بالسكوت ونُهينا عن الكلام" (١).
فمِن أين لكم أنّ أنَسَاً إِنّما أراد هذا الدعاء المعيَّن دون سائر أقسام القنوت؟ ".
وقال (ص٢٨٣): ولمّا صار القنوت في لسان الفقهاء وأكثرِ الناس، هو هذا الدعاء المعروف: "اللهمّ اهدني فيمن هديت ... " إِلخ، وسمعوا أنّه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارَق الدنيا وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة؛ حمَلوا القنوت في لفظ الصحابة على القنوت في اصطلاحهم.
ونشأ من لا يعرف غير ذلك، فلم يشكّ أنَّ رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا مداومين عليه كلّ غداة! وهذا هو الذي نازعهم فيه جمهور العلماء وقالوا لم يكن هذا من فِعله الراتب، بل ولا يثبت عنه أنّه فعَله. انتهى.
وبعد هذا نسأل: لماذا خصّصوا الفجر بالقنوت؟
فإِنْ قالوا قد صحّ في ذلك نصوص:
قلنا: صحّ فيه -كما تقدّم- من غير تخصيص، ولكن في جميع الصلوات في النوازل.
فعن أنس ﵁ قال: "كان القنوت في المغرب والفجر" (٢). فلماذا لا تخصّصونه في المغرب!
وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ بينما يصلّي العشاء إِذ
стр. 562
قال: "سمع الله لمن حمده" ثمَّ قال: قبل أن يسجد: اللهمّ نجّ عيّاش بن أبي ربيعة ... " (١).
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنّه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: "والله لأُقَرِّبنّ بكم صلاة رسول الله ﷺ فكان أبو هريرة يقنت في الظهر والعشاء الآخره وصلاة الصبح، ويدعو للمؤمنين ويلعن الكافرين" (٢).
وجاءت بعض النصوص من غير تسمية صلاة كما في حديث أنس قال: "قنت النّبيّ ﷺ شهراً يدعو على رِعل وذَكوان" (٣).
لذلك أقول: لا أعلم نصّاً ورَد بتسمية صلاة العصر في القنوت، ولكنه يدخل في العموم كما لا يخفى، وقد وردَ تسمية الفجر، فلا يعني التخصيص. وبالله التوفيق.
стр. 563
قيام الليل
ما وردَ في الترغيب فيه:
قيام الليل سُنّة مستحبّة، وقد ورد في الترغيب فيه العديد من النصوص من ذلك:
١ - قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (١).
٢ - وقوله سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ (٢).
٣ - وقوله سبحانه في وصْف المؤمنين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣).
٤ - وحديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: يعقِد الشيطان على قافية رأس أحدكم إِذا هو نام ثلاث عُقد، يضرب على كلّ
стр. 564
عُقدة؛ عليك ليلٌ طويل فارقد! فإِنِ استيقظ فذكَر الله تعالى انحلَّت عُقدة، فإِنْ توضّأ انحلّت عقدة، فإِنْ صلّى انحلّت عُقَدُه كلّها، فأصبح نشيطاً طيِّب النفس، وإِلاَّ صبح خبيث النفس كسلان" (١).
٥ - وحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: "في الجنّة غرفةٌ يُرى ظاهرها من باطِنها، وباطِنُها من ظاهرها، فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله ﷺ ؟ قال: لمن أطاب الكلام، وأطعَم الطعام، وبات قائماً والناس نيام" (٢).
٦ - وحديث جابر ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "إِنَّ في الليل لساعة؛ لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة؛ إلاَّ أعطاه إِيّاه، وذلك كلَّ ليلة" (٣).
٧ - وحديث أبي الدرداء عن النّبيّ ﷺ قال: "ثلاثةٌ يحبّهم الله، ويضحك إِليهم، ويستبشر بهم: الذي إِذا انكشفت فئةٌ قاتل وراءها بنفسه لله ، فإِمّا أن يُقتل، وإمّا أنْ ينصره الله ويكفيه، فيقول: انظروا إِلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه؟
والذي له امرأة حسنة وفراش ليِّن حسن، فيقوم من الليل، فيقول: يَذَرُ شهوته ويذكُرني، ولو شاء رقد.
стр. 565
والذي إِذا كان في سفر، وكان معه ركْب، فسهروا، ثمَّ هجعوا، فقام من السَّحر في ضرّاء وسرّاء" (١).
أجْر من نوى قيام الليل وغَلَبته عينُه حتى أصبح
عن أبي الدرداء أنّ النّبيّ ﷺ قال: "من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلّي من الليل؛ فغلبته عينُه حتى أصبح؛ كُتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربّه" (٢).
الوصاة بإِيقاظ الأهل لقيام الليل
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "رحم الله رجلاً قام من الليل فصلّى وأيقظ امرأته، فإِنْ أَبَت نضَح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلّت وأيقظت زوجها، فإِنْ أبى نضحت في وجهه الماء" (٣).
٢ - وعن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أيقظ الرجل أهله من الليل، فصلّيا أو صلّيا ركعتين جميعاً؛ كُتبا
стр. 566
في الذاكرين والذاكرات" (١).
٣ - وعن أمّ سلمة زوج النّبيّ ﷺ قالت: "استيقظ رسول الله ﷺ ليلة فَزِعاً يقول: سبحانه! ماذا أنزَلَ الله من الخزائن؟ وماذا أُنزِل من الفِتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات -يريد أزواجه- لكي يصلّين؟ رُبّ كاسية في الدنيا عاريةٍ في الآخرة" (٢).
الرقود وترْك الصلاة إِذا غلبه النعاس
أن يترك الصلاة ويرقد إِذا غلبه النعاس حتى يذهب عنه النوم لحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إِذا قام أحدكم من الليل، فاستعجم (٣) القرآن على لسانه، فلم يدرِ ما يقول؛ فليضطجع" (٤).
عن أنس ﵁ قال: "دخَل رسول الله ﷺ المسجد وحبلٌ ممدود بين ساريتين فقال: "ما هذا؟ " قالوا: لزينب تُصلّى، فإِذا كسِلَت أو فترَت أمسكت به، فقال: "حُلُّوه ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإِذا كَسِل أو فتر قعد" وفي حديث زهير "فليقعد" (٥).
стр. 567
عدم المشقة على النفس في القيام والمواظبة عليه
فعن عائشة ﵂ قالت: "دخَل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي امرأة فقال: من هذه؟ فقلت: امرأة لا تنام، تصلّي، قال: عليكم من العمل ما تطيقون، فوالله لا يملّ الله حتى تملّوا" وكان أحبَّ الدِّين إِليه ما داومَ عليه صاحبه" (١).
