وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: "كان بلال يؤذّن، ثمَّ يُمْهِلُ فإِذا رأى النّبيّ ﷺ قد خرج أقام الصلاة" (١).
جاء في "الفتح" (٢/ ١٠٦): "قال ابن بطال: لا حدّ لذلك (٢) غير تمكُّن دخول الوقت واجتماع المصلّين".
وعن جابر بن سمرة قال: "كان بلال لا يؤخرّ الأذان عن الوقت، وربما أخرَّ الإِقامة شيئاً" (٣).
هل يجوز الكلام بين الإِقامة والصلاة ؟
عن أنس ﵁ قال: "أُقيمت صلاة العشاء فقال رجل: لي حاجة، فقام النّبيّ ﷺ يُناجيه، حتى نام القوم (أو بعض القوم) ثمَّ صلَّوا" (٤).
قال ابن حزم في "المحلّى" (تحت مسألة ٣٣٤): "والكلام جائز بين الإِقامة والصلاة -طال الكلام أو قصُر- ولا تُعاد الإِقامة لذلك". اهـ
الأذان عند دخول الوقت:
ولا يجوز الأذان قبل الوقت في غير الفجر -كما سيأتي-.
قال في "المحلّى" (٣/ ١٦٠) (مسألة ٣١٤): "لا يجوز أن يؤذّن لصلاةٍ
стр. 387
قبل دخول وقتها إلاَّ صلاة الصبح فقط".
وجاء في "المغني" (١/ ٤٢١): "عدم إِجزاء الأذان قبل الوقت، وقال: وهذا لا نعلم فيه خلافاً وقال: قال ابن المنذر: أجمَع أهل العِلم على أنَّ مِن السنّة أن يؤذّن للصلوات بعد دخول وقتها إلاَّ الفجر، ولأنَّ الأذان شُرع للإِعلام بالوقت، فلا يشرع قبل الوقت لئلا يذهب مقصوده".
وجاء فيه أيضاً: " ... يشرع الأذان للفجر قبل وقتها، وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وإِسحاق، ومنعه الثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن ... " وذكر الدليل على ذلك.
ثمَّ قال (ص ٤٢١): ولنا قول النّبيّ ﷺ : "إِنَّ بلالاً يؤذّن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يؤذّن ابن أم مكتوم" (١). متفق عليه (٢)، وهذا يدلّ على دوام ذلك منه، والنّبيّ ﷺ أقرّه عليه ولم ينهه عنه، فثبت جوازه" اهـ.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمنعنّ أحدَكم -أو أحداً منكم- أذانُ بلالٍ من سحوره، فإِنَّه يؤذّن -أو ينادي بليل، ليَرجع (٣) قائمكم ولينبّه نائمكم ... " (٤).
стр. 388
ْقال القاسم بن محمّد (١): "ولم يكن بين أذانهما إلاَّ أن يرقى ذا وينزل ذا" (٢).
هل يقيم غير الذي أذَّن:
يجوز أن يقيم غير الذي أذَّن، لعدم ورود نصِّ ثابت يمنع ذلك، أمّا حديث: "من أذَّن فهو يقيم" فإِنَّه ضعيف، وانظر "الضعيفة" (٣٥).
قال ابن حزم في "المحلّى" (تحت المسألة ٣٢٩): "وجائز أن يُقيم غير الذى أذَّن؛ لأنَّه يأتِ عن ذلك نهْي يصحّ".
وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- تعليقاً على الحديث السابق: "ومن آثار هذا الحديث السيئة أنَّه سبب لإِثارة النزاع بين المصلّين، كما وقع ذلك غير ما مّرة، وذلك حين يتأخر المؤذن عن دخول المسجد لعذر، ويريد بعض الحاضرين أن يقيم الصلاة، فما يكون من أحدهم إلاَّ أن يعترض عليه محتجًّا بهذا الحديث، ولم يدر المسكين أنَّه حديث ضعيف؛ لا يجوز نسبته إِليه ﷺ ، فضلاً عن أن يمنع به الناس من المبادرة إِلى طاعة الله تعالى، ألا وهي إِقامة الصلاة".
الإِقامة في موضع غير موضع الأذان:
لما تقدّم من حديث عبد الله بن زيد ﵁ وفيه صفة الأذان إِلى أن قال: "ثمَّ استأخَر عنّي غير بعيد، ثمَّ قال: تقول: إِذا أقمتَ الصلاة ... "، وذكر الحديث.
стр. 389
قال شيخنا -حفظه الله- في "تمام المنّة" (ص ١٤٥) -بحذف-: "في هذا دليل واضح على أن السنّة في الإِقامة في موضع غير موضع الأذان.
وقد وجدت بعض الآثار تشهد لحديث عبد الله بن زيد، فروى ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٤) عن عبد الله بن شقيق قال: من السُّنّة الأذان في المنارة، والإِقامة في المسجد، وكان عبد الله يفعله، وسنده صحيح، وروى عبد الرزاق (١/ ٥٠٦) أن عمر بن عبد العزيز بعث إِلى المسجد رجالاً: إِذا أُقيمت الصلاة فقوموا إِليها. وسنده صحيح أيضاً. وهو ظاهر في أن الإِقامة كانت في المسجد".
هل تعاد الإِقامة إذا طال الفَصل بينها وبين الصلاة ؟
لا تُعاد الإِقامة إِذا فُصل بين الإِقامة والصلاة بكلام ونحوه، لحديث حُميد قال: سألتُ ثابتاً البُناني عن الرجل يتكلّم بعدما تُقام الصلاة، فحدَّثني عن أنس بن مالك قال: "أُقيمت الصلاة، فعرَض للنّبيّ ﷺ رجلٌ فحبَسَه بعد ما أُقيمت الصلاة" (١).
وعن أنس ﵁ أيضاً قال: "أُقيمت الصلاة والنّبيّ ﷺ يُناجي (٢) رجلاً في جانب المسجد، فما قام إِلى الصلاة حتى نام القوم" (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ "أنَّ رسول الله ﷺ خرج وقد أُقيمت الصّلاة وعُدّلت الصفوف، حتى إِذا قام في مصلاّه انتظرنا أن يُكبّر، انصرف
стр. 390
قال: على مكانكم (١)، فمكَثنا على هيئتنا، حتى خرج إِلينا ينطِف (٢) رأسه ماءً وقد اغتسل" (٣).
متى يقوم الناسُ إِلى الصلاة ؟
روى ابن المنذر عن أنس أنَّه كان يقوم إِذا قال المؤذّن: "قد قامت الصلاة".
