← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

صلاة الكسوف (١) اختلف العلماء في حُكم صلاة الكسوف ويرى الجمهور على أنَّها سنة مؤكّدة، وصَرَّح أبو عوانه في "صحيحه" بوجوبها، ونقل الزين ابن المنيّر عن أبي حنيفة أنَّه أوجبها، وكذا نقل بعض مصنّفي الحنفية أنَّها واجبة (٢). وقال شيخنا -حفظه الله تعالى-: " ... وهو ظاهر صنيع ابن خزيمة في "صحيحه" فإِنَّه قال فيه (٢/ ٣٠٨) " باب الأمر بالصلاة عند كسوف الشمس والقمر ... ". وذكَر أيضاً بعض الأحاديث في الأمر بها، ومن المعلوم من أسلوب ابن خزيمة في "صحيحه" أنَّه حين يكون الأمر عنده لغير الوجوب؛ يبيّن ذلك في أبواب كتابه فالمسألة فيها خلاف". وقال -حفظه الله تعالى- في القول بالوجوب: "وهو الأرجح دليلاً لما يأتي: "إِن القول بالسنيّة فقط؛ فيه إِهدار للأوامر الكثيرة التي جاءت عنه ﷺ في هذه الصلاة؛ دون أيّ صارف لها عن دلالتها الأصليّة ألا وهو الوجوب، ومال إِلى هذا الشوكاني في "السيل الجرار" (١/ ٣٢٣) وأقرّه صدّيق خان في "الروضة الندية" وهو الحقّ إِن شاء الله تعالى". انتهى. ويُنادى لها: "إِنّ الصلاة جامعة" لحديث عبد الله بن عمرو -رضي الله

стр. 597

عنهما- قال: "لمّا كسَفَت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي: إِنَّ الصلاة جامعة (١) " (٢). ثمَّ يصلّي بهم الإِمام ركعتين؛ كما في حديث عائشة ﵂ قالت: خسَفَت الشمس في حياة النّبيّ ﷺ فخرج إِلى المسجد فصفَّ الناس وراءهُ فكبَّر، فاقْترأ رسول الله ﷺ قراءةً طويلةً، ثمَّ كبَّر فركع ركوعاً طويلاً، ثمَّ قال سمع الله لمن حمده، فقام ولم يسجد، وقرأ قراءةً طويلة؛ هي أدنى من القراءة الأولى، ثمَّ كبَّر وركع ركوعاً طويلاً، وهو أدنى من الركوع الأوّل، ثمَّ قال سمع الله لمن حمده ربّنا ولك الحمد، ثمَّ سجد، ثمَّ قال في الركعة الآخرة مِثل ذلك، فاستكمل أربع ركعات في أربع سجداتٍ، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف، ثمَّ قام فأثنى على الله بما هو أهله، ثمَّ قال: هما آيتان من آيات الله لا يَخْسِفان لموت أحدٍ ولا لحياته. فإِذا رأيتموها فافزعوا إِلى الصلاة" (٣). ويكون ذلك جهراً كما تدّل على ذلك النصوص. قال شيخنا -حفظه الله- في "تمام المنّة" (٢٦٣): "أنَّ صلاة

стр. 598

الكسوف؛ إِنّما صلاّها رسول الله ﷺ مرّة واحدة، وقد صحّ أنَّه جهر بها كما في "البخاري"، ولم يَثبُت ما يُعارضه ... ". قلت: وقد بوّب لذلك البخاري بقوله (باب الجهر بالقراءة في الكسوف) وقال الحافظ: استدلّ به على الجهر فيها بالنّهار. ويحسن إِطالة السجود والركوع في الصلاة، لحديث عائشة: "ما سجدْت سجوداً قطّ كان أطول منه" (١). وفي "مسلم" (٩١٠): "قالت عائشة: ما ركعتُ ركوعاً قطّ، ولا سجدت سجوداً قطّ؛ كان أطول منه". والركعة الأولى في الكسوف أطول؛ كما في حديث عائشة أنَّ النّبيّ ﷺ "صلّى بهم في كسوف الشمس أربع ركعات في سجدتين الأوّل الأوّل أطول" (٢). وصرّح البخاري بذلك في تبويبه. وتصلّى جماعةً لِما دلّت عليه الأحاديث المتقدّمة، وبوّب لذلك أيضاً البخاري في "كتاب الكسوف" فقال: (باب صلاة الكسوف جماعة). قال الحافظ (٢/ ٥٤٠): "أي: وإن لم يحضروا الإِمام الراتب، فيؤمّ لهم بعضهم وبه قال الجمهور، وعن الثوري إِن لم يحضر الإِمام صلَّوا فرادى". انتهى.

стр. 599

والأوّل أرجح ولا دليل على الثاني والله تعالى أعلم. ويسنّ للنساء مشاركة الرجال في الكسوف، وفيه أحاديثُ، من ذلك قول عائشة ﵂ المتقدّم- تَصِفُ صلاة النّبيّ ﷺ "ما سجدْت سجوداً قطّ كان أطول منه ... ". وبوّب لذلك البخاري ﵀ بقوله: (باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف). صلاتها في المسجد وتُصلّى في المسجد لحديث عائشة ﵂: "فمرّ رسول الله بين ظَهْرانَي الحُجَر". وقد ذكره البخاري (١٠٥٦) -تحت باب (صلاة الكسوف في المسجد) وقال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٥٤٤) لم يقع فيه التصريح (أي صلاة الكسوف في المسجد) بكونها في المسجد، لكنّه يؤخذ من قولها أي [عائشة ﵂] فيه: "فمرّ بين ظَهرانَي الحُجَر؛ لأنَّ الحُجرَ بيوت أزواج النّبيّ ﷺ وكانت لاصقة بالمسجد، وقد وقَع التصريح بذلك في رواية سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن عمرة عند مسلم ولفظه: "فخرجت في نسوة بين ظهراني الحُجر في المسجد فأَتَى النّبيّ ﷺ من مركبه حتى أتى إِلى مصلاه الذي كان يُصلّي فيه، الحديث". قال شيخنا -حفظه الله- في "الإِرواء" (٣/ ١٢٧): "وقد اختلفت الأحاديث في عدد ركوعات صلاة الكسوف اختلافاً كثيراً، فأقلّ ما رُوي ركوع واحد في كلّ ركعة من ركعتين، وأكثر ما قيل خمسة ركوعات، والصواب أنَّه ركوعان في كل ركعة؛ كما في حديث أبي الزبير عن جابر، وهو الثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة وغيرها من الصحابة