وفي رواية عنها ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ سُئل: "أيُّ العمل أحبُّ إِلى الله؟ قال: أدومُه وإنْ قلّ" (٢).
وعن علقمة قال: "قلت لعائشة ﵂: هل كان رسول الله ﷺ يختصّ من الأيام شيئاً؟ قالت: لا، كان عمله ديمة (٣)، وأيكم يُطيق ما كان رسول الله ﷺ يُطيق؟ " (٤).
وعن عائشة: "كان آل محمّد ﷺ إِذا عملوا عملاً أثبتوه" (٥).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الله! لا تكن مِثل فلان؛ كان يقوم من الليل فترك قيام
стр. 568
الليل" (١).
وعن حفصة عن النّبيّ ﷺ قال: "نِعم الرجل عبد الله لو كان يصلّي من الليل، قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلاَّ قليلاً" (٢).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "ذُكر عند النّبيّ ﷺ رجل فقيل: ما زال نائماً حتى أصبح؛ ما قام إِلى الصلاة، فقال: بال الشيطان في أُذنه" (٣).
وقته:
يبدأ قيام الليل من بعد صلاة العشاء ويستمرّ حتى الفجر.
عن أنس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يُفطر من الشهر حتى نظنُّ ألاّ يصوم منه، ويصوم حتى نظنّ أن لا يُفطر منه شيئاً، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مُصلّياً (٤) إلاَّ رأيته ولا نائماً إلاَّ رأيته" (٥).
وعن الأسود قال: سألتُ عائشة ﵂: "كيف صلاة النّبيّ ﷺ بالليل؟ قالت: كان ينام أوّله، ويقوم آخره، فيصلّي ثمَّ يرجع إِلى فراشه، فإِذا أذّن المؤذّن وثب، فإِن كانت به حاجة اغتسل وإلاَّ توضّأ " (٦).
стр. 569
أفضل أوقاته
يفضل تأخير صلاة الليل إلى ثلث الليل أو نصفه، ومن الأدلة على ذلك:
١ - حديت أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربُّنا (١) ﵎ كلّ ليلة إلى السماء الدنيا؛ حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعونْي فأستجيبَ له، من يسألني فأعطيَه، من يستغفرني فأغفرَ له" (٢).
٢ - وعنه ﵁ أيضاً عن النّبي ﷺ قال: "لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرْتهم بالسواك مع الوضوء، ولأخّرت العشاء إِلى ثلث الليل أو نصف الليل، فإِذا مضى ثلث الليل أو نصف الليل؛ نزل إلى السماء الدنيا جلّ وعزّ فقال: فذكر الجمل الثلاث وزاد (٣) هل من تائب فأتوب عليه (٤).
٣ - عن عبد الله بن عمرو قال: "قال لي رسول الله ﷺ : أحَبُّ الصيام إِلى الله صيام داود، كان يصوم يوماً ويُفطر يوماً، وأحبُّ الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه" (٥).
стр. 570
٤ - عن عمرو بن عبسة ﵁ أنَّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: "أقرب ما يكون الربّ من العبد في جوف الليل الآخر، فإِنِ استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن" (١).
عدد ركعاته:
عدد ركعاته إِحدى عشرة ركعة كما في حديث عائشة الآتي -إِن شاء الله- في صلاة التراويح "ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إِحدى عشرة ركعة ... ".
تتحقق صلاة الليل ولو بركعة
عن ابن عباس ﵄ قال: ذَكَرتُ قيام الليل فقال بعضهم إِنَّ رسول الله ﷺ قال: "نصفه، ثلثه، ربعه، فُواق (٢) حلب ناقة، فواق حلب شاة" (٣).
стр. 571
من فاته قيام الليل
عن عائشة ﵂ "أنَّ رسول الله ﷺ كان إِذا فاتته الصلاة من الليل من وَجَعِ أو غيره، صلّى من النّهار ثنتي عشرة ركعة" (١).
وعنها ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إِذا عَمِل عملاً أثبته، وكان إِذا نام من الليل أو مَرض؛ صلّى من النهار ثنتي عشرة ركعة قالت: وما رأيتُ رسول الله ﷺ قام ليلةً حتى الصباح، وما صام شهراً متتابعاً إلاَّ رمضان" (٢).
ما يستحبّ أثناء القراءة:
يُستحبّ لكل من قرأ في صلاة الليل إِذا مرَّ بآية رحمة؛ أن يسأل الله سبحانه من فضله، وإِذا مرَّ بآية عذاب أن يتعوّذ بالله من النار، وإذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيح سبّح، وإذا مَرَّ بسؤالٍ سأل.
لما رواه مسلم (٧٧٢) عن حذيفة قال: "صليت مع النّبيّ ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة، ثمَّ مضى، فقلت: يُصلّي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثمَّ افتتح النّساء فقرأها، ثمَّ افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسِّلاً (٣)، إِذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإِذا مرَّ بتعوّذ تعوّذ، ثمَّ ركع فجعل يقول: سبحان ربِّيَ العظيم، فكان ركوعه نحواً
стр. 572
من قيامه، ثمَّ قال: سمع الله لمن حمده، ثمَّ قام طويلاً، قريباً ممّا ركع، ثمَّ سجد فقال: سبحان ربِّيَ الأعلى، فكان سجوده قريباً من قيامه".
قال شيخنا -حفظه الله- في الردّ على من يقول في استحباب ذلك في صلاة الفرض: "هذا إِنما ورد في صلاة الليل كما في حديث حذيفة ... ، فمقتضى الاتباع الصحيح الوقوف عند الوارد وعدم التوسع فيه بالقياس والرأي، فإِنّه لو كان ذلك مشروعاً في الفرائض أيضاً لفَعله ﷺ ، ولو فعَله لنُقِل، بل لكان نقْله أولى من نقل ذلك في النوافل كما لا يخفى".
стр. 573
قيام رمضان
قيام رمضان سنّة تؤدّى بعد صلاة العشاء قبل الوتر، والصلاة في آخر الليل أفضل كما تقدّم.
قال شيخنا في "قيام رمضان" (ص ٢٦) -بحذف-: وإِذا دار الأمر بين الصلاة أوّل الليل مع الجماعة، وبين الصلاة آخر الليل منفرداً، فالصلاة مع الجماعة أفضل، لأنّه يحسب له قيام ليلةٍ تامّة.
وعلى ذلك جرى عمل الصحابة في عهد عمر ﵁ فقال عبد الرحمن بن عَبْدٍ القارِيّ: "خرجتُ مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إِلى المسجد، فإِذا الناس أوزاعٌ (١) متفرّقون، يُصلّي الرجل لنفسه، ويصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرَّهطُ، فقال عمر: والله إِني لأرى لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحدٍ لكان أمثل، ثمَّ عزم، فجمَعهم على أُبَيِّ بن كعب، ثمَّ خرجتُ معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم (٢) البدعةُ هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون -يريد آخر الليل- وكان الناس يقومون أوّله" (٣).
وقال زيد بن وهب: "كان عبد الله يصلي بنا في شهر رمضان، فينصرف
стр. 574
بليل" (١).
الترغيب فيه
عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يُرغّب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة (٢) فيقول: "من قام رمضان إِيماناً واحتساباً (٣)؛ غُفر له ما تقدّم من ذنبه (٤) " (٥).
وعن عمرو بن مرّة الجُهني ﵁ قال: "جاء رجل إِلى النّبيّ
стр. 575
- ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيتَ إِن شهدتُ أن لا إِله إلاَّ الله، وأنك رسول الله " وصلّيتُ الصلوات الخمس، وأدَّيتُ الزكاة، وصمتُ رمضان وقمتُه، فممّن أنا قال: من الصدِّيقين والشهداء" (١).
مشروعية الجماعة فيه (٢)
وتشرع الجماعة في قيام رمضان، بل هي أفضل من الانفراد؛ لإِقامة النّبيّ ﷺ لها بنفسه، وبيانه لفضلها بقوله؛ كما في حديث أبي ذَرٍّ ﵁ قال: "صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان، فلم يَقُمْ بنا شيئاً من الشهر، حتى بقي سَبْعٌ، فقام بنا حتى ذهب ثُلُثُ الليل، فلمّا كانت السادسةُ لم يَقُم بنا، فلمّا كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطرُ الليل، فقلتُ: يا رسول الله! لو نفَّلتنا قيام هذه الليلة، فقال: إِنّ الرجل إِذا صلّى مع الإِمام حتى ينصرف حُسب له قيام ليلة".
فلمّا كانت الرابعة لم يقم، فلمّا كانت الثالثة جمَع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قال: قلت: ما الفلاح؟ قال: السّحور، ثمَّ لم يقم بنا بقيّة الشهر" (٣).
стр. 576
السبب في عدم استمرار النّبيّ ﷺ بالجماعة فيه
وإِنّما لم يقم بهم ﵊ بقيّة الشهر خشية أن تُفرَض عليهم صلاةُ الليل في رمضان، فيعجَزوا عنها فعن عائشة أنَّ رسول الله ﷺ صلّى في المسجد ذات ليلة، فصلّى بصلاته ناس، ثمَّ صلّى من القابلة، فكثر الناس، ثمَّ اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إِليهم رسول الله ﷺ ، فلمّا أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إِليكم إلاَّ أنِّي خشيت أن تفرض عليكم، قال: وذلك في رمضان" (١). وقد زالت هذه الخشيةُ بوفاته ﷺ بعد أنْ أكمل الله الشريعة، وبذلك زال المعلول، وهو ترْك الجماعة في قيام رمضان، وبقي الحُكم السابق وهو مشروعية الجماعة، ولذلك أحياها عمر ﵁ كما في "صحيح البخاري" وغيره (٢).
مشروعية الجماعة للنساء
قال شيخنا: "وهذا محلّه عندي إِذا كان المسجد واسعاً، لئلا يُشوِّش أحدهما على الآخر".
عدد ركعاته
وركعاتها إِحدى عشرة ركعةً، ونختار أن لا يزيد عليها اتّباعاً لرسول الله ﷺ ، فإِنّه لم يزد عليها حتى فارق الدنيا، فقد سُئلت عائشة -رضي الله
стр. 577
عنها- عن صلاته ﷺ في رمضان؟ فقالت: "ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إِحدى عشرة ركعة، يصلّي أربعاً فلا تَسَلْ عن حُسْنهنّ وطولهنّ، ثمَّ يصلّي أربعاً فلا تَسَلْ عن حسنهنّ وطولهنّ، ثمَّ يصلّي ثلاثاً" (١).
وله أن يُنْقِص منها، حتى لو اقتصر على ركعة الوتر فقط، بدليل فِعله ﷺ وقوله:
أمّا الفعل، فقد سُئلت عائشة ﵂: بكم كان رسول الله ﷺ يوتر؟ قالت: "كان يوتر بأربعٍ وثلاثٍ، وستٍّ وثلاثٍ، وعشرٍ وثلاثٍ، ولم يكن يوتر بأنقص من سبعٍ، ولا بأكثر من ثلاث عشرة" (٢).
وأمّا قوله ﷺ فهو: "الوتر حقٌّ، فمن شاء فليوتر بخمسٍ، ومن شاء فليوتر بثلاثٍ، ومن شاء فليوتر بواحدة" (٣).
لم يُصَلِّ التراويح أكثر من إِحدى عشرة ركعة (٤)
لم يثبت عن النّبيّ ﷺ أنَّه صلّى التراويح أكثر من إِحدى عشرة ركعة، وإِليك البيان:
стр. 578
١ - قد تقدّم حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن أنَّه سأل عائشة ﵂ كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إِحدى عشرة ركعة.
٢ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال؛ صلّى بنا رسول الله ﷺ في شهر رمضان ثمان ركعات، وأوتر ... " (١).
٣ - أمّا ما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس: "كان رسول الله ﷺ يصلّي في رمضان عشرين ركعة والوتر" فإِسناده ضعيف وقد عارضه حديث عائشة هذا الذي في الصحيحين؛ مع كونها أعلم بحال النّبيّ ﷺ ليلاً من غيرها، قاله الحافظ في "الفتح".
وسبَقه إِلى هذا المعنى الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ١٥٣). قال شيخنا: وحديث ابن عبّاس هذا ضعيف جدّاً كما قال السيوطي في "الحاوي للفتاوى" (٢/ ٧٣) وعِلّته أنّ فيه أبا شيبة إِبراهيم بن عثمان.
قال الحافظ في "التقريب": "متروك الحديث" وقد تتبعْتُ مصادره فلم أجِده إِلا من طريقه ... وفصّل القول في ذلك.
وقال البيهقي: تفرَّد به أبو شيبة وهو ضعيف، وكذلك قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٧٢) أنَّه ضعيف، والحقيقة أنَّه ضعيف جدّاً، كما يشير إِليه قول الحافظ المتقدّم: "متروك الحديث" وهذا هو الصواب فيه .....