قال شيخنا في "تمام المنة" (ص ١٥١): قلتُ: ينبغي تقييد ذلك بما إِذا كان الإِمام في المسجد، وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة: "إِن الصلاة كانت تقام لرسول الله ﷺ ؛ فيأخذ الناس مصافّهم قبل أن يقوم النّبيّ ﷺ مقامه". رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٥٥٣)، وأما إِذا لم يكن في المسجد فلا يقومون حتى يَروْه قد خرَج لقوله ﷺ : "إِذا أُقيمت الصلاة فلا تقوموا؛ حتى تروني قد خرجْت". متفق عليه واللفظ لمسلم، وهو مخرَّج في "صحيح أبي داود" (٥٥٠ - ٥٥٢). انظر الشوكاني (٣/ ١٦٢).
النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان لغير حاجة:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يسمع النّداء
стр. 391
في مسجدي هذا، ثمَّ يخرج منه إلاَّ لحاجة؛ ثمَّ لا يرجع إِليه إلاَّ منافق" (١).
وعن عثمان بن عفّان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أدركه الأذان في المسجد ثمَّ خرج لم يخرج لحاجة، وهو لا يُريد الرجعة فهو منافق" (٢).
وعن سعيد بن المسيّب ﵁ أنَّ النّبيّ ﷺ قال: "لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلاَّ منافق؛ إلاَّ أحدٌ أخرجَتْه حاجة، وهو يريد الرجوع" (٣).
وعن أبي الشعثاء قال: "كنّا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة، فأذّن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعَه أبو هريرة بصَره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أمّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ " (٤).
الأذان والإِقامة للفائتة:
من فاتته صلاة؛ لنومٍ أو نسيان، فإِنه يشرع له أن يؤذّن ويقيم حينما يريد صلاتها (٥).
стр. 392
وذلك لحديث أبي سعيد ﵁ قال: "شغَلَنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فأنزل الله : ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾ (١)، فأمَر رسول الله ﷺ بلالاً فأقام لصلاة الظهر، فصلاّها كما كان يصلّيها لوقتها" ثمَّ أقام للعصر فصلاها كما كان يصلّيها في وقتها، ثمَّ أذّن للمغرب فصلاّها في وقتها" (٢).
ولحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ حين قَفَل (٣) من غزوة خيبر سار ليلهُ، حتى إِذا أدركه الكرى (٤) عرَّس (٥)، وقال لبلال: اكلأ (٦) لنا الليل فصلّى بلال ما قُدِّر له، ونام رسول الله ﷺ وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إِلى راحلته مُواجه الفجر، فَغَلَبَت بلالاً عيناه وهو مُستند إِلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربَتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظاً، ففزع رسول الله ﷺ فقال: "أيْ: بلال! " فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ (بأبي أنت وأمّي! يا رسول الله!) بنفسك، قال: "اقتادوا" (٧)، فاقتادوا رواحلهم شيئاً، ثمَّ توضّأ
стр. 393
رسول الله ﷺ ، وأمَر بلالاً فأقام (١) الصلاة، فصلّى بهم الصبح فلمّا قضى الصلاة قال: "من نسي الصلاة فليصلِّها إِذا ذكَرها، فإِن الله قال: ﴿وأقِم الصلاة لذِكْري﴾ (٢) " (٣).
وفي رواية: " ... قال: فأمرَ بلالاً فأذّن وأقام وصلّى" (٤).
الأذان لمن يصلّي وحده (٥):
عن عقبة بن عامر سمعْت رسول الله ﷺ يقول: "يعْجَب ربُّك من راعي غنم في رأس شظيّة (٦) الجبل يُؤذّن بالصلاة ويصلي فيقول الله : انظروا إِلى عبدي هذا؛ يُؤذّن ويقيم الصلاة يخافُ منّي، قد غفرْتُ لعبدي وأدخلْتُه الجنّة" (٧).
قال ابن المنذر في "الأوسط" (٣/ ٦٠): "أحبّ إِليّ أن يؤذّن ويقيم إِذا صلّى وحده، ويجزيه إِن أقام وإِن لم يؤذن، ولو صلّى بغير أذان ولا إِقامة لم يجب عليه الإِعادة، وإِنما أحببت الأذان والإِقامة للمصلّي وحده لحديث
стр. 394
أبي سعيد الخدري (١). لئلا يظن ظانّ أن الأذان لاجتماع الناس لا غير، وقد أمر النّبيّ ﷺ مالك بن الحويرث وابن عمه بالأذان ولا جماعة معهما لأذانهما وإِقامتهما" (٢).
أذان الراعي:
عن عبد الله بن ربيعة: أنَّه كان مع رسول الله ﷺ في سفر، فسمع صوت رجل يؤذّن، فقال مِثل قوله، ثمَّ قال: "إِنَّ هذا لراعي غنمٍ، أو عازِبٌ عن أهله" فنظَروا فإِذا هو راعي غنم (٣).
الأذان في السفر:
عن مالك بن الحويرث ﵁ قال: أتى رجلان النّبيّ ﷺ يريدان السفر، فقال النبيّ ﷺ : "إِذا أنتما خرجتما فأذِّنا ثمَّ أقيما، ثمَّ لِيَؤمّكما أكبركما" (٤).
قال أبو عيسى الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم؛ اختاروا الأذان في السفر، وقال بعضهم تُجزئ الإِقامة؛ إِنّما الأذان على من يريد أن يجمع الناس، والقول الأوّل أصحّ، وبه يقول أحمد وإسحاق.
стр. 395
هل للنساء أذان وإِقامة ؟
نعم، للنساء ذلك؛ لعموم قوله ﷺ : "إِنّما النساء شقائق الرجال" (١).
وعن عائشة ﵂ "أنها كانت تؤذّن وتقيم ... " (٢).
وعن وهب بنَ كيسان قال: "سُئل ابن عمر: هل على النساء أذان؟ فغضب، وقال: أنا أنهى عن ذِكر الله! " (٣).
ولم يرَ الشافعي وأحمد -رحمهما الله تعالى- بأساً في ذلك.
انظر للمزيد من الفائدة -إِن شئت- "الأوسط" (٣/ ٥٣).
لا أذان ولا إِقامة لصلاة العيدين:
عن ابن عبّاس وجابر قالا: "لم يكن يؤذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى" (٤).
وسيأتي في صلاة العيدين إِن شاء الله تعالى.
стр. 396
الكلام في الأذان:
يجوز الكلام في الأذان لحاجة، فقد "تكلّم سليمان بن صُرَد في أذانه" (١).
وقال الحسن: "لا بأس أنْ يضحك وهو يؤذن أو يقيم" (٢). وعن عبد الله بن الحارث قال: "خطبَنا ابن عبّاس في يوم ردغْ (٣)، فلما بلغ المؤذن حيَّ على الصلاة فأمره أن ينادي: الصلاة في الرِّحال، فنظر القوم بعضهم إِلى بعض، فقال: فعَل هذا من هو خير منه، وإِنّها عَزْمة (٤) " (٥).
