← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

عن عطاء أنَّه سمع ابن الزبير على المنبر يقول: "إِذا دَخَل أحدكم المسجد والناسُ ركوع، فليركع حين يدخل، ثمَّ يدبّ راكعاً حتى يدخل في الصف، فإِنَّ ذلك السُّنّة" (١). قال شيخنا: وممّا يشهد لصحّته عمل الصحابة به من بعد النّبيّ ﷺ ، منهم أبو بكر الصدّيق وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير. ثمَّ ذكر بعض الآثار في ذلك: ١ - منها ما رواه أبو أمامة بن سهل بن حُنيف؛ أنّه رأى زيد بن ثابت دخل المسجد والإِمام راكع، فمشى حتّى أمكنه أن يصل الصف وهو راكع، كبّر فركع، ثمَّ دبّ وهو راكع حتى وصَل الصف. رواه البيهقي، وسنده صحيح. ٢ - وما رواه زيد بن وهب قال: "خرجتُ مع عبد الله -يعني: ابن مسعود- من داره إِلى المسجد، فلمّا توسَّطنا المسجد، ركع الإِمام، فكبّر عبد الله وركع وركعت معه، ثمَّ مشينا راكعين حتى انتهينا إِلى الصف حين رفع القوم رؤوسهم، فلمّا قضى الإِمام الصلاة؛ قمتُ وأنا أرى أنّي لم أُدرِك، فأخذ عبد الله بيدي وأجلسني، ثمَّ قال: إِنك قد أدركْت" (٢). ٣ - ومنها ما رواه عثمان بن الأسود قال: "دخلتُ أنا وعبد الله بن تميم المسجد، فركع الإِمام، فركعتُ أنا وهو، ومَشينا راكعين حتى دخلْنا الصفّ،

стр. 667

فلمّا قضينا الصلاة؟ قال لي عمرو: الذي صنعتَ آنفاً ممّن سمعتَه؟ قلتُ: من مجاهد. قال: قد رأيتُ ابن الزّبير فعَله. أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً، وسنده صحيح". والخلاصة أنَّ ركوع المأموم قبل رفْع الإِمام رأسه ثمَّ دخوله في الصف من السنّة لعمل كبار الصحابة وخطبة ابن الزبير بحديثه على المنبر في أكبر جمْع يخطب عليهم في المسجد الحرام، وإعلانه أنَّ ذلك من السنّة؛ دون أن يعارضه أحد (١)، وأنَّ النهي في الحديث السابق إِنّما يتضمّن الإِسراع، وبه يقول الإِمام أحمد ﵀ فقد قال أبو داود في "مسائله" (ص ٣٥): "سمعت أحمد سئل عن رجل ركع دون الصف، ثمَّ مشى حتى دخل الصف، وقد رفع الإِمام قبل أن ينتهي إِلى الصف؟ قال: تجزئه ركعة، وإنْ صلّى خلف الصف وحده أعاد الصلاة" (٢). وبه يقول ابن خزيمة فقد قال في "صحيحه": (باب الرخصة في ركوع المأموم قبل اتصاله بالصف، ودبيبه راكعاً حتى يتصل بالصفّ في ركوعه). والله تعالى أعلم. صلاة المنفرد خلف الصف: وما تقدّم من دبيب المأموم راكعاً، ثمَّ دخوله في الصف؛ أمرٌ غير صلاة المنفرد خلف الصف، فقد نهى النّبيّ ﷺ أن يصلّي الرجل خلف الصفّ وحده.

стр. 668

فعن وابصة " أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلّي خلف الصفّ وحده، فأمَره أن يعيد الصلاة" (١). وعن علي بن شيبان -وكان من الوفد- قال: "خرجنا حتى قدمنا على النّبيّ ﷺ ، فبايعناه. وصلّينا خلفه. ثمَّ صلينا وراءه صلاة أخرى، فقضى الصلاة، فرأى رجلاً فرداً يصلّي خلف الصف، قال: فوقف عليه نبيّ الله ﷺ حين انصرف قال: "اسْتَقْبِلْ صلاتك؛ لا صلاة للذي خلف الصفّ"" (٢). قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في "الإِرواء" (٢/ ٣٢٩): "وجملة القول أن أمْره ﷺ الرجل بإِعادة الصلاة، وأنَه لا صلاة لمن يصلّي خلف الصف وحده، صحيح ثابت عنه ﷺ من طُرُق. وأمّا أمْره ﷺ الرجل بأن يجرّ رجلاً من الصف لينضمّ إِليه؛ فلا يصحّ عنه ﷺ ... ". وقال شيخنا -حفظه الله-: "إِذا لم يستطع الرجل أن ينضمّ إِلى الصفّ، فصلّى وحده، فهل تصحّ صلاته، الأرجح الصحة، والأمر بالإِعادة محمول على من لم يستطع القيام بواجب الانضمام. وبهذا قال شيخ الإِسلام ابن تيمية كما بيّنته في "الأحاديث الضعيفة" المائة العاشرة".

стр. 669

تسوية الصفوف (١): أمَر النّبيّ ﷺ بتسوية الصفوف في عديد من الأحاديث منها: ١ - حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: "خرَج علينا رسول الله ﷺ فقال: ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربها؟ فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يُتمّون الصفوف الأُوَل، ويتراصّون في الصف" (٢). ٢ - عن أبي مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "استووا ولا تختلفوا؛ فتختلفَ قلوبكم" (٣). ٣ - عن النعمان بن بشير ﵄ قال: "لتسوّن صفوفكم أو ليخالفنّ الله بين قلوبكم" (٤). ٤ - عن أنس ