← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وانظر للمزيد كتاب "صحيح الترغيب والترهيب" (الترغيب في صلاة لجماعة). حضور النساء الجماعة في المساجد وفضل صلاتهنّ في بيوتهنّ (١) يجوز للنساء الخروج إِلى المسجد وشهود الجماعة، بشرط اجتناب ما ثير الشهوة، ويدعو إِلى الفتنة من الزينة والطيب. فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول ﷺ : "لا تمنعوا نساءَكم المساجد، وبيوتهنّ خيرٌ لهنّ" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تمنعوا إِماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهنّ تَفِلات (٣) " (٤). وعنه ﵁ أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "أيُّما امرأةٍ أصابت بَخُورا (٥)، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة" (٦). والأفضل لهنّ الصلاة في بيوتهنّ، لحديث ابن عمر ﵄ المتقدّم: "وبيوتهنّ خيرٌ لهنّ".

стр. 632

ولحديث أمّ حميد امرأة أبي حميد الساعدي ﵄: "أنّها جاءت إِلى النّبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله! إِنّي أُحبُّ الصلاة معك؟ قال: قد علمتُ أنّكِ تُحبّين الصلاة معي، وصلاتك في بيتكِ (١) خيرٌ من صلاتكِ في حُجرتِك (٢)، وصلاتكِ في حُجرتكِ خير من صلاتكِ في داركِ، وصلاتك في داركِ خيرٌ من صلاتكِ في مسجد قومكِ، وصلاتكِ في مسجد قومكِ خيرٌ من صلاتكِ في مسجدي. قال فأَمَرَتْ فبُني لها مسجدٌ في أقصى شيء من بيتها وأظلمِه، وكانت تصلّي فيه، حتى لقيَت الله " (٣). وعن عبد الله بن مسعود عن النّبيّ ﷺ قال: "صلاة المرأة في بيتها؛ أفضل من صلاتها في حُجرتها، وصلاتها في مخدعها (٤)؛ أفضل من صلاتها في بيتها" (٥). وانظر للمزيد إن شئت في "صحيح الترغيب والترهيب" (ترغيب النساء في الصلاة في بيوتهنّ ولزومها، وترهيبهنّ من الخروج منها).

стр. 633

الترغيب في المشي إِلى المسجد الأبعد والأكثر جمعاً عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إِسباغ الوضوء على المكاره. وكثرة الخُطا إِلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط (١) " (٢). وعن عقبة بن عامر ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنه قال: "إِذا تطهَّر الرجل ثمَّ أتى المسجد يَرعى الصلاة، كتب له كاتباه أو كاتبه بكلِّ خطوةٍ يخطوها إلى المسجد عشر حسناتٍ، والقاعدُ يرعى الصلاة كالقانت، ويُكتبُ من المصلّين، من حين يَخرُجُ من بيته حتى يرجع إِليه" (٣). وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 634

"لِيُبَشّرِ المشّاؤون في الظُلَّم إِلى المساجد بالنور التامّ يوم القيامة" (١). وعن أبي أمامة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من خرج من بيته متطهراً إِلى صلاة مكتوبةٍ؛ فأجْره كأجر الحاج المحْرم، ومن خرج إِلى تسبيح الضحى (٢) لا يُنْصبه (٣) إلاَّ إِياه، فأجره كأجر المعتمر، وصلاةٌ على إِثر (٤) صلاةٍ، لا لغوَ بينهما كتاب في عليين" (٥). وانظر للمزيد -إِن شئت- "كتاب صحيح الترغيب والترهيب" (باب الترغيب في المشي إِلى المساجد ... ). استحباب تخفيف الإِمام: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا صلى أحدكم للنّاس فليخفّف، فإِنَّ منهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلّى أحدكم لنفسه فليطوِّل ما شاء" (٦).

стр. 635

وعن أبي مسعود ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "يا أيها النّاس إِنَّ منكم منفّرين فمن أمّ النّاس فليتجوّز (١)، فإِنَّ خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة" (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنّي لأدخُل الصلاة أريد إِطالتها، فأسمع بكاء الصبيّ، فأخفّف مِن شدّة وجْد (٣) أمِّه به" (٤). وعن أنس بن مالك ﵁ أيضاً قال: "ما صليتُ وراء إِمام قطّ أخفّ صلاة ولا أتمّ من النّبيّ ﷺ " (٥). وعنه أيضاً: "كان النّبيّ ﷺ يوجز الصلاة ويُكْمِلها" (٦). قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٢٠١): "المراد بالايجاز مع الإِكمال: الإِتيان بأقلّ ما يمكن من الأركان والأبعاض". وانظر للمزيد -إِن شئت- "صحيح مسلم" "كتاب الصلاة" (باب أمر الأئمّة بتخفيف الصلاة في تمام).

стр. 636

وروى البيهقي في "الشعب" بإِسناد صحيح عن عمر قال: "لا تبغضوا إِلى الله عباده يكون أحدكم إِماماً فيطوّل على القوم الصلاة؛ حتى يبغض إِليهم ما هم فيه" (١). إِطالة الإِمام الركعة الأولى: عن أبي قتادة "أنَّ النّبيّ ﷺ كان يطوّل في الركعة الأولى (٢) من صلاة الظهر، ويقصر في الثانية، ويفعل ذلك في صلاة الصبح" (٣). وعن أبي قتادة ﵁ أيضاً عن النّبيّ ﷺ : " ... ويطوّل في الركعة الأولى؛ ما لا يطوّل في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح" (٤). وعنه كذلك قال: "فظنَنّا أنَّه يريد بذلك أن يدرك النّاس الركعة الأولى" (٥). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "لقد كانت صلاة الظهر تُقام فيذهب الذاهب إِلى البقيع، فيقضي حاجته [ثمَّ يأتي أهله فيتوضّأ]، ثمَّ

стр. 637

يأتي ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى ممّا يطوّلها (١). وجوب متابعة الإِمام وتحريم مسابقته: عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّما جُعل الإمام ليؤتمّ به، فلا تختلفوا عليه، فإِذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربّنا لك الحمد، وإِذا سجد فاسجدوا، وإِذا صلى جالساً فصلّوا جلوساً أجمعون، وأقيموا الصفّ في الصلاة، فإِنَّ إقامة الصفّ من حُسن الصلاة" (٢). وعنه ﵁ أيضاً عن النّبيّ ﷺ قال: "أمَا (٣) يخشى أحدكم -أو لا يخشى أحدُكم- إِذا رفع رأسه قبل الإِمام؛ أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار" (٤). عن أنس ﵁ قال: "صلّى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فلمّا قضى الصلاة؛ أقبل علينا بوجهه فقال: "أيها النّاس! إِنّي إِمامكم؛ فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف (٥) " (٦).