ما يُحقن بالأذان من الدماء (٦):
عن أنس بن مالك أنَّ النّبيّ ﷺ "كان إِذا غزا بنا قوماً لم يكن يغزو بنا
стр. 397
حتى يصبح وينظر، فإِنْ سمع أذاناً كفّ عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم (١)، قال: فخرجنا إِلى خيبر فانتهينا إِليهم ليلاً فلمّا أصبح ولم يسمع أذاناً ركل وركبت خلف أبي طلحة وإِنَّ قدمي لتمس قدم النّبيّ ﷺ قال: فخرجوا إِلينا بمكاتلهم (٢) ومساحيهم (٣) فلمّا رأو النّبيّ ﷺ قالوا: محمد والله والخميس (٤).
قال: فلمّا رآهم رسول الله ﷺ أكبر خربت خيبر إِنّا إِذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذرين".
قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٩٠) بعد هذا الحديث: "قال الخطابي: فيه أنَّ الأذان شعار الإِسلام، وأنّه لا يجوز ترْكه، ولو أنَّ أهل بلد اجتمعوا على ترْكه؛ كان للسلطان قتالهم عليه" (٥).
стр. 398
من بدع الأذان ومخالفاته:
الأصل في العبادات المنع إِلا أن يرد الدليل، والأذان عبادة لا يجوز الإِحداث فيها، فمن المخالفات والمحدثات في الأذان التي لم يرد فيها نص ولم يفعلها الصحابة الكرام ﵃:
١ - التغنّي في الأذان واللحن فيه. وقد ثبت أنّ رجلاً جاء إِلى ابن عمر ﵄ فقال: "إِنّي أحبّك في الله، قال فاشهد عليّ أنّي أبغضك في الله، قال: ولمَ؟ قال: لأنك تلحنُ في أذانك وتأخذ عليه أجراً" (١).
٢ - التسبيح قبل الفجر.
٣ - زيادة الصلاة على النّبيّ والسلام فيه (٢).
شروط (٣) الصلاة:
١ - دخول الوقت (٤)، وقد تقدّم في (باب مواقيت الصلاة).
стр. 399
قال في "المغني" (١/ ٤٠٧) بحذف يسير: "ومن صلَّى قبل الوقت، لم تجُز صلاته في قول أكثر أهل العلم، سواءٌ فعَله عمداً أو خطأ كلّ الصلاة أو بعضها، وبه قال الزهري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي".
٢ - الطهارة من الحَدَث .
قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا قُمتم إِلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديَكم إِلى المرافق وامسحو ابرؤوسكم وأرجُلَكم إِلى الكعبين وإِنْ كنتم جُنُباً فاطهروا﴾ (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُقبل صلاةُ من أحدث حتى يتوضأ" قال رجل من حضرموت: ما الحدَث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط" (٢).
وعن ابن عمر ﵄ قال: "لا تُقبل صلاةٌ بغير طُهور، ولا صدَقة من غُلول" (٣).
стр. 400
٣ - تطهير الثوب والبدن والمكان من النجاسة (١).
أمّا تطهير الثياب فلنصّ القرآن: ﴿وثيابك فطهِّر﴾ (٢).
ولحديث أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: سَألتِ امرأة رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله: أرأيت إِحدانا إِذا أصاب ثوبها الدّم من الحيضة كيف تصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : "إِذا أصاب ثوب إِحداكنّ الدّم من الحيضة فلتقرُصه ثمَّ لِتَنضحْه بماء ثمَّ لتصلّي فيه" (٣).
ومنها حديث خلْعِه ﷺ للنّعل، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "صلّى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم؛ فلمّا كان في بعض صلاته؛ خلَع نعليه فوضَعهما عن يساره، فلما رأى الناس ذلك خلعوا نعالهم، فلمّا قضى صلاته قال: "ما بالكم ألقيتم نعالكم؟ " قالوا: رأيناك ألقيتَ نعليك فألقينا نعالنا، فقال: (إِنَّ جبريل أتاني فأخبَرني أنّ فيهما قَذَراً -أو قال: أذى- (وفي رواية: خَبَثاً)، فألقيتُهما، فإِذا جاء أحدكم إِلى المسجد، فلينظر في نعليه، فإِن رأى فيهما قَذَراً -أو قال: أذى- (وفي الرواية الأخرى: خَبَثاً)؛
стр. 401
فليمسحهما، وليصلِّ فيهما (١) " (٢).
وأمّا تطهير البدن؛ فلانّه أولى من تطهير الثوب؛ ولِما ورَد من وجوب تطهيره، من ذلك: حديث أنس ﵁ أنَّ النّبيّ ﷺ قال: "تنزّهوا من البول؛ فإِنَّ عامّة عذاب القبر منه" (٣).
ولحديث عليّ ﵁ قال: كنتُ رجلاً مذّاءً فأمَرْت رجلاً أن يسأل النبيّ ﷺ لمكان ابنته، فسأل فقال: "توضّأ واغسلْ ذَكرَك" (٤).
وأمّا المكان؛ فلِما ثبتَ عنه ﷺ من رشّ الذَّنوب على بوْل الأعرابي، كما
стр. 402
في حديث أبي هريرة ﵁ " أنَّ أعرابياً بال فى المسجد، فثار إِليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله ﷺ : دعوه وأهريقوا على بوله ذَنوباً من ماء أو سَجْلاً من ماء، فإِنّما بُعثتم مُيَسِّرين ولم تُبعثوا مُعَسِّرين" (١)
٤ - ستر العورة:
قال الله تعالى: ﴿يا بني آدمَ خذوا زينَتكم عند كلّ مسجد﴾ (٢).
وبيّن ابن عباس ﵄ سبب نزول هذه الآية فقال: "كانت المرأةُ تطوف بالبيت وهي عُريانه، فتقول: من يُعيرني تِطوافاً تجعله على فرجها، وتقول:
اليوم يبدو بعضُه أو كلُّه ... فما بدا منه فلا أُحلّه
فنزلَت هذه الآية: ﴿خذوا زينتَكم عند كلّ مسجد﴾ " (٣). قال البغوي في "تفسيره" (٢/ ١٥٧): في قوله سبحانه: ﴿يا بني آدم خذوا زينتَكم عند كلّ مسجد﴾ يعني: الثياب، قال مجاهد: ما يُواري عورتك ولو عباءة. قال الكلبي: "الزينة: ما يواري العورة عند كلّ مسجد لطواف وصلاة".
قال شيخ الإِسلام في كتابه "حجاب المرأة ولباسها في الصلاة" (ص ١٤) في (فصل في اللباس في الصلاة): وهو أخْذ الزينة عند كلّ مسجد، الذي يسمّيه الفقهاء: "باب ستر العورة في الصلاة".
стр. 403
وقال ﵀ (ص ٢٣): "وفي الصلاة نوع ثالث؛ فإِن المرأة لو صلَّت وحدها، كانت مأمورة بالاختمار، وفي غير الصلاة يجوز لها كشف رأسها في بيتها، فأَخْذ الزينة في الصلاة لحق الله، فليس لأحد أن يطوف بالبيت عُرياناً ولو كان وحده بالليل، ولا يصلي عُرياناً ولو كان وحده، فعلم أن أخذ الزينة في الصلاة لم يكن لتحتجب عن الناس، فهذا نوع، وهذا نوع.