стр. 600

-﵃ وقد حقَّقتُ القول في ذلك، وجمعْتُ الأحاديث الواردة فيه وخرّجتُها ثمَّ لخّصتُ ما صحّ منها في جزء عندي". وقتها: وقت الصلاة من حين الكسوف أو الخسوف حتى ينجليا لحديث جابر ابن عبد الله: "إنّهما آيتان من آيات الله يريكموهما، فإِذا خَسَفا فصلُّوا حتى لينجلي (تَنجلي) " (١). الخطبة بعد الصلاة: يُسنّ للإِمام بعد الانتهاء من الصلاة أن يخطب الناس، فيُثني على الله تعالى بما هو أهله، ويُذّكرهم أنّ كسوف الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى؛ لا يخسِفان لموت أحدٍ ولا لحياته، ويأمر بالالتجاء إِلى الله، وكلّ ذلك مُبيّن في حديث عائشة ﵂ المتقدّم. ويحثّهم على الدعاء والتكبير والصدقة، ويذكّرهم بالله سبحانه ويخوفهم؛ كما في حديث عائشة ﵂ أيضاً عند البخاري (١٠٤٤) ومسلم (٩٠١) بلفظ: " ... إِنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإِذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبِّروا وصلّوا وتصدّقوا ... ". وأمرَ النّبيّ ﷺ بالعَتاقة في كسوف الشمس كما في حديث أسماء ﵂ بلفظ: "لقد أمر النّبيّ ﷺ بالعَتاقة في كسوف الشمس" (٢).

стр. 601

صلاة الاستسقاء الاستسقاء لغة: "طلب سَقْي الماء من الغير للنفس أو الغير، وشرعاً: طلبه من الله عند حضور الجدب على وجهٍ مخصوص" (١). وتُصلّى في أي وقت خلا وقت الكراهة. وتكون في المصلّى كما في "صحيح البخاري" (١٠١٢) و"مسلم" (٨٩٤) من حديث عبد الله بن زيد "أنَّ النّبيّ ﷺ خرج إِلى المصلّى فاستسقى، فاستقبل القبلة وقلب رداءه". ويخرج المسلمون للاستسقاء متذلّلين متواضعين متخشّعين متضرّعين، كما في حديث ابن عبّاس ﵄: قال: "خرج رسول الله ﷺ للاستسقاء متذلّلاً متواضعاً متخشعاً متضرّعاً" (٢). ويصلّي الإِمام ركعتين؛ يجهر فيهما بالقراءة؛ لحديث عبد الله بن زيد قال: "خرج النّبيّ ﷺ يستسقي، فتوجّه إِلى القبلة يدعو، وحوّل رداءه، ثمَّ صلّى ركعتين جهرَ فيهما بالقراءة" (٣).

стр. 602

ويقرأ بما تيسّر من القرآن العظيم، وليس هناك سُور معينة كما أشار شيخنا - حفظه الله تعالى- في "تمام المنّة" (ص ٢٦٤). ويكثر الإِمام من الدعاء لحديث عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إِلى رسول الله ﷺ قُحوط المطر، فأمَر بمنبر فوُضع له في المصلّى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه، قالت عائشة: فخَرَج رسول الله ﷺ وسلّم حين بدا حاجب الشمس (١). فقعد عى المنبر، فكبّر ﷺ وحمد الله ثمَّ قال: إِنّكم شكوتم جدْب دياركم واستئخار المطر عن إِبّان زمانه (٢) عنكم، وقد أمَركم الله أن تدْعوه، ووعدَكم أن يستجيب لكم. ثمَّ قال: الحمد لله ربّ العالمين الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. لا إله إلاَّ الله يفعل ما يريد، اللهمّ أنت الله لا إِله إلاَّ أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيث، واجعل ما أنزلتَ لنا قوّة وبلاغاً (٣) إِلى حين (٤) ثمَّ رفع

стр. 603

يديه (١)، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إِبطيه، ثمَّ حوَّل إِلى الناس ظهره، وقلب (٢) أو حوّل رداءه وهو رافع يديه، ثمَّ أقبل على الناس، ونزَل، فصلّى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت، ثمَّ أمطرت بإِذن الله فلم يأت مسجده، حتى سالت السيول، فلمّا رأى سرعتهم إِلى الكِنّ (٣) ضحك رسول الله حتى بدت نواجذه (٤) فقال: أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأنّي عبد الله ورسوله" (٥). ويستغفر كما في النص الآتي إِن شاء الله تعالى عن زيد بن أرقم، ويرفع الإِمام يديه وكذا المأمومون، ويبالغ الإِمام في الرفع كما في "البخاري": (١٠٣١)، "ومسلم" (٨٩٥): عن أنس يصف رفْع يديه: "وإنَّه يرفع حتى يُرى بياض إِبطيه". قال شيخنا -حفظه الله- في "تمام المِنّة" (ص ٢٦٥): " ... فأرى مشروعية المبالغة في الرفع للإِمام دون المؤتمّين". ويحوّل رداءه كما تقدّم، وقد ورد في ذلك حديث عبد الله بن زيد بلفظ:

стр. 604

"وحوّل رداءه، فقلّبه ظهراً لبطن" (١). وفي "صحيح البخاري" (١٠٢٧): قال سفيان: فأخبَرني المسعودي عن أبي بكر قال: جعَل اليمين على الشمال. ولا دليل لتحويل الناس أرديتهم (٢). وقد ورد ما يدل على أنَّ الخطبة قبل الصلاة كما في حديث عائشة المتقدّم عندما "خرج النّبيّ ﷺ حين بدا حاجب الشمس ... ". وجاء في "الفتح" (٢/ ٥١٥): "قال ابن بطال: حديث أبي بكر يدلّ على أنَّ الصلاة قبل الخطبة، لأنَّه ذكر أنَّه صلّى قبل قلْب ردائه، قال: وهو أضبط للقصّة من ولده عبد الله بن أبي بكر؛ حيث ذكَر الخطبة قبل الصلاة". ولفظ الحديث المشار إِليه: "خرج النّبيّ ﷺ إِلى المصلى يستسقي، واستقبل القِبلة فصلى ركعتين وقلب رداءه، قال سفيان فأخبَرني المسعودي عن أبي بكر قال جعل اليمين على الشمال" (٣). لا أذان ولا إِقامة للاستسقاء عن أبي إِسحاق: "خرج عبد الله بن زيد الأنصاري وخرج معه البراء بن عازب وزيد بن أرقم ﵃ فاستسقى، فقام بهم على رجليه على غير منبر، فاستغفر ثمَّ صلّى ركعتين يجهر بالقراءة، ولم يؤذّن ولم يُقم،

стр. 605

قال أبو إِسحاق ورأى عبد الله بن يزيد النّبيّ ﷺ " (١). "قال ابن بطال: أجمعوا على أنْ لا أذان ولا إِقامة للاستسقاء والله أعلم" (٢). سجود التلاوة فضله: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا قرأَ ابن آدم السجدة فسجد؛ اعتَزَل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله (٣) أُمِر ابن آدم بالسجود فسجدَ فله الجنّة، وأُمِرت بالسجود فأبَيْتُ فلي النار" (٤). حُكمه: سجود التلاوة سُنّةٌ، وبوّب لذلك الإِمام البخاري ﵀ بقوله: (باب من رأى أنَّ الله لم يوجب السجود) ثمَّ روى تحته (٥) أثر عمر

