← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وعن جابر ﵁ قال: "كُنَّا مع رسول الله ﷺ في مسيرة أو سريَّة، فأصابنا غيم، فتحرَّينا واختلفنا في القبلة، فصلّى كلُّ رجل منّا على حدة، فجعل أحدنا يخطُّ بين يديه لنعلم أمكنتنا، فلمّا أصبحنا نظرناه؛ فإِذا نحن صلّينا على غير القبلة، فذكَرنا ذلك للنّبيّ ﷺ ، [فلم يأمرنا بالإِعادة]، وقال: (قد أجزأت صلاتكم) " (١). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "بَيْنا الناس بقُباء في صلاة الصبح إِذ جاءهم آتٍ فقال: إِنَّ رسول الله ﷺ قد أُنزلَ عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها ... وكانت وجُوههم إِلى الشام فاستداروا إِلى الكعبة" (٢). وبهذا فعلى الإِنسان أن يبذل وُسعه في معرفة القبلة، فإِنْ تبيّن له أنَّه صلّى على غير القبلة فلا إِعادة عليه، وقد أجزأت صلاته، كما يجوز للشخص أن يحوّل أخاه إِلى جهة القبلة ويصوّبه أثناء الصلاة. كيفيّة الصلاة عن أبي هريرة ﵁ "أنَّ رسول الله ﷺ دخل المسجد، فدخَل رجل فصلّى، فسلَّم على النّبيّ ﷺ فردَّ وقال: ارجِع فصلِّ فإِنَّك لم تُصلِّ فرجع يُصلِّي كما صلّى، ثمَّ جاء فسلّم على النّبيّ ﷺ فقال: ارجع فصلّ

стр. 422

فإِنَّكَ لم تُصلِّ ثلاثاً، فقال: والذي بعثكَ بالحقِّ ما أُحسن غيره فعلِّمني فقال: إِذا قُمتَ إلى الصلاة فكبِّر ثمَّ اقرَأ ما تيسر معك من القرآن، ثمَّ اركع حتَّى تطمئنَّ راكعاً، ثمَّ ارفعْ حتَّى تعدلَ قائماً، ثمَّ اسجد حتَّى تطمئنَّ ساجداً، ثمَّ ارفع حتَّى تطمئنَّ جالساً، وافعل ذلك في صلاتك كلِّها" (١). وهذا حديث جامع في الصلاة، وإِليك أعمال الصلاة بشكل مُجمل (٢). استقبال القبلة، ثمَّ القيام لمن يستطيع وإلا صلى قاعداَّ، فإِن لم يستطع فعلى جنب، وينوي الصلاة بقلبه دون التلفّظ بها، ويستفتح الصلاة بقوله: "الله أكبر"، ويرفع اليدين مع التكبير، ويجعلها حذو مَنكِبيه، وربما كان ﷺ يرفعهما حتى يحاذي بهما فروع أُذنيه (٣)، ويضع اليمنى على اليُسرى على الصدر، مع الحِرص على النظر إِلى موضع السجود، ويتخيّر من أدعية الاستفتاح ما تيسرّ له (٤)، ثمَّ يستعيذ بالله تعالى ويقرأ الفاتحة ويقرأ بعد الفاتحة ما تيسّر مما سيأتي تفصيله إِنْ شاء الله ثمَّ يسكت سكتة، ئمَّ يرفع يديه ويكبّر ويركع مطمئنّاً في ركوعه، ذاكراً ما تيسّر من أذكار الركوع، ثمَّ يعتدل من الركوع حتى يستوي قائماً حتى يعود كلَ فقارٍ (٥) مكانه، قائلاً:

стр. 423

سمع الله لمن حَمده؛ مع ما تيسّر من أذكار الاعتدال من الركوع، مطمئنّاً في ذلك ثمَّ يكبّر ويهوي ساجداً، واضعاً يديه قبل ركبتيه، ممكّناً أنفه وجبهته من الأرض، مع الحرص على أن يسجد على سبعة أعضاء: الكفين والركبتين والقدمين والجبهة والأنف، مطمئنّاً في ذلك متخيّراً الأذكار الواردة، ويرفع من السجود مكبّراً حتى تطمئنَّ مفاصله، فارشاً رجله اليسرى، قاعداً عليها ناصباً رجله اليمنى، متخيّراً الأدعية الواردة في ذلك، ثمَّ يكبرّ ويسجد السجدة الثانية، يفعل مثل ما فعَل في الأولى، ثمَّ يرفع رأسه مكبِّراً، ثمَّ يجلس جلسة الاستراحة، قاعداً على رجله اليسرى معتدلاً، ويعتمد على اليدين يعجن (١) في النهوض إِلى الركعة الثانية ويصنع في هذه الركعة مِثْل ما صنع في الأولى، بيْد أنَّ رسول الله ﷺ كان يجعلها أقصر من الأولى. ثمَّ يجلس للتشهّد، فإِذا كانت الصلاة ركعتين كالفجر، جلَس مفترشاً كما كان يجلس بين السجدتين، ثمَّ يبسط كفه اليسرى على ركبته اليسرى، ويقبض أصابع كفّه اليمنى كلّها، ويشير بإِصبعه التي تلي الإِبهام إِلى القبلة، يحركها يدعو بها، ويدعو بالأدعية الواردة في ذلك، ثمَّ يصلّي على النّبيّ ﷺ وفي ذلك صِيَغٌ عديدة، ثمَّ ينهض إِلى الركعة الثالثة مُكبّراً، ويفعل كما فعل في الركعة الأولى، فيجلس الاستراحة ويعجن معتمداً على يديه، وبعد أن يُتمّ الرابعة؛ يجلس للتشهد الأخير، ويفعل فيه ما كان يفعله في التشهد الأول،

стр. 424

بيْد أنَّه يقعد فيه متوركاً (١)، ثمَّ يصلّي على النّبيّ ﷺ كما هو الشأن في التشهد الأول، ثمَّ يستعيذ بالله من أربع فيقول: "اللهمّ إِنِّي أعوذ بك من عذاب جهنّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرّ فتنة المسيح الدّجال"، ثمَّ يدعو قبل السلام بالأدعية المنوّعة الواردة في ذلك، وهو الأولى -كما سيأتي إِن شاء الله- ثمَّ يسلم عن يمينه وعن يساره بما ورَد من الصيغ في ذلك.

стр. 425

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة الجزء الثاني تتمة كتاب الصلاة بقلم حسين بن عودة العوايشة المكتبة الإسلامية دار ابن حزم

стр. 426

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 427

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

стр. 428

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م المكتبة الإسلامية ص ب: (١١٣) الجبيهة - هاتف ٥٣٤٢٨٨٧ عمَّان - الأردن دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤

стр. 429

فرائض الصلاة وسننها ١ - النية: وهي شرط أو ركن. قال الله تعالى: ﴿وما أُمروا إِلاَّ ليعبدواْ الله مُخلِصين له الدين﴾ (١). وقال رسول الله ﷺ : "إِنَّما الأعمال بالنيات، وإِنّما لكلّ امرئٍ ما نوى ... " (٢). هل يتلفظ بها؟ قال شيخنا في "صفة الصلاة" (ص٨٦) (باب التكبير): "ثمَّ كان ﷺ يستفتح الصلاة بقوله "الله أكبر" (٣) وقال في التعليق: "وفي الحديث إِشارة إِلى أنَّه لم يكن يستفتحها بنحو قولهم: "نويت أن أصلِّي" إلخ بل هذا من البدع اتفاقاً، وإِنما اختلفوا في أنّها حسنة أو سيئة، ونحن نقول: إِنَّ كلّ بدعة في العبادة ضلالة، لعموم قوله ﷺ : "وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النّار"". ٢ - تكبيرة الإِحرام (٤): وهي ركن؛ لحديث عليّ ﵁ قال:

стр. 430

"مفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (١). وفي حديث المسيء صلاته: " ... إِنه لا تتمّ صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى يتوضّأ؛ فيضع الوضوء مواضعه ثمَّ يقول: الله أكبر" (٢). وفي حديث أبي حميد الساعدي ﵁: "كان رسول الله ﷺ إِذا قام إِلى الصلاة اعتدلَ قائماً، ورفع يديه حتى يحاذي بهما مَنكِبيه، فإِذا أراد أن يركع؛ رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثمَّ قال: الله أكبر ... " (٣). ٣ - رفْع اليدين: قد ثبت الرفع في جميع التكبيرات، ولكن هناك تكبيرات التزم النّبيّ ﷺ رفع اليدين فيها وهناك تكبيرات لم يلتزم بها. فمن الحالات التي ورد التزام رسول الله ﷺ فيها بالرفع عند التكبير: ١ - تكبيرة الإحرام. ٢ - حين الركوع.

стр. 431

٣ - حين الرفع من الركوع. فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "رأيت رسول الله ﷺ إِذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو مَنكِبيه، وكان يفعل ذلك حين يُكبِّر للرّكوع، ويفعل ذلك إِذا رفع رأسه من الركوع ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود" (١)، ولحديث أبي قِلابة: "أنَّه رأى مالك بن الحويرث إِذا صلّى كبَّر ورفع يديه، وإِذا أراد أن يركع رفع يديه، وإِذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وحدَّث أنَّ رسول الله ﷺ صنع هكذا" (٢). ٤ - إِذا قام من الركعتين إِلى الثالثة، لِما حدّثه عبيد الله عن نافع "أنَّ ابن عمر كان إِذا دخل في الصلاة كبّر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه. ورفع ذلك ابن عمر إِلى نبيّ الله ﷺ " (٣). وسألت شيخنا -حفظه الله تعالى- عن هذه الحالة، فقال: "عندي تردّد في التزام الرفع هنا، وأميل إِلى الالتزام؛ لأنَّه من رواية ابن عمر ﵄ الذي روى الرفع عند الركوع والرفع منه". كما قد ثبت الرفع في التكبيرات الأخرى أيضاً.

стр. 432

قال شيخنا في "تمام المنة" (١٧٢، ١٧٣): "قد ثَبت الرفع في التكبيرات الأخرى أيضاً، أمّا الرفع عند الهوي إلى السجود والرفع منه، ففيه أحاديث كثيرة عن عشرة من الصحابة، قد خرَّجْتها في "التعليقات الجياد"، منها: عن مالك بن الحويرث " أنَّه رأى النّبيّ ﷺ رفَع يديه في صلاته إِذا ركع، وإذا رفَع رأسه من الركوع، وإِذا سجد، وإِذا رفَع رأسه من السجود، حتى يحاذي بهما فروع أذنيه"، أخرجه النسائي وأحمد وابن حزم بسند صحيح على شرط مسلم، وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" كما في "الفتح" للحافظ، ثمَّ قال: "وهو أصحّ ما وقفْتُ عليه من الأحاديث في الرفع في السجود". وأمّا الرفع من التكبيرات الأخرى، ففيه عدّة أحاديث أنَّ النّبيّ ﷺ كان يرفع يديه عند كل تكبيرة. ولا تعارُض بين هذه الأحاديث؛ وبين حديث ابن عمر المتقدّم في الكتاب بلفظ: " ... ولا يرفعهما بين السجدتين"، لأنَّه نافٍ، وهذه مثبتة، والمثبت مقدّم على النافي كما تقرر في علم الأصول. وقد ثبت الرفع بين السجدتين عن جماعة من السلف منهم أنس ﵁ بل منهم ابن عمر نفسه، فقد روى ابن حزم من طريق نافع عنه؛ "أنَّه كان يرفع يديه إِذا سجد وبين الركعتين". وإِسناده قوي. وروى البخاري في جزء "رفع اليدين" (ص ٧) من طريق سالم بن عبد الله أنَّ أباه كان إِذا رفع رأسه من السجود، وإذا أراد أن يقوم رفع يديه. وسنده صحيح على شرط البخاري في "الصحيح".