стр. 638

وعن البراء بن عازب قال: "كنّا نصلّي خلف النّبيّ ﷺ ، فإِذا قال: سمع الله لمن حمده؛ لم يحْنِ أحدٌ منّا ظهره؛ حتى يضع النّبيّ ﷺ جبهته على الأرض" (١). انعقاد الجماعة بواحد مع الإِمام: عن ابن عبّاس ﵄ قال: "بتُّ عند ميمونة، فقام النّبيّ ﷺ فأتى حاجته فغسل وجهه ويديه، ثمَّ نام، ثمَّ قام فأتى القربة فأطلق شناقها (٢)؛ ثمَّ توضّأ وضوءاً بين وضوءين لم يكثر وقد أبلغ، فصلّى فقمتُ فتمطّيتُ كراهية أن يرى أنّي كنتُ أتقيه، فتوضّأتُ، فقام يُصلّي فقمتُ عن يساره، فأخذ بأذُني فأدارني عن يمينه" (٣). وروى أبو سعيد الخدري ﵁: "أنَّ رجلاً دخل المسجد، وقد صلّى رسول الله ﷺ بأصحابه، فقال رسول الله ﷺ : "من يتصدّق على ذا، فيصلّي معه" فقام رجل من القوم فصلّى معه" (٤). وفي رواية عن الحسن بلفظ: " ... أنَّ رجلاً دخل المسجد وقد صلّى النّبيّ ﷺ فقال ألا رجل يقوم إِلى هذا فيصلّي معه، فقام أبو بكر فصلّى معه،

стр. 639

وقد كان صلّى تلك الصلاة" (١). إِدراك الإِمام: ينبغي متابعة الإِمام على أيّ حالٍ كان؛ إِذا لم يُدرك معه تكبيرة الإِحرام. عن عليّ ومعاذ بن جبل قالا: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أتى أحدكم الصلاة والإِمام على حال، فليصنع كما يصنع الإِمام" (٢). وعن ابن مُغفَّل المزني قال: قال النّبيّ ﷺ : "إِذا وجدتم الإِمام ساجداً فاسجدوا، أو راكعاً فاركعوا، أو قائماً فقوموا، ولا تعتدّوا بالسجود إِذا لم تدركوا الركعة". أخرجه إِسحاق بن منصور المروزي في "مسائل أحمد وإسحاق" (٣). والمسبوق يصنع مِثل ما يصنع الإِمام فيجلس معه التشهد الأخير ولا يقوم حتى يسلّم، ثمَّ يكبّر ويتمّ ما فاته.

стр. 640

من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا جئتم إِلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدّوها شيئاً، ومن أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة" (١). وعن ابن مُغفّل المزني قال: قال النّبيّ ﷺ : "إِذا وجدتم الإِمام ساجداً فاسجدوا، أو راكعاً فاركعوا، أو قائماً فقوموا، ولا تعتدُّوا بالسجود إِذا لم تدركوا الركعة" (٢). وعن زيد بن وهب قال: "خرجْتُ مع عبد الله من داره إِلى المسجد، فلمّا توسَّطنا المسجد ركَع الإِمام، فكبّر عبد الله ثمَّ ركَع، وركعتُ معه، ثمَّ مشينا راكعين حتى انتهينا إِلى الصفّ حتى رفع القوم رؤوسهم، قال: فلمّا قضى الإِمام الصلاة قمتُ وأنا أرى أنّي لم أدرِك، فأخذ بيدي عبد الله، فأجلَسني وقال: إِنّك قد أدركتَ"، قال شيخنا: وسنده صحيح، وله في الطبراني طرق أخرى (٣). وعن عبد الله بن عمر قال: "إِذا جئتَ والإِمام راكع، فوضعت يديك على ركبتيك قبل أن يرفع؛ فقد أدركت". قال شيخنا -حفظه الله- أخرجه ابن أبي شيبة: (١/ ٩٤/١) من طريق

стр. 641

ابن جريج عن نافع عنه، ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي إلاَّ أنَّه قرن مع ابن جريج مالكاً ولفظه: "من أدرك الإِمام راكعاً، فركع قبل أن يرفع الإِمام رأسه، فقد أدرك تلك الركعة". ثمَّ قال شيخنا -حفظه الله-: "وإِسناده صحيح، وأخرجه عبد الرزاق في "مصنّفه" (٢/ ٢٧٩/٣٣٦١) عن ابن جريج قال أخبَرني به نافع" (١). أعذار التخلف عن الجماعة: ١ - البرد أو المطر: عن نافع: "أنَّ ابن عمر أذَّن بالصلاة في ليلةٍ ذاتِ بردٍ وريح ثمَّ قال: ألا صلّوا في الرحال، ثمَّ قال: إِنَّ رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلةٌ ذاتُ بردٍ ومطر يقول: ألا صلُّوا في الرحال (٢) " (٣). وعن عبد الله بن الحارث ابن عمِّ محمّد بن سيرين قال: قال ابنُ عبّاس لمؤذّنه في يومٍ مطير: إِذا قلتَ أشهد أنَّ محمداً رسول الله فلا تقُل: حيَّ على الصلاة، قل: صلّوا في بيوتكم فكأنَّ النّاس استنكروا، قال: فعَله من هو خيرٌ منّي، إِنَّ الجُمعة عَزمةٌ (٤)، وإنِّي كرهتُ أن أحرجكم فتمشون في الطين

стр. 642

والدَّحْض (١) " (٢) ٢ - العلّة: عن محمود بن الربيع الأنصاري: "أنَّ عتبان بن مالك كان يؤمّ قومه وهو أعمى، وأنَّه قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، إِنَّها تكون الضلمة والسّيل، وأنا رجلٌ ضرير البصر، فصلِّ يا رسول الله في بيتي مكاناً أتخذه مُصلّى، فجاءه رسول الله ﷺ فقال: أين تحبُّ أنْ أصلّي؟ فأشار إِلى مكان من البيت، فصلّى فيه رسول الله ﷺ " (٣). وذكَره الإِمام البخاري في "كتاب الأذان" تحت (باب الرخصة في المطر والعلّة أن يصلّي في رَحله). ٣ - حضور الطعام الذي يريد أكْله في الحال (٤): عن عائشة عن النّبيّ ﷺ أنَّه قال: "إِذا وُضع العَشاء وأُقيمت الصلاة

