← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

صوته" (١). وعن أبي رافع قال: "إِنَّ أبا هريرة كان يؤذّن لمروان بن الحكَم، فاشترط أن لا يسبقه بـ (الضالّين) حتى يعلم أنَّه قد دخل الصف، فكان إِذا قال مروان: (ولا الضالّين) قال أبو هريرة: "آمين" يمدّ بها صوته، وقال: إِذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء؛ غُفر لهم" (٢). وقال عطاء: "أمّن ابن الزبير ومن وراءه حتى إِنَّ للمسجد للجّة" (٣). ويجب تأمين المأموم إِذا أمَّن الإِمام لقوله ﷺ : "إِذا أمَّن الإِمام فأمّنوا" (٤). وبه يقول الشوكاني كما في "نيل الأوطار" (٢/ ١٨٧). وبه يقول ابن حزم في "المحلّى" (٢/ ٢٦٢)، وانظر "تمام المنة" (ص ١٧٨). موافقة الإِمام فيه: فقد كان ﷺ يأمر المقتدين بالتأمين بُعيد تأمين الإِمام فيقول: "إذا قال الإِمام: ﴿غيرِ المغضوب عليهم ولا الضالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، [فإِنَّ الملائكة

стр. 457

تقول: آمين، وإنَّ الإِمام يقول: آمين] (وفي لفظ: إِذا أمَّن الإِمام فأمِّنوا)، فمن وافق تأمينُه تأمين الملائكة (وفي لفظ آخر: إِذا قال أحدكم في الصلاة: آمين، والملائكة في السماء: آمين، فوافق أحدُهما الآخر)؛ غُفر له ما تقدّم من ذنبه" (١). معنى آمين: آمين دعاء معناه: اللهمّ استجب، وهي من أسماء الأفعال، وهي مصدر أمَّن -بالتشديد- أي: قال: آمين وهي بالمدّ والتخفيف في جميع الروايات وعن جميع القُرّاء (٢). وجوب القراءة في السريّة: قال شيخنا في "صفة الصلاة" (ص ١٠٠): "وأمّا في السريّة؛ فقد أقرَّهم على القراءة فيها، فقال جابر: "كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأُخريين بفاتحة الكتاب" (٣). وإِنّما أنكَر التشويش عليه بها، وذلك حين "صلّى الظهر بأصحابه فقال: "أيّكم قَرَأ ﴿سبِّح اسم ربِّك الأعلى﴾؟ "، فقال رجل: أنا، [ولم أُرِد بها إلاَّ

стр. 458

الخير]. فقال: (قد عرفْتُ أنّ رجلاً خاَلجَنيها) " (١). وفى حديث آخر: "كانوا يقرؤون خلف النّبيّ ﷺ [فيجهرون به]، فقال: (خلَطتُم عليَّ القرآن) " (٢). وقال: "إِنَّ المصلي يناجي ربّه، فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن" (٣). ١٠ - قراءته ﷺ بعد الفاتحة (٤) كان ﷺ يقرأ بعد الفاتحة سورة غيرها، وكان يطيلها أحياناً، ويقصرها أحياناً لعارض سفَر، أو سعال، أو مرض، أو بكاء صبيّ؛ كما قال أنس بن مالك ﵁: "جوَّز (٥) ﷺ ذات يوم في الفجر" (وفي حديث آخر: صلّى الصبح فقرأ بأقصر سورتين في القرآن)، فقيل: يا رسول الله! لِم جوَّزت؟ قال: "سمعْتُ بكاء صبي، فظننْتُ أنَّ أمّه معنا تصلّي، فأردت أن أُفرِغ له أمّه" (٦).

стр. 459

وكان يقول: "إِني لأدخلُ في الصلاة وأنا أريد إِطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فاتجوَّز في صلاتي ممّا أعلم من شدة وجْد أمّه (١) من بكائه" (٢). ويقول: "أعطوا كلّ سورة حظَّها من الركوع والسجود" (٣). وكان تارة يقسمها في ركعتين (٤). وكان أحياناً يجمع في الركعة الواحدة بين السورتين أو أكثر. قال شيخنا في "تلخيص صفة الصلاة" (ص ١٨): "ويسنّ أن يقرأ بعد الفاتحة سورة أخرى؛ حتى في صلاة الجنازة، أو بعض الآيات في الركعتين الأوليين". وقال (ص ١٩): "ويسنّ الزيادة عليها في الركعتين الأخيرتين أيضاً أحياناً". ما كان ﷺ يقرؤُه في الصلوات (٥) ١ - صلاة الفجر: وأمّا ما كان يقرؤه ﷺ في الفجر:

стр. 460

كان ﷺ يقرأ فيها بطوال (١) المفصّل (٢) (٣)، فـ "كان -أحياناً- يقرأ: ﴿الواقعة﴾ ونحوها من السور في الركعتين" (٤). وقرأ من سورة ﴿الطور﴾ وذلك في حَجّة الوداع (٥). و"كان -أحياناً- يقرأ: ﴿ق والقرآن المجيد﴾ ونحوها في [الركعة الأولى] " (٦). و"كان -أحياناً- يقرأ بقصار المفصَّل كـ ﴿إِذا الشمس كُوّرت﴾ (٧). و"قرأ مرَّة: ﴿إِذا زُلزلت﴾ في الركعتين كلتيهما؛ حتى قال الراوي: فلا