وأورده الحافظ الذهبي من مناكيره، وقال الفقيه ابن حجر الهيتمي في
стр. 579
"الفتاوى الكبرى" (١/ ١٩٥) بعد أنْ ذكر الحديث: "شديد الضعف ... ".
وقال السيوطي: "فالحاصل أنَّ العشرين ركعة لم تثبت مِن فِعله ... ومما يدلّ لذلك أيضاً (أي: عدم الزيادة) أنَّه ﷺ كان إِذا عمل عملاً واظبَ عليه؛ كما واظب على الركعتين اللتين قضاهما بعد العصر؛ مع كون الصلاة في ذلك الوقت منهيّاً عنها، ولو فعَل العشرين ولو مرّة؛ لم يتركها أبداً، ولو وقع ذلك لم يَخْفَ على عائشة، حيث قالت ما تقدَّم".
قلت: بل قد ثبت في "صحيح مسلم" (٧٨٢) من حديث أبي سلمة عن عائشة ﵂: "وكان آل محمّد إذا عملوا عملاً أثبتوه"، وقد تقدّم.
وفي "صحيح مسلم" (٧٨٣) أيضاً: عن القاسم بن محمّد قال: "وكانت عائشة إِذا عملت العمل لزِمته".
لهذا ولغيره نقول: لم يثبُت لنا عن أحدٍ من آل محمّد ﷺ أنهم صلّوا العشرين" والله تعالى أعلم.
٤ - إِنَّ رسول الله ﷺ قد التزم عدداً معيّناً في السنن الرواتب وغيرها؛ كصلاة الاستسقاء والكسوف ... وكان هذا الالتزام دليلاً مسلّماً عند العلماء أنَّه لا يجوز الزيادة عليها، فكذلك صلاة التراويح، ومن ادعى الفرق فعليه الدليل. وليست صلاة التراويح من النوافل المطلقة حتى يكون للمصلّي الخيار في أن يصلِّيها بأيّ عدد شاء، بل هي سُنّة مؤكّدة تشبه الفرائض من حيث أنّها تشرع مع الجماعة؛ كما قالت الشافعية فهي من هذه الحيثيّة أولى بأن لا يُزاد عليها من السنن الرواتب.
стр. 580
ردود على بعض التساؤلات والاعتراضات
١ - قد يقول بعضهم: اختلاف العلماء دليل على عدم ثبوت النص المعيِّن للعدد.
والجواب: إِنَّ الاختلاف في عدد ركعات التراويح لا يدلّ على عدم ورود نصٍّ ثابت فيه؛ لأنَّ الواقع أنَّ النصّ واردٌ ثابت فيه، فلا يجوز أن يُردّ النصّ بسبب الخلاف، بل الواجب أن يُزال الخلاف بالرجوع إِلى النصّ عملاً بقول الله ﵎: ﴿فلا وربّك لا يؤمنون حتى يُحكِّموك فيما شَجَر بينهم ثمَّ لا يَجِدوا في أنفُسِهِم حرَجاً ممّا قَضَيتَ ويُسَلّموا تَسلِيمًا﴾ (١).
وقوله سبحانه: ﴿فإِنْ تَنَازعتُم في شيءٍ فردّوه إِلى الله والرسُول إِنْ كُنتُم تؤْمِنُون بالله واليَوم الآخِر ذلك خيْرٌ وأحْسَنُ تَأوِيلاً﴾ (٢).
٢ - قد يقول قائل آخر: لا مانع من الزيادة على النصّ ما لم يُنْه عنها.
وجوابه: الأصل في العبادات أنها لا تثبت إلاَّ بتوقيف من رسول الله ﷺ ، ولولا هذا الأصل لجاز لأيّ مسلم أن يزيد في عدد ركعات السُّنن بل والفرائض الثابت عددها بفِعْله ﷺ واستمراره عليه؛ بزعم أنَّه ﷺ لم يَنْهَ عن الزيادة عليها.
٣ - وتمسّك بعضهم بالنصوص المطلقة والعامّة؛ في الحضّ على الإِكثار من الصلاة؛ بدون تحديد عدد؛ معيّن كقوله ﷺ لربيعة بن كعب وقد سأله
стр. 581
مرافقته في الجنَّة: "فأعنّي على نفسك بكثرة السجود".
والجواب: إِنَّ هذا تمسُّكٌ واهٍ جداً، فإِنَّ العمل بالمطلقات على إِطلاقها إِنّما يسوغ فيما لم يقيّده الشارع من المطلقات، أمّا إِذا قيّد الشارع حُكماً مطلقاً بقيد؛ فإِنَّه يجب التقيُّد به وعدم الاكتفاء بالمطلق، فإِنَّ مسألتنا (صلاة التراويح) ليست من النوافل المطلقة، لأنها صلاة مقيّدة لا بنصّ عن رسول الله.
وما مثَل من يفعل ذلك؛ إلاَّ كمن يصلي صلاة يخالف بها صلاة النّبيّ ﷺ المنقولة عنه بالأسانيد الصحيحة؛ يخالفها كمًّا وكيفاً؛ متناسياً قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١) محتجًّا بمِثل تلك المطلقات! كمن يصلّي مثلاً الظهر خمساً وسنة الفجر أربعاً!
الأحوط اتباع السنّة:
واستطرد شيخنا -حفظه الله تعالى- قائلاً: "على أنَّه مهما قيل في جواز الزيادة أو عدمها، فما أظنّ أنّ مسلماً يتوقّف -بعد ما سلف بيانه- عن القول بأنّ العدد الذي ورَد عنه ﷺ أفضل من الزيادة عليه لصريح قوله ﷺ : "وخير الهدي هدي محمّد ﷺ "، رواه مسلم (٢)، فما الذي يمنع المسلمين اليوم أن يأخذوا بهذا الهدي المحمّدي ويدَعُوا ما زاد عليه من باب "دَعْ ما يَريبك إِلى ما لا يَريبك" ... وأنهم صلَّوها بالعدد الوارد في السُّنّة في مِثل المدّة التي يصلّون فيها العشرين؛ لكانت صلاتهم صحيحة مقبولة باتفاق العلماء،
стр. 582
ويؤيّد ذلك حديث جابر قال: سئل ﷺ أيّ الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت (١) " (٢). فعليكم أيها المسلمون بسنتَّه ﷺ تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ فإِنّ "خير الهدي هدي محمّد ﷺ " (٣).
٤ - وقد يقول قائل: إِنَّ عمر ﵁ قد صلاّها عشرين ركعة.
قال شيخنا: ولا يجوز أن يُعارَض هذه الرواية الصحيحة بما رواه عبد الرزاق من وجه آخر عن محمّد بن يوسف بلفظ: "إِحدى وعشرين" لظهور خطأ هذا اللفظ من وجهين: الأوّل: مخالفة لرواية الثقة بلفظ إِحدى عشرة (٤).
الثاني: أنَّ عبد الرزاق قد تفرَّد بروايته على هذا اللفظ ... (٥).
стр. 583
وقد أشار الترمذي في "سننه" إِلى عدم ثبوت عدد العشرين عن عمر وغيره من الصحابة فقال روي عن عليّ وعمر ...
وكذلك قال الشافعي في العشرين عن عمر. انتهى كلام شيخنا -حفظه الله- بتصرف.
٥ - وقد يقول قائل: قد قال رسول الله "صلاة الليل مثنى مثنى" (١).
فجوابه: إِنَّ هذا لبيان الكيفية لا لبيان الكمّ، فعن عبد الله بن عمر؛ أنَّ رجلاً سأل النّبيّ ﷺ ، وأنا بينه وبين السائل، فقال: يا رسول الله! كيف صلاة الليل؛ قال: مثنى مثنى ... " (٢)، فإِنَّ هذا الصحابي لم يسأل رسول الله ﷺ كم صلاة الليل؛ بل كيف صلاة الليل، فجواب: "مثنى مثنى"، عن كيف لا عن كم، وفي رواية (٣): "فقيل لابن عمر: ما مثنى مثنى؟ قال: أن تُسلِّم في كلّ ركعتين".
الكيفيّات التي تصلّى بها صلاة التراويح
قد تقدّم تفصيل ذلك في صلاة الوتر وقيام الليل، والآن أذكر ما كتَبه شيخنا -حفظه الله- في "قيام رمضان" (ص٢٧) تيسيراً وتذكيراً.
الكيفيّة الأولى: ثلاث عشرة ركعة، يفتتحها بركعتين خفيفتين، وهما على الأرجح سُنّة العشاء البعدية، أو ركعتان مخصوصتان يفتتح بهما صلاة الليل
стр. 584
كما تقدّم، ثمَّ يصلّي ركعتين طويلتين جداً، ثمَّ يصلّي ركعتين دونهما، ثمَّ يصلّي ركعتين دون اللتين قبلهما، ثمَّ يصلّي ركعتين دونهما، ثمَّ يصلّي ركعتين دونهما، ثمَّ يوتر بركعة.
الثانية: يصلّي ثلاث عشرة ركعة، منها ثمان، يُسلِّم بين كل ركعتين، ثمَّ يوتر بخمس لا يجلس ولا يُسلّم إلاَّ في الخامسة.
الثالثة: إِحدى عشرة ركعة، يُسلّم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة.
الرابعة: إِحدى عشرة ركعة، يُصلّي منها أربعاً بتسليمة واحدة، ثمَّ أربعاً كذلك، ثمَّ ثلاثاً.
وهل كان يجلس بين كل ركعتين من الأربع والثلاث؟ لم نَجِد جواباً شافياً في ذلك، لكنَّ الجلوس في الثلاث لا يُشرع!
الخامسة: يصلّي إِحدى عشرة ركعة، منها ثمان ركعاتٍ لا يقعد فيها إلاَّ في الثامنة، يتشهد ويصلّي على النّبيّ ﷺ ثمَّ يقوم ولا يسلّم، ثمَّ يوتر بركعةٍ، ثمَّ يسلم، فهذه تسع، ثمَّ يصلّي ركعتين، وهو جالس.
السادسة: يصلّي تسع ركعاتٍ؛ منها ستٌّ لا يقعد إلاَّ في السادسة منها، ثمَّ يتشهّد ويصلّي على النّبيّ ﷺ ثمَّ ... إِلخ ما ذُكر في الكيفيّة السابقة.
هذه هي الكيفيّات (١) التي ثبتت عن النّبيّ ﷺ نصّاً عنه، ويمكن أن يزاد عليها أنواع أخرى، وذلك بأن يُنقص من كل نوع منها ما شاء من الركعات حتى يقتصر على ركعة واحدة عملاً بقوله ﷺ المتقدّم: " ... فمن شاء
стр. 585
فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة".
فهذه الخمس والثلاث، إِن شاء صلاّها بقعود واحد، وتسليمة واحدة كما في الصفة الثانية، وإِنْ شاء سلّم بين كلّ ركعتين كما في الصفة الثالثة وغيرها، وهو الأفضل.
وأمّا صلاةُ الخمس والثلاث بقعود بين كّل ركعتين بدون تسليم فلم نجِده ثابتاً عنه ﷺ ، والأصل الجواز، لكن لمّا كان النبيّ ﷺ قد نهى عن الإِيتار بثلاث، وعلّل ذلك بقوله: "ولا تشبّهوا بصلاة المغرب"، فحينئذٍ لا بُدَّ لمن صلّى الوتر ثلاثاً من الخروج عن هذه المشابهة، وذلك يكون بوجهين:
أحدهما: التسليم بين الشفع والوتر، وهو الأقوى والأفضل.
والآخر: أن لا يقعد بين الشفع والوتر، والله تعالى أعلم".
القراءة في القيام (١)
وأمّا القراءة في صلاة الليل في قيام رمضان أو غيره، فلم يَحُدَّ فيها النّبيّ ﷺ حدّاً لا يتعدّاه بزيادة أو نقص، بل كانت قراءته ﷺ تختلف قِصَراً وطولاً، فكان تارةً يقرأُ في كلِّ ركعة قدر ﴿يا أيها المُزَّمّل﴾ (٢)، وهي عشرون آية، وتارة قدْر خمسين آية (٣)، وكان يقول: "من صلّى في ليلة بمائة آية لم يُكتَب
стр. 586
من الغافلين" (١).
وفي حديث آخر: " ... بمائتي آية فإِنّه يُكتب من القانتين المُخلصين" (٢).
"وقرأ ﷺ في ليلة وهو مريض السبع الطوال، وهي سورة ﴿البقرة﴾، ﴿آل عمران﴾ و ﴿النساء﴾ و ﴿المائدة﴾ و ﴿الأنعام﴾ و ﴿الأعراف﴾ و ﴿التوبة﴾ " (٣).
وفي قصّة صلاة حذيفة بن اليمان وراء النّبيّ ﵊ "أنّه ﷺ قرأ في ركعة واحدة ﴿البقرة﴾ ثمَّ ﴿النساء﴾ ثمَّ ﴿آل عمران﴾، وكان يقرؤها مترسّلاً متمهلاً" (٤).