стр. 433

وعَمِل بهذه السنّة الإِمام أحمد بن حنبل، كما رواه الأثرم، ورُوي عن الإِمام الشافعي القول به، وهو مذهب ابن حزم، فراجع "المحلّى"". ٤ - وضْع اليدين على الصدر: للعلماء في وضْع اليدين عند القيام الأوّل أقوال عديدة، وقد ثبَت عن النّبيّ ﷺ أنّه وضع يديه على صدره. وذكَر شيخنا الأدلّة في "صفة الصلاة" (ص ٨٨) فقال: و"كان يضع اليُمنى على ظهر كفّه اليُسرى والرسغ (١) والساعد" (٢). وسألتُ شيخنا -حفظه الله تعالى-: "هل ترون وضْع اليمنى على ظهر كفّه اليسرى والرسغ والساعد واجباً أم سنّة؟ فقال: "الوضع مطلقاً واجب، ولكن على التفصيل المذكور سنّة". و"أمر بذلك أصحابه" (٣)، و"كان -أحياناً- يقبض باليمنى على اليسرى" (٤). وفي الحديث: "إِنَّا معشر الأنبياء؛ أُمرنا بتعجيل فِطرنا، وتأخير سُحورنا،

стр. 434

ووضْع أيماننا على شمائلنا" (١). قلت لشيخنا: "أتفيد كلمة (أُمرنا) هنا الوجوب"؟ فقال -حفظه الله تعالى-: "نعم تفيد الوجوب، وهناك قرينة أُخرى أقوى من هذه، وهو حديث سهل بن سعد الساعدي؛ كما في صحيح البخاري، ومن طريق مالك في "موطئه" بإِسناده العالي عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: "كانوا يؤمَرون بوضْع اليمنى على اليُسرى في الصلاة " ينمي (٢) ذلك إِلى النّبيّ ﷺ ". و"كان يضعهما على الصدر" (٣). وأخبرني شيخنا أنَّه يرى سنيّة ذلك.

стр. 435

و"كان ينهى عن الاختصار (١) في الصلاة"؟ (٢). كيفية رفْع اليدين: كان رسول الله ﷺ يرفع يديه ممدودة الأصابع، [لا يُفرِّج بينهما ولا يضمّهما] " (٣). ويجعل كفيه حذو منكبيه، لحديث ابن عمر المتقدّم: "رأيت رسول الله ﷺ إِذا قام في الصلاة، رفَع يديه حتى يكونا حذو مَنكبيه". وأحياناً يُبالغ في رفعهما حتى يحاذي بهما أطراف أُذُنيه (٤). وتقدّم أتمّ منه، وفي رواية: "حتى يحاذي بهما فروع أذنيه" (٥). وقت الرّفع: "كان رسول الله ﷺ يرفع يديه تارة مع التكبير، وتارة بعد التكبير، وتارة

стр. 436

قبله" (١). ٥ - دعاء الاستفتاح: ويكون بعد تكبيرة الإِحرام وقبل القراءة. قال شيخنا في "تلخيص الصِّفة" (ص ١٦): "وقد ثبَت الأمر به فينبغي المحافظة عليه". وقد راجعتُ شيخنا -حفظه الله تعالى- فقلت له: هل قولكم: ثبت الأمر به؛ ضرْب من ضروب التعبير اللغوي أَم ماذا؟ فقال -حفظه الله تعالى-: "إِني لم أستعمل لفظ الوجوب لسبب؛ وهو أَنِّي لم أستحضر أنَّ أحداً من أهل العلم قال بالوجوب، فإِن وُجد فهو بمعنى الوجوب، وإن لم يقُل به أحد من العلماء فلا نتجرّأ على القول بما لم يقولوا". وقد ثبت عن النّبيّ ﷺ أدعية عديدة في هذا الموطن، فيحسن بالمصلى أن يقرأ تارةً بهذا وتارة بهذا، وإليك هذه الصيّغ (٢). ١ - اللهمّ باعِدْ بيني وبين خطاياي؛ كما باعدْتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني من خطاياي كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس (٣)، اللهم اغسِلني

стр. 437

من خطاياي بالماء والثلج والبَرد"، وكان يقوله في الفرض (١). ٢ - وجَّهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً (٢) [مسلماً] وما أنا من المشركين، إِنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين، لا شريك له وبذلك أُمِرت وأنا أوّل المسلمين (٣)، اللهّم أنت الملِك، لا إِله إلاَّ أنت، [سبحانك وبحمدك]، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمْتُ نفسي، واعترفْتُ بذنبي، فاغفر لي ذنبي جميعاً؛ إنَّه لا يغفر الذنوب إلاَّ أنت، واهدني لأحسن الأخلاق؛ لا يهدي لأحسنها إلاَّ أنت، واصرف عنّي سيئها؛ لا يصرف عنّي سيئها إلاَّ أنت، لبّيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إِليك (٤) [والمهدي من هديت]، أنا بك وإليك. [لا منجا ولا ملجأ منك إلاَّ إِليك]،