стр. 461

أدري؛ أنسي رسول الله أم قرأ ذلك عمداً؟ " (١). و"قرأ -مرّة- في السفر ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ " (٢). وقال لعقبة بن عامر ﵁: "اقرأ في صلاتك المعوذتين، [فما تعوّذ متعوِّذ بمثلِهما] " (٣). وكان أحياناً يقرأ بأكثر من ذلك؛ فـ "كان يقرأ ستّين آية فأكثر" (٤). قال بعض رواته: لا أدري في إِحدى الركعتين أو في كلتيهما؟ و"كان يقرأ بسورة ﴿الروم﴾ (٥) وأحياناً- بسورة ﴿يس﴾ " (٦). و"كان -أحياناً- يؤمّهم فيها بـ ﴿الصافّات﴾ " (٧). و"كان يصلّيها يوم الجمعة بـ ﴿ألم تنزيل﴾ السجدة [في الركعة الأولى، وفي الثانية] بـ ﴿هل أتى على الإِنسان﴾ " (٨).

стр. 462

و"كان يطوّل في الركعة الأولى ويقصر في الثانية" (١). ٢ - صلاة الظهر: كان رسول الله ﷺ يقرأ في كل من الركعتين الأوليين قدْر ثلاثين آية؛ قدْر قراءة ﴿ألم تنزيل﴾ السجدة وفي الأُخرين قدْر النصف من ذلك. فعن أبي سعيد الخدري قال: "كنّا نحزر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدْر قراءة ألم تنزيل - السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدْر النصف من ذلك (٢) وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدْر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأُخريين من العصر على النصف من ذلك" (٣). وأحياناً "كان يقرأ بـ ﴿السماء والطارق﴾، و ﴿السماء ذات البروج﴾، و ﴿الليل إِذا يغشى﴾، ونحوها من السور" (٤). وربما "قرأ ﴿إذا السماء انشقت﴾، ونحوها" (٥).

стр. 463

وربما اقتصر فيهما على الفاتحة، انظر "صحيح البخاري" (٧٥٩) و"صحيح مسلم" (٤٥١). ٣ - صلاة العصر: وكان يقرأ في كلّ منهما قدْر خمسَ عشرةَ آية؛ قدْر نصف ما يقرأ في كلٍّ من الركعتين الأوليين في الظهر، وكان يجعل الركعتين الأخيرتين أقصر من الأوليين قدْر نصفهما كما تقدّم في حديث أبي سعيد ﵁. ٤ - صلاة المغرب: و"كان ﷺ يقرأ فيها -أحياناً- بقصار المفصَّل" (١). فعن مروان بن الحكم قال: "قال لي زيد بن ثابت: مالك تقرأ في المغرب بقصار، وقد سمعت النّبيّ ﷺ يقرأ بطولى الطوليين" (٢). و"قرأ في سفر بـ ﴿التين والزيتون﴾ في الركعة الثانية" (٣). وكان أحياناً يقرأ بطوال المفصّل وأوساطِه، فـ "كان تارةً يقرأ بـ ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله﴾ " (٤). وتارة بـ ﴿الطور﴾ " (٥).

стр. 464

وتارة بـ ﴿المرسلات﴾ قرأ بها في آخر صلاة صلاها ﷺ (١). و"كان أحياناً يقرأ بطولى الطوليين (٢): [﴿الأعراف﴾] [في الركعتين] " (٣). وتارة بـ ﴿الأنفال﴾ في الركعتين (٤). ٥ - صلاة العشاء: كان ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من وسط المفصّل (٥)، فـ "كان تارة يقرأ بـ ﴿الشمس وضحاها﴾ وأشباهِها من السور" (٦). و"تارة بـ ﴿إِذا السّماءُ انشقت﴾، وكان يسجد بها" (٧). و"قرأ -مرة- في سفر بـ ﴿التين والزيتون﴾ [في الركعة الأولى] " (٨).

стр. 465

جمْعه ﷺ بين النظائر (١) وغيرها في الركعة (٢) كان رسول الله ﷺ يقرن بين النظائر (٣) من المُفَصَّل، فكان يقرأ سورة: ﴿الرحمن﴾ و ﴿النجم﴾ في ركعة، و ﴿اقتربت﴾ و ﴿الحاقّة﴾ في ركعة، و ﴿الطور﴾ و ﴿الذريات﴾ في ركعة، و ﴿إِذا وقعت﴾ و ﴿ن﴾ في ركعة، و ﴿سأل سائل﴾ و ﴿النازعات﴾ في ركعة، و ﴿ويل للمطفّفين﴾ و ﴿عبس﴾ في ركعة، و ﴿المدثّر﴾ و ﴿المزمّل﴾ في ركعة، و ﴿هل أتى﴾ و ﴿لا أُقسِم بيوم القيامة﴾ في ركعة، و ﴿عمّ يتساءلون﴾ و ﴿المرسلات﴾ في ركعة و ﴿الدخان﴾ و ﴿إِذا الشمس كُوِّرت﴾ في ركعة" (٤). صفة قراءة النّبيّ ﷺ - كان ﷺ يقرأ القرآن آية آية كما تدّل عليه النصوص. جاء في "صفة الصلاة" (ص ٩٦): "ثمَّ يقرأ الفاتحة ويُقطّعها آية آية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، [ثمَّ يقف، ثمَّ يقول:] ﴿الحمد لله ربِّ العالمين﴾، [ثمَّ يقف، ثمَّ يقول:] ﴿الرحمن الرحيم﴾، [ثمَّ يقف: ثمَّ

стр. 466

يقول:] ﴿مالك يوم الدين﴾، وهكذا إِلى آخر السورة، وكذلك كانت قراءته كلُّها، يقف على رؤوس الآي ولا يَصِلُها بما بعدها" (١). وكان ﷺ يمدّ القراءة. فعن قتادة قال: "سألتُ أنسَ بن مالك عن قراءة النّبيّ ﷺ فقال: كان يمدُّ مدّاً" (٢). قال الحافظ في "الفتح" (٩/ ٩١): "المدّ عند القراءة على ضربين: أصلي وهو إِشباع الحرف الذي بعده ألف أو واو أو ياء، وغير أصلي وهو ما إِذا أعقب الحرف الذي هذه صفته همزة، وهو متصلّ ومنفصل، فالمتصل: ما كان من نفس الكلمة، والمنفصل: ما كان بكلمة أخرى، فالأوّل: يؤتى فيه بالألف والواو والياء، ممكنات من غير زيادة، والثاني: يزداد في تمكين الألف والواو والياء زيادة المدّ الذي يمكن النطق بها إلاَّ به من غير إِسراف، والمذهب الأعدل أنَّه يمد كل حرف منها ضعفي ما كان يمدّه أولا، وقد يُزاد على ذلك قليلاً، وما فرط فهو غير محمود". ترتيل القراءة وتحسين الصوت بها (٣) كان رسول الله ﷺ -كما أمَره الله تعالى- يُرتّل القرآن ترتيلاً، لا هذّاً (٤)

стр. 467

ولا عجلة؛ بل قراءة "مفسرة (١) حرفاً (٢) حرفاً" (٣). حتى "كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطولَ منها" (٤). وكان يقول: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتقِ ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإِنّ منزلك عند آخر آية تقرؤها" (٥). و"كان يمدّ قراءته (عند حروف المد)، فيمدّ ﴿بسم الله﴾، ويمدّ ﴿الرحمن﴾، ويمدّ ﴿الرحيم﴾ " (٦)، و ﴿نضيد﴾ (٧) وأمثالها.

стр. 468

وكان يقف عى رؤوس الآي (١) و"كان -أحياناً- يُرَجِّع (٢) صوته؛ كما فعل يوم فتح مكة وهو على ناقته يقرأ سورة ﴿الفتح﴾، وقد حكى عبد الله ابن المُغَفَّل ترجيعه هكذا (آآ آ) (٣) وكان يأمر بتحسين الصوت بالقرآن فيقول: "زيِّنوا القرآن بأصواتكم؛ [فِإن الصوت الحسَن يزيد القرآن حُسناً] " (٤). ويقول: "إِنّ من أحسن الناس صوتاً بالقرآن؛ الذي إِذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله" (٥).

стр. 469

وكان يأمر بالتغني بالقرآن فيقول: "تعلّموا كتاب الله، وتعاهدوه، واقتنوه، وتغنَّوا به (١)، فوالذي نفسي بيده؛ لهو أشد تفلّتاً (٢) من النوق والحوامل المخاض (٣) في العقل (٤) ". ويقول: "ليس منّا من لم يتغنَّ بالقرآن" (٥). وقال لأبي موسى الأشعري ﵁: لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيتَ مزماراً (٦) من مزاميرآل داود"، [فقال أبو موسى: لو علمتُ مكانك؛ لحبّرت لك (٧) تحبيراً (٨).

стр. 470

ماذا يقول إِذا قرأ: ﴿أليس ذلك بقادرٍ على أن يحيي الموتى﴾، و ﴿سبح اسم ربّك الأعلى﴾: يستحبّ له أن يقول في الأولى: سبحانك فبلى، وفي الثانية: "سبّحان ربّي الأعلى"، وذلك لما رواه ابن عباس: "أنّ النّبيّ ﷺ كان إِذا قرأ: ﴿سبّح اسم ربّك الأعلى﴾ قال: "سبحان ربي الأعلى" (١). ولما رواه موسى ابن أبي عائشة قال: "كان رجل يُصلّي فوق بيته وكان إِذا قرأ: ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ (٢) قال: سبحانك، فبلى، فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله ﷺ " (٣). مواضع الجهر والإِسرار بالقراءة (٤): والسُّنّة أن يجهر المصلّي في ركعتي الصبح والجمعة، والأوليين من المغرب والعشاء (٥)، والعيدين والكسوف والاستسقاء، ويُسِرّ في الظهر والعصر، وثالثة المغرب الأخريين من العشاء. وأمّا بقية النوافل، فالنهارية لا جهر فيها، والليلية يخير فيها بين الجهر والإِسرار، والأفضل التوسط، لحديث أبي قتادة ﵁: "أنَّ النّبيّ ﷺ خرج ليلة فإِذا هو بأبي بكر ﵁ يصلّي يخفض من صوته،

