ابن أبي ليلى قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال . قال: وحدثنا أصحابنا: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين -أو قال المؤمنين- واحدة، حتى لقد هممتُ أن أبُثَّ رجالاً في الدُّور يُنادونَ النَّاس بحين الصلاة، وحتى هممتُ أنْ آمر رجالاً يقومون على الآطام (٣) يُنادون المسلمين بحين الصلاة حتّى نقسوا (٤) أو كادوا أن ينقسوا" قال: فجاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، إِنّي لمَّا رجعْت لِمَا رأيت من اهتمامك رأيت رجلاً كأنَّ عليه ثوبين أخضرين، فقام على المسجد فأذّن، ثمَّ قعد قعدة، ثمَّ قام فقال مِثلها، إِلا أنَّه يقول: قد قامت الصلاة، ولولا أن يقول النّاس: قال ابن المثنى: أن تقولوا، لقلت إِنّي كنت
стр. 379
يقظاناً غير نائم، فقال رسول الله ﷺ -وقال ابن المثنى-: "لقد أراك الله خيراً" ولم يقل عمرو: "لقد أراك الله خيراً" فَمُرْ بلالاً فليؤذّن، قال: فقال عمر: أما إِنّي قد رأيت مثل الذي رأى ولكنّي لمّا سُبِقْتُ استحييت.
قال: وحدَّثنا أصحابنا قال: وكان الرجل إِذا جاء يَسأل فيُخبر بما سبق من صلاته، وإِنهم قاموا مع رسول الله ﷺ من بين قائم وراكع وقاعد ومصلٍّ مع رسول الله ﷺ . قال ابن المثنى: قال عمرو: وحدثني بها حصين عن ابن أبي ليلى -حتى جاء معاذ- قال شعبة: وقد سمِعْتها من حصين فقال: لا أراه على حال، إِلى قوله: كذلك فافعلوا".
قال أبو داود: ثمَّ رجعْت إِلى حديث عمرو بن مرزوق قال: فجاء معاذ فأشاروا إِليه، قال شعبة: وهذه سمعْتُها من حصين، قال فقال معاذ:
لا أراه على حال إلاَّ كنت عليها، قال: فقال: إِنَّ معاذاً قد سنَّ لكم سنّة كذلك فافعلوا (١).
وقد جرى العمل على الأذان قائماً خَلفاً عن السلف.
قال في "المغني" (١/ ٤٣٥): قال ابن المنذر: أجمع كُلّ من أحفظ من أهل العلم أنَّ السّنةَ أن يُؤذّن قائماً ... " (٢).
стр. 380
وثبت أنَّ ابن عمر: "كان يؤذّن على البعير؛ فينزل فيُقيم" (١).
قال ابن المنذر في "الأوسط" (٢/ ١٢): ويدلّ على أنَّ الأذان قائماً قوله: "قم يا بلال".
وعن الحسن بن محمّد قال: "دخلتُ على أبي زيد الأنصاري فأذَّن وأقام وهو جالس، قال: وتقدَّم رجلٌ فصلّى بنا، وكان أعرج أصيبت رجله في سبيل الله تعالى" (٢).
٤ - أن يستقبل القبلة .
قال في "المغني" (١/ ٤٣٩): " ... المستحبّ أن يُؤذّن مستقبل القبلة؛ لا نعلم خلافاً ... ".
جاء في "الإِرواء" (١/ ٢٥٠) بعد تخريج حديث ضعيف في ذلك، لكنّ الحُكم صحيح فقد ثبت استقبال القبلة في الأذان من المَلَك الذي رآه عبد الله ابن زيد الأنصاري في المنام.
وروى السرَّاج في "مسنده" (١/ ٢٣/١) عن مجمع بن يحيى قال: "كنتُ مع أبي أمامة بن سهل، وهو مستقبل المؤذّن، فكبّر المؤذّن وهو مستقبل القبلة" وإسناده صحيح.
٥ - أن يضع أصبُعيه في أذنيه .
وقد ثبتَ هذا من قول أبي جحيفة: "إِنّ بلالاً وضَع أصبُعيه (٣) في
стр. 381
أذنيه" (١)
قال في "المحرّر" (١/ ٣٧): "ويجعل إِصبعيه في أذنيه". قال أبو عيسى الترمذي: "وعليه العمل عند أهل العلم؛ يستحبّون أن يُدخِل المؤذّن إِصبعيه في أُذنيه في الأذان" (٢).