стр. 438

تباركتَ (١) وتعاليتَ، أستغفرك وأتوب إِليك". وكان يقوله في الفرض والنفل (٢). ٣ - "سبحانك، اللهمّ وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جَدُّك، ولا إِله غيرك" (٣). ٤ - " الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بُكرة (٤) وأصيلاً" (٥). استفتح به رجل من الصحابة فقال ﷺ : "عجبْتُ لها! فُتِحت لها أبواب السماء" (٦). ٥ - "الحمد لله حمداً كثيراً طيّباً مباركاً فيه"؛ استفتح به رجل آخر، فقال ﷺ : "لقد رأيت اثني عَشَر مَلَكاً يبتدرونها (٧) أيهم يرفعها" (٨). ٦ - "اللهمّ لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد، أنت قيِّمُ السماوات والأرض ومن فيهنّ، [ولك الحمد، أنت مَلِك

стр. 439

السماوات والأرض ومن فيهنّ]، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك حقّ، وقولك حقّ، ولقاؤك حقّ، والجنّة حقّ، والنار حقّ، والساعة حقّ، والنبيّون حقّ، ومحمّد حقّ، اللهمّ لك أسلمتُ، وعليك توكّلتُ، وبك آمنْتُ، وإِليك أنَبْتُ، وبك خاصمْتُ، وإليك حاكمْتُ، [أنت ربنا وإِليك المصير، فاغفِر لي ما قدَّمْت، وما أخّرتُ، وما أسررت وما أعلنْت]، [وما أنت أعلم به مني]، أنت المقدِّم وأنت المؤخر، [أنت إِلهي]، لا إله إلاَّ أنت، [ولا حول ولا قوة إِلا بك] " (١). وكان يقول ﷺ في صلاة الليل كالأنواع الآتية (٢): ٧ - "اللهمّ ربّ جبرائيل وميكائيل وإِسرافيل فاطر السماوات والأرض! عالم الغيب والشهادة! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحقّ بإِذنك، إِنك تهدي من تشاء إِلى صراط مستقيم (٣) " (٤). ٨ - كان يكبر عشراً، ويحمد عشراً، ويسبح عشراً، ويُهلّل عشراً، ويستغفر عشراً، ويقول: "اللهمّ اغفر لي واهدني وارزقني [وعافني] " عشراً،

стр. 440

ويقول: "اللهمّ إِني أعوذ بك من الضيق يوم الحساب" عشراً (١). ٩ - "الله أكبر [ثلاثاً] (ذو الملكوت والجبروت (٢)) والكبرياء والعظمة (٣) " (٤). ٦ - الاستعاذة: لقول الله: ﴿فإِذا قرأْتَ القرآنَ فاستعِذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ (٥). قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (مسألة ٣٦٣): "وفرض على كلّ مصلّ أن يقول إِذا قرأ: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". لا بُدّ له في كلّ ركعةٍ من ذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿فإِذا قرأْتَ القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ ..... ". وقال رادّاً على من لا يقول بفرضيته: "ومن الخطأ أن يأمر الله تعالى بأمر؛ ثمَّ يقول قائل بغير برهانٍ من قرآن ولا سنّة: هذا الأمر ليس فرضاً، لا سيّما أمرُهُ تعالى بالدعاء في أن يعيذنا من كيد الشيطان؛ فهذا أمْر متيقّن أنَّه فرض؛ لأنَّ اجتناب الشيطان والفرار منه، وطلَب النجاة منه؛ لا يختلف اثنان في أنَّه

стр. 441

فرض، ثمَّ وضع الله تعالى ذلك علينا عند قراءة القرآن". وقال: "وكان ابن سيرين يستعيذ في كلّ ركعة". وعن ابن جريج عن عطاء قال: "الاستعاذة واجبة لِكُلِّ قراءة في الصلاة وغيرها ... ". قال ابن جريج: فقلت له: من أجل ﴿فإِذا قرأْتَ القرآن فاستعِذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ قال: نعم". وقال شيخنا في "تلخيص صفة الصلاة" (ص ١٧): "ثمَّ يستعيذ بالله تعالى وجوباً ويأثم بتركه. قال: والسنّة أن يقول تارة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه (١) وتارة يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان ... إِلخ". وجاء في "الاختيارات" (ص ٥٠): "ويستحبّ التعوّذ أوّل كلّ قراءة". والراجح قول ابن حزم ﵀ والله أعلم. الإِسرار بها (٢): ويسنّ الإِتيان بها سرّاً: قال في "المغني": "ويُسِرُّ بالاستعاذة ولا يجهر بها، لا أعلم فيها خلافاً". انتهى. لكن الشافعي يرى التخيير بين الجهر بها والإسرار في الصلاة الجهريّة. مشروعية الاستعاذة في كلّ ركعة: يسرع الاستعاذة في كلّ ركعة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فإِذا قرأْتَ القرآنَ

стр. 442

فاستعِذ بالله من الشيطان الرجيم﴾. واستدلّ من استدلّ من العلماء على اقتصار الفاتحة في الركعة الأولى من حديث أبي هريرة: "كان رسول الله ﷺ إِذا نهضَ من الركعة الثانية استفتح القراءة بـ "الحمد لله رب العالمين"، ولم يسكت (١). وذكر هذا الشيخ السيد سابق -حفظه الله تعالى- في "فقه السنّة"، وردّ عليه شيخنا -حفظه الله تعالى- في "تمام المنّة" (ص ١٧٦) قائلاً: "السّنّة المشار إِليها ليست صريحة فيما ذكَره المؤلف، لأنَّ قول أبي هريرة في حديثه المذكور في الكتاب: "ولم يسكت"، ليس صريحاً في أنَّه أراد مطلق السكوت، بل الظاهر أنَّه أراد سكوته السكتة المعهودة عنده، وهي التي فيها دعاء الاستفتاح، وهي سكتة طويلة، فهي المنفية في حديثه هذا. وأمّا سكتة التعوذ والبسملة؛ فلطيفة لا يحسُّ بها المؤتمُّ لاشتغاله بحركة النهوض للركعة، وكأنّ الإِمامَ مسلماً ﵀ أشار إِلى ما ذكَرنا مِن أن السكتة المنفية في هذا الحديث؛ هي المثبتة في حديت أبي هريرة المتقدّم، فإِنَّه ساق الحديث المشار إِليه، ثمَّ عقّبه بهذا، وكلاهما عن أبي هريرة، والسند إِليه واحد، فأحدهما متمّم للآخر، حتى لكأنَّهما حديث واحد، وحينئذ يظهر أنّ الحديث ليس على إِطلاقه، وعليه نرجّح مشروعية الاستعاذة في كلّ ركعة لعموم قوله تعالى: ﴿فإِذا قرأتَ القرآن فاسْتَعِذْ بالله﴾، وهو الأصحّ في مذهب الشافعية، ورجّحه ابن حزم في "المحلّى"، والله أعلم".