стр. 471

قال: ومرّ بعمر بن الخطاب وهو يصلّي رافعاً صوته، قال: فلما اجتمعا عند النّبيّ ﷺ قال النّبيّ ﷺ : يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلّي تخفض صوتك، قال: قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله. وقال لعمر: مررت بك وأنت تصلّي رافعاً صوتك، قال: فقال يا رسول الله! أوقظ الوسنان (١)، وأطرد الشيطان. زاد الحسن في حديثه: فقال النّبيّ ﷺ : "يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئاً، وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئاً" (٢). ١١ - تكبيرات الانتقال: عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إِذا قام إِلى الصلاة يُكبِّر حين يقوم، ثمَّ يُكبِّر حين يركع، ثمَّ يقول: سمع الله لمن حَمِده، حين يرفع صُلبه من الرَّكعة، ثمَّ يقول وهو قائم: ربّنا لك الحمد، ثمَّ يُكبّر حين يهوي، ثمَّ يكبّر حين يرفع رأسه، ثمَّ يُكبّر حين يسجد، ثمَّ يكبّر حين يرفع رأسه، ثمَّ يفعل ذلك في الصلاة كلِّها حتى يَقضِيَها، ويكبّر حين يقوم من الثّنتينِ بعد الجلوس" (٣). وقد قال ﷺ : "صلّوا كما رأيتموني أصلّي" (٤). وقد أمر بذلك المسيء صلاته فقال: "إِنَّه لا تتمُّ صلاةٌ لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثمَّ يكبّر ويحمد الله جلّ وعزّ

стр. 472

ويُثني عليه، ويقرأ بما تيسّر من القرآن ثمَّ يقول: الله أكبر، ثمَّ يركع حتى تطمئنّ مفاصلُه، ثمَّ يقول: سمع الله لمن حمده، حتى يستويَ قائماً، ثمَّ يقول: الله أكبر، ثمَّ يسجد حتى تطمئن مَفاصِلُه، ثمَّ يقول الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً، ثمَّ يقول: الله أكبر، ثمَّ يسجد حتى تطمئنّ مفاصله، ثمَّ يرفع رأسه فيكبرّ، فإِذا فعل ذلك فقد تمّت صلاته" (١). وبوجوب تكبيرات الانتقال يقول شيخنا -حفظه الله تعالى- ونقل ما قرّره الإِمام الشوكاني في "نيل الأوطار" (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٤) ثمَّ في "السيل الجرار" أنّ الأصل في جميع الأمور الواردة في حديث المسيء صلاته الوجوب. وقال: وقد ذهب إِلى الوجوب الإِمام أحمد كما حكاه النووي في "المجموع" (٣/ ٣٩٧) عنه. ١٢ - الركوع وهو ركن والطمأنينة فيه -وهما ركنان -: لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم وافعلوا الخير لعلّكم تفلحون﴾ (٢). قال الألوسي في "روح المعاني": "أي: صلّوا، وعبَّر عن الصلاة بهما؛ لأنّهما أعظم أركانها وأفضلها". ولقوله ﷺ في حديث "المسيء صلاته": "إِنّها لا تتمُّ صلاة أحدكم حتى يُسبغ الوضوء كما أمَره الله ... ثمَّ يكبر الله ويحمده ويمجّده، ويقرأ ما

стр. 473

تيسر من القرآن مما علّمه الله وأَذِن له فيه، ثمَّ يكبر ويركع، [ويضع يديه على ركبتيه] حتى تطمئن مفاصله وتسترخي .. " (١). وذكر بعض الفقهاء أنَّ أدنى الطمأنينة قدر تسبيحة. وأمَر به ﵊ المسيء صلاته فقال: "ثمَّ اركع حتى تطمئنّ راكعاً" (٢). وكان يقول: "أتمّوا الركوع والسجود؛ فوالذي نفسي بيده، إِنّي لأراكم من بعد (٣) ظهري إِذا ما ركعتم، وإِذا ما سجدتم" (٤). و"رأى رجلاً لا يتِمّ ركوعه، وينقُر في سجوده وهو يصلّي، فقال: [لو مات هذا على حاله هذه؛ مات على غير مِلَّة محمّد؛ [ينقر صلاته كما ينقُر الغرابُ الدم]، مَثَل الذي لا يُتمّ ركوعه، وينقُر في سجوده، مَثَل الجائع الذي يأكل التمرة والتمرتين لا يُغنيان عنه شيئاً] " (٥). وكان يقول: "أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته". قالوا: يا رسول الله! وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يُتمّ ركوعها وسجودها" (٦).

стр. 474

صفة الركوع: يتحقق الركوع بالانحناء؛ بحيث تصل اليدان إلى الركبتين، ولا بدّ من الطمأنينة فيه (١) لحديث المسيء صلاته المتقدّم: "ثمَّ اركع حتى تطمئن راكعاً". قال شيخنا في "تمام المنّة" (ص ١٨٩): " ... يجب أن يُعلم أنَّ الاطمئنان الواجب لا يحصل إلاَّ بتحقيق ما يأتي: ١ - وضْع اليدين على الركبتين. ٢ - تفريج أصابع الكفّين. ٣ - مدّ الظهر. ٤ - التمكين للركوع والمكث فيه؛ حتى يأخذ كلّ عضو مأخذه. وهذا كلّه ثابت في روايات عديدة لحديث المسيء صلاته ... ". أذكار الركوع (٢) كان رسول الله ﷺ يقول في هذا الركن أنواعاً من الأذكار والأدعية، تارة بهذا، وتارة بهذا: ١ - "سبحان ربي العظيم (ثلاث مرات) " (٣).

стр. 475

وكان -أحياناً- يكررها أكثر من ذلك (١). وبالَغ مرة في تكرارها في صلاة الليل؛ حتى كان ركوعه قريباً من قيامه، وكان يقرأ فيه ثلاثَ سور من الطوال: ﴿البقرةَ﴾ و ﴿النساءَ﴾ و ﴿آل عمران﴾، يتخللها دعاء واستغفار. ٢ - "سبحان ربّي العظيم وبحمده (ثلاثاً) " (٢). ٣ - "سُبّوح قدّوس (٣) رب الملائكة والروح" (٤). ٤ - "سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، اللهم اغفِر لي. وكان يُكثر منه في ركوعه وسجوده؛ يتأوّل القرآن" (٥). ٥ - "اللهم لك ركعْت، وبك آمنْت، ولك أسلمْت، [أنت ربّي]، خشع

стр. 476

لك سمعي وبصري، ومخّي وعظمي (وفي رواية: وعظامي) وعصبي، [وما استقلّت (١) به قدمي لله ربّ العالمين] " (٢). ٦ - "اللهمّ لك ركعْت، وبك آمنْت، ولك أسلمْت، وعليك توكلّت، أنت ربي، خشَع سمعي وبصري ودمي ولحمي وعظمي وعصبي لله ربّ العالمين" (٣). ٧ - "سبحان ذي الجبروت والملكوت (٤) والكبرياء والعَظمة"، وهذا قاله في صلاة الليل (٥). النهي عن قراءة القرآن في الرّكوع نهى النّبيّ ﷺ عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، فعن ابن عباس ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: " ... ألا وإنِّي نُهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأمّا الركوع فعظّموا فيه الربّ ، وأمّا السجود

стр. 477

فاجتهدوا في الدعاء فقمِنٌ (١) أن يُستجاب لكم" (٢). ١٣ - الاعتدال من الركوع وهو ركن، والطمأنينه فيه (٣) -وهما رُكنان-: لأمر النّبيّ ﷺ المسيء صلاته بقوله: "لا تتم صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى ... ثمَّ يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائماً" (٤). وفي لفظ: "ثمَّ ارفع حتى تعتدل قائماً" (٥). وفي حديث أبي حميد الساعدي: "فإِذا رفَع رأسه استوى قائماً حتى يعود كلّ فقار مكانه" (٦). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينظر الله إِلى صلاة عبدٍ لا يُقيم صلبه بين ركوعها وسجودها" (٧).

стр. 478

وفي رواية: "كان يصلّي؛ فلمَح بمؤخّر عينيه إِلى رجل لا يقيم صُلبه في الركوع والسجود، فلما انصرف قال: (يا معشر المسلمين! إنَّه لا صلاة لمن لا يقيم صُلبه في الركوع والسجود) " (١). ثمَّ "كان يقول وهو قائم: ربّنا ولك الحمد" (٢). وأمَر بذلك كل مُصَلٍّ مُؤْتَمّاً أو غيره فقال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلّي" (٣). وكان يقول: "إِنّما جُعل الإِمام ليؤتمّ به ... وإذا قال: سمع (٤) الله لمن حَمِده؛ فقولوا: اللهمّ ربّنا ولك الحمد" (٥). وعلّل الأمر بذلك في حديث آخر بقوله: "فإِنَّه من وافق قولُه قولَ الملائكة؛ غُفرَ له ما تقدّم من ذنبه" (٦). وكان يرفع يديه عند هذا الاعتدال (٧) على الوجوه المتقدمة في تكبيرة

стр. 479

الإِحرام، ويقول وهو قائم: ١ - "ربّنا ولك الحمد" (١) وتارة يضيف "اللهمّ" (٢). وتارة يزيد: ٢ - "ملءَ السماوات، و [ملء] الأرض، وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد" (٣). وتارة تكون الإِضافة: ٣ - "ملءَ السماوات، وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيء بعد، أهلَ (٤) الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكُلّنا لك عبد، [اللهمّ] لا مانع لما أعطيت، [ولا مُعطي لما منعت]، ولا ينفعُ ذا الجَد منك الجَدُّ" (٥). وتارة يقول في صلاة الليل: ٤ - "لربّي الحمد، لربّي الحمد"، يكرّر ذلك؛ حتى كان قيامه نحواً من ركوعه الذي كان قريباً من قيامه الأوّل، وكان قرأ فيه سورة البقرة" (٦).

стр. 480

٥ - "ربّنا ولك الحمد، حمداً كثيراً طيِّباً مبارَكاً فيه، [مباركاً عليه؛ كما يحبّ ربنا ويرضى] ". قاله رجل كان يصلّي وراءه ﷺ بعدما رفع ﷺ رأسه من الركعة وقال: "سمع الله لمن حمده"، فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: "من المتكلّم آنفاً؟ " فقال: أنا يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : "لقد رأيت بضعة وثلاثين مَلَكاً يبتدرونها (١) أيهم يكتبها أولاً" (٢). التسميع على كلّ مصلٍّ سواءٌ أكان إِماماً أو مأموماً أو منفرداً: عن أنس بن مالك قال: "سقط النّبيّ ﷺ عن فرس فَجُحِش (٣) شقُّه الأيمن، فدخَلنا عليه نَعُودُه، فحضرت الصلاة، فصلّى بنا قاعداً، فصلّينا وراءه قعوداً، فلمّا قضى الصلاة قال: إِنّما جُعل الإِمام ليؤتمّ به، فإِذا كبّر فكبِّروا، وإِذا سجد فاسجدوا، وإِذا رفع فارفعوا، وإِذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربّنا ولك الحمد، وإِذا صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً أجمعُون" (٤). قال شيخنا -حفظه الله- في "صفة الصلاة" (ص ١٣٥): "تنبيه: هذا الحديث لا يدل على أنَّ المؤتمّ لا يشارك الإِمام في قوله: "سمع الله لمن حمده"، كما لا يدلّ على أنَّ الإِمام لا يشارك المؤتمّ في قوله: "ربّنا ولك الحمد"؛ إِذ أنَّ الحديث لم يُسَق لبيان ما يقوله الإِمام والمؤتمّ في هذا

стр. 481

الركن؛ بل لبيان أن تحميدَ المؤتم إِنّما يكون بعد تسميع الإِمام، ويؤيد هذا أنَّ النّبيّ ﷺ كان يقول التحميدَ وهو إِمام، وكذلك عموم قوله ﵊: "صلّوا كما رأيتموني أصلّي"، يقتضي أن يقول المؤتمّ ما يقوله الإِمام كالتسميع وغيره. ومن شاء زيادة الاطلاع؛ فليراجع رسالة الحافظ السيوطي في هذه المسألة: "دفع التشنيع في حكم التسميع" ضِمن كتابه "الحاوي للفتاوى" (١/ ٥٢٩) انتهى كلام شيخنا -حفظه الله تعالى-. وبتسميع المأموم يقول الإِمام النووي (١) كما في "شرح مسلم" (٤/ ١٩٣): " ... وأنّه يُستحبّ لكلّ مصلٍّ من إِمام ومأموم ومنفرد؛ أن يقول: "سمع الله لمن حمِده؛ ربنا لك الحمد، ويجمع بينهما فيكون قوله: يسمع الله لمن حمده في حال ارتفاعه، وقوله: ربّنا ولك الحمد في حال اعتداله لقوله ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي". [وقد تقدّم]. وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ النّبيّ ﷺ كان يقول: "سمع الله لمن حمِده؛ حين يرفع صلبه من الركعة، ثمَّ يقول وهو قائم: ربّنا ولك الحمد" (٢). قال شيخنا في "تمام المنّة" (ص١٩٠): بعد أن ذكر الحديث السابق، وأشار إِلى تخريجه في "الإِرواء" بزيادات كثيرة: "من الواضح أنَّ في هذا الحديث ذِكْرين اثنين: أحدهما: قوله: "سمع الله لمن حمده" في اعتداله من الركوع.

стр. 482

والآخر: قوله: "ربنّا ولك الحمد" إِذا استوى قائماً. فإِذا لم يقل المقتدي ذِكر الاعتدال، فسيقول مكانه ذِكر الاستواء، وهذا أمر مشاهَد من جماهير المصلين، فإِنّهم ما يكادون يسمعون منه: "سمع الله لمن حمده"؛ إلاَّ وسبقوه بقولهم: "ربّنا ولك الحمد"، وفي هذا مخالفة صريحة للحديث، فإِنْ حاول أحدهم تجنُّبها وقع في مخالفة أخرى، وهي إِخلاء الاعتدال من الذكر المشروع فيه بغير حُجّة. قال النووي ﵀ (٣/ ٤٢٠): "ولأنَّ الصلاة مبنية على أن لا يفتر عن الذِّكر في شيء منها، فإِنْ لم يقل بالذِّكرين في الرفع والاعتدال؛ بقي أحد الحالين خالياً عن الذكر". بل إِنني أقول [الكلام لشيخنا -حفظه الله-]: إِن التسميع في الاعتدال واجب على كل مصلّ؛ لثبوت ذلك في حديث "المسيء صلاته" فقد قال ﷺ فيه: "إِنها لا تتمّ صلاة أحدكم حتى يُسبغ الوضوء كما أمَره الله ... ثمَّ يكبّر ... ويركع حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثمَّ يقول: سمع الله لمن حمده، ثمَّ يستوي قائماً حتى يقيم صلبه ... " الحديث (١). فهل يجوز لأحد بعد هذا أن يقول بأن التسميع لا يجب على كلّ مصلٍّ؟! ". اهـ وانظر للمزيد من الفائدة "فتح الباري" تحت الحديث (٧٩٦). هذا وقد ثبت أنّ رسول الله ﷺ كان يقول حين الاعتدال من الركوع:

стр. 483

سمع الله لمن حمده ربّنا ولك الحمد، وانظر "صحيح البخاري" (٧٣٥). كيف يهوي إِلى السجود كيفية الهوي إِلى السجود من المسائل الخلافية عند العلماء، فمِن قائل بوضْع الركبتين قبل اليدين، ومِن قائل بوضع اليدين قبل الركبتين. واستدلّ أهل العلم على الأوّل بحديث شريك عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله ﷺ إِذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه. وقد بيَّن شيخنا في "تمام المِنّة" (ص ١٩٤) وجْه تضعيف الحديث من الناحية الحديثية والفقهية: أمّا الحديثية: فإِنَّ شريكاً وهو -ابن عبد الله القاضي- ضعيف سيء الحفظ فلا يُحتجّ به إِذا انفرد، فكيف إِذا خالف؟ وذكَر قول الحافظ في "بلوغ المرام": "إِنَّ حديث أبي هريرة [الذي ينص على وضْع اليدين قبل الركبتين] أقوى من حديث وائل وقال: وذَكر نحوه عبد الحقّ الإِشبيلي". ويرى ابن القيّم ﵀ أنَّ الحديث انقلب على الراوي وأنَّ أصله "وليضع ركبتيه قبل يديه". قال شيخنا في "تمام المنة" (ص١٩٤ - ١٩٥): "وإنّما حمَله على هذا، زعْم آخر له، وهو قوله: "إِنَّ البعير يضع يديه قبل ركبتيه"، قال: "فمقتضى النهي عن البروك كبروك البعير؛ أن يضع المصلّي ركبتيه قبل

стр. 484

يديه! ". وسبب هذا كله أنَّه خفي عليه ما ذكَره علماء اللغة كالفيروزآبادي وغيره: "أنّ ركبتي البعير في يديه الأماميّتين". ولذلك قال الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٥٠): "إِنّ البعير ركبتاه في يديه، وكذلك في سائر البهائم، وبنو آدم ليسو كذلك، فقال: لا يبرك على ركبتيه اللتين في رجليه كما يبرك البعير على ركبتيه اللتين في يديه، ولكن يبدأ فيضع أولاً يديه اللتين ليس فيهما ركبتاه، ثمَّ يضع ركبتيه، فيكون ما يفعل في ذلك بخلاف ما يفعل البعير" (١). واستدلَّ أهل العلم على القول الثاني بما ثبت عن النّبيّ ﷺ أنَّه "كان يضع يديه على الأرض قبل ركبتيه" (٢). واستدلوا أيضاً بأمر النّبيّ ﷺ بذلك وقوله: "إِذا سجَد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه" (٣). وهذا قول أصحاب الحديث. وجاء في "صحيح البخاري" "كتاب الأذان" (باب يهوي بالتكبير حين

стр. 485

يسجد) وقال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه (١) ولشيخنا -عافاه الله وشفاه- كلام مفيد في "الضعيفة" تحت الحديث (٩٢٩) فارجع إِليه -إِن شئت-. ١٤ - السجود وهو ركن والطمأنينة فيه -وهما رُكنان -: لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم وافعلوا الخير لعلّكم تُفلحون﴾ (٢). وأمَر ﵊ بذلك المسيء صلاته فقال له: "لا تتمّ صلاةٌ لأحد من الناس حتى ... ثمَّ يسجد حتى تطمئنّ مفاصله" (٣). وفي رواية: "إِذا أنت سجدت فأمكنْتَ وجهك ويديك حتى يطمئنّ كل عظم منك إِلى موضعه" (٤). "وكان ﷺ يأمُر بإِتمام الركوع والسجود، ويضرب لمن لا يفعل ذلك مثَل الجائع؛ يأكل التمرة والتمرتين لا تُغنيان عنه شيئاً، وكان يقول فيه: "إِنَّه من أسوأ الناس سرقة". وكان يحكم ببطلان صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود؛ كما سبق تفصيله في "الركوع"، وأمَر "المسيء صلاته" بالاطمئنان في

стр. 486

السجود" (١). السجود على سبعة أعضاء: وهي الجبهة والكفّان والركبتان والقدمان مع مراعاة تمكين الأنف. عن ابن عبّاس أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أُمرتُ أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة (٢) (وأشار بيده على أنفه) واليدين، والرّجلين، وأطراف القدمين" (٣). وعن العباس بن عبد المطلب أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا سجد العبد سَجد معه سبعة أطراف. وجهُه وكفّاه وركبتاه وقدماه" (٤). وفي لفظ: "سجد معه سبعة آراب (٥) " (٦). وفي الحديث: "لا صلاة لمن لا يصيبُ أنفه من الأرض ما يصيب الجبين" (٧).

стр. 487

وفي حديث أبي حُميد: "كان إِذا سجد أمكن جبهته وأنفه من الأرض" (١). وقال بعض أهل العلم فيمن سجد على جبهته دون أنفه: "يجزئه، وقال غيرهم: لا يجزئه حتى يسجد على الجبين والأنف". قال شيخنا: "وهذا هو الحقّ؛ لقوله ﷺ : "لا صلاة لمن لا يمسّ أنفه الأرض ما يمسّ الجبين"، وهو حديث صحيح على شرط البخاري كما قال الحاكم والذهبي ... " (٢). صفة السجود (٣) و"كان [ ﷺ ] يعتمد على كفيه [ويبسُطُها] " (٤)، ويضم أصابعَهُما (٥)، ويوجهها قِبَل القبلة (٦). و"كان يجعلهما حذو مَنكِبيه" (٧). وأحياناً "حذو أذنيه" (٨).

стр. 488

و"كان يُمكّن أنفه وجبهته من الأرض" (١). وقال للمسيء صلاتَه: "إِذا سجدت؛ فمكّن لسجودك" (٢). وفي رواية: "إِذا أنت سجدتَ؛ فأمكنْتَ وجهَك ويديك؛ حتى يطمئن كلّ عظم منك إِلى موضعه" (٣). و"كان يمكِّن أيضاً ركبتيه وأطراف قدميه" (٤). و"يستقبل [بصدور قدميه و] بأطراف أصابعهما القبلة" (٥)، و "يرصّ عقبيه" (٦). و"ينصب رجليه" (٧)، وكان يفتخ أصابعهما (٨).