وحينئذ فقد يستر المصلي في الصلاة ما يجوز إِبداؤه في غير الصلاة، وقد يُبدي في الصلاة ما يستره عن الرجال. فالأول مِثل المَنكِبين، فإِنّ النّبيّ ﷺ نهى أن يصلّي الرجل في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء فهذا لحقّ الصلاة، ويجوز له كشف منكبيه للرجال خارج الصلاة".
وقال ﵀ (ص ٣٢): "والمنكبان في حقه؛ كالرأس في حقّ المرأة؛ لأنّه يصلّي في قميص أو ما يقوم مقام القميص ... ".
ما يجب على الرّجل ستره عند الصلاة:
يجب ستر القُبل والدُّبر، وجاء في بعض النصوص ما يدّل على أنّه يجب على المصلّي أن يستر من بدنه ما ليس بعورة وهو القسم الأعلى منه؛ كما في حديث بريدة ﵁: "نهى رسول الله ﷺ أن يُصلّي الرجل في لحاف واحد؛ لا يتوشّح به (١) ونهى أن يُصلّي الرجل في سراويل وليس عليه رداء" (٢).
قال شيخنا في "تمام المنّة" (١٦٣): "وفي الحديث دلالة على أنّه
стр. 404
يجب على المصلّي أن يستر من بدنه ما ليس بعورة، وهو القسم الأعلى منه، وذلك إِنْ وجَد كما يدلّ عليه حديث ابن عمر وغيره، وظاهر النهي يفيد بطلان الصلاة، ويؤكّد ذلك قوله ﷺ : لا يصلّينّ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه (وفي رواية: عاتقيه. وفي أخرى: منكبيه) منه شيء".
رواه الشيخان وأبو داود وغيرهم، وهو مخرَّج في "الإِرواء" (٢٧٥) و "صحيح أبي داود" (٦٣٧).
قال الشوكاني في "نيل الأوطار" (٢/ ٥٩): "وقد حمَل الجمهور هذا النهي على التنزيه، وعن أحمد: لا تصحّ صلاة من قَدِرَ على ذلك فتركَه، وعنه أيضاً: تصحّ ويأثم"".
وقد ورَد في بعض الأحاديث ما يدّل على جواز الصلاة في الثوب الواحد.
فعن أبي هريرة ﵁ أنَّ سائلاً سأل رسول الله ﷺ عن الصلاة في ثوب واحد، فقال رسول الله ﷺ : "أَولكُلِّكُمْ ثوبان" (١).
وعن محمّد بن المنكدر قال: "رأيت جابر بن عبد الله يُصلّي في ثوبٍ واحد، وقال: رأيت النّبي ﷺ يصلّي في ثوب" (٢).
وعنه أيضاً قال: "صلّى جابر في إِزارٍ قد عقَده من قبل قفاه وثيابه موضوعة على المِشجَب (٣) قال له قائل: تُصلّي في إِزارٍ واحدٍ؟ فقال: إِنّما صنعْتُ ذلك ليراني أحمقُ مثلُك، وأيُّنا كان له ثوبان على عهد النّبيّ ﷺ "؟ (٤).
стр. 405
وعن عمر بن أبي سلمة "أنَّ النّبيّ ﷺ صلّى في ثوبٍ واحدٍ قد خالف بين طرفيه" (١).
ولكن الصلاة في الثوب الواحد بقيد تغطية العاتقين (٢).
قال البخاري ﵀ (٣): (باب إِذا صلّى في الثوب الواحد، فليجعل على عاتقيه).
وروى حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : "لا يُصلي (٤) أحدُكم في الثوب الواحد؛ ليس على عاتِقَيه شيء" (٥).
ثمَّ روى حديث أبي هريرة ﵁ قال: "أشهدُ أنّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: من صلّى في ثوبٍ واحدٍ؛ فليخالِف بين طرفيه" (٦).
стр. 406
جاء في "الفتح" (١/ ٤٧١): " ... ودلالته على الترجمة من جهة؛ أنَّ المخالفة بين الطرفين لا تتيسَّر إلاَّ بجعل شيءٍ من الثوب على العاتق، كذا قال الكرماني".
حُجّة من يرى أنَّ الفخذ ليست بعورة (١):
استدل القائلون بأنَّ السُّرّة والفخذ والركبة ليست بعورة بهذه الأحاديث: عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعاً في بيته كاشفاً عن فخذيه، فاستأذَن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال، ثمَّ استأذَن عمر، فأذِن له وهوكذلك، فتحدّث، ثمَّ استأذن عثمان، فجلس النّبيّ ﷺ يُسوّي ثيابه وقال محمّد: -ولا أقول ذلك في يوم واحد- فدخل، فتحدّث، فلمّا خرج قالت له عائشة: دخل عليك أبو بكر فلم تجلس، ثمَّ دخل عثمان، فجلست وسوَّيتَ ثيابك؟ فقال: ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة" (٢).
قال البخاري ﵀: "وقال أنس: حسَر النّبيّ ﷺ عن فَخِذه (٣)،
стр. 407
وحديث أنس أسند، وحديث جَرهَد (١) أحوط، حتى يُخرَجَ من اختلافهم، وقال أبو موسى: غطَّى النّبيّ ﷺ رُكبتيه حين دخل عثمان (٢). وقال زيد بن ثابت: أنزل الله على رسوله ﷺ وفخِذه على فخذي، فثقُلَت عليَّ حتى خِفتُ أن ترُضَّ فخذي" (٣).
قال ابن حزم (٤): "فصحّ أنَّ الفخذ ليست عورة، ولوكانت عورة؛ لَما كشَفَها الله عن رسول الله ﷺ المطهَّر المعصوم من الناس؛ في حال النّبوة والرسالة، ولا أَراها أنس بن مالك ولا غيره، وهو تعالى قد عصَمَه من كشْف العورة في حال الصّبا وقبل النّبوة". ثمَّ ذكَر حديث جابر بن عبد الله ﵁ في "الصحيحين": "أنَّ رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إِزاره، فقال له العباس عمّه: يا ابن أخي! لو حلَلْتَ إِزارك فجعلتَه على منكِبك دون الحجارة، قال: فحلَّه فجعلَه على مَنْكِبه، فسقط مغشياً عليه، فما رؤي بعد ذلك عُرياناً ﷺ " (٥).
وعن أبي العالية البَراء قال: قلتُ لعبد الله بن الصامت نُصلِّي يوم الجمعة
стр. 408
خلْف أمراء، فيؤخّرون الصلاة، قال: فضرب فَخذي ضربةً أوجعتني، وقال: سألتُ أبا ذرٍّ عن ذلك فضرَب فخِذي، وقال: سألتُ رسول الله ﷺ عن ذلك: فقال: "صَلُّوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة".
قال: وقال عبد الله: ذُكر لي أنَّ النّبيّ ﷺ ضرب فَخِذَ أبي ذرّ" (١).
وفي رواية لمسلم: "وقال: إِنِّي سألتُ رسول الله ﷺ كما سألتني، فضربَ فخِذي كما ضرَبتُ فَخِذَك ... " (٢).
قال ابن حزم: فلو كانت الفخذ عورة؛ لما مسَّها رسول الله ﷺ ، من أبي ذرّ أصلاً بيده المقدّسة. ولو كانت الفخذ عند أبي ذرّ عورة، لما ضرب عليها بيده، وكذلك عبد الله بن الصامت وأبي العالية. وما يستحلّ مسلم أن يضرب بيده على ذَكَر إِنسان، على الثياب، ولا على حلقة دُبُر الإِنسان على الثياب، ولا على بدن امرأة أجنبية على الثياب، البتة".
ثمَّ ذكَر ابن حزم (٣) بإِسناده إِلى أنس بن مالك أنّه أتى ثابت بن قيس بن شمّاس؛ وقد حسر عن فَخِذيه ... " (٤).
حُجَّة من يرى أنَّها عورة:
واستدلّ القائلون بأنّها عورة بهذين الحديثين:
١ - عن محمّد بن جحش قال: "مرّ رسول الله ﷺ على معمر، وفخذاه
стр. 409
مكشوفتان فقال: يا معمر غطِّ فخذيك؛ فإِنَّ الفخذين عورة" (١).
٢ - وعن جَرهَد قال: مرّ رسول الله ﷺ وعليّ بُردة وقد انكشفت فخِذي
فقال: "غطِّ فخذك فإِنَّ الفخِذ عورة" (٢).
قال شيخنا في "تمام المنّة" (١٥٩ - ١٦٠): "ومن الواضح لدى كلّ ناظرٍ في الأدلّة التي ساقَها المؤلّف؛ أنَّ أدلّة القائلين بأنَّ الفخذ ليس بعورة فعليّة من جهة، ومبيحة من جهة أخرى. وأدلة القائلين بأنّه عورة قولية من جهة، وحاظرة من جهة أخرى، ومن القواعد الأصولية التي تساعد على الترجيح بين الأدلة والاختيار قاعدتان:
الأولى: الحاظر مُقدَّم على المبيح.
والأخرى: القول مُقدَّم على الفِعل؛ لاحتمال الخصوصية وغيرها؛ مع أنَّ الفعل في بعض الأدلة المشار إِليها لا يظهر فيها أنَّه كان مقصوداً متعمّداً؛ كحديث أنس وأثر أبي بكر ﵄ أضِف إِلى ذلك أنّها وقائعُ أعيان لا عموم لها؛ بخلاف الأدلّة القولية، فهي شريعة عامّة، وعليها جَرى عمل المسلمين سلَفاً وخلفاً، بحيث لا نعلم أنّ أحداً منهم كان يمشي أو يجلس كاشفاً عن فَخِذيه؛ كما يفعل بعض الكفّار اليوم، ومن يقلّدهم من المسلمين الذ ين يلبسون البنطلون الذي يسمّونه بـ (الشورت)، وهو (التبان) في اللغة.
стр. 410
ولهذا، فلا ينبغي التردد في كون الفخذ عورة ترجيحاً للأدلة القولية، فلا جَرَم أن ذهب إِليه أكثر العلماء، وجزم به الشوكاني في "نيل الأوطار" (٢/ ٥٢ - ٥٣) و"السيل الجرّار" (١/ ١٦٠ - ١٦١).
نعم، يمكن القول بأنّ عورة الفخذين أخفّ من عورة السوأتين، وهو الذي مال إِليه ابن القيّم في "تهذيب السنن" كما كُنتُ نقَلْتهُ عنه في "الإِرواء" (١/ ٣٠١). وحينئذ، فمسُّ الفَخِذ الذي وقع في حديث أبي ذرّ -والظاهر أنَّه من فوق الثوب- ليس كمس السوأتين ... ". انتهى.
وعن أنس بن مالك " أنَّ رسول الله ﷺ غزا خيبر فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب النّبيّ ﷺ وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى رسول الله ﷺ في زقاق خيبر، وإنّ ركبتي لتمسّ فخذ رسول الله ﷺ ، ثمَّ حسر الإِزار عن فخِذه حتى إِني أنظر إِلى بياض فخذ نبيَّ الله ﷺ ... ".
قال شيخنا في "الإِرواء" (١/ ٣٠٠) بعد تخريج الحديث: أخرجه البخاري (١/ ١٠٥) والبيهقي (٢/ ٢٣٠) وأخرجه مسلم (٤/ ١٤٥، ٥/ ١٨٥) وأحمد (٣/ ١٠٢) إِلا أنهما قالا: "وأنحسر" بدل "وحسر"، ولم يذكر النسائي في روايته (٢/ ٩٢) ذلك كلّه.
قال الزيلعي في "نصب الراية" (٤/ ٢٤٥) عقب رواية مسلم: "قال النووي في الخلاصة: وهذه الرواية تُبيّن رواية البخاري، وأنّ المراد: انحسر بغير اختياره لضرورة الإِجراء. انتهى".
قلت [القائل: شيخنا -حفظه الله تعالى-]: وأجاب عن ذلك الحافظ في "الدراية" بقوله (ص ٤٣٤): "قلت: لكن لا فرق في نظري بين الروايتين؛ من
стр. 411
جهة أنَّه ﷺ لا يُقرّ على ذلك لو كان حراماً، فاستوى الحال بين أن يكون حسَره باختياره، وانحسر بغير اختياره".
وهذا من الحافظ نظر دقيق، ويؤيده أن لا تعارض بين الروايتين، إِذ الجمع بينهما ممكن بأن يقال: حسَر النّبيّ ﷺ الثوب فانحسر.
وقد جمع الشوكاني بين هذين الحديثين وبين الأحاديث المتقدّمة في أن الفخِذ عورة بأنهما حكاية حال، لا عموم لها. انظر "نيل الأوطار" (١/ ٢٦٢).
ولعل الأقرب أن يقال في الجمع بين الأحاديث: ما قاله ابن القيم في "تهذيب السنن" (٦/ ١٧): "وطريق الجمع بين هذه الأحاديث: ما ذكره غير واحد من أصحاب أحمدَ وغيرهم: أنّ العورة عورتان: مخففة ومغلظة، فالمغلظة: السوأتان، والمخففة: الفخذان.
ولا تَنافي بين الأمر بغض البصر عن الفخذين لكونهما عورة، وبين كشفهما لكونهما عورة مخففة. والله أعلم".
قلت: وكأنّ الإمام البخاري ﵀ أشار إِلى هذا الجمع بقوله المتقدّم: "وحديث أنس أسند، وحديث جَرهَد أحوط" اهـ.
ما يجب على المرأة سِتْره في الصلاة
يجب على المرأة أن تستر بدنها كلّه في الصلاة خلا الوجه والكفين، لقول الله تعالى: ﴿ولا يُبدين زينتهنّ إِلاَّ ما ظَهَر منها﴾ (١).
قال ابن كثير ﵀ في "تفسيره": "أي: لا يُظهرن شيئاً من الزينة
стр. 412
للأجانب إِلا ما لا يمكن إِخفاءه".
قال ابن المنذر في "الأوسط" (٥/ ٧٠): "وقد روينا عن جماعة من أهل التفسير أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إِلاَّ ما ظهر منها﴾ الآية، أنّ ذلك الكفان والوجه، فممّن روينا ذلك عنه ابن عباس، وعطاء ومكحول، وسعيد بن جبير".
قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في "جلباب المرأة المسلمة" (ص ٤٠): " ... وقد اختلفت أقوال السلف في تفسيرها؛ فمن قائل: إِنّها الثياب الظاهرة، ومن قائل: إِنّها الكحل والخاتم والسوار والوجه، وغيرها من الأقوال التي رواها ابن جرير في "تفسيره" (١٨/ ٨٤) عن بعض الصحابة والتابعين، ثمَّ اختار هو أنّ المراد بهذا الاستثناء الوجه والكفان، فقال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عَنَى بذلك الوجه والكفين، يدخل في ذلك -إِذا كان كذلك- الكحل والخاتم والسوار والخضاب، وإنّما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل؛ لإِجماع الجميع على أنّ على كلّ مصلٍّ أن يستر عورته في صلاته، وأنّ للمرأة أن تكشف وجهها وكفّيها في صلاتها، وأنّ عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، إلاَّ ما روي عن النّبيّ ﷺ أنَّه أباح لها أن تبدي من ذراعها قدْر النصف (١)، فإِذا كان ذلك من جميعهم إِجماعاً؛ كان معلوماً بذلك أنَّ لها أن تبديَ من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال، لأنَّ ما لم يكن عورة فغير حرام إِظهاره، وإِذا كان لها إِظهار ذلك؛ كان معلوماً أنَّه ممَّا استثنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿إِلاَّ ما
стр. 413
ظهر منها﴾؛ لأنَّ كل ذلك ظاهر منها".
ثمَّ ذكر شيخنا (ص٥١) كلام القرطبي (١٢/ ٢٢٩): "قال ابن عطية: ويظهر لي بحُكم ألفاظ الآية أنَّ المرأة مأمورة بأن لا تُبديَ، وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بدَّ منه، أو إِصلاح شأن، ونحو ذلك فـ ﴿ما ظهر﴾ على هذا الوجه ممّا تؤدي إِليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه".
وقال -حفظه الله- (ص٥١ - ٥٢) -بحذف يسير-: " ... وبيانه أنَّ السلف اتفقوا على أنّ قوله تعالى: ﴿إِلاَّ ما ظهَر منها﴾ يعود إِلى فعلٍ يصدر من المرأة المكلَّفة، غاية ما في الأمر أنهم اختلفوا فيما تظهره بقصدٍ منها، فابن مسعود يقول: هو ثيابها؛ أي: جلبابها. وابن عباس ومن معه من الصحابة وغيرهم يقول: هو الوجه والكفان منها.
فمعنى الآية حينئذ: إلاَّ ما ظهرَ عادة بإِذن الشارع وأمرِه. ألستَ ترى أن المرأة لو رفعت من جلبابها حتى ظهر من تحته شيء من ثيابها وزينتها -كما يفعل ذلك بعض المتجلببات- أنها تكون قد خالفَت الآية باتفاق العلماء؛ فقد التقى فِعْلها هذا مع فِعْلها الأول، وكلاهما بقصد منها؛ لا يمكن إلاَّ هذا، فمناط الحكم إِذن في الآية؛ ليس هو ما ظهر دون قصد من المرأة -فهذا ممّا لا مؤاخذة عليه في غير موضع الخلاف أيضاً اتفاقاً - وإِنما هو فيما ظهر دون إِذنٍ من الشارع الحكيم".
وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في "تمام المنّة" (ص ١٦٠): "روى ابن أبي شيبة في "المصنّف" (٤/ ٢٥٣) عن ابن عباس في تفسير الآية
стр. 414
المذكورة: "قال: الكفّ ورقعة الوجه". وسنده صحيح.
"ورَوَى نحوه عن ابن عمر بسند صحيح أيضاً ... ".
وفي الحديث: "لا يقبل الله صلاة حائض (١) إلاَّ بخمار (٢) " (٣).
وروى عبد الرزاق من طريق أم الحسن قالت: "رأيت أمّ سلمة زوج النّبيّ ﷺ تصلّي في دِرْع (٤) وخمار" (٥).
وعن عبيد الله الخولاني -وكان يتيماً في حِجر ميمونة- أنَّ ميمونة كانت تُصلّي في الدّرع والخمار ليس عليها إِزار" (٦).
قال شيخنا في "تمام المنّة" (ص ١٦٢): "وفي الباب آثار أُخرى؛ مما يدلّ على أنَّ صلاة المرأة في الدرع والخمار كان أمراً معروفاً لديهم، وهو أقلّ ما يجب عليهنّ لستر عورتهنّ في الصلاة. ولا ينافي ذلك ما روى ابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "تصلي المرأة
стр. 415
في ثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار". وإسناده صحيح.
وفي طريق أخرى عن ابن عمر قال: "إِذا صلت المرأة فلتصلِّ في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة (١) ". رواه ابن أبي شيبة وسنده صحيح أيضاً.
فهذا كله محمول على الأكمل والأفضل لها، والله أعلم".
ملاحظة: احِرص على الثياب التي تستر العورة، واعلم أنَّه لا تجوز الصلاة في الثوب الرقيق الذي يُبرز لَون الجلد.
وقد سألت شيخنا -حفظه الله تعالى- عمّن لبس ثوباً خفيفاً بحيث يبيّن لون الجلد؛ من بياض أو حمرة فقال: "إِذا كان اللباس خفيفاً، بحيث يصف العضو، فهو كالعاري".
هل يكشف الرجل رأسه في الصلاة ؟
قال الله تعالى: ﴿يا بني آدمَ خذوا زينَتكم عند كلّ مسجد﴾ (٢).
قال ابن كثير في "تفسيره": "قال العوفي عن ابن عباس ... كان رجال يطوفون بالبيت عُراة فأمَرهم الله بالزينة، والزينة اللباس، وهو ما يُواري السوأة وما سوى ذلك من جيّد البز (٣) والمتاع (٤) فأمرهم أن يأخذوا زينتهم عند كلّ مسجد ... ".
стр. 416
وقال: "ولهذه الآية وما ورَد في معناها من السنّة التجمُّل عند الصلاة، ولا سيّما يوم الجمعة ويوم العيد، والطِّيب لأنَّه من الزينة، والسواك لأنَّه من تمام ذلك ومن أفضل اللباس البياض ... ".