стр. 443

٧ - القيام في الفرض: قال الله تعالى: ﴿حافظوا على الصَلَوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (١)﴾ (٢). ولقوله ﷺ لعمران بن حُصين: "صَلِّ قائماً" (٣). ولهذا كان ﷺ يقوم في صلاته في الفرض والتطوّع؛ ائتماراً بهذه الآية الكريمة (٤). وأمّا في الخوف جازت الصلاة على أي حال: رِجالاً أو رُكباناً: يعني مستقبلي القبلة وغير مستقبليها (٥) كما تقدّم. أما في المرض فيصلّي حسب القدرة؛ قائماً أو قاعداً أو على جَنب، كما في حديث عمران بن حصين ﵁ المتقدّم قال: "كانت بي بواسيرُ فسألت النّبيّ ﷺ عن الصلاة فقال: صَلِّ قائماً، فإِن لم تستطع فقاعداً، فإِن لم تستطع فعلى جَنب" (٦). وصلّى ﷺ في مرضه جالساً (٧).

стр. 444

وسألت شيخنا -شفاه الله تعالى- عمّن يفضّل التربّع في القعود فقال: "أولاً يختار هيئة من هيئات الصلاة الواردة في السنّة، مثلاً كانت الصلاة افتراشية، لكنه قد يرى التورك أسهل فيتورّك، أو كانت الصلاة تورّكية لكنّه يستطيع الافتراش فيؤثره، وربّما لم يستطع هذا أو ذاك، فحينئذٍ يأتي بالتربّع، ولعلّ التربّع كالافتراش والتورّك، فهنا نقول له اجلس على النحو الذي يريحك". ثمَّ رأيت هذا متضَّمّناً في صحيح البخاري (٨٢٧) فعن عبد الله بن عبد الله ابن عمر: "أنه كان يرى عبد الله بن عمر ﵄ يتربّع في الصلاة إِذا جلس، ففعلته وأنا يومئذ حديث السنّ، فنهاني عبد الله بن عمر وقال: إِنما سُنّة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى، فقلت: إِنك تفعل ذلك، فقال: إِنَّ رجليَّ لا تحملاني". وإذا كان في السفينة ونحوها وخشي الغرق، فله ألا يصلّي فيها قائماً فقد سئُل ﷺ عن الصلاة في السفينة، فقال: "صلِّ فيها قائماً؛ إلاَّ أن تخاف الغرق" (١). ويجوز الاعتماد على عمود أو نحوه للتمكّن من القيام لما ثبت أن النبيّ ﷺ "لما أسنَّ وكبر؛ اتَخَذَ عموداً في مُصلاه يعتمد عليه" (٢). أمّا في صلاة الليل: فقد "كان ﷺ يصلّي ليلاً طويلاً قائماً، وليلاً طويلاً

стр. 445

قاعداً، وكان إِذا قرأ قائماً ركعَ قائماً، وإذا قرأ قاعداً ركعَ قاعداً" (١). وقد ثبت أنَّ رسول الله ﷺ "كان يُصلّي جالساً فيقرأ وهو جالس، فإِذا بقي من قراءته نحْوٌ من ثلاثين أو أربعين آية، قام فقرأها وهو قائم، ثمَّ يركع، ثمَّ سجد يفعل في الركعة الثانية مِثْل ذلك" (٢). أمّا في النافلة، فقد رُخّص للمصلّي أن يُصلّي قاعداً مع قدرته على القيام، بيْد أنَّ له نصف أجر القائم، كما في حديث عمران بن حُصين قال: "سألت النّبيّ ﷺ عن صلاة الرجل وهو قاعد فقال: من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلّى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد" (٣). قال أبو عبد الله -يعني البخاري-: نائماً عندي: مضطجعاً ها هنا (٤). أجر المريض والمسافر أجر الصحيح المقيم: عن أبي بردة قال: سمعت أبا موسى مراراً يقول: قال رسول الله ﷺ : "إِذا مرض العبد أو سافر، كُتب له مِثلُ ما كان يعمل مقيماً صحيحاً" (٥).

стр. 446

٨ - قراءة الفاتحة في كلّ ركعة -وهي ركن -. لحديث عبادة بن الصامت عن النّبيّ ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١). وفي لفظ: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن فهي خِداج (٣) ثلاثاً غير تمام" (٤). وأمر ﷺ : "المسيء صلاته" أن يقرأ بها في صلاته (٥). وعن أبي سعيد ﵁ قال: "أُمِرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسَّر" (٦). وقد تقدّم حديث المسيء صلاته: وفيه "وافعل ذلك في صلاتك

стр. 447

كلّها" (١). وفي رواية: "في كلّ ركعة" (٢). فضائلها: عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "قال الله تعالى: قَسَمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإِذا قال العبد: الحمد لله ربِّ العالمين، قال الله تعالى: حَمِدني عبدي، وإِذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجَّدني عبدي (وقال مرّة: فوَّض إِليَّ عبدي) فإِذا قال: إِيَّاك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإِذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمتَ عليهم غيرِ المغضوب عليهم ولا الضَّالِّين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (٣). وكان يقول: "ما أنَزل الله في التوراة ولا في الإِنجيل مثل أمّ القرآن، وهي السبع المثاني (٤) [والقرآن العظيم الذي أوتيته] " (٥).

стр. 448

هل يُجهر بالبسملة ؟ عن أنس ﵁: "أنَّ النّبيّ ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين" (١). وقدّ بوّب له البخاري بقوله: (باب ما يقول بعد التكبير) وهو ممّا يدّل على عدم التلفظ بالبسملة. وكذلك بوّب النووي له بقوله: "باب حُجّة من قال: لا يجهر بالبسملة". عن أنس أيضاً قال: "صليّت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم" (٢). قال النووي في "شرح مسلم" (٤/ ١١١): "ومذهب الشافعي ﵀ وطوائف من السلف والخلف أنَّ البسملة آية من الفاتحة وأنَّه يجهر بها حيث يجهر بالفاتحة". قال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- في "الفتاوى" (٢٢/ ٢٧٤): "وأمّا البسملة؛ فلا ريب أنَّه كان في الصحابة من يجهر بها، وفيهم من كان لا يجهر بها، بل يقرؤها سرّاً، أو لا يقرؤها والذين كانوا يجهرون بها أكثرهم كان يجهر بها تارة، ويُخافت بها أخرى، وهذا لأنَّ الذّكر قد تكون السنّة المخافتة به، ويجهر به لمصلحة راجحة مِثْل تعليم المأمومين، فإِنَّه قد ثبت في الصحيح "أنَّ ابن عباس قد جهر بالفاتحة على الجنازة، ليُعلّمهم أنَّها سُنّة".

стр. 449

وقال (ص ٢٧٤) أيضاً: "وثبت في "الصحيح" (١) أنَّ عمر بن الخطاب كان يقول: "الله أكبر، سبحانك اللهمّ وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدّك، ولا إِله غيرك" يجهر بذلك مرّات كثيرة. واتفق العلماء على أنَّ الجهر بذلك ليس بسنّة راتبة؛ لكنْ جهر به للتعليم، ولذلك نقل عن بعض الصحابة أنَّه كان يجهر أحياناً بالتعوذ، فإِذا كان من الصحابة من جهَر بالاستفتاح والاستعاذة مع إِقرار الصحابة له على ذلك؛ فالجهر بالبسملة أولى أن يكون كذلك، وأن يشرع الجهر بها أحياناً لمصلحة راجحة. لكنْ لا نزاع بين أهل العلم بالحديث: أنَّ النّبيّ ﷺ لم يجهر بالاستفتاح. ولا بالاستعاذة، بل قد ثبت في الصحيح أنَّ أبا هريرة قال له: يا رسول الله! أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال: "أقول: اللهم باعِدْ بيني وبين خطاياي، كما باعَدْتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني من خطاياي كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياى بالثلج والماء والبرَد". وفي "السنن" عنه أنَّه كان يستعيذ في الصلاة قبل القراءة، والجهر بالبسملة أقوى من الجهر بالاستعاذة، لأنَّها آية من كتاب الله تعالى، وقد تنازع العلماء في وجوبها، وإِن كانوا قد تنازعوا في وجوب الاستفتاح والاستعاذة، وفي ذلك قولان في مذهب أحمد وغيره، لكن النزاع في ذلك أضعف من النزاع في وجوب البسملة.

стр. 450

والقائلون بوجوبها من العلماء أفضل وأكثر، لكن لم يثبت عن النّبي ﷺ أنَّه كان يجهر بها، وليس في "الصحاح" ولا في "السنن" حديث صحيح صريح بالجهر، والأحاديث الصريحة بالجهر كلّها ضعيفة؛ بل موضوعة؛ ولهذا لمّا صنّف الدارقطني مصنَّفاً في ذلك، قيل له: هل في ذلك شيء صحيح؟ فقال: أمّا عن النبيّ ﷺ فلا، وأمّا عن الصحابة فمنه صحيح، ومنه ضعيف. ولو كان النّبيّ يجهر بها دائماً، لكان الصحابة ينقُلون ذلك، ولكان الخلفاء يعلمون ذلك، ولما كان الناس يحتاجون أن يسألوا أنس بن مالك بعد انقضاء عصر الخلفاء، ولما كان الخلفاء الراشدون ثمَّ خلفاء بني أميّة وبني العبّاس كلهم متفقين على ترك الجهر، ولما كان أهل المدينة -وهم أعلم أهل المدائن بسنّته- يُنكرون قراءتها بالكلية سرّاً وجهراً، والأحاديث الصحيحة تدل على أنّها آية من كتاب الله، وليست من الفاتحة، ولا غيرها". قال ابن القيّم ﵀: "وكان يجهر بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" تارة، ويُخفيها أكثر مما يجهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائماً في كل يوم وليلة خمس مرات أبداً، حضَراً وسفَراً، ويخفي ذلك على خلفائه الرَّاشدين، وعلى جمهور أصحابه، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال حتى يحتاج إِلى التشبُّث فيه بألفاظ مجملة، وأحاديث واهية، فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحُها غير صحيح، وهذا موضع يستدعي مجلّداً ضخماً" (١). قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في "تمام المنّة" (١٦٩): "والحقّ أنَّه ليس

стр. 451

في الجهر بالبسملة حديث صريح صحيح؛ بل صحّ عنه ﷺ الإسرار بها من حديث أنس، وقد وَقَفْتُ له على عشرة طرُق ذكَرْتها في تخريج كتابي "صفة صلاة النّبيّ ﷺ " أكثرها صحيحة الأسانيد، وفي بعض ألفاظها التصريح بأنَّه ﷺ لم يكن يجهر بها، وسندها صحيح على شرط مسلم، وهو مذهب جمهور الفقهاء، وأكثر أصحاب الحديث. وهو الحقّ الذي لا ريب فيه". هل البسملة آية من الفاتحة ؟ قد اختُلف في ذلك، والراجح أنَّ النّبي ﷺ قد عدّها آية، كما في