стр. 489

و"كان لا يفترش ذراعيه" (١)؛ بل "كان يرفعهما عن الأرض، ويباعدهما عن جنبيه حتى يبدو بياض إِبطيه من ورائه" (٢)، و"حتى لو أن بَهمة (٣) أرادت أن تمرّ تحت يديه؛ مرَّت" (٤). وكان يبالغ في ذلك حتى قال بعض أصحابه: "إِنْ كنا لنأوي (٥) لرسول الله ﷺ ؛ مما يجافي بيديه عن جنبيه إِذا سجد" (٦). وكان يقول: "اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط (وفي لفظ: كما يبسط) الكلب" (٧). مقدار السجود كان ﷺ يقول في السجود أنواعاً من الأذكار والأدعية، وأدنى ما يجزئ في السجود والركوع؛ مقدار تسبيحة واحدة، وللمصلّي منفرداً الزياده في التسبيح ما أراد، وكلّما زاد كان أولى، والأحاديث الصحيحة في تطويله ﷺ

стр. 490

ناطقة بهذا، وكذا الإِمام إذا كان المؤتمُّون لا يتأذّون بالتطويل. قاله الشوكاني وذكَره السيد سابق في "فقه السنّة". أذكار السجود (١) كان رسول الله ﷺ يقول في هذا الركن أنواعاً من الأذكار والأدعية، تارة هذا، وتارة هذا: ١ - "سبحان ربي الأعلى (ثلاث مرات) " (٢). و"كان -أحياناً- يكررها أكثر من ذلك" (٣). وبالغ في تكرارها مرة في صلاة الليل حتى كان سجوده قريباً من قيامه، وكان قرأ فيه ثلاث سور من الطوال: ﴿البقرة﴾ و ﴿النساء﴾ و ﴿آل عمران﴾، يتخللُها دعاءٌ واستغفار (٤). ٢ - "سبحان ربي الأعلى وبحمده" (٥). ٣ - "سبوح قدّوس رب الملائكة والروح" (٦).

стр. 491

٤ - "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي"، وكان يكثر منه في ركوعه وسجوده؛ يتأول القرآن (١). ٥ - "اللهم لك سجْدتُ، وبك آمنت، ولك أسلمت، [وأنت ربي]، سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، [فأحسن صوره]، وشق سمعه وبصره، [فـ] تبارك الله أحسن الخالقين" (٢). ٦ - "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجلّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسرَّه" (٣). ٧ - "سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، أبوء بنعمتك عليَّ، هذي يدي وما جنيْت على نفسي" (٤). ٨ - "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة (٥) " (٦)، وهذا وما بعده كان يقوله في صلاة الليل.

стр. 492

٩ - "سبحانك [اللهم] وبحمدك، لا إِله إلاَّ أنت" (١). ١٠ - "اللهم اغفر لي ما أسررت، وما أعلنت" (٢). ١١ - "اللهم اجعل في قلبي نوراً، [وفي لساني نوراً]، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل من تحتي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، وعن يميني نوراً وعن يسارى نوراً، واجعل أمامي نوراً، واجعل خلفي نوراً، [واجعل في نفسي نوراً]، واعظم لي نوراً" (٣). ١٢ - "اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (٤). النهي عن قراءة القرآن في السجود عن ابن عباس ﵄ عن النّبيّ قال: "ألا وإنّي نهيتُ أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً" (٥). فضل السجود والحثّ عليه عن معدان بن أبي طلحة اليَعمَري قال: "لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ

стр. 493

فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلُني الله به الجنّة أو قال قلت: بأحبّ الأعمال إِلى الله فسكت. ثمَّ سألتُه فسكَت. ثمَّ سألتُه الثالثة فقال: سألتُ عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "عليك بكثرة السجود لله، فإِنّك لا تسجد لله سجدة إلاَّ رفَعك الله بها درجة وحطَّ عنك بها خطيئة"، قال معدان: ثمَّ لقيت أبا الدرداء فسألتُه فقال لي مِثل ما قال لي ثوبان" (١). عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: "كنتُ أبِيتُ مع رسول الله ﷺ فأتيته بوَضوئه وحاجته فقال لي: "سَلْ" فقلت: أسألك مرافقتك في الجنّة. قال: "أوْ غيرَ ذلك؟ " قلت: هو ذاك. قال: "فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود" (٢). وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء" (٣). وفي الحديث: "ما من أمّتي من أحد إلاَّ وأنا أعرفه يوم القيامة"، قالوا: وكيف تعرفهم يا رسول الله في كثرة الخلائق؛ قال: "أرأيتَ لو دخلتَ صِيرةً (٤) فيها خيل دُهم (٥) بُهم (٦)، وفيها فرسٌ أغرُّ محجَّلٌ (٧)؛ أما كنت تعرفه

стр. 494

منها؟ ". قال: بلى. قال: "فإِنَّ أمّتي يومئذٍ غُرّ (١) من السجود، محجَّلون من الوضوء" (٢). ١٥ - الرفع من السجود وهو ركن والطمأنينة فيه (٣) -وهما رُكنان-: فقد أمَر ﷺ بذلك المسيء صلاته فقال: "لا تتمّ صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى ... يسجد، حتى تطمئنّ مفاصله، ثمَّ يقول: "الله أكبر" ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً" (٤). و"كان ﷺ يطمئنّ حتى يرجع كلّ عظم إِلى موضعه" (٥). "كان يرفع يديه مع هذا التكبير" أحياناً (٦).

стр. 495

ثمَّ "يفرش رجله اليسرى فيقعد عليها مطمئناً" (١)، وأمر بذلك "المسيء صلاته" فقال له: "إِذا سجدت فمكِّن لسجودك، فإِذا رفعْت فاقعد على فَخِذِك اليسرى" (٢)، و"كان ينصب (٣) رجله اليمنى" (٤)، و"يستقبل بأصابعها القبلة" (٥). و"كان يطيلها (٦) حتى تكون قريباً من سَجْدته" (٧)، وأحياناً "يمكث حتى يقول القائل: قد نسي" (٨). الأذكار بين السجدتين (٩) كان رسول الله ﷺ يقول في هذه الجلسة:
следующие страницы →