فإِذا كان الطِّيب والسواك ولبس البياض من الزينة؛ أفلا يكون غطاء الرأس من الزينة؟!
قال شيخنا في "تمام المنة" (ص ١٦٤) -بحذف يسير-: "والذي أراه في هذه المسألة؛ أنَّ الصلاة حاسرَ الرأس مكروهةٌ، ذلك أنَّه من المُسلَّم به استحباب دخول المسلم في الصلاة في أكمل هيئة إِسلاميّة؛ للحديث المتقدّم" ... فإِنَّ الله أحقّ أن يُتزيَّن له".
وليس من الهيئة الحسنة في عُرف السلف اعتياد حسْر الرأس والسير كذلك في الطرقات والدخول كذلك في أماكن العبادات، بل هذه عادة أجنبية؛ تسرَّبَتَ إِلى كثيرٍ من البلاد الإِسلامية؛ حينما دخَلَها الكُفار، وجلبوا إِليها عاداتهم الفاسدة، فقلَّدهم المسلمون فيها، فأضاعوا بها وبأمثالها من التقاليد شخصيّتهم الإِسلامية، فهذا العرض الطارئ لا يصلح أن يكون مسوِّغاً لمخالفة العُرف الإِسلامي السابق ولا اتخاذه حُجَّةً لجواز الدخول في الصلاة حاسر الرأس.
وأمّا استدلال بعض إِخواننا ... على جوازه قياساً على حسر المُحرم في الحجّ؛ فمن أبطلِ قياسٍ قرأْتُه ... كيف والحسر في الحجّ شعيرة إِسلامية، ومن مناسكه التي لا تُشاركه فيها عبادة أُخرى، ولو كان القياس المذكور صحيحاً؛ للزم القول بوجوب الحسر في الصلاة؛ لأنَّه واجب في الحجّ، وهذا
стр. 417
إلزامٌ لا انفكاك لهم عنه إلاَّ بالرجوع عن القياس المذكور ... ".
وقال -حفظه الله- (ص ١٦٦): "وأمّا استحباب الحسر بنية الخشوع؛ فابتداعُ حُكمٍ في الدين لا دليل عليه إلاَّ الرأي، ولو كان حقّاً؛ لفعله رسول الله ﷺ ، ولو فعَله لنُقل عنه؛ وإذ لم يُنقل عنه، دلّ ذلك أنَّه بدعة فاحذرها.
وممّا سلف تعلم أنَّ نفي المؤلّف (١) ورود دليل بأفضلية تغطية الرأس في الصلاة، ليس صواباً على إِطلاقه، إلاَّ إِن كان يُريد دليلاً خاصاً، فهو مُسلَّم، ولكنّه لا ينفي ورود الدليل العام على ما بيّناه آنفاً، وهو التزيّن للصلاة بالزّيّ الإِسلامي المعروف من قَبل هذا العصر، والدليل العام حجّة عند الجميع عند عدم المُعارِض فتأمّل".
٥ - استقبال القِبلة
قال الله تعالى. ﴿قد نرى تقلُّب وجْهِك في السماء فَلَنولينَّك قبلةً ترضاها فولِّ وجْهَك شطْر المسجد الحرام وحيثُما كنتم فولُّوا وجوهَكم شَطره﴾ (٢).
стр. 418
ْوقد ورد في مناسبة نزول هذه الآية حديث مسلم (٥٢٥) عن البراء بن عازب قال: "صلّيت مع النّبيّ ﷺ إِلى بيت المقدس ستةَ عشَر شهراً، حتى نزَلت الآية التي في البقرة ﴿وحيثما كنتم فولُّوا وجوهكم شَطره﴾. فنزلت بعدما صلّى النّبيّ ﷺ ، فانطلق رجل من القوم، فمرَّ بناسٍ من الأنصار وهم يُصلّون، فحدَّثهم، فولَّوا وجوههم قِبَل البيت".
وكان رسول الله ﷺ إِذا قام إِلى الصلاة؛ استقبل الكعبة في الفرض والنفل (١).
وفي حديث "المسيء صلاته": "إِذا قمتَ إِلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثمَّ استقبِل القبلة فكبِّر" (٢).
حُكم المشاهد للكعبة وغير المشاهد لها (٣)
يجب على المشاهد للكعبة أن يستقبل عينها، أمّا من لا يستطيع مشاهدتها؛ فيجب عليه أن يستقبل جهتها لقول الله : ﴿لا يكلّف الله نفساً إِلاَّ وسعها﴾، وهذا هو الواسع والمقدُور.
ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: "ما بين المشرق والمغرب قِبلة" (٤).
стр. 419
هذا بالنسبة لأهل المدينة، ومن جرى مجراهم، وأمّا الأقطار الأخرى فيختلف الأمر حسب الموقع.
متى يسقط استقبال القبلة ؟
يسقط استقبال القبلة في الأحوال الآتية:
١ - صلاة التطوع للراكب.
عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: "رأيت النّبيّ ﷺ في غزوة أنمار يُصلّي على راحلته متوجّهاً قِبَل المشرق متطوّعاً" (١).
وعنه أيضاً: "كان رسول الله ﷺ يُصلّي على راحلته حيث توجّهت؛ فإِذا أراد الفريضة نزَل فاستقبل القبلة" (٢).
وعن عامر بن ربيعة قال: "رأيتُ رسول الله ﷺ وهو على الراحلة يُسبِّح، يومئ برأسه قِبَل أيّ وجه توجَّه (٣) ولم يكن رسول الله ﷺ يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة" (٤).
٢ - صلاة الخائف والمريض والعاجز والمُكره.
يجوز الصلاة لغير القبلة لمن عَجَز من استقبالها من خوف أو مرض أو
стр. 420
إِكراه لقوله تعالى: ﴿لا يكلِّف الله نفساً إِلاَّ وُسْعَها﴾ (١).
ولقوله سبحانه: ﴿فإِنْ خِفْتُم فَرِجالاً أو رُكباناً﴾ (٢).
قال ابن عمر ﵄: " ... فإِن كان خوفٌ هو أشدَّ من ذلك، صلَّوا رجالاً قياماً على أقدامهم أو ركباناً مستقبلي القِبلة أو غير مستقبليها" (٣).
وعن ابن عمر ﵄ قال: "غزوتُ مع رسول الله ﷺ قِبَل نجْد، فوازينا العدوّ، فصافَفْنا لهم، فقام رسول الله ﷺ يصلّي لنا" (٤).
فقوله: (وازَيْنا) أي: (قابَلْنا) وهذا يقتضي عدم التزام القبلة بل الانصراف عنها حسب وضْع العدوّ.