стр. 606

-﵁ أنَّه "قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النّحل، حتى إِذا جاء السجدة؛ نزل فسجَد وسجد الناس، حتى إِذا كانت الجمعة القابلة؛ قرأ بها حتى إِذا جاء السجدة قال: يا أيها الناسُ، إِنا نَمُرُّ بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إِثمَ عليه، ولم يسجد عمر ﵁. وزاد نافع عن ابن عمر ﵄: "إِنَّ الله لم يفرض السجود إلاَّ أن نشاء". وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: "قرأتُ على النّبيّ ﷺ والنجم؛ فلم يسجد فيها" (١). وذكر الحافظ -رحمه الله تعالى- عدّة احتمالات، ورجّح أنَّه تركها لبيان الجواز وقال: "وبه جزم الشافعي؛ لأنَّه لو كان واجباً لأمره بالسجود بعد ذلك". قال ابن حزم -رحمه الله تعالى-: "وليس السجود فرضاً لكنّه فضل" (٢). وجاء في "الفتح" (٢/ ٥٥٨): "ومن الأدلة على أنَّ سجود التلاوة ليس بواجب، ما أشار إِليه الطحاوي من أنّ الآيات التي في سجود التلاوة منها ما هو بصيغة الخبر ومنها ما هو بصيغة الأمر. وقد وقع الخلاف في التي بصيغة الأمر هل فيها سجود أو لا، وهي ثانية الحجّ وخاتمة النجم واقرأ، فلو كان سجود التلاوة واجباً؛ لكان ما ورَد بصيغة

стр. 607

الأمر أولى أن يُتفَق على السجود فيه ممّا ورد بصيغة الخبر". مواضع السجود قال ابن حزم -رحمه الله تعالى- في "المحلى" (٥/ ١٥٦): "في القرآن أربع عشرة سجدة: ١ - في آخر خاتمة سورة الأعراف (٧: ٢٠٦). ٢ - ثمَّ في الرعد (١٣: ١٥). ٣ - ثمَّ في النحل (١٦: ٤٩). ٤ - ثمَّ في "سبحان" (١٧: ١٠٧). ٥ - ثمَّ في "كهيعص" (١٩: ٥٨). ٦ - ثمَّ في الحجّ (٢٢: ١٨) في الأولى -وليس في آخرها- سجدة. ٧ - ثمَّ في الفرقان (٢٥: ٦٠). ٨ - ثمَّ في النمل (٢٧: ٢٥، ٢٦). ٩ - ثمَّ في "ألم تنزيل" (٣٢: ١٥). ١٠ - ثمَّ في "ص" (٣٨: ٢٤). ١١ - ثمَّ في "حم" فُصّلت (٤١: ٣٧). ١٢ - ثمَّ في "والنجم" (٥٣: ٦٢) في آخرها. ١٣ - ثمَّ في ﴿إِذا السماء انشقّت﴾ عند قوله تعالى: ﴿لا يسجدون﴾ (٨٤: ٢١).

стр. 608

١٤ - ثمَّ في "اقرأ باسم ربك" (٩٦: ١٩) في آخرها. وفي ذلك حديث غير ثابت بلفظ: "مواضع السجود في القرآن خمسة عشر موضعاً ... ". خرّجه شيخنا -حفظه الله- في "تمام المنّة" (ص ٢٦٩) قائلاً: " ... ليس بحسَن لأنَّ فيه مجهولين"، ثمَّ ذكر ما جاء في "التلخيص" للحافظ في ذلك وقال: (أي: شيخنا -حفظه الله-): ولذلك اختار الطحاوي أنْ ليس في الحج سجدة ثانية قرب آخرها، وهو مذهب ابن حزم في "المحلى"، قال: "لأنَّه لم يصحّ فيها سُنّة عن رسول الله ﷺ ولا أجمَع عليها، وصحّ عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبي الدرداء السجود فيها". ثمَّ ذهب ابن حزم إِلى مشروعية السجود في السجدات الأخرى المذكورة في الكتاب، وذكَر أن العشر الأولى متفق على مشروعية السجود فيها عند العلماء. وكذلك حكى الاتفاق عليها الطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ٢١١)، إلاَّ أنَّه جعَل سجدة (فُصّلت) بدل سجدة (ص). ثمَّ أخرجا كلاهما بأسانيد صحيحة عن رسول الله ﷺ أنَّه سجد في (ص) و (النجم) و (الانشقاق) و (اقرأ). وهذه الثلاث الأخيرة من المفصّل التي أشير إليها في حديث عمرو هذا. وبالجملة؛ فالحديث مع ضعف إِسناده قد شهد له اتفاق الأمّة على العمل بغالبه، ومجيء الأحاديث الصحيحة شاهدة لبقيّته، إلاَّ سجدة الحج الثانية فلم يوجد ما يشهد لها من السنّة والاتفاق، إلاَّ أن عمل بعض الصحابة على السجود فيها، قد يستأنس بذلك مشروعيتها، ولا سيما ولا يُعرَف لهم

стр. 609

مخالِف. والله أعلم". هل يشترط له ما يشترط للصلاة ؟ لا يشترط لسجود التلاوة ما يشترط للصلاة. ففي "صحيح البخاري" (١) مُعلّقاً مجزوماً به "وكان ابن عمر ﵄ يسجد على غير وضوء" (٢). وإِلى هذا ذهب ابن حزم -رحمه الله تعالى- في "المحلّى" (٥/ ١٥٧) فقد قال فيه: "ويسجد لها في الصلاة الفريضة والتطوّع، وفي غير الصلاة في كلّ وقت، وعند طلوع الشمس وغروبها واستوائها؛ إِلى القبلة، وإِلى غير القبلة وعلى طهارة وعلى غير طهارة". وقال (ص ١٦٥): "وأمّا سجودها على غير وضوء، وإِلى غير القبلة كيف ما يمكن؟ فلأنّها ليست صلاة، وقد قال ﵇: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" (٣) فما كان أقلّ من ركعتين فليس صلاة، إلاَّ أن يأتيَ نصٌّ بأنَّه صلاة، كركعة الخوف، والوتر، وصلاة الجنازة، ولا نصّ في أنّ سجدة التلاوة صلاة. وجاء في "الاختيارات" (ص ٦٠): "فليس هو صلاة، فلا يشترط له شروط