٦ - أن يلتفت يميناً ويساراً التفافاً يسيراً يلوي به عنقه، ولا يحوّل صدره عن القبلة، عند قوله: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح.
عن أبي جحيفة "أنَّه رأى بلالاً يؤذّن، فجعلتُ أتتبع فاهُ هاهنا وهاهنا بالأذان" (٣).
стр. 382
قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ١١٥): "ورواية وكيع عن سفيان عند مسلم أتمّ حيث قال: "فجعلْتُ أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يميناً وشمالاً يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح" وهذا تقييد للالتفات في الأذان وأنَّ محلّه عند الحيعلتين، وبوّب عليه ابن خزيمة: انحراف المؤذّن عند قوله حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح؛ بفمه لا ببدنه كله، قال: وإِنَّما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الوجه ... ".
قال النووي: "قال أصحابنا: والمراد بالالتفات: أن يلوي رأسه وعنقه، ولا يحوّل صدره عن القبلة، ولا يزيل قدمه عن مكانها، وهذا معنى قول المصنّف: "ولا يستدير". وهذا هو الصحيح المشهور الذي نصّ عليه الشافعي، وقطع به الجمهور" (١).
وقال ﵀ في "المجموع" (١٠٧): "قد ذكَرنا أنَّ مذهبنا أن يستحب الالتفات في الحيعلة يميناً وشمالاً، ولا يدور ولا يستدبر القبلة؛ سواء كان على الأرض أو على منارة، وبه قال النخعي والثوري والأوزاعي وهو رواية عن أحمد، وقال ابن سيرين: يكره الالتفات، وقال مالك: لا يدور ولا يلتفت إلاَّ أن يريد إِسماع النّاس.
وقال أبو حنيفة وإِسحاق وأحمد في رواية: يلتفت ولا يدور إلاَّ أن يكون على منارة فيدور ... ".
قال شيخنا -حفظه الله- في "تمام المنّة" (ص١٥٠): "أمّا تحويل الصدر؛ فلا أصل له في السُّنّة البتّة".
стр. 383
فائدة: جاء في "الأوسط" (ص٢٦): قال الأوزاعي: "يستقبل القبلة، فإِذا قال حيّ على الصلاة؛ استدار إِن شاء عن يمينه فيقول: حيّ على الصلاة مرّتين، ثمَّ يستدير عن يساره كذلك".
فهذا يبيّن أنّه يقول في استدارة اليمين حي على الصلاة، حي على الصلاة، ولا يستدير عن يساره إلاَّ بعد أن يقولهما والله أعلم.
٧ - أن يؤذّن في مكان مرتفع .
لحديث ابن أبي ليلى السابق وفيه: " ... رأيت رجلاً كأنّ عليه ثوبين أخضرين، فقام على المسجد فأذّن، ثمَّ قعد قعدة، ثمَّ قام فقال مِثلها".
وعن امرأة من بني النجار قالت: "كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذّن عليه الفجر، فيأتي بسَحَر فيجلس على البيت ينظر إِلى الفجر، فإِذا رآه تمطّى، ثمَّ قال: اللهمّ إِني أحمدك وأستعينك على قريش، أن يقيموا دينك.
قالت: ثمَّ يؤذّن، قالت: والله ما علمْته كان تركها ليلة واحدة، تعني هذه الكلمات" (١).
وذكره أبو داود في: "باب الأذان فوق المنارة".
قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٨٤): " ... لأنَّ الأذان يُستحبّ أن يكون على مكان عالٍ لتشترك الأسماع ... ". انتهى.
وانظر ما قاله ابن المنذر في "الأوسط" (٣/ ٢٨) تحت (ذِكر الأذان على
стр. 384
المكان المرتفع).
٨ - أن يرفع صوته بالأذان .
عن أبي سعيد الخُدري ﵁: أنَّه قال لعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصة الأنصاري: "إِنّي أراك تحبّ الغنم والبادية، فإِذا كنتَ في غنمك -أو باديتك- فأذَّنت بالصلاة فارفع صوتك بالنّداء؛ فإِنَّه لا يسمع مدى صوت المؤذّن جنٌّ ولا إِنسٌ ولا شيء؛ إلاَّ شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعْته من رسول الله ﷺ " (١).
٩ - أن يتمهّل في الأذان ويترسّل (٢).
جاء في "المغني" (١/ ٤١٨): "ويترسّل في الأذان ويحدر الإِقامة" (٣).