стр. 452

الحديث الآتي: عن أم سلمة ذكَرت أو كلمة غيرها، قراءة رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الحمد لله رب العالمين* الرحمن الرحيم* مالك يوم الدين﴾ يقطع قراءته آية آية" (١). من لا يستطيع حِفظ الفاتحة: من لم يستِطع أن يأخذ شيئاً من القرآن، فليقل: "سبحان الله والحمد لله ولا إِله إلاَّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله"؛ لحديث عبد الله بن أبي أوفى قال: "جاء رجل إِلى النّبيّ ﷺ فقال: إِنِّي لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن فعلِّمني ما يجزئني فقال: قُل: سبحان الله والحمد لله ولا إِله إلاَّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله" (٢). ولحديث رِفاعة بن رافع "أنَّ النّبيّ ﷺ علّم رجلاً الصلاة، فقال: "إِنْ كان معك قرآن فاقرأ، وإلاّ فاحمده وكبِّره وهلِّله، ثمَّ اركع" (٣). ولكن لا بدّ من تعلّم الفاتحة وبذْل الجهد في ذلك، فإِن عَجز عن ذلك فلا يُكلَّف إلاَّ وُسْعه. والله تعالى أعلم.

стр. 453

هل تُقرأ الفاتحة خلف الإِمام ؟ الأصل أنَّ الصلاة لا تصِحّ إلاَّ بقراءة سورة الفاتحة؛ في كل ركعة من ركعات الفرض والنفل، إلاَّ أنّ المأموم تسقط عنه القراءة، ويجب عليه الاستماع والإِنصات في الصلاة الجهرية؛ لقول الله تعالى: ﴿وإِذا قُرئ القرآن فاستمِعوا له وأنصِتوا لعلكم تُرحَمون﴾ (١). ولقول رسول الله ﷺ : "إِذا كبّر الإمام فكبِّروا وإذا قرأ فانصِتوا" (٢) وعلى هذا يُحمَل حديث: "من كان له إِمام فقراءة الإِمام له قراءة" (٣)، أي: إِنّ قراءة الإِمام له قراءة في الصلاة الجهرية، وأمّا الصلاة السرية فالقراءة فيها على المأموم، وكذا تجب عليه القراءة في الصلاة الجهرية، إِذا تمكَّن من الاستماع للإِمام (٤). وجاء في "صفة الصلاة" (ص ٩٨): "وكان قد أجاز للمُؤتمين أن يقرؤوا بها وراء الإِمام في الصلاة الجهرية، حيث كان "في صلاة الفجر، فقرأ فثقُلت عليه القراءة، فلمّا فَرغَ قال: "لعلكم تقرؤون خلف إِمامكم" قلنا: نعم هذًّا (٥) يا رسول الله! قال: (لا تفعلوا؛ إِلاَّ [أن يقرأ أحدكم] بفاتحة الكتاب، فإِنَه لا

стр. 454

صلاة لمن لم يقرأ بها) " (١). ثمَّ نهاهم عن القراءة كلِّها في الجهرية، وذلك حينما "انصرفَ من صلاةٍ جهر فيها بالقراءة (وفي رواية: أنَّها صلاة الصبح)، فقال: "هل قرأ معي منكم أحد آنفاً؟! "، فقال رجل: نعم؛ أنا يا رسول الله! فقال: إِنّي أقول: "ما لي أُنازَع (٢)؟!. [قال أبو هريرة:] فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ -فيما جَهَر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة- حين سَمِعوا ذلك من رسول الله ﷺ ، [وقرؤوا في أنفسهم سِرًّا فيما لا يَجْهَرُ فيه الإِمام] " (٣). وجعَل الإِنصات لقراءة الإِمام من تمام الائتمام به فقال: "إِنّما جُعِل الإِمام ليُؤتمَّ به، فإِذا كبَّر فكبِّروا" (٤) وفي رواية: "وإذا قَرَأ فأنصِتوا" (٥) ". كما جعل الاستماع له مُغْنياً عن القراءة وراءه فقال: "من كان له إِمام فقراءة الإمام له قراءة" (٦)، هذا في

стр. 455

الجهرية. انتهى. قلت: "وكأنّ المأموم حين يقرأ الفاتحة في الجهرية يقول: الإمام لا يقرأ لي، ولكنّه يقرأ لنفسه وكأنّه ليس في صلاة جماعة، ويتشوش بقراءة الإِمام فيرفع صوته فيشوّش على من يليه". أو يقول: "لا يجزئني إلاَّ أن أستمع للإمام وأقرأ"، فأين هو من قوله تعالى: ﴿وإِذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾. ثمَّ ماذا يفعل الإمام حين ينتظر المأمومين أيقرأ الفاتحة سرّاً أم يسكت؟ والصلاة كلها ذكر، وما الدليل على هذا وذاك؟ أمّا من الناحية العملية، فلم أرَ إِماماً يترك مجالاً لقراءة المأموم ولكنّه يحيّره ويُربكه فإِذا قرأ المأموم زهاء آيتين بدأ الإمام يقرأ ما تيسّر من كتاب الله تعالى، فلا هو تركه يقرأ الفاتحة حتى يستكملها، ولا هو تركه يُنصت لقراءته. أمّا إِذا كنتَ إماماً فلا تنتظر لقراءة المأمومين. وأمّا إِذا كنتَ مأموماً فأنصِت حين يقرأ إِمامك، واقرأ حين يُنصت، وهذا من أجك متابعة الائتمام به، والكلام في هذا طويل أكتفي بما ذَكرتُ، ولشيخ الإِسلام مبحث طيّب في "مجموع الفتاوى" (٢٣/ ٣٠٩ - ٣٣٠) فارجع إليه -إِن شئت-، وانظر كذلك "تمام المنّة" (ص ١٨٧). ٩ - التأمين جهراً: فقد "كان ﷺ إِذا انتهى من قراءة الفاتحة قال: "آمين"، يجهر ويمدّ بها