стр. 610

الصلاة، بل يجوز على غير طهارة، كان ابن عمر يسجد على غير طهارة، واختارها البخاري، لكن السجود بشروط الصلاة أفضل، ولا ينبغي أن يُخلّ بذلك إلاَّ لعُذر، فالسجود بلا طهارة خير من الإِخلال به ... ". وقال الشوكاني ﵀: "ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدلّ على اعتبار أن يكون الساجد متوضّئاً، وقد كان يسجد معه ﷺ من حضَر تلاوته، ولم يُنقل أنَّه أمَر أحداً منهم بالوضوء، ويبعُد أن يكونوا جميعاً متوضئين .... " (١). هذا وقد وردت بعض الآثار في اشتراط الطهارة ذكَرها الحافظ في "الفتح" وغيره، والأرجح ما تقدّم بيانه من عدم اشتراط ذلك والله تعالى أعلم. هل ثبت فيه التكبير ؟ أمَّا التكبير ففيه نصوص مرفوعة لا تصحّ وانظر لذلك "تمام المنّة" (ص ٢٦٧): "وفيه يقول شيخنا -حفظه الله تعالى-: وقد روى جمْع من الصحابة سجوده ﷺ للتلاوة في كثير من الآيات؛ في مناسبات مختلفة؛ فلم يذكُرْ أحدٌ منهم تكبيره ﵇ للسجود، ولذلك نميل إِلى عدم مشروعيّة هذا التكبير، وهو رواية عن الإِمام أبي حنيفة ﵀. وقال -حفظه الله- (ص ٢٦٩): وأخرج (أي: ابن أبي شيبة) عن أبي قلابة وابن سيرين أنَّهما قالا: إِذا قرأ الرجل السجدة في غير الصلاة قال: الله أكبر، وإِسناده صحيح. وقال -حفظه الله تعالى-: ورواه عبد الرزاق في "المصنّف"

стр. 611

(٣/ ٣٤٩/٥٩٣٠) بإِسناد آخر صحيح عنهما نحوه ثمَّ روى التكبير عند سجود التلاوة هو والبيهقي عن مسلم بن يسار، وإِسناده صحيح". انتهى. الدعاء فيه: عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل؛ يقول في السجدة مراراً: سجدَ وجهي للذي خلقه وشقَّ سمْعَه وبصرَه بحوله وقوّته" (١). عن ابن عبّاس ﵄ قال: "كنت عند النّبيّ ﷺ فأتاه رجل فقال: إِنّي رأيت البارحة، فيما يرى النائم، كأني أُصلّي إِلى أصْل شجرة. فقرأْتُ السجدة، فسجدتُ، فسجدتِ الشجرة لسجودي. فسمعتُها تقول: اللهمّ احطُط عني بها وِزراً، واكتب لي بها أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً. قال ابن عبّاس ﵄: فرأيت النّبيّ ﷺ قرأ السجدة فسجد. فسمعتُه يقول في سجوده مِثل الذي أخبَره الرجل عن قول الشجرة" (٢).

стр. 612

السجود في الصلاة الجهرية: يشرع للإِمام والمنفرد أن يسجد حين يقرأ آية السجدة في الصلاة الجهرية. وبوّب لذلك الإِمام البخاري -رحمه الله تعالى- في "صحيحه" في "كتاب سجود القرآن" بقوله: (باب من قرأ السجدة في الصلاة فسجَد معها). ثمَّ ذكر حديث أبي رافع برقم (١٠٧٨) (١) قال: "صلّيتُ مع أبي هريرة العَتَمَة، فقرأ: ﴿إِذا السماء انشقّت﴾ فسجد، فقلتُ: ما هذه؟ قال سجدْت بها خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد حتى ألقاه". أمَّا الصلاة السرّية، فقد نُقل عن الإِمام مالك كراهية ذلك، وهو قول بعض الحنفية أيضاً وغيرهم. وانظر "الفتح" (٢/ ٥٥٩). وقال شيخنا في "تمام المِنّة" (ص ٢٧٢): " ... فالحقّ ما ذهب إِليه أبو حنيفة من الكراهية، وهو ظاهر كلام الإِمام أحمد ... ". السجود لسجود القارئ: عن ابن عمر ﵄ قال: "كان النّبيّ ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد؛ حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته" (٢).

стр. 613

سجود الشكر "إِذا وَرَدت لله تعالى على المرء نعمة [أو صرف عنه نقمة]؛ فيستحبّ له السجود؛ لأنَّ السجود فِعْل خير، وقد قال الله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ (١) (٢) ". انتهى. وعن أبي بكرة ﵁: "أنَّ النّبيّ ﷺ كان إِذا أتاه أمر يُسَرّ به؛ خرَّ ساجداً" (٣). وعن أنس بن مالك، "أن النّبيّ ﷺ بُشّر بحاجة؛ فخرّ ساجداً" (٤). "وخرّ النّبيّ ﷺ ساجداً لمّا جاءه كتاب عليّ بإِسلام همدان" (٥). وعن طارق بن زياد: "أنَّ علياً سجد حين وجَد ذا الثديّة في الخوارج (٦) " (٧).

стр. 614

عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك؛ عن أبيه قال: "لمّا تاب الله عليه خرَّ ساجداً" (١). قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في "الإِرواء" (٢/ ٢٣٠) -بعد تخريج عدد من الأحاديث في سجود الشكر-: " ... وبالجملة، فلا يشكّ عاقل في مشروعية سجود الشكر بعد الوقوف على هذه الأحاديث، لا سيّما وقد جرى العمل عليها من السلف الصالح ﵃". انتهى. وحُكمه حُكم سجود التلاوة، ولا يشترط له ما يشترط للصلاة من الوضوء واستقبال القبلة والتكبير والتسليم ... الخ. جاء في "الاختيارات" (ص ٦٠): "وسجود الشكر لا يفتقر إِلى طهارة، كسجود التلاوة". سجود السهو سنّ رسول الله ﷺ حين يسهو الإِنسان في صلاته؛ أن يسجد سجدتين جبراً لذلك. قال في "سفر السعادة" (٢) (ص ٤٩): "مِن جملة مِنَن الحقّ تعالى ونِعمَه على الأمّة المحمّدية أنَّ النّبيّ ﷺ كان يسهو في الصلاة لتقتدي به في التشريع، وإذ ذاك يقول: "إِنّما أنا بشرٌ مِثلُكم؛ أنسى كما تنسَون، فإِذا نسيتُ

стр. 615

فذكّروني" (١) حُكمه: سجود السهو واجب لأمر النّبيّ ﷺ به، من ذلك قوله ﷺ : "إِذا شكّ أحدكم في صلاته، فليتحرّ الصواب، فليتمّ عليه ثمَّ ليُسلِّم، ثمَّ يسجد سجدتين" (٢). وهو قول جمهور العلماء (٣) كيفيته (٤): يسجد المصلّي سجدتين حين يسهو؛ قبل التسليم أو بعده، جاء في "الروضة النديّة" (١/ ٣٢٧) -بحذف-: "ووجه التخيير أنّ النّبيّ ﷺ صح عنه أنَّه سجَد قبل التسليم، وصحّ عنه أنَّه سجَد بعده، أمّا ما صحّ عنه مما يدلّ على أنَه قبل التسليم؛ فحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : "إِذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلّى؟ ثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشَّكَّ وليبنِ على ما استيقن، ثمَّ يسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، فإِنْ كان صلّى خمساً، شفَعْن له صلاته، وإِنْ كان صلّى إِتماماً

стр. 616

لأربع؛ كانتا ترغيماً للشيطان (١) "" (٢). وأمّا ما صحّ عنه مما يدلّ على أنَه بعد التسليم؛ فكحديث ذي اليدين الثابت في "الصحيحين"، فإِنّ فيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلّم سجد بعد ما سلّم". انتهى. ولفظ الحديث الذي أشار إِليه في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "صلّى بنا النّبيّ ﷺ الظهر أو العصر، فسلَّم فقال له ذو اليدين: الصلاة يا رسول الله أنقصَت؟ فقال النّبيّ ﷺ لأصحابه أحقٌ ما يقول، قالوا: نعم فصلّى ركعتين أُخريين ثمَّ سجد سجدتين، قال سعدٌ ورأيت عُروة ابن الزبير صلّى من المغرب ركعتين، فسلّم وتكلّم ثمَّ صلّى ما بقيَ وسجد سجدتين، وقال هكذا فعَل النّبيّ ﷺ " (٣). ثمَّ قال بعد أن ذكَر عدداً من النصوص: "فهذه الأحاديث المصرِّحة بالسجود تارة قبل التسليم وتارة بعده، تدّل على أنَّه يجوز جميع ذلك. ولكنّه ينبغي في موارد النصوص أن يفعل كما أرشد إِليه الشارع، فيسجد قبل

стр. 617

التسليم فيما أرشد إِلى السجود فيه قبل التسليم، ويسجد بعد التسليم فيما أرشد فيه إِلى السجود بعد التسليم، وما عدا ذلك فهو بالخِيار والكلّ سنّة. وقال بعد أن ذكر أقوال الأئمّة الأربعة - رحمهم الله تعالى- ولا يشكّ مُنصِف، أنَّ الأحاديث الصحيحة مصرِّحة بأنَّه كان يسجد في بعض الصلوات قبل السلام، وفي بعضها بعد السلام، فالجزم بأنّ محلّهما بعد السلام فقط طرْح لبعض الأحاديث الصحيحة، لا لموجب؛ إِلا لمجرّد مخالفتها لما قاله فلان أو فلان؛ كما أنَّ الجزم بأنّ محلّهما قبل التسليم فقط؛ طرح لبعض الأحاديث الصحيحة لمِثل ذلك ..... والحقّ عندي أنَّ الكل جائز وسنّة ثابتة، والمصلّي مُخيَّر بين أن يسجد قبل أن يسلّم، أو بعد أن يسلم، وهذا فيما كان من السهو غير موافق للسهو الذي سجد له ﷺ قبل السلام أو بعده. وأمَّا في السهو الذي سجد له ﷺ فينبغي الاقتداء به في ذلك، وإيقاع السجود؛ في المواضع الذي أوقعه فيه صلّى الله تعالى عليه وسلّم مع الموافقة في السهو، وهي مواضع محصورة مشهورة؛ يعرفها من له اشتغال بعلم السنّة المطهّرة". انتهى. قلت: أمَّا من لم يكن له اشتغال بالسنّة المطهرة، فله أن يسجد قبل التسليم أو بعده، وذلك من باب التيسير الذي هو سِمة هذا الدين. وقد أفادني شيخنا -حفظه الله- جواز ذلك سواءٌ أكان ذلك قبل التسليم أو بعده. انتهى. جاء في "شرح النووي" (٥/ ٥٦): "قال القاضي عياض ﵀ وجماعة من أصحابنا: ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء

стр. 618

(بعد أن ذكر أقوالهم) أنَّه لو سجد قبل السلام أو بعده للزيادة أو النقص أنَّه يجزئه، ولا تفسد صلاته، وإِنّما اختلافهم في الأفضل". ونقل الماوردي الإِجماع على الجواز وإِنّما الخلاف في الأفضل (١). كما في "الفتح" (٣/ ٩٤). الأحوال التي يشرع فيها (٢). ١ - إِذا سلّم قبل إِتمام الصلاة لحديث ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: "صلّى بنا رسول الله ﷺ إِحدى صلاتَي العَشيِّ (٣)، إِمَّا الظهر وإِمَّا العصر، فسلَّمَ في ركعتين ثمَّ أتى جِذعاً (٤) في قبلة المسجد فاستند إِليها مُغضَباً، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يتكلَّما وخرج سَرَعانُ النّاس (٥) قُصِرت الصلاة، فقام ذو اليدين (٦) فقال: يا رسول الله! أقُصِرت الصلاة أم نَسيت؟ فنظر النّبيّ ﷺ يميناً وشمالاً، فقال: "ما يقول ذو اليدين؟ " قالوا: صدق، لم تُصلِّ إلاَّ ركعتين، فصلّى ركعتين وسلّم ثمَّ كبَّر ثمَّ سجد، ثمَّ كبّر

стр. 619

فرفع، ثمَّ كبَّر وسجد، ثمَّ كبّر ورفع (١) قال: وأخبرْتُ عن عمران بن حصين أنَّه قال: وسلّم". ٢ - عند الزيادة على الصلاة؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّ النّبيّ ﷺ صلّى الظهر خمساً، فلمّا سلّم قيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صلَّيت خمساً، فسجد سجدتين (٢). ٣ - عند نسيان مسنون؛ لحديث ثوبان ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "لكلِّ سهوٍ سجدتان بعد ما يسلِّم" (٣). وبيّن الشوكاني ﵀ في "السيل الجرار" (١/ ٢٧٥): أنَّ السجود لترك مسنون لا يكون واجباً، لئلا يزيد الفرع على أصله، فغايته أن يكون مسنوناً كأصله. ولم يَرِد في ترْك المسنون ما يدلّ على وجوب سجود السهو له ... بل يختصّ الوجوب بما ورد الأمر به؛ كالأحاديث التي فيها "ليسجد سجدتين" وليس ذلك في ترك المسنون. انتهى. وأشار إِلى ذلك شيخنا -حفظه الله تعالى- في "تمام المنّة" (ص ٢٧٣). ٤ - عند نسيان التشهّد الأوسط؛ لحديث عبد الله بن بحينة -رضي الله

стр. 620

عنه- أنَّه قال: "إِنّ رسول الله ﷺ قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما، فلمّا قضى صلاته؛ سجد سجدتين، ثمَّ سلّم بعد ذلك" (١). وعن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا قام الإِمام في الركعتين؛ فإِنْ ذكر قبل أن يستويَ قائماً فليجلس، فإِن استوى قائماً فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو" (٢). قال شيخنا -حفظه الله- في "الصحيحة": "وهو يدلّ على أنَّ الذي يمنع القائم من العودة إِلى التشهُّد، إِنّما هو إِذا استتمّ قائماً، فأمّا إِذا لم يستتمَّ قائماً؛ فعليه الجلوس، ففيه إِبطال القول الوارد في بعض المذاهب: إِنه إِذا كان أقرب إِلى القيام لم يرجع، وإذا كان أقرب إِلى القعود قعد؛ فإِنَّ هذا التفصيل؛ مع كونه ممَّا لا أصل له في السنَّة؛ فهو مخالف للحديث، فتشبَّثْ به، وعضَّ عليه بالنواجذ، ودع عنك آراء الرجال ... ". وانظر للمزيد -إِن شئت- الحديث (٢٤٥٧) من "الصحيحة" وما ذكر شيخنا -شفاه الله وعافاه- من الفوائد. ٥ - عند الشكّ في عدد الركعات أو السجدات. عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعْت النّبيّ ﷺ يقول: "إِذا سها أحدكم

стр. 621

في صلاته، فلم يدْر واحدة صلّى أو اثنتين، فليبْنِ على واحدة، فإِن لم يدر ثنتين صلّى أو ثلاثاً؟ فليبْن على ثنتين، وإِن لم يدر ثلاثاً صلّى أو أربعاً؟ فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يُسلّم" (١). وعن أنس عن النّبيّ ﷺ قال: "إِذا شكّ أحدكم في صلاته فلم يدر اثنتين صلّى أو ثلاثاً، فليُلْقِ الشكّ، وليبن على اليقين" (٢). فإِذا شكّ المصلي أسجد سجدة واحدة أم سجدتين، بنى على الأقلّ، ثمَّ سجد سجدتي السهو. وقد تقدّم حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يدْر كم صلّى؟ ثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشكّ، وليَبْنِ على ما استيقن، ثمَّ يسجدُ سجدتين قبل أن يسلّم. فإِن كان صلّى خمساً؛ شَفعن له صلاته، وإِنْ كان صلّى إِتماماً لأربع؛ كانتا ترغيماً للشيطان". قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في "تمام المنّة" (ص ٢٧٣) - بتصرّف-: " ... قد جاء عنه ﷺ ما يدلّ على أنَّ الحديثين المشار إِليهما ليسا على إِطلاقهما، بل هما مقيّدان بمن لم يغلب على رأيه شيء، فهذا هو الذي يبني على الأقلّ، وأمّا من ظهر له الصواب، ولو كان الأكثر، فإِنَّه يأخذ به ويبني عليه، وذلك قوله ﷺ : "إِذا شَكّ أحدكم في صلاته فليتحرّ الصواب

стр. 622

(في رواية: فلينظر أحرى ذلك إِلى الصواب. وفي أخرى: فلينظر الذي يرى أنَّه الصواب. وفي أخرى: فليتحرّ أقرب ذلك من الصواب)، فليتمّ عليه، ثمَّ ليسلّم، ثمَّ يسجد سجدتين". أخرجه الشيخان وأبو عوانة في "صحاحهم"، والرواية الثانية والثالثة لهم إلاَّ البخاري، والرابعة للنسائي، وهو عندهم من حديث ابن مسعود ﵁. وإِنَّ قوله ﷺ : "فلينظر الذي يرى أنَّه الصواب"؛ كالصريح في الأخذ بما يغلب على رأيه، ويؤيّده قوله في حديث أبي سعيد: "فلم يَدْرِ كمْ صلّى"، فإِنَّ مفهومه أنَّ من تحرّى الصواب بعد الشكّ حتى درى كم صلّى - أنه ليس له أن يبنيَ على الأقلّ، بل حُكم هذه المسألة مسكوت عنه في هذا الحديث، وقد تولّى بيانه حديث ابن مسعود، حيث أمرَ ﷺ فيه بالأخذ بما يظنّ أنَّه أقرب إِلى الصواب، سواءٌ كان الأقلّ أو الأكثر، ثمَّ يسجد بعد التسليم سجدتين. وأمّا في حالة الحيرة وعدم الدراية، فإِنَّه يبني على الأقلّ، ويسجد قبل التسليم، وفي هذا إِشارة إِلى اختلاف ما في الحديثين من الفقه، فتأمّل. وبعد: فإِن هذه المسألة تحتاج كثيراً من البسط والشرح والتحقيق، ولعل ما ذكرتُه هاهنا؛ يكفي في بيان ما أردْته من إِثبات وجوب الأخذ بالظنّ الغالب إِذا وجد، وهو خلاصة رسالة كنت ألّفْتها في هذه المسألة؛ رددتُ فيها على النووي بتفصيل، وبيَّنتُ فيها معنى الشكّ المذكور في حديث أبي سعيد، ومعنى التحري الوارد في حديث ابن مسعود ... ".

стр. 623

صُوَر التحرّي: وصور التحرّي كثيرة؛ منها: "أن يستدلّ على ذلك بموافقة المأمومين، إِذا كان إِمامًا، وقد يتذكّر ما قرأ به في الصلاة، فيذكُر أنَّه قرأ بسورتين في ركعتين، فيعلم أنَه صلّى ركعتين لا ركعة، وقد يذكر أنَّه تشهّد التشهّد الأوّل، فيعلم أنَّه صلّى ثنتين لا واحدة، وأنَّه صلّى ثلاثاً لا اثنتين، وقد يذكُر أنَّه قرأ الفاتحة وحدها في ركعة، فيعلم أنَّه صلّى أربعاً لا ثلاثاً، وقد يذكُر أنَّه صلّى بعد التشهد الأوّل ركعتين، فيعلم أنَّه صلّى أربعًا لا ثلاثًا، واثنتين لا واحدة، وقد يذكُر أنَّه تشهَّد التشهُّد الأوّل، والشك بعده في ركعة، فيعلم أنَّه صلّى ثلاثاً لا اثنتين. ومنها: أنَّه قد يعرض له في بعض الركعات: إِمّا من دعاء وخشوع وإمّا من سعال ونحوه، وإِمّا من غير ذلك، ما يعرف به تلك الركعة، ويعلم أنَّه قد صلّى قبلها واحدة أو اثنتين، أو ثلاثاً، فيزول الشكّ" (١). السهو في سجود السهو: ذكر ابن المنذر في "الأوسط" (٣/ ٣٢٧) عن إِسحاق إِجماع أهل العلم من التابعين أنه ليس على من سها في سجود السهو سجود سهو.

стр. 624

صلاة الجماعة حُكمها: صلاة الجماعة واجبة على الأعيان على كلِّ مُصلٍّ، إلاَّ من عُذر، ودليل ذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿وإِذا كُنتَ فيهم فأقمْتَ لهم الصلاة فلتقُم طائفةٌ منهم معك﴾ (١). وفيه دليلان: أحدهما: أنَّه أمَرهم بصلاة الجماعة معه في صلاة الخوف، وذلك دليل على وجوبها حال الخوف، وهو يدلّ بطريق الأولى على وجوبها حال الأمن. الثاني: أنَّه سنّ صلاة الخوف جماعة، وسوَّغ فيها ما لا يجوز لغير عذر، كاستدبار القبلة، والعمل الكثير، فإِنَّه لا يجوز لغير عُذر بالاتفاق، وكذلك مفارقة الإِمام قبل السلام عند الجمهور، وكذلك التخلف عن متابعة الإِمام، كما يتأخّر الصف المؤخّر بعد ركوعه مع الإِمام، إذا كان العدوّ أمامهم. قالوا: وهذه الأمور تبطل الصلاة لو فُعلت لغير عذر، فلو لم تكن الجماعة واجبة بل مستحبّة؛ لكان قد التزم فعل محظور مبطلٍ للصلاة، وتُركت المتابعة الواجبة في الصلاة لأجل فِعْل مستحبّ، مع أنَّه قد كان من الممكن أن يصلّوا وِحدانا صلاة تامّة فعُلم أنها واجبة (٢).

стр. 625

٢ - وقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتو الزكاة واركعوا مع الراكعين﴾ (١). قال ابن كثير في "تفسيره": وقد استدلّ كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب الجماعة. قال القرطبي في "تفسيره" -بحذف-: "قوله تعالى: ﴿مع الراكعين﴾ مع: تقتضي المعيّة والجمعيّة، ولهذا قال جماعة من أهل التأويل بالقرآن: إِنَّ الأمر بالصلاة أوّلاً؛ لم يقتضِ شهود الجماعة، فأمَرهم بقوله: "مع" شهود الجماعة. وقد اختلف العلماء في شهود الجماعة على قولين: فالذي عليه الجمهور أنَّ ذلك من السُّنن المؤكدة. وقد أوجبها بعض أهل العلم فرضاً على الكفاية. وقال داود: الصلاة في الجماعة فرضٌ على كلّ أحد في خاصّته كالجمعة، وهو قول عطاء بن أبي رباح وأحمد بن حنبل وأبي ثور وغيرهم. وقال الشافعي: "لا أرخّص لمن قدر على الجماعة؛ في ترْك إِتيانها إلاَّ مِن عُذر حكاه ابن المنذر ... ". ثمَّ ذكر العديد من الأدلة وقال: "هذا ما احتَجّ به من أوجب الصلاة في الجماعة فرضاً، وهي ظاهرة في الوجوب ... ". ٣ - وما جاء في "صحيح مسلم" (٦٥٣) تحت (باب يجب إِتيان المسجد على من سمع النداء) من حديث أبي هريرة ﵁ قال:

стр. 626

"أتى النّبيَّ ﷺ رجلٌ أعمى، فقال: يا رسول الله! إِنَّه ليس لي قائد يقودُني إِلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يُرخِّص له فيصلّي في بيته، فرخَّص له، فلمّا ولَّى دعاه فقال: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " فقال: نعم. قال: فأجِب". ٤ - وعن ابن عبّاس ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: "من سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة له إلاَّ من عُذر" (١). ٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لقد هممتُ أن آمر بحطبٍ فيُحطب، ثمَّ آمرُ بالصلاة فيؤذَّنُ لها، ثمَّ آمرُ رجلا فيؤمَّ الناس، ثمَّ أُخالفُ إِلى رجالٍ فأحرِّقُ عليهم بيوتهم. والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنَّه يجد عَِرَقاً (٢) سميناً أو مِرماتين (٣) حسنتين

стр. 627

لشهد العشاء" (١). ٦ - وعن عبد الله بن مسعود قال: "من سرَّه أن يلقى الله غداً مُسلماً؛ فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بهنَّ، فإِنَّ الله شرع لنبيِّكم ﷺ سُنن الهدى (٢)، وإِنَّهنَّ من سنن الهدى ولو أنّكم صليتم في بيوتكم؛ كما يصلّي هذا المتخلِّف في بيته لتركْتم سُنّة نبيِّكم، ولو تركتم سُنَّة نبيِّكم لضللتم، وما من رجلٍ يتطهَّر فيحسن الطُّهور، ثمَّ يعمد إِلى مسجد من هذه المساجد، إلاَّ كتَب الله له بكل خطوة يخطوها حسنةً، ويرفعه بها درجةً، ويحطّ عنه بها سيِّئةً، ولقد رأيتُنا وما يتخلَّف عنها إلاَّ منافقٌ معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقامَ في الصَّفِّ" (٣). قال القرطبي -رحمه الله تعالى- عقب هذا الحديث: "فبيَّن ﵁ في حديثه أنَّ الإِجماع سُنَّة من سُنن الهدى وترْكه ضلال، ولهذا قال القاضي أبو الفضل عياض: اختُلف في التمالؤ على ترْك ظاهر السُّنن؛ هل يقاتَل عليها أو لا؛ والصحيح قتالهم؛ لأنَّ في التمالؤ عليها إِماتتها" انتهى. ٧ - وعن أبي الدرداء ﵁ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "ما من ثلاثةٍ في قرية ولا بدو، لا تقام فيهم الصلاة، إِلا قد استحوذَ (٤) عليهم

стр. 628

الشيطان، فعليكم بالجماعة؛ فإِنَّما يأكل الذئب من الغنم القاصية" (١). قال شيخنا في "تمام المنّة" (ص ٢٧٥): " ... فهو من الأدلّة على وجوبها، إِذ أنَّ مَن تَرَك سنّة، بل السّنن كلّها -مع المحافظة على الواجبات- لا يُقال فيه: "استحوذ عليه الشيطان ... ". ٨ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا كانوا ثلاثة، فليؤمّهم أحدهم، وأحقّهم بالإِمامة أقرؤهم" (٢). ففي كلمة (فليؤمّهم) لام الأمر، والأمر يفيد الوجوب إلاَّ لقرينة تصرفه، والقرائن مؤكّدة؛ لا صارفة. ٩ - وجاء في صحيح البخاري: (باب وجوب صلاة الجماعة) ثمَّ قال: وقال الحسن: إِنْ منَعته أمّه عن العشاء في الجماعة شفقةً لم يُطعها. قال الحافظ (٢/ ١٢٥): "هكذا بتَّ الحُكم في هذه المسألة، وكأنَّ ذلك لقوة دليلها عنده ... ". وقال ﵀: "وقد وجدْته بمعناه وأتمّ منه وأصرح؛ في كتاب "الصيام" للحسن بن الحسن المروزي بإِسناد صحيح عن الحسن في رجل يصوم -يعني تطوّعاً- فتأمره أمّه أن يفطر، قال: فليفطر ولا قضاء عليه، وله

стр. 629

أجر الصوم وأجر البرّ. قيل: فتنهاه أن يصلّيَ العشاء في جماعة، قال: ليس ذلك لها، هذه فريضة". وقد استدلّ بعض العلماء على عدم وجوب الصلاة، ببعض الأحاديث التي تفيد صحة صلاة المنفرد (١) وأنَّ له درجة واحدة [و] هذا لا يُنافي الوجوب الذي من طبيعته أن يكون أجره مضاعفاً على أجر ما ليس بواجب؛ كما هو واضح. أفاده شيخنا في "تمام المنّة" (ص ٢٧٧). فائدة: ينبغي الحرص على الجماعة حيث كانت في المسجد أو غيره، في السفر أو الحضر. جاء في "الأوسط" (٤/ ١٣٨): "قال الشافعي: ذكر الله الأذان بالصلاة فقال: ﴿وإِذا ناديتم إِلى الصلاة ... ﴾ (٢) الآية، وقال: ﴿إِذا نودي للصّلاة من يوم الجمعة فاسعوا إِلى ذكر الله ... ﴾ الآية (٣)، وسنّ رسول الله ﷺ الأذان للصلوات المكتوبات، فأشبه ما وصفْتُ أن لا يحلّ ترك أن يصلّي كلّ مكتوبة في جماعة، حتى لا يخلّي جماعة مقيمون ولا مسافرون من أن يصلّي فيهم صلاة جماعة، فلا أرخص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إِتيانها إِلا من عذر".

стр. 630

فضلها: ١ - عن ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة تفضُل صلاة الفَذ بسبع وعشرين درجة" (١). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الرجل في الجماعة تُضَعَّفُ على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً، وذلك أنَّه إِذا توضّأ فأحسَن الوضوء، ثمَّ خرج إِلى المسجد لا يُخرجه إلاَّ الصلاة، لم يَخْطُ خُطوة إلاَّ رُفعتْ له بها درجةٌ وحُطَّ عنه بها خطيئةٌ، فإِذا صلّى لم تَزَل الملائكة تُصلّي عليه ما دام في مصلاّه: اللهمّ صَلِّ عليه، اللهمَّ ارحمه، ولا يزالُ أحدُكم في صلاةٍ ما انتظر الصلاة" (٢). ٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من غدا إلى المسجد وراح أعدّ (٣) الله له نزُله (٤) من الجنّة كلما غدا أو راح" (٥).

стр. 631

وانظر للمزيد كتاب "صحيح الترغيب والترهيب" (الترغيب في صلاة لجماعة). حضور النساء الجماعة في المساجد وفضل صلاتهنّ في بيوتهنّ (١) يجوز للنساء الخروج إِلى المسجد وشهود الجماعة، بشرط اجتناب ما ثير الشهوة، ويدعو إِلى الفتنة من الزينة والطيب. فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول ﷺ : "لا تمنعوا نساءَكم المساجد، وبيوتهنّ خيرٌ لهنّ" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تمنعوا إِماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهنّ تَفِلات (٣) " (٤). وعنه ﵁ أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "أيُّما امرأةٍ أصابت بَخُورا (٥)، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة" (٦). والأفضل لهنّ الصلاة في بيوتهنّ، لحديث ابن عمر ﵄ المتقدّم: "وبيوتهنّ خيرٌ لهنّ".

стр. 632

ولحديث أمّ حميد امرأة أبي حميد الساعدي ﵄: "أنّها جاءت إِلى النّبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله! إِنّي أُحبُّ الصلاة معك؟ قال: قد علمتُ أنّكِ تُحبّين الصلاة معي، وصلاتك في بيتكِ (١) خيرٌ من صلاتكِ في حُجرتِك (٢)، وصلاتكِ في حُجرتكِ خير من صلاتكِ في داركِ، وصلاتك في داركِ خيرٌ من صلاتكِ في مسجد قومكِ، وصلاتكِ في مسجد قومكِ خيرٌ من صلاتكِ في مسجدي. قال فأَمَرَتْ فبُني لها مسجدٌ في أقصى شيء من بيتها وأظلمِه، وكانت تصلّي فيه، حتى لقيَت الله " (٣). وعن عبد الله بن مسعود عن النّبيّ ﷺ قال: "صلاة المرأة في بيتها؛ أفضل من صلاتها في حُجرتها، وصلاتها في مخدعها (٤)؛ أفضل من صلاتها في بيتها" (٥). وانظر للمزيد إن شئت في "صحيح الترغيب والترهيب" (ترغيب النساء في الصلاة في بيوتهنّ ولزومها، وترهيبهنّ من الخروج منها).

стр. 633

الترغيب في المشي إِلى المسجد الأبعد والأكثر جمعاً عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إِسباغ الوضوء على المكاره. وكثرة الخُطا إِلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط (١) " (٢). وعن عقبة بن عامر ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنه قال: "إِذا تطهَّر الرجل ثمَّ أتى المسجد يَرعى الصلاة، كتب له كاتباه أو كاتبه بكلِّ خطوةٍ يخطوها إلى المسجد عشر حسناتٍ، والقاعدُ يرعى الصلاة كالقانت، ويُكتبُ من المصلّين، من حين يَخرُجُ من بيته حتى يرجع إِليه" (٣). وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 634

"لِيُبَشّرِ المشّاؤون في الظُلَّم إِلى المساجد بالنور التامّ يوم القيامة" (١). وعن أبي أمامة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من خرج من بيته متطهراً إِلى صلاة مكتوبةٍ؛ فأجْره كأجر الحاج المحْرم، ومن خرج إِلى تسبيح الضحى (٢) لا يُنْصبه (٣) إلاَّ إِياه، فأجره كأجر المعتمر، وصلاةٌ على إِثر (٤) صلاةٍ، لا لغوَ بينهما كتاب في عليين" (٥). وانظر للمزيد -إِن شئت- "كتاب صحيح الترغيب والترهيب" (باب الترغيب في المشي إِلى المساجد ... ). استحباب تخفيف الإِمام: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا صلى أحدكم للنّاس فليخفّف، فإِنَّ منهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلّى أحدكم لنفسه فليطوِّل ما شاء" (٦).

стр. 635

وعن أبي مسعود ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "يا أيها النّاس إِنَّ منكم منفّرين فمن أمّ النّاس فليتجوّز (١)، فإِنَّ خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة" (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنّي لأدخُل الصلاة أريد إِطالتها، فأسمع بكاء الصبيّ، فأخفّف مِن شدّة وجْد (٣) أمِّه به" (٤). وعن أنس بن مالك ﵁ أيضاً قال: "ما صليتُ وراء إِمام قطّ أخفّ صلاة ولا أتمّ من النّبيّ ﷺ " (٥). وعنه أيضاً: "كان النّبيّ ﷺ يوجز الصلاة ويُكْمِلها" (٦). قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٢٠١): "المراد بالايجاز مع الإِكمال: الإِتيان بأقلّ ما يمكن من الأركان والأبعاض". وانظر للمزيد -إِن شئت- "صحيح مسلم" "كتاب الصلاة" (باب أمر الأئمّة بتخفيف الصلاة في تمام).
следующие страницы →