أذان الأعمى إِذا كان له من يُخبره (٤)
عن عمر ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ بلالاً يؤذّن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يُنادي ابن أمّ مكتوم، ثمَّ قال: وكان رجلاً أعمى لا يُنادي حتى يقال له: أصبحتَ أصبحتَ" (٥).
وعن عائشة ﵂ قالت: كان ابن أمّ مكتوم يؤذّن لرسول الله
стр. 385
- ﷺ وهو أعمى" (١).
الانتظار بين الأذان والإِقامة
عن عبد الله بن مُغفَّل المزني أنَّ رسول الله ﷺ قال: "بين كلّ أذان صلاة -ثلاثاً- لمن شاء" (٢).
وعن أنس بن مالك قال: "كان المؤذّن إِذا قام ناسٌ من أصحاب النّبيّ ﷺ يبتدرون السواري حتى يخرُج النّبيّ ﷺ ، وهم كذلك يُصلّون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء (٣) " (٤).
قال عثمان بن جبلة وأبو داود عن شعبة: "لم يكن بينهما إلاَّ قليل" (٥).
وفي الحديث: "اجعل بين أذانك وإِقامتك نفَساً، قدْر ما يقضي المعتصر (٦) حاجته في مهل، وقدْر ما يفرُغ الآكل من طعامه في مهل" (٧).
стр. 386
وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: "كان بلال يؤذّن، ثمَّ يُمْهِلُ فإِذا رأى النّبيّ ﷺ قد خرج أقام الصلاة" (١).
جاء في "الفتح" (٢/ ١٠٦): "قال ابن بطال: لا حدّ لذلك (٢) غير تمكُّن دخول الوقت واجتماع المصلّين".
وعن جابر بن سمرة قال: "كان بلال لا يؤخرّ الأذان عن الوقت، وربما أخرَّ الإِقامة شيئاً" (٣).
هل يجوز الكلام بين الإِقامة والصلاة ؟
عن أنس ﵁ قال: "أُقيمت صلاة العشاء فقال رجل: لي حاجة، فقام النّبيّ ﷺ يُناجيه، حتى نام القوم (أو بعض القوم) ثمَّ صلَّوا" (٤).
قال ابن حزم في "المحلّى" (تحت مسألة ٣٣٤): "والكلام جائز بين الإِقامة والصلاة -طال الكلام أو قصُر- ولا تُعاد الإِقامة لذلك". اهـ
الأذان عند دخول الوقت:
ولا يجوز الأذان قبل الوقت في غير الفجر -كما سيأتي-.
قال في "المحلّى" (٣/ ١٦٠) (مسألة ٣١٤): "لا يجوز أن يؤذّن لصلاةٍ
стр. 387
قبل دخول وقتها إلاَّ صلاة الصبح فقط".
وجاء في "المغني" (١/ ٤٢١): "عدم إِجزاء الأذان قبل الوقت، وقال: وهذا لا نعلم فيه خلافاً وقال: قال ابن المنذر: أجمَع أهل العِلم على أنَّ مِن السنّة أن يؤذّن للصلوات بعد دخول وقتها إلاَّ الفجر، ولأنَّ الأذان شُرع للإِعلام بالوقت، فلا يشرع قبل الوقت لئلا يذهب مقصوده".
وجاء فيه أيضاً: " ... يشرع الأذان للفجر قبل وقتها، وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وإِسحاق، ومنعه الثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن ... " وذكر الدليل على ذلك.
ثمَّ قال (ص ٤٢١): ولنا قول النّبيّ ﷺ : "إِنَّ بلالاً يؤذّن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يؤذّن ابن أم مكتوم" (١). متفق عليه (٢)، وهذا يدلّ على دوام ذلك منه، والنّبيّ ﷺ أقرّه عليه ولم ينهه عنه، فثبت جوازه" اهـ.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمنعنّ أحدَكم -أو أحداً منكم- أذانُ بلالٍ من سحوره، فإِنَّه يؤذّن -أو ينادي بليل، ليَرجع (٣) قائمكم ولينبّه نائمكم ... " (٤).
стр. 388
ْقال القاسم بن محمّد (١): "ولم يكن بين أذانهما إلاَّ أن يرقى ذا وينزل ذا" (٢).
هل يقيم غير الذي أذَّن:
يجوز أن يقيم غير الذي أذَّن، لعدم ورود نصِّ ثابت يمنع ذلك، أمّا حديث: "من أذَّن فهو يقيم" فإِنَّه ضعيف، وانظر "الضعيفة" (٣٥).
قال ابن حزم في "المحلّى" (تحت المسألة ٣٢٩): "وجائز أن يُقيم غير الذى أذَّن؛ لأنَّه يأتِ عن ذلك نهْي يصحّ".
وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- تعليقاً على الحديث السابق: "ومن آثار هذا الحديث السيئة أنَّه سبب لإِثارة النزاع بين المصلّين، كما وقع ذلك غير ما مّرة، وذلك حين يتأخر المؤذن عن دخول المسجد لعذر، ويريد بعض الحاضرين أن يقيم الصلاة، فما يكون من أحدهم إلاَّ أن يعترض عليه محتجًّا بهذا الحديث، ولم يدر المسكين أنَّه حديث ضعيف؛ لا يجوز نسبته إِليه ﷺ ، فضلاً عن أن يمنع به الناس من المبادرة إِلى طاعة الله تعالى، ألا وهي إِقامة الصلاة".
الإِقامة في موضع غير موضع الأذان:
لما تقدّم من حديث عبد الله بن زيد ﵁ وفيه صفة الأذان إِلى أن قال: "ثمَّ استأخَر عنّي غير بعيد، ثمَّ قال: تقول: إِذا أقمتَ الصلاة ... "، وذكر الحديث.
стр. 389
قال شيخنا -حفظه الله- في "تمام المنّة" (ص ١٤٥) -بحذف-: "في هذا دليل واضح على أن السنّة في الإِقامة في موضع غير موضع الأذان.
وقد وجدت بعض الآثار تشهد لحديث عبد الله بن زيد، فروى ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٤) عن عبد الله بن شقيق قال: من السُّنّة الأذان في المنارة، والإِقامة في المسجد، وكان عبد الله يفعله، وسنده صحيح، وروى عبد الرزاق (١/ ٥٠٦) أن عمر بن عبد العزيز بعث إِلى المسجد رجالاً: إِذا أُقيمت الصلاة فقوموا إِليها. وسنده صحيح أيضاً. وهو ظاهر في أن الإِقامة كانت في المسجد".
هل تعاد الإِقامة إذا طال الفَصل بينها وبين الصلاة ؟
لا تُعاد الإِقامة إِذا فُصل بين الإِقامة والصلاة بكلام ونحوه، لحديث حُميد قال: سألتُ ثابتاً البُناني عن الرجل يتكلّم بعدما تُقام الصلاة، فحدَّثني عن أنس بن مالك قال: "أُقيمت الصلاة، فعرَض للنّبيّ ﷺ رجلٌ فحبَسَه بعد ما أُقيمت الصلاة" (١).
وعن أنس ﵁ أيضاً قال: "أُقيمت الصلاة والنّبيّ ﷺ يُناجي (٢) رجلاً في جانب المسجد، فما قام إِلى الصلاة حتى نام القوم" (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ "أنَّ رسول الله ﷺ خرج وقد أُقيمت الصّلاة وعُدّلت الصفوف، حتى إِذا قام في مصلاّه انتظرنا أن يُكبّر، انصرف
стр. 390
قال: على مكانكم (١)، فمكَثنا على هيئتنا، حتى خرج إِلينا ينطِف (٢) رأسه ماءً وقد اغتسل" (٣).
متى يقوم الناسُ إِلى الصلاة ؟
روى ابن المنذر عن أنس أنَّه كان يقوم إِذا قال المؤذّن: "قد قامت الصلاة".
قال شيخنا في "تمام المنة" (ص ١٥١): قلتُ: ينبغي تقييد ذلك بما إِذا كان الإِمام في المسجد، وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة: "إِن الصلاة كانت تقام لرسول الله ﷺ ؛ فيأخذ الناس مصافّهم قبل أن يقوم النّبيّ ﷺ مقامه". رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٥٥٣)، وأما إِذا لم يكن في المسجد فلا يقومون حتى يَروْه قد خرَج لقوله ﷺ : "إِذا أُقيمت الصلاة فلا تقوموا؛ حتى تروني قد خرجْت". متفق عليه واللفظ لمسلم، وهو مخرَّج في "صحيح أبي داود" (٥٥٠ - ٥٥٢). انظر الشوكاني (٣/ ١٦٢).
النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان لغير حاجة:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يسمع النّداء