стр. 643

فابدأوا بالعَشاء" (١). وعن أنس بن مالك أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا قُدِّم العَشاء فابدأوا به قبل أن تصلُّوا صلاة المغرب، ولا تعجَلوا عن عَشائكم" (٢). وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا وُضع عَشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعَشاء، ولا يعجل حتى يفرُغ منه" (٣). "وكان ابن عمر يوضَع له الطعام وتقام الصلاة، فلا يأتيها حض يفرُغ، وإِنَّه ليسمع قراءة الإِمام" (٤). وعن ابن عمر قال: قال النّبيّ ﷺ : "إِذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضيَ حاجته منه، وإِنْ أقيمت الصلاة" (٥). وعن أبي الدرداء قال: "من فقه المرء؛ إِقباله على حاجته حتى يُقبِل على صلاته وقلبه فارغ" (٦). ٤ - مدافعة الأخبثين: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا صلاة

стр. 644

بحضرة الطعام، ولا هو يدافِعُه الأخبثان (١) " (٢). من هو الأحقّ بالإِمامة: عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤمُّ القوم أقرؤهم (٣) لكتاب الله فإِنْ كانوا في القراءة سواءً فأعلمُهم بالسنّة، فإِنْ كانوا في السنّة سواءً، فأقدمهم هجرة، فإِنْ كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سِلْماً (٤)، ولا يَؤُمَّنَّ الرجل الرّجل في سلطانه، ولا يقعدْ في بيته على تَكرِمَته (٥) إلاَّ بإِذنه"

стр. 645

قال الأشجُّ في روايته: مكان سِلماً سِنّاً" (١). ولفظه كما في "صحيح سنن أبي داود" (٥٤٦): "وكنتُ غلاماً حافظاً، فحفظت من ذلك قرآناً كثيراً، فانطلق أبي وافداً إِلى رسول الله ﷺ في نفرٍ من قومه، فعلّمهم الصلاة فقال: "يؤمُّكم أقرؤكم"، وكنتُ أقرأَهم، لما كنت أحفظ، فقدّموني فكنت أؤمّهم وعليّ بردة لي صغيرة صفراء، فكنت إِذا سجدت تكشَّفت عنّي". وفي لفظ آخر في "صحيح سنن أبي داود" (٥٤٨) أيضاً: "فلمّا أرادوا أن ينصرفوا قالوا: يا رسول الله، من يؤمّنا؟ قال: "أكثركم جمعاً للقرآن" أو "أخذاً للقرآن" قال: فلم يكن أحد من القوم جمَع ما جمْعته". هذا وقد أفاد هذا الحديث أنَّ صاحب الدار والإِمام الراتب ونحوهما أحقّ بالإِمامة وأولى إلاَّ أن يأذنا، وعن نافع قال: "أقيمت الصلاة في مسجد بطائفة من المدينة، ولابن عمر قريباً من ذلك المسجد أرض يعملها، وإمام ذلك المسجد مولى له، ومسكن المولى وأصحابه ثمّة، قال: فلمّا سمعهم عبد الله جاء ليشهَد معهم الصلاة، فقال له المولى صاحب المسجد: تقدّم فصلِّ، فقال عبد الله: أنت أحقّ أن تصلي في مسجدك مني، فصلّى المولى"، ومن طريق الشافعي أخرجه البيهقي (٣/ ١٢٦) وسنده حسن. انظر "الإِرواء": (٥٢٢).

стр. 646

متى تصحّ إِمامتهم (١): كلّ من صحَّت صلاته لنفسه؛ صحت صلاته لغيره، وهذا ثابتٌ بالاستقراء وفي العناوين الآتية زيادة بيانٍ بإِذن الله تعالى: إِمامة الصبي: تصحّ إِمامة الصبيّ المميّز، بل هو الأولى في الإِمامة إِذا كان أقرأ القوم، وقد تقدّم حديث عمرو بن سلِمة وأنَّه كان يؤمّ قومه وهو ابن ست أو سبع سنين. إِمامة الأعمى: عن أنس "أنَّ النّبيّ ﷺ استخلف ابن أمّ مكتوم يؤم الناس وهو أعمى" (٢). إِمامة المعذور بالصحيح: لا بأس بإِمامة المعذور بالصحيح، إِذا توفّرت فيه شروط الأحقّ بالإِمامة. قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في "تمام المنّة" (ص ٢٨٥) ردّاً على من يقول بكراهة إِمامة المعذور بصحيح أو عدم صحتها: "لا وجه للكراهة به عدم الصحة إِذا توفرت فيه شروط الأحَقّ بالإِمامة، ولا نرى فرقاً بينه وبين الأعمى الذي لا يمكنه الاحتراز من البول احتراز البصير، والقاعد العاجز عن القيام، وهو ركن، لأنّ كلاًّ منهما قد فعَل ما يستطيع، و ﴿لا يُكلِّف الله نَفْساً

стр. 647

إلاَّ وُسْعَها﴾ (١). وللإِمام الشوكاني بحث هامّ في صحّة الصلاة وراء المسلم الفاسق، والصبي غير البالغ، وناقص الصلاة والطهارة وغيرهم، فراجِعه في كتابه "السيل الجرّار" (١/ ٢٤٧ - ٢٥٥)، فإِنَّه نفيس جداً". انتهى. قلت: قال الشوكاني في المصدر المذكور آنفاً: وأمّا ناقص الطهارة؛ فلا دليلَ يدلّ على المنع أصلاً، فيصحّ أن يؤمّ المتيمّمُ متوضِّئاً، ومَن ترك غُسل بعض أعضاء وضوئه لعذرٍ بغيره ونحوهما، ولا يحتاج إِلى الاستدلال بحديث عمرو بن العاص في صلاته بأصحابه بالتيمم وهو جنب، فإِنَّ الدليل على المانع كما عرفْت والأصل الصحّة". إِمامة الجالس بالقادر على القيام وجلوسه معه: عن أنس بن مالك: "أنَّ رسول الله ﷺ ركِب فرساً فصُرع عنه فجُحش (٢) شقه الأيمن فصلّى صلاةً من الصلوات وهو قاعد فصلّينا وراءه قعوداً، فلمّا انصرف قال: إِنَّما جُعل الإِمام ليؤتمَّ به، فإِذا صلّى قائماً فصلّوا قياماً، فإِذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإِذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربَّنا ولك الحمد، وإذا صلّى قائماً فصلّوا قياماً، وإذا صلّى جالساً فصلُّوا جُلُوساً أجمعون" (٣) " (٤).