стр. 456

صوته" (١). وعن أبي رافع قال: "إِنَّ أبا هريرة كان يؤذّن لمروان بن الحكَم، فاشترط أن لا يسبقه بـ (الضالّين) حتى يعلم أنَّه قد دخل الصف، فكان إِذا قال مروان: (ولا الضالّين) قال أبو هريرة: "آمين" يمدّ بها صوته، وقال: إِذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء؛ غُفر لهم" (٢). وقال عطاء: "أمّن ابن الزبير ومن وراءه حتى إِنَّ للمسجد للجّة" (٣). ويجب تأمين المأموم إِذا أمَّن الإِمام لقوله ﷺ : "إِذا أمَّن الإِمام فأمّنوا" (٤). وبه يقول الشوكاني كما في "نيل الأوطار" (٢/ ١٨٧). وبه يقول ابن حزم في "المحلّى" (٢/ ٢٦٢)، وانظر "تمام المنة" (ص ١٧٨). موافقة الإِمام فيه: فقد كان ﷺ يأمر المقتدين بالتأمين بُعيد تأمين الإِمام فيقول: "إذا قال الإِمام: ﴿غيرِ المغضوب عليهم ولا الضالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، [فإِنَّ الملائكة

стр. 457

تقول: آمين، وإنَّ الإِمام يقول: آمين] (وفي لفظ: إِذا أمَّن الإِمام فأمِّنوا)، فمن وافق تأمينُه تأمين الملائكة (وفي لفظ آخر: إِذا قال أحدكم في الصلاة: آمين، والملائكة في السماء: آمين، فوافق أحدُهما الآخر)؛ غُفر له ما تقدّم من ذنبه" (١). معنى آمين: آمين دعاء معناه: اللهمّ استجب، وهي من أسماء الأفعال، وهي مصدر أمَّن -بالتشديد- أي: قال: آمين وهي بالمدّ والتخفيف في جميع الروايات وعن جميع القُرّاء (٢). وجوب القراءة في السريّة: قال شيخنا في "صفة الصلاة" (ص ١٠٠): "وأمّا في السريّة؛ فقد أقرَّهم على القراءة فيها، فقال جابر: "كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأُخريين بفاتحة الكتاب" (٣). وإِنّما أنكَر التشويش عليه بها، وذلك حين "صلّى الظهر بأصحابه فقال: "أيّكم قَرَأ ﴿سبِّح اسم ربِّك الأعلى﴾؟ "، فقال رجل: أنا، [ولم أُرِد بها إلاَّ

стр. 458

الخير]. فقال: (قد عرفْتُ أنّ رجلاً خاَلجَنيها) " (١). وفى حديث آخر: "كانوا يقرؤون خلف النّبيّ ﷺ [فيجهرون به]، فقال: (خلَطتُم عليَّ القرآن) " (٢). وقال: "إِنَّ المصلي يناجي ربّه، فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن" (٣). ١٠ - قراءته ﷺ بعد الفاتحة (٤) كان ﷺ يقرأ بعد الفاتحة سورة غيرها، وكان يطيلها أحياناً، ويقصرها أحياناً لعارض سفَر، أو سعال، أو مرض، أو بكاء صبيّ؛ كما قال أنس بن مالك ﵁: "جوَّز (٥) ﷺ ذات يوم في الفجر" (وفي حديث آخر: صلّى الصبح فقرأ بأقصر سورتين في القرآن)، فقيل: يا رسول الله! لِم جوَّزت؟ قال: "سمعْتُ بكاء صبي، فظننْتُ أنَّ أمّه معنا تصلّي، فأردت أن أُفرِغ له أمّه" (٦).

стр. 459

وكان يقول: "إِني لأدخلُ في الصلاة وأنا أريد إِطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فاتجوَّز في صلاتي ممّا أعلم من شدة وجْد أمّه (١) من بكائه" (٢). ويقول: "أعطوا كلّ سورة حظَّها من الركوع والسجود" (٣). وكان تارة يقسمها في ركعتين (٤). وكان أحياناً يجمع في الركعة الواحدة بين السورتين أو أكثر. قال شيخنا في "تلخيص صفة الصلاة" (ص ١٨): "ويسنّ أن يقرأ بعد الفاتحة سورة أخرى؛ حتى في صلاة الجنازة، أو بعض الآيات في الركعتين الأوليين". وقال (ص ١٩): "ويسنّ الزيادة عليها في الركعتين الأخيرتين أيضاً أحياناً". ما كان ﷺ يقرؤُه في الصلوات (٥) ١ - صلاة الفجر: وأمّا ما كان يقرؤه ﷺ في الفجر:

стр. 460

كان ﷺ يقرأ فيها بطوال (١) المفصّل (٢) (٣)، فـ "كان -أحياناً- يقرأ: ﴿الواقعة﴾ ونحوها من السور في الركعتين" (٤). وقرأ من سورة ﴿الطور﴾ وذلك في حَجّة الوداع (٥). و"كان -أحياناً- يقرأ: ﴿ق والقرآن المجيد﴾ ونحوها في [الركعة الأولى] " (٦). و"كان -أحياناً- يقرأ بقصار المفصَّل كـ ﴿إِذا الشمس كُوّرت﴾ (٧). و"قرأ مرَّة: ﴿إِذا زُلزلت﴾ في الركعتين كلتيهما؛ حتى قال الراوي: فلا
следующие страницы →