وثبت بأصحّ إِسناد أنّ عمر ﵁ لمَّا أمر أُبيَّ بن كعب أن يصلّي للناس بإِحدى عشرة ركعة في رمضان، كان أُبيّ ﵁ يقرأ بالمئين، حتى كان الذين خلفه يعتمدون على العصيِّ من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلاَّ في أوائل الفجر (٥).
وصحّ عن عمر أيضاً أنّه دعا القُرَّاء في رمضان، فأمَر أسرعهم قراءة أن يقرأ
стр. 587
ثلاثين آية، والوسط خمساً وعشرين آية، والبطيء عشرين آية (١).
وعلى ذلك فإِنْ صلّى القائم لنفسه فليطوِّل ما شاء، وكذلك إِذا كان معه من يوافقه، وكلما أطال فهو أفضل، إلاَّ أنه لا يبالغ في الإِطالة حتى يُحيي الليل كلّه إلاَّ نادراً، اتّباعاً للنّبيّ ﷺ القائل: "وخير الهدي هدي محمّد" (٢).
وأمّا إِذا صلّى إِماماً، فعليه أن يطيل بما لا يشقُّ على مَن وراءه لقوله ﷺ : "إِذا ما قام أحدكم للناس فليخفّف الصلاة، فإِنَّ فيهم [الصغير] والكبير وفيهم الضعيف، [والمريض]، [وذا الحاجة]، وإِذا قام وحده فليُطِل صلاته ما شاء" (٣).
جواز جعْل القنوت بعد الركوع في النصف الثاني من رمضان
لقد سبق القول فيما يتعلّق بموضع دعاء القنوت وأنَّه قبل الركوع، ولكن: لا بأس من جعل القنوت بعد الركوع، ومن الزيادة عليه بلعن الكفَرة، والصلاة على النّبيّ ﷺ والدعاء للمسلمين في النصف الثاني من رمضان؛ لثبوت ذلك عن الأئمّة في عهد عمر- ﵁ فقد جاء في آخر حديث عبد الرحمن بن عبد القاري: "وكانوا يلعنون الكفَرة في النصف: اللهم قاتِل الكفَرة الذين يصدّون عن سبيلك، ويُكذّبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالِف بين كلمتهم، وألقِ في قلوبهم الرُّعب، وألقِ عليهم رِجزك وعذابك، إِله
стр. 588
الحق"، ثمَّ يُصلّي على النّبيّ ﷺ ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثمَّ يستغفر للمؤمنين.
قال شيخنا -حفظه الله-: "وكان إِذا فرغ من لعْنِه الكفَرة وصلاته على النّبيّ واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته: "اللهمّ إِيّاك نعبد، ولك نُصلّي ونسجد، وإِليك نسعى ونحفد (١)، ونرجو رحمتك ربّنا، ونخاف عذابك الجدَّ، إِنَّ عذابك لمن عاديت مُلحق"، ثمَّ يُكبر ويهوي ساجداً (٢) " (٣).
صلاة الضّحى
فضلها:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "أوصاني خليلي (٤) بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد" (٥).
٢ - عن أبي ذر عن النّبيّ ﷺ أنَّه قال: يصبح على كلّ سُلامى (٦) من
стр. 589
أحدكم صدقة، فكلّ تسبيحة صدقة، وكلّ تحميدة صدقة، وكلّ تهليلة صدقة، وكلّ تكبيرة صدقة، وأمْر بالمعروف صدقة، ونهْي عن المنكر صدقة، ويُجزئ من ذلك؛ ركعتان يركعهما من الضحى" (١).
٣ - عن بريدة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "في الإِنسان ثلاثمائة وستون مَفصلاً، فعليه أن يتصدّق عن كلّ مفصل بصدقة، قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبيّ الله؟ قال: النخاعة في المسجد تدفنها، والشيء تنحّيه عن الطريق، فإِنْ لم تجد فركعتا الضحى تجزئك" (٢).
٤ - عن أبي هريرة- ﵁ قال: "بعَث رسول الله ﷺ بعْثاً فأعظَموا الغنيمة، وأسرعوا الكرَّة: فقال رجل: يا رسول الله ما رأينا بعْثاً قطّ أسرع كرَّة، ولا أعظم غنيمةً من هذا البعث فقال: "ألا أُخبركم بأسرع كرّة منهم، وأعظم غنيمة؟ رجل توضّأ فأحسن الوضوء، ثمَّ عمد إِلى المسجد فصلّى فيه الغداة، ثمَّ عقَّب بصلاة الضَّحوة، فقد أسرع الكرَّة، وأعظم الغنيمة" (٣).
стр. 590
٥ - عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِن الله يقول: يا ابن آدم! اكفني أوّل النهار بأربع ركعات، أكفِك بهنّ آخر يومك" (١).
٦ - عن أبي أُمامة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من خرج من بيته متطهّراً إِلى صلاةٍ مكتوبة، فأجْره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إِلى تسبيح الضحى (٢)، لا يُنصِبه (٣) إلاَّ إِياه (٤)، فأجْره كأجر المعتمر، وصلاة على أَثْر (٥) صلاة لا لغو بينهما، كتاب في علّيّين" (٦).
٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحافظ على صلاة الضحى إِلاَّ أوّاب، -قال-: وهي صلاة الأوّابين" (٧).
الأوّاب: صيغة مبالغة؛ كثير الرجوع إِلى الله تعالى بالتوبة والإِنابة.
стр. 591
حُكمها:
صلاة الضحى مستحبّة وجاء في تبويب "صحيح مسلم" (١) "باب استحباب صلاة الضحى".
وقتها:
يبدأ وقتها بارتفاع الشمس قدر رُمح (٢) وينتهي بدخول وقت الكراهة، قبل الزوال بقليل.
بيد أنَّ المستحبّ تأخيرها حتى ترتفع الشمس ويشتد الحرّ.
عن القاسم الشيباني أنَّ زيد بن أرقم رأى قوماً يُصلون من الضحى، فقال: أمَا لقد علموا أنَّ الصلاة في غير هذه الساعة أفضل، إِنَّ رسول الله ﷺ قال: "صلاة الأوابين حين تَرْمَض الفِصال (٣) " (٤).
عدد ركعاتها:
أقلّها ركعتان -لِما تقدّم- وأنَّ أقلها ركعتان وأكملها ثمان ركعات وأوسطها أربع ركعات أو ست (٥).
стр. 592
وأكثر ما ثبت من فِعل رسول الله ﷺ ثماني ركعات كما في حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "ما أخبَرني أحدٌ أنَّه رأى النّبيّ ﷺ يصلّي الضّحى إلاَّ أمّ هانئ، فإِنَّها حدّثت أنَّ النّبيّ ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكّة، فصلّى ثماني ركعات" (١).