стр. 648

إِمامة المتنفّل بالمفترض: عن جابر بن عبد الله: "أنَّ معاذ بن جبل كان يصلّي مع النّبيّ ﷺ ، ثمَّ يرجع فيؤم قومه" (١). فكانت صلاته مع النّبيّ ﷺ فريضة، وصلاته بقومه تطوّعاً وتنفّلاً، ولهم فريضة. إِمامة المفترض بالمتنفّل: وعن محجن بن الأذرع قال: "أتيتُ النّبيّ ﷺ وهو في المسجد، فحضرت الصلاة فصلّى، فقال لي: ألا صليتَ؟ قال: قلت: يا رسول الله قد صليت في الرحل، ثمَّ أتيتك، قال: فإِذا فعلْتَ، فصلِّ معهم واجعلها نافلة" (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ أبصر رجُلاً يُصلي وحده فقال: "ألا رجلٌ يتصدق على هذا فيصلِّي معه" (٣). وعن يزيد بن الأسود: "أنَّه صلّى مع رسول الله ﷺ ، وهو غلام شابٌّ، فلمّا صلّى إِذا رجلان لم يصلّيا في ناحية المسجد، فدعا بهما فجيء بهما ترعد

стр. 649

فرائصهما (١) فقال: ما منعكما أن تصليّا معنا؟ قالا: قد صلّينا في رحالنا، فقال: لا تفعلوا، إِذا صلّى أحدكم في رَحله ثمَّ أدرك الإِمام ولم يُصلِّ فليصلِّ معه، فإِنَّها له نافلة" (٢). إِمامة المتوضّئ بالمتيمّم والمتيمّم بالمتوضّئ: يُقدّم الأقرأ لكتاب الله تعالى في الإِمامة سواءٌ أكان متيمّماً أو متوضئاً لعموم النصّ المتقدّم: "يؤمّ القوم اقرؤهم لكتاب الله ... ". وكذا المقيم بالمسافر والمسافر بالمقيم ... الخ. وقد أمّ عمرو بن العاص أصحابه ﵃ وهو جنُب، وكان قد احتلم وأشفق على نفسه أن يهلك إِذا اغتسل، فعنه قال: "احتلمْتُ في ليلة باردة، في غزوة ذات السلاسل، فأشفقْتُ إِن اغتسلت أن أهْلِكَ، فتيمّمت، ثمَّ صلّيت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنّبيّ ﷺ ، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جُنبٌ؟ فأخبرتُه بالذي منَعني من الاغتسال، وقلت: إِني سمعْت الله يقول: ﴿ولا تَقْتُلوا أنْفُسَكُم إِنَّ الله كان بِكُم رحيماً﴾ (٣)، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقُل شيئاً" (٤).

стр. 650

إِمامة المسافر بالمقيم: عن ابن عمر ﵄ قال: "صلّى عمر بأهل مكة الظهر، فسلّم في ركعتين، ثمَّ قال: أتمّوا صلاتكم يا أهل مكة فإِنا قوم سَفْر" (١). إِذا اقتدى المسافر بالمقيم أتمّ: عن موسى بن سلمة الهُذليّ قال: "سألتُ ابن عباس كيف أصلّي إِذا كنتُ بمكة، إِذا لم أصلِّ مع الإِمام؟ فقال: ركعتين سنّة أبي القاسم ﷺ " (٢). قال شيخنا في "الإِرواء" (٣/ ٢٢): "وروى البيهقي بسند صحيح عن أبي مجلز قال: قلتُ لابن عمر: المسافر يدرك ركعتين من صلاة القوم - يعني المقيمين- أتجزيه الركعتان أو يصلّي بصلاتهم؟ قال: فضحك وقال: يصلّي بصلاتهم". وسئل ابن عبّاس: "ما بال المسافر يصلّي ركعتين حال الانفراد وأربعاً إِذا ائتمّ بمقيم، فقال: تلك السنّة". صححه شيخنا في "الإِرواء" (٥٧١).

стр. 651

إِمامة الرجل بالنّساء: وفيه أحاديث منها الحديث المتقدّم: " ... وخير صفوف النساء آخرها، وشرّها أوّلها". المرأة تؤمّ أهل دارها: "كان رسول الله ﷺ يزور أمّ ورقة بنت عبد الله بن الحارث في بيتها، وجعَل لها مؤذناً يؤذّن لها، وأمَرَها أن تؤمّ أهل دارها" (١). إِمامة المرأة بالنّساء: عن رائطة الحنفية "أنّ عائشة ﵂ أمّت نسوةً في المكتوبة؛ فأمّتهنّ بينهنّ وسطاً" (٢). وفي رواية: "أمّتهنّ وقامت بينهنّ في صلاةٍ مكتوبة" (٣). وله شاهد من رواية حجيرة بنت حصين قالت: "أمّتنا أم سلمة في صلاة العصر قامت بيننا" (٤).

стр. 652

الصلاة خلف الفاسق والمبتدع والإِمام الجائر ومن يكرهه المأمومون: عن ابن عمر "أنَّه كان يصلّي خلف الحجّاج" (١). وقال البخاري في "صحيحه": "باب إِمامة المفتون والمبتدع، وقال الحسن: صلِّ وعليه بدعته" (٢). وروى البخاري (٦٩٥) أيضاً عن عبيد الله بن عدي بن خيار: "أنَّه دخل

стр. 653

على عثمان بن عفّان وهو محصور فقال: إِنّك إِمام عامّة ونزل بك ما ترى، ويصلّي لنا إِمام فتنة ونتحرّج، فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإِذا أحسَن الناس فأحسِنْ معهم، وإِذا أساؤوا فاجتنب إِساءتهم". قال الشوكاني: في "السيل الجرار" (١/ ٢٤٧): الفاسق من المسلمين المتعبّدين بالتكاليف الشرعية من الصلاة وغيرها، فمن زعم أنَّه قد حصَل فيه مانع من صلاحيته لإِمامة الصلاة مع كونه قارئاً عارفاً؛ بما يحتاج إِليه في صلاته، فعليه تقرير ذلك المانع بالدليل المقبول الذي تقوم به الحُجّة، وليس في المقام شيءٌ من ذلك أصلاً؛ لا من كتاب ولا من سنَّة ولا قياس صحيح، فعلى المنصِف أن يقوم في مقام المنع؛ عند كلّ دعوى يأتي بها بعض أهل العلم في المسائل الشرعية. وما استُدلّ به على المنع من تلك الأحاديث الباطلة المكذوبة، فليس ذلك من دأب أهل الإِنصاف، بل هو صُنع أرباب التعصّب والتعنّت. وإِذا عرفتَ هذا فلا تحتاج إِلى الاستدلال على جواز إِمامة الفاسق في الصلاة، ولا إِلى معارضة ما يسَتَدِلّ به المانعون، فليس هنا ما يصلح للمعارضة وإيراد الحجج، وبيان ما كان عليه السلف الصالح من الصلاة خلف الأُمراء المشتهرين بظلم العباد والإِفساد في البلاد. نَعم يحسُن أن يجعل المصلّون إِمامَهم من خيارهم، ولكن ليس محلُّ النزاع إِلا كونه لا يصلح أن يكون الفاسق ومن في حُكمه إِماماً، لا في كون

стр. 654

الأولى أن يكون الإِمام من الخيار، فإِنّ ذلك لا خلاف فيه". وأمّا مَن أمّ قوماً يكرهونه، فقد أخبر النّبيّ ﷺ أنّ صلاته غير مقبولة. فعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإِمام قوم وهم له كارهون" (١). أي: كارهون لبدعته أو فسقه أو جهله لا كراهة لأمر دنيوي. وانظر "التحفة" (٢/ ٣٤٤). تنبيه: استدلّ بعض العلماء على أنَّ القرشيّ مقدّم في إِمامة الصلاة على غيره، كما هو مقدّم في الإِمامة الكبرى لحديث: "الأئمة من قريش" (٢). قال شيخنا -حفظه الله تعالى وعافاه- في "الإِرواء" تحت الحديث السابق: وفي هذا الاستدلال نظر عندي، لأنَّ الحديث بمجموع ألفاظه ورواياته لا يدلّ إِلا على الإِمامة الكبرى، فإِنّ في حديث أنس وغيره: "ما عملوا فيكم بثلاث: ما رحموا إِذا استرحموا، وأقسطوا، إِذا قسموا، وعدلوا إِذا حكموا". فهذا نصٌّ في الإِمامة الكبرى، فلا تدخل فيه الإِمامة الصغرى، لا سيما وقد ورد في البخاري وغيره؛ أنَّ النّبيّ ﷺ قدَّم سالماً مولى أبي حذيفة في إِمامة الصلاة ووراءه جماعة من قريش".

стр. 655

الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال (١): عن هلب [والد قبيصة] أنّه صلّى مع النّبيّ ﷺ وكان ينصرف عن شقّيه" (٢). وعن الأسود قال: قال عبد الله: "لا يجعل أحدكم للشيطان شيئاً من صلاته، يرى أنَّ حقّاً عليه أن لا ينصرف إلاَّ عن يمينه، لقد رأيت النّبيّ ﷺ كثيراً ينصرف عن يساره" (٣). وكان أنس ينفتِل عن يمينه وعن يَساره ويعيب على من يتوخّى -أو من يَعمِد- الانفتال عن يمينه (٤). قال النووي ﵀ في "شرحه" (٥/ ٢٢٠): "في حديث أنس "أكثر ما رأيت رسول ﷺ ينصرف عن يمينه"، وفي رواية: "كان ينصرف عن يمينه" وجه الجمع بينهما أن النّبيّ ﷺ كان يفعل تارة هذا وتارة هذا، فأخبر كلّ واحد بما اعتقد أنه الأكثر فيما يعلمه، فدلَّ على جوازهما، ولا كراهة في واحد منهما، وأمّا الكراهة التي اقتضاها كلام ابن مسعود، فليست

стр. 656

بسبب أصل الانصراف عن اليمين أو الشمال، وإنّما هي في حقّ من يرى أنّ ذلك لا بد منه فإِنّ من اعتقد وجوب واحد من الأمرين مخطئ، ولهذا قال: يرى أنّ حقّا عليه فإِنما ذمّ من رآه حقّا عليه. ومذهبنا أنه لا كراهة في واحد من الأمرين، لكن يستحبّ أن ينصرف في جهة حاجته؛ سواء كانت عن يمينه أو شماله، فإِن استوى الجهتان في الحاجة وعدمها؛ فاليمين أفضل لعموم الأحاديث المصرحة بفضل اليمين في باب المكارم ونحوها، هذا صواب الكلام في هذين الحديثين وقد يقال فيهما خلاف الصواب والله أعلم". وللحافظ تفصيلٌ طيب في "الفتح" (٢/ ٣٣٨) فارجع إِليه -إِن شئت-. مُكث الإِمام (١) في مصلاّه بعد السلام (٢): عن أمّ سلمة أنّ النّبيّ ﷺ كان يمكُث في مكانه يسيراً. قال ابن شهاب: "فنُرى والله أعلم؛ لكي ينفُذ من ينصرف من النساء" (٣). وعن ثوبان ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إِذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً، وقال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإِكرام". قال الوليد: فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله، أستغفر الله".

стр. 657

وعن عائشة ﵂ قالت: كان النّبيّ ﷺ إِذا سلّم لم يقعد إلاَّ مقدار ما يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإِكرام"، وفي رواية ابن نمير: "يا ذا الجلال والإِكرام". علوّ الإِمام أو المأموم: عن أبي مسعود الأنصاري قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يقوم الإِمام فوق شيء والناس خلفه -يعني: أسفل منه-" (١). وعن همام أنَّ حذيفة أمَّ الناس بالمدائن على دكان (٢)، فأخذَ أبو مسعود بقميصه فجبَذه، فلمّا فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنّهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، قد ذكرت حين مدَدْتني (٣) (٤) فإِذا كان للإِمام مصلحة من ارتفاعه على المأموم؛ لتعليمٍ ونحوه فجائز كما في حديث أبي حازم بن دينار: "أنَّ رجالاً أتوا سهل بن سعد الساعديّ، وقد امتروا (٥) في المنبر مِمَّ

стр. 658

عُودُه؟ فسألوه عن ذلك فقال: والله إِنّي لأعرف ممّا هو، ولقد رأيته أوّل يوم وُضِعَ، وأوّل يوم جلس عليه رسول الله ﷺ : أرسل رسول الله ﷺ إِلى فُلانة -امرأة قد سمّاها سهل- مُرِي غُلامك النّجار أن يعمل لي أعواداً أجلس عليهنّ إِذا كلّمتُ الناس، فأَمَرَتْه فعمِلها طرْفاء (١) الغابة، ثمَّ جاء بها فأرسلت إِلى رسول الله ﷺ فأمر بها فوضعت ها هنا. ثمَّ رأيت رسول الله ﷺ صلّى عليها، وكبّر وهو عليها، ثمَّ ركع وهو عليها، ثمَّ نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر ثمَّ عاد، فلمّا فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس، إنّما صنعتُ هذا لتأتموا، ولتعلموا صلاتي" (٢). وينبغي على المأموم ألأَ يصلّي على ظهر المسجد أو خارجه مقتدياً بالإِمام إلاَّ مِن عُذر؛ كامتلاء المسجد. قال شيخنا -حفظه الله- في "تمام المنّة" (٢٨٢) رداً على من يطلق الجواز مستدلاً ببعض الآثار: "يقابل هذه الآثار آثار أخرى عن عمر والشعبي وإبراهيم، عند ابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٣)، وعبد الرزاق (٣/ ٨١ - ٨٢): أنَّه ليس له ذلك إِذا كان بينه وبين الإمام طريق ونحوه. ولعلّ ما في الآثار الأولى محمول على العذر، كامتلاء المسجد كما قال هشام بن عروة: "جئت أنا وأبي مرة، فوجدنا المسجد قد امتلأ، فصلّينا بصلاة الإِمام في دارٍ عند المسجد بينهما طريق". رواه عبد الرزاق (٣/ ٨٢) بسند صحيح عنه. وليس بخافٍ على الفقيه أنّ إِطلاق القول بالجواز ينافي الأحاديث الآمرة بوصل الصفوف وسدّ الفرج، فلا بد من التزامها والعمل بها إلاَّ لعذر، ولهذا

стр. 659

قال شيخ الإِسلام في "مجموع الفتاوى" (٢٣/ ٤١٠): "ولا يصفّ في الطرقات والحوانيت مع خلوّ المسجد، ومن فَعل ذلك استحق التأديب، ولمن جاء بعده تخطّيه، ويدخل لتكميل الصفوف المتقدمة؛ فإِن هذا لا حرمة له. قال: فإِن امتلأ المسجد بالصفوف صفّوا خارج المسجد، فإِذا اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق صحّت صلاتهم. وأمّا إِذا صفّوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه؛ لم تصحّ صلاتهم في أظهر قولي العلماء. وكذلك إِذا كان بينهم وبين الصفوف حائط، بحيث لا يرون الصفوف، ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة، فإِنّه لا تصحّ صلاتهم في الأظهر، وكذلك من صلّى في حانوته والطريق خال لم تصحّ صلاته، وليس له أن يقعد في الحانوت وينتظر اتصال الصفوف به، بل عليه أن يذهب إِلى المسجد، فيسد الأوّل فالأول فالأول"". اقتداء المأموم بالإِمام مع الحائل لعُذر: قال الإِمام البخاري في (كتاب الأذان) (باب إِذا كان بين الإِمام وبين القوم حائط أو سترة): وقال الحسَن: لا بأس أن تصلّي وبينك وبينه نهر (١). وقال أبو مِجلَز: "يأتمّ بالإِمام، وإنْ كان بينهما طريق أو جدار إِذا سمع تكبير الإِمام" (٢). ويُحمل ذلك كله على وجود العذر لوجوب تسوية الصفوف وتراصّها

стр. 660

-والله تعالى أعلم-. حُكم الائتمام بمن ترك شرطاً أو رُكناً: إِذا ترَك الإِمام شرطاً أو رُكناً بطَلت صلاته وصلاة من ائتمّ به، أمّا إِذا لم يعلم المأمومون ذلك، فإِنَّ صلاتهم صحيحة، لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يصلّون لكم (١)، فإِنْ أصابوا فلكم (٢)، وإِن أخطأوا (٣) فلكم وعليهم (٤) " (٥).

стр. 661

وعن عمر أنّه صلى بالنّاس الصبح ثمّ خرج إِلى الجُرُف، فأهراق الماء، فوجد في ثوبه احتلاماً، فأعاد الصلاة، ولم يُعدِ الناس". قال شيخنا في "الإِرواء" (٥٣٣): وروى الأثرم نحو هذا عن عثمان وعلي. الاستخلاف: للإمام أن يستخلف غيره ليستكمل المأمومون الصلاة، إِذا عَرض له عُذر أو طرأ له طارئ، لمرض مفاجئ ألمَّ به ونحوه. ففي "صحيح البخاري" (٣٧٠٠): في قصة مقتل عمر ﵁ قال: عمرو بن ميمون بعد أن طُعن ﵁: " ... وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدّمه فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى وأمّا نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون سبحان الله سبحان الله، فصلّى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة". وإذا لم يخشَ الإِمام الفتنة وذكر أنه على غير وضوء، أو على جنابة، والمتوضّأ قريب؛ فإِنه يشير للمأمومين أن مكانكم، ثمَّ يتوضّأ ويأمهم. فعن أبي بكرة ﵁ "أنّ رسول الله ﷺ دخَل في صلاة الفجر، فأومأ بيده أنْ مكانكم، ثمَّ جاء ورأسه يقطر، فصلى بهم" (١). وفي رواية: قال في أوّله: فكبّر، وقال في آخره: فلما قضى الصلاة، قال: "إِنّما أنا بشر، وإني كنتُ جنباً".

стр. 662

وهذا بعد أن كبّر وقد ورد في الصحيحين. حالة أخرى غير هذه (١)، وهي تذكُّرُه ﷺ أنه على جنابة قبل أن يكبّر. فعن أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ خرج وقد أقيمت الصلاة وعدّلت الصفوف، حتى إِذا قام في مُصلاه انتظرنا أن يكبّر، انصرف قال: على مكانكم، فمكثنا على هيئتنا، حتى خرج إِلينا ينطُف (٢) رأسه ماءً وقد اغتسل" (٣). أمّا إِذا وجد الإِمام في ثوبه احتلاماً بعد الانتهاء من الصلاة أو تذكّر أنّه على غير وضوء، فعليه أن يعيد وليس على الناس إِعادة، فقد رُوي عن عمر أنه صلّى بالناس الصبح ثمَّ خرج إِلى الجُرُف فأهراق الماء، فوجَد في ثوبه احتلاماً، فأعاد الصلاة ولم يُعدِ الناس، وروى الأثرم نحو هذا عن عثمان وعليّ (٤). موقف الإِمام والمأموم: أين يقف المأموم الواحد من الإِمام ؟ يقف عن يمين الإِمام لحديث ابن عبّاس ﵄ قال: صلّيتُ مع النّبيّ ﷺ ذات ليلة، فقُمت عن يساره، فأخَذَ رسول الله ﷺ

стр. 663

برأسي من ورائي، فجعلني عن يمينه" (١). وفي المسند من حديث ابن عباس ﵄ قال: أتيتُ رسول الله ﷺ من آخر الليل فصلّيتُ خلفه، فأخَذ بيدي فجرّني فجعلني حذاءه" (٢). "ووقف رجل وراء عمر، فقرَّبه حتى جعلَه حذاءه عن يمينه" (٣). قال شيخنا في "الصحيحة" تحت رقم (٦٠٦): "وفي الحديث من الفقه أنَّ الرجل الواحد إِذا اقتدى بالإِمام وقَف حذاءه عن يمينه، لا يتقدّم عنه ولا يتأخر، وهو مذهب الحنابلة كما في "منار السبيل" (١/ ١٢٨)، وإليه جنح البخاري؛ فقال في "صحيحه": "باب يقوم عن يمين الإِمام بحذائه سواءً إِذا كانا اثنين". وذكَر الحافظ في "الفتح" أثراً من طريق ابن جريج قال: "قلت لعطاء: الرجل يُصلّي مع الرجل، أين يكون منه؟ قال: إِلى شقّه الأيمن. قلت: أيحاذي به حتى يصفّ معه، لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم، قلت: أتحبّ أن يساويه، حتى لا تكون بينهما فُرجة؛ قال: نعم". أين تقف المرأة من الإِمام ؟ تقف خلف الرجال وفيه أحاديث صحيحة من ذلك؛ حديث أبي هريرة

стр. 664

-﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "خير صفوف الرّجال أوّلها، وشرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرُّها أوّلها" (١). والمراد بالحديث: صفوف النساء اللواتي يصليّن مع الرجال، أمّا إِذا صلّين متميّزات، لا مع الرجال، فهنّ كالرجال، خير صفوفهن أولها وشرّها آخرها، قاله النووي ﵀. فائدة: لا بأس من وقوف الصبيان مع الرجال إِذا كان في الصفّ متسع، وصلاة اليتيم مع أنس وراءه ﷺ حُجَّة في ذلك. قاله شيخنا -حفظه الله- في "تمام المنّة" (ص ٢٨٤). من ركع دون الصف: إِذا كبّر المأموم خلف الصف، ثمَّ دخله وأدرك فيه الركوع مع الإِمام، فقد أدرك تلك الركعة وصحَّت صلاته لحديث أبي بكرة ﵁: "أنَّه انتهى إِلى النّبيّ ﷺ وهو راكع فرَكع قبل أن يصل إِلى الصف، فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ فقال: زادك الله حرصاً ولا تعُد (٢) " (٣). والذي يبدو أنَّ النهي عن إِسراعه في المشي؛ كما في رواية لأحمد (٥/ ٤٢) من طريق أخرى عن أبي بكرة أنّه جاء والنّبيّ ﷺ راكع، فسمع النّبيّ ﷺ صوت نعل أبي بكرة وهو يحضر (أي: يعدو) يريد أن يدرك

стр. 665

الركعة، فلما انصرف النّبيّ ﷺ ؛ قال: من الساعي؟ قال أبو بكرة: أنا. قال: "زادك الله حِرصاً ولا تعُدْ"، وإِسناده حسن في المتابعات، وقد رواه ابن السكن في "صحيحه" نحوه، وفيه قوله: "انطلقتُ أسعى ... "، وأنَّ النّبيّ ﷺ قال: "من الساعي ... "، ويشهد لهذه الرواية رواية الطحاوي من الطريق الأولى بلفظ: "جئت ورسول الله ﷺ راكع، وقد حفزني النفس، فركعت دون الصف ... " الحديث وإِسناده صحيح، فإِنّ قوله: "حفَزَني النفَس، معناه: اشتدّ من الحفز وهو الحثّ والإِعجال وذلك كنايةً عن العدو. انظر "الصحيحة" تحت الحديث (٢٣٠). وقال شيخنا في الاستدراكات: "ثمَّ وجدتُ ما يؤيدُ هذه الترجمة من قول راوي الحديث نفسه؛ أبي بكرة الثقفيّ ﵁ كما يؤكّد أنَّ النّهي فيه: "لا تعُدْ" لا يعني الركوع دون الصفّ، والمشي إليه، ولا يشملُ الاعتداد بالركعةِ؛ فقد روى علي بن حجر في "حديثه" (١/ ١٧/١): حدّثنا إِسماعيل بن جعفر المدني: حدّثنا حميد، عن القاسم بن ربيعة، عن أبي بكرة -رجل كانت له صحبة- أنَّه كان يخرج من بيته فيجد الناس قد ركعوا، فيركع معهم، ثمَّ يدرج راكعاً حتّى يدخل في الصفّ، ثمَّ يعتدُّ بها. قلت: وهذا إِسنادٌ صحيح، ورجاله كلُهم ثقات، وفيه حجّةٌ قويّة أنَّ المقصود بالنهي إِنّما هو الإِسراع في المشي، لأنَّ راوي الحديث أدرى بمرويّه من غيره، ولا سيّما إِذا كان هو المخاطب بالنهي، فخُذها؛ فإِنّها عزيزةٌ، قد لا تجدها في المطوّلات من كتب الحديث والتخريج، وبالله التوفيق".

стр. 666

عن عطاء أنَّه سمع ابن الزبير على المنبر يقول: "إِذا دَخَل أحدكم المسجد والناسُ ركوع، فليركع حين يدخل، ثمَّ يدبّ راكعاً حتى يدخل في الصف، فإِنَّ ذلك السُّنّة" (١). قال شيخنا: وممّا يشهد لصحّته عمل الصحابة به من بعد النّبيّ ﷺ ، منهم أبو بكر الصدّيق وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير. ثمَّ ذكر بعض الآثار في ذلك: ١ - منها ما رواه أبو أمامة بن سهل بن حُنيف؛ أنّه رأى زيد بن ثابت دخل المسجد والإِمام راكع، فمشى حتّى أمكنه أن يصل الصف وهو راكع، كبّر فركع، ثمَّ دبّ وهو راكع حتى وصَل الصف. رواه البيهقي، وسنده صحيح. ٢ - وما رواه زيد بن وهب قال: "خرجتُ مع عبد الله -يعني: ابن مسعود- من داره إِلى المسجد، فلمّا توسَّطنا المسجد، ركع الإِمام، فكبّر عبد الله وركع وركعت معه، ثمَّ مشينا راكعين حتى انتهينا إِلى الصف حين رفع القوم رؤوسهم، فلمّا قضى الإِمام الصلاة؛ قمتُ وأنا أرى أنّي لم أُدرِك، فأخذ عبد الله بيدي وأجلسني، ثمَّ قال: إِنك قد أدركْت" (٢). ٣ - ومنها ما رواه عثمان بن الأسود قال: "دخلتُ أنا وعبد الله بن تميم المسجد، فركع الإِمام، فركعتُ أنا وهو، ومَشينا راكعين حتى دخلْنا الصفّ،

стр. 667

فلمّا قضينا الصلاة؟ قال لي عمرو: الذي صنعتَ آنفاً ممّن سمعتَه؟ قلتُ: من مجاهد. قال: قد رأيتُ ابن الزّبير فعَله. أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً، وسنده صحيح". والخلاصة أنَّ ركوع المأموم قبل رفْع الإِمام رأسه ثمَّ دخوله في الصف من السنّة لعمل كبار الصحابة وخطبة ابن الزبير بحديثه على المنبر في أكبر جمْع يخطب عليهم في المسجد الحرام، وإعلانه أنَّ ذلك من السنّة؛ دون أن يعارضه أحد (١)، وأنَّ النهي في الحديث السابق إِنّما يتضمّن الإِسراع، وبه يقول الإِمام أحمد ﵀ فقد قال أبو داود في "مسائله" (ص ٣٥): "سمعت أحمد سئل عن رجل ركع دون الصف، ثمَّ مشى حتى دخل الصف، وقد رفع الإِمام قبل أن ينتهي إِلى الصف؟ قال: تجزئه ركعة، وإنْ صلّى خلف الصف وحده أعاد الصلاة" (٢). وبه يقول ابن خزيمة فقد قال في "صحيحه": (باب الرخصة في ركوع المأموم قبل اتصاله بالصف، ودبيبه راكعاً حتى يتصل بالصفّ في ركوعه). والله تعالى أعلم. صلاة المنفرد خلف الصف: وما تقدّم من دبيب المأموم راكعاً، ثمَّ دخوله في الصف؛ أمرٌ غير صلاة المنفرد خلف الصف، فقد نهى النّبيّ ﷺ أن يصلّي الرجل خلف الصفّ وحده.

стр. 668

فعن وابصة " أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلّي خلف الصفّ وحده، فأمَره أن يعيد الصلاة" (١). وعن علي بن شيبان -وكان من الوفد- قال: "خرجنا حتى قدمنا على النّبيّ ﷺ ، فبايعناه. وصلّينا خلفه. ثمَّ صلينا وراءه صلاة أخرى، فقضى الصلاة، فرأى رجلاً فرداً يصلّي خلف الصف، قال: فوقف عليه نبيّ الله ﷺ حين انصرف قال: "اسْتَقْبِلْ صلاتك؛ لا صلاة للذي خلف الصفّ"" (٢). قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في "الإِرواء" (٢/ ٣٢٩): "وجملة القول أن أمْره ﷺ الرجل بإِعادة الصلاة، وأنَه لا صلاة لمن يصلّي خلف الصف وحده، صحيح ثابت عنه ﷺ من طُرُق. وأمّا أمْره ﷺ الرجل بأن يجرّ رجلاً من الصف لينضمّ إِليه؛ فلا يصحّ عنه ﷺ ... ". وقال شيخنا -حفظه الله-: "إِذا لم يستطع الرجل أن ينضمّ إِلى الصفّ، فصلّى وحده، فهل تصحّ صلاته، الأرجح الصحة، والأمر بالإِعادة محمول على من لم يستطع القيام بواجب الانضمام. وبهذا قال شيخ الإِسلام ابن تيمية كما بيّنته في "الأحاديث الضعيفة" المائة العاشرة".

стр. 669

تسوية الصفوف (١): أمَر النّبيّ ﷺ بتسوية الصفوف في عديد من الأحاديث منها: ١ - حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: "خرَج علينا رسول الله ﷺ فقال: ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربها؟ فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يُتمّون الصفوف الأُوَل، ويتراصّون في الصف" (٢). ٢ - عن أبي مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "استووا ولا تختلفوا؛ فتختلفَ قلوبكم" (٣). ٣ - عن النعمان بن بشير ﵄ قال: "لتسوّن صفوفكم أو ليخالفنّ الله بين قلوبكم" (٤). ٤ - عن أنس ﵁ قال: "أُقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه، فقال: أقيموا صفوفكم وتراصّوا، فإِنّي أراكم من وراء ظهري" (٥). ٥ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سوُّوا

стр. 670

صفوفكم، فإِنّ تسوية الصفِّ من تمام الصلاة" (١). وفي رواية لأنس أيضاً ﵁ قال: "سوُّوا صفوفكم، فإِن تسوية الصفوف من إِقامة الصلاة" (٢). وفي رواية: "فإِنّ إِقامة الصفِّ من حُسن الصلاة" (٣). الترغيب في وصل الصفوف والتخويف من قطعها: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أقيموا الصفوف، فإِنّما تصفّون بصفوف الملائكة، وحاذوا بين المناكب، وسدّوا الخلل، ولينوا بأيدي إِخوانكم (٤)، ولا تذروا فُرجات للشيطان ومن وصل صفاً؛ وصَله الله، ومن قطع صفاً؟ قطَعه الله " (٥). عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من سدّ فرجة؛ رفعه الله بها درجة، وبنى له بيتاً في الجنّة" (٦).
следующие страницы →