حُكم من خفيت عليه القبلة
عن عبد الله بن ربيعة عن أبيه قال: "كُنا مع النّبيّ ﷺ في سفر في ليلة مُظلمة فلم نَدْرِ أين القبلة، فصلّى كل رجل حياله (٥)، فلمّا أصبحنا ذَكَرْنا ذلك لرسول الله ﷺ فنزَل ﴿فأينما تولّوا فثمَّ وجهُ الله﴾ (٦) " (٧).
стр. 421
وعن جابر ﵁ قال: "كُنَّا مع رسول الله ﷺ في مسيرة أو سريَّة، فأصابنا غيم، فتحرَّينا واختلفنا في القبلة، فصلّى كلُّ رجل منّا على حدة، فجعل أحدنا يخطُّ بين يديه لنعلم أمكنتنا، فلمّا أصبحنا نظرناه؛ فإِذا نحن صلّينا على غير القبلة، فذكَرنا ذلك للنّبيّ ﷺ ، [فلم يأمرنا بالإِعادة]، وقال: (قد أجزأت صلاتكم) " (١).
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "بَيْنا الناس بقُباء في صلاة الصبح إِذ جاءهم آتٍ فقال: إِنَّ رسول الله ﷺ قد أُنزلَ عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها ... وكانت وجُوههم إِلى الشام فاستداروا إِلى الكعبة" (٢).
وبهذا فعلى الإِنسان أن يبذل وُسعه في معرفة القبلة، فإِنْ تبيّن له أنَّه صلّى على غير القبلة فلا إِعادة عليه، وقد أجزأت صلاته، كما يجوز للشخص أن يحوّل أخاه إِلى جهة القبلة ويصوّبه أثناء الصلاة.
كيفيّة الصلاة
عن أبي هريرة ﵁ "أنَّ رسول الله ﷺ دخل المسجد، فدخَل رجل فصلّى، فسلَّم على النّبيّ ﷺ فردَّ وقال: ارجِع فصلِّ فإِنَّك لم تُصلِّ فرجع يُصلِّي كما صلّى، ثمَّ جاء فسلّم على النّبيّ ﷺ فقال: ارجع فصلّ
стр. 422
فإِنَّكَ لم تُصلِّ ثلاثاً، فقال: والذي بعثكَ بالحقِّ ما أُحسن غيره فعلِّمني فقال: إِذا قُمتَ إلى الصلاة فكبِّر ثمَّ اقرَأ ما تيسر معك من القرآن، ثمَّ اركع حتَّى تطمئنَّ راكعاً، ثمَّ ارفعْ حتَّى تعدلَ قائماً، ثمَّ اسجد حتَّى تطمئنَّ ساجداً، ثمَّ ارفع حتَّى تطمئنَّ جالساً، وافعل ذلك في صلاتك كلِّها" (١).
وهذا حديث جامع في الصلاة، وإِليك أعمال الصلاة بشكل مُجمل (٢).
استقبال القبلة، ثمَّ القيام لمن يستطيع وإلا صلى قاعداَّ، فإِن لم يستطع فعلى جنب، وينوي الصلاة بقلبه دون التلفّظ بها، ويستفتح الصلاة بقوله: "الله أكبر"، ويرفع اليدين مع التكبير، ويجعلها حذو مَنكِبيه، وربما كان ﷺ يرفعهما حتى يحاذي بهما فروع أُذنيه (٣)، ويضع اليمنى على اليُسرى على الصدر، مع الحِرص على النظر إِلى موضع السجود، ويتخيّر من أدعية الاستفتاح ما تيسرّ له (٤)، ثمَّ يستعيذ بالله تعالى ويقرأ الفاتحة ويقرأ بعد الفاتحة ما تيسّر مما سيأتي تفصيله إِنْ شاء الله ثمَّ يسكت سكتة، ئمَّ يرفع يديه ويكبّر ويركع مطمئنّاً في ركوعه، ذاكراً ما تيسّر من أذكار الركوع، ثمَّ يعتدل من الركوع حتى يستوي قائماً حتى يعود كلَ فقارٍ (٥) مكانه، قائلاً:
стр. 423
سمع الله لمن حَمده؛ مع ما تيسّر من أذكار الاعتدال من الركوع، مطمئنّاً في ذلك ثمَّ يكبّر ويهوي ساجداً، واضعاً يديه قبل ركبتيه، ممكّناً أنفه وجبهته من الأرض، مع الحرص على أن يسجد على سبعة أعضاء: الكفين والركبتين والقدمين والجبهة والأنف، مطمئنّاً في ذلك متخيّراً الأذكار الواردة، ويرفع من السجود مكبّراً حتى تطمئنَّ مفاصله، فارشاً رجله اليسرى، قاعداً عليها ناصباً رجله اليمنى، متخيّراً الأدعية الواردة في ذلك، ثمَّ يكبرّ ويسجد السجدة الثانية، يفعل مثل ما فعَل في الأولى، ثمَّ يرفع رأسه مكبِّراً، ثمَّ يجلس جلسة الاستراحة، قاعداً على رجله اليسرى معتدلاً، ويعتمد على اليدين يعجن (١) في النهوض إِلى الركعة الثانية ويصنع في هذه الركعة مِثْل ما صنع في الأولى، بيْد أنَّ رسول الله ﷺ كان يجعلها أقصر من الأولى.
ثمَّ يجلس للتشهّد، فإِذا كانت الصلاة ركعتين كالفجر، جلَس مفترشاً كما كان يجلس بين السجدتين، ثمَّ يبسط كفه اليسرى على ركبته اليسرى، ويقبض أصابع كفّه اليمنى كلّها، ويشير بإِصبعه التي تلي الإِبهام إِلى القبلة، يحركها يدعو بها، ويدعو بالأدعية الواردة في ذلك، ثمَّ يصلّي على النّبيّ ﷺ وفي ذلك صِيَغٌ عديدة، ثمَّ ينهض إِلى الركعة الثالثة مُكبّراً، ويفعل كما فعل في الركعة الأولى، فيجلس الاستراحة ويعجن معتمداً على يديه، وبعد أن يُتمّ الرابعة؛ يجلس للتشهد الأخير، ويفعل فيه ما كان يفعله في التشهد الأول،
стр. 424
بيْد أنَّه يقعد فيه متوركاً (١)، ثمَّ يصلّي على النّبيّ ﷺ كما هو الشأن في التشهد الأول، ثمَّ يستعيذ بالله من أربع فيقول: "اللهمّ إِنِّي أعوذ بك من عذاب جهنّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرّ فتنة المسيح الدّجال"، ثمَّ يدعو قبل السلام بالأدعية المنوّعة الواردة في ذلك، وهو الأولى -كما سيأتي إِن شاء الله- ثمَّ يسلم عن يمينه وعن يساره بما ورَد من الصيغ في ذلك.
стр. 425
الموسوعة الفقهية الميسرة
في
فقه الكتاب والسنة المطهرة
الجزء الثاني
تتمة كتاب الصلاة
بقلم
حسين بن عودة العوايشة
المكتبة الإسلامية
دار ابن حزم