وأكثر ما ثبت من قوله ﷺ : اثنتا عشرة ركعة كما في حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلّى الضحى ركعتين، لم يُكتب من الغافلين، ومن صلّى أربعاً كُتب من العابدين، ومن صلّى ستاً كُفي ذلك اليوم، ومن صلّى ثمانياً كتبه الله من القانتين، ومن صلّى ثنتى عشرة ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة، وما من يوم ولا ليلة إِلا لله من يَمُنُّ به على عباده صدقة، وما من الله على أحد من عباده أفضل من أن يُلهمه ذِكره" (٢).
صلاة الاستخارة
يسنُّ لكلِّ من همَّ بأمرٍ ذي بال إِن لم يدرِ، إِنْ كان الخير في فِعله أو ترْكه؛
أن يستخير الله تعالى فيه، فيصلّي ركعتين من غير الفريضة؛ ثمَّ يدعو بعد السلام بالدعاء المبيَّن في حديث جابر ﵁ قال: "كان النّبيّ ﷺ يعلّمنا الاستخارة (٣) في الأمور كلّها؛ كالسورة من القرآن: إِذا همّ أحدكم
стр. 593
بالأمر فليركع ركعتين، من غير الفريضة، ثمَّ ليقل: "اللهمّ إِنِّي أستخيرك بعلمك واستقدرك (١) بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإِنَّك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهمّ إِنْ كنت تعلم أنَّ هذا الأمر -وتسمّيه باسمه- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاقدُره لي ويسِّرْه لي ثمَّ بارِك لي فيه، وإِن كنتَ تعلم أنَّ هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاصرِفه عني واصرِفني عنه، واقدُر لي (٢) الخير حيث كان ثمَّ رضِّني به وفي بعض الروايات: قال: ويسمِّي حاجته" (٣).
والدليل على أنَّ الدعاء بعد الصلاة لا قبلها قوله ﷺ : "فليركع ركعتين من غير الفريضة ثمَّ ليقل" فإنّ "ثمَّ" تفيد الترتيب مع التراخي، فأفاد ذلك أنها بعد الصلاة.
* وينبغي أن يفعل بعد الاستخاره ما ينشرح له، فلا ينبغي أن يعتمد على انشراحٍ كان فيه هوى قبل الاستخارة، بل ينبعي للمستخير ترْك اختياره رأساً، وإِلاَّ فلا يكون مستخيراً لله، بل يكون غير صادقٍ في طلب الخير، وفي التبرِّي
стр. 594
من العلم والقدرة وإِثباتهما لله تعالى، فإِذا صدق في ذلك؛ تبرّأ من الحول والقوّة ومن اختياره لنفسه. * (١)
صلاة التسابيح
عن عكرمة عن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ للعبّاس ابن عبد المطّلب: "يا عبّاس يا عمّاه! ألا أعطيك ألا أمنحك ألا أحبوك ألا أفعل لك عشرَ خصال؛ إِذا أنتَ فعلتَ ذلك غفَر الله ذَنبك أوّله وآخره، وقديمه وحديثه، وخطأه وعمدَه، وصغيره وكبيره، وسرَّه وعلانيته، عشرَ خصال (٢)؟ أن تصلّي أربع ركعاتٍ، تقرأ في كلّ ركعةٍ (فاتحة الكتاب) وسورةً، فإِذا فرغْتَ من القراءة في أوّل ركعة فقُل وأنت قائم: "سبحان الله والحمد لله، ولا إِله إلاَّ الله، والله أكبر" خمس عشرة مرة، ثمَّ تركعُ فتقولها وأنت راكع عشراً، ثمَّ ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشراً، ثمَّ تهوي ساجداً فتقولها وأنت ساجد عشراً، ثمَّ ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً، ثمَّ تسجد فتقولها عشراً، ثمَّ ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً، فذلك خمسٌ وسبعون في كلّ ركعةٍ، تفعل ذلك في أربع ركعاتٍ، إِن استطعت أن تصلِّيَها في كل يوم مرّة فافعل، فإِن لم تستطع، ففي كل جمعة مرّةً، فإِنْ لم تفعل، ففي كل شهر مرّةً، فإِنْ لم تفعل ففي كل سنة مرّة، فإِنْ لم تفعل ففي
стр. 595
عُمُرك مرةً (١) " (٢).
صلاة التوبة
عن أبي بكر ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجلٍ يُذنب ذنباً، ثمَّ يقوم فيتطهّر ثمَّ يصلّي، ثمَّ يستغفر الله، إلاَّ غفَر الله له، ثمَّ قرأ هذه الآية: ﴿والذين إِذا فعَلوا فاحشةً أو ظلموا أنفُسَهم ذكَروا الله﴾ إِلى آخر الآية" (٣).
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَن توضّأ فأحسَن الوضوء، ثمَّ قام فصلّى ركعتين أو أربعاً -يشكّ سهل- يُحسِن فيهنّ الذكر والخشوع، ثمَّ استغفر الله غفر له" (٤).
стр. 596
صلاة الكسوف (١)
اختلف العلماء في حُكم صلاة الكسوف ويرى الجمهور على أنَّها سنة مؤكّدة، وصَرَّح أبو عوانه في "صحيحه" بوجوبها، ونقل الزين ابن المنيّر عن أبي حنيفة أنَّه أوجبها، وكذا نقل بعض مصنّفي الحنفية أنَّها واجبة (٢).
وقال شيخنا -حفظه الله تعالى-: " ... وهو ظاهر صنيع ابن خزيمة في "صحيحه" فإِنَّه قال فيه (٢/ ٣٠٨) " باب الأمر بالصلاة عند كسوف الشمس والقمر ... ".
وذكَر أيضاً بعض الأحاديث في الأمر بها، ومن المعلوم من أسلوب ابن خزيمة في "صحيحه" أنَّه حين يكون الأمر عنده لغير الوجوب؛ يبيّن ذلك في أبواب كتابه فالمسألة فيها خلاف".
وقال -حفظه الله تعالى- في القول بالوجوب: "وهو الأرجح دليلاً لما يأتي: "إِن القول بالسنيّة فقط؛ فيه إِهدار للأوامر الكثيرة التي جاءت عنه ﷺ في هذه الصلاة؛ دون أيّ صارف لها عن دلالتها الأصليّة ألا وهو الوجوب، ومال إِلى هذا الشوكاني في "السيل الجرار" (١/ ٣٢٣) وأقرّه صدّيق خان في "الروضة الندية" وهو الحقّ إِن شاء الله تعالى". انتهى.
ويُنادى لها: "إِنّ الصلاة جامعة" لحديث عبد الله بن عمرو -رضي الله
стр. 597
عنهما- قال: "لمّا كسَفَت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي: إِنَّ
الصلاة جامعة (١) " (٢).
ثمَّ يصلّي بهم الإِمام ركعتين؛ كما في حديث عائشة ﵂ قالت: خسَفَت الشمس في حياة النّبيّ ﷺ فخرج إِلى المسجد فصفَّ الناس وراءهُ فكبَّر، فاقْترأ رسول الله ﷺ قراءةً طويلةً، ثمَّ كبَّر فركع ركوعاً طويلاً، ثمَّ قال سمع الله لمن حمده، فقام ولم يسجد، وقرأ قراءةً طويلة؛ هي أدنى من القراءة الأولى، ثمَّ كبَّر وركع ركوعاً طويلاً، وهو أدنى من الركوع الأوّل، ثمَّ قال سمع الله لمن حمده ربّنا ولك الحمد، ثمَّ سجد، ثمَّ قال في الركعة الآخرة مِثل ذلك، فاستكمل أربع ركعات في أربع سجداتٍ، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف، ثمَّ قام فأثنى على الله بما هو أهله، ثمَّ قال: هما آيتان من آيات الله لا يَخْسِفان لموت أحدٍ ولا لحياته. فإِذا رأيتموها فافزعوا إِلى الصلاة" (٣).
ويكون ذلك جهراً كما تدّل على ذلك النصوص.
قال شيخنا -حفظه الله- في "تمام المنّة" (٢٦٣): "أنَّ صلاة
стр. 598
الكسوف؛ إِنّما صلاّها رسول الله ﷺ مرّة واحدة، وقد صحّ أنَّه جهر بها كما في "البخاري"، ولم يَثبُت ما يُعارضه ... ".
قلت: وقد بوّب لذلك البخاري بقوله (باب الجهر بالقراءة في الكسوف) وقال الحافظ: استدلّ به على الجهر فيها بالنّهار.
ويحسن إِطالة السجود والركوع في الصلاة، لحديث عائشة: "ما سجدْت سجوداً قطّ كان أطول منه" (١).
وفي "مسلم" (٩١٠): "قالت عائشة: ما ركعتُ ركوعاً قطّ، ولا سجدت سجوداً قطّ؛ كان أطول منه".
والركعة الأولى في الكسوف أطول؛ كما في حديث عائشة أنَّ النّبيّ ﷺ "صلّى بهم في كسوف الشمس أربع ركعات في سجدتين الأوّل الأوّل أطول" (٢). وصرّح البخاري بذلك في تبويبه.
وتصلّى جماعةً لِما دلّت عليه الأحاديث المتقدّمة، وبوّب لذلك أيضاً البخاري في "كتاب الكسوف" فقال: (باب صلاة الكسوف جماعة).
قال الحافظ (٢/ ٥٤٠): "أي: وإن لم يحضروا الإِمام الراتب، فيؤمّ لهم بعضهم وبه قال الجمهور، وعن الثوري إِن لم يحضر الإِمام صلَّوا فرادى". انتهى.
стр. 599
والأوّل أرجح ولا دليل على الثاني والله تعالى أعلم.
ويسنّ للنساء مشاركة الرجال في الكسوف، وفيه أحاديثُ، من ذلك قول عائشة ﵂ المتقدّم- تَصِفُ صلاة النّبيّ ﷺ "ما سجدْت سجوداً قطّ كان أطول منه ... ". وبوّب لذلك البخاري ﵀ بقوله: (باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف).
صلاتها في المسجد
وتُصلّى في المسجد لحديث عائشة ﵂: "فمرّ رسول الله بين ظَهْرانَي الحُجَر". وقد ذكره البخاري (١٠٥٦) -تحت باب (صلاة الكسوف في المسجد) وقال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٥٤٤) لم يقع فيه التصريح (أي صلاة الكسوف في المسجد) بكونها في المسجد، لكنّه يؤخذ من قولها أي [عائشة ﵂] فيه: "فمرّ بين ظَهرانَي الحُجَر؛ لأنَّ الحُجرَ بيوت أزواج النّبيّ ﷺ وكانت لاصقة بالمسجد، وقد وقَع التصريح بذلك في رواية سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن عمرة عند مسلم ولفظه: "فخرجت في نسوة بين ظهراني الحُجر في المسجد فأَتَى النّبيّ ﷺ من مركبه حتى أتى إِلى مصلاه الذي كان يُصلّي فيه، الحديث".
قال شيخنا -حفظه الله- في "الإِرواء" (٣/ ١٢٧): "وقد اختلفت الأحاديث في عدد ركوعات صلاة الكسوف اختلافاً كثيراً، فأقلّ ما رُوي ركوع واحد في كلّ ركعة من ركعتين، وأكثر ما قيل خمسة ركوعات، والصواب أنَّه ركوعان في كل ركعة؛ كما في حديث أبي الزبير عن جابر، وهو الثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة وغيرها من الصحابة
стр. 600
-﵃ وقد حقَّقتُ القول في ذلك، وجمعْتُ الأحاديث الواردة فيه وخرّجتُها ثمَّ لخّصتُ ما صحّ منها في جزء عندي".
وقتها:
وقت الصلاة من حين الكسوف أو الخسوف حتى ينجليا لحديث جابر
ابن عبد الله: "إنّهما آيتان من آيات الله يريكموهما، فإِذا خَسَفا فصلُّوا حتى
لينجلي (تَنجلي) " (١).
الخطبة بعد الصلاة:
يُسنّ للإِمام بعد الانتهاء من الصلاة أن يخطب الناس، فيُثني على الله تعالى بما هو أهله، ويُذّكرهم أنّ كسوف الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى؛ لا يخسِفان لموت أحدٍ ولا لحياته، ويأمر بالالتجاء إِلى الله، وكلّ ذلك مُبيّن في حديث عائشة ﵂ المتقدّم.
ويحثّهم على الدعاء والتكبير والصدقة، ويذكّرهم بالله سبحانه ويخوفهم؛ كما في حديث عائشة ﵂ أيضاً عند البخاري (١٠٤٤) ومسلم (٩٠١) بلفظ: " ... إِنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإِذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبِّروا وصلّوا وتصدّقوا ... ". وأمرَ النّبيّ ﷺ بالعَتاقة في كسوف الشمس كما في حديث أسماء ﵂ بلفظ: "لقد أمر النّبيّ ﷺ بالعَتاقة في كسوف الشمس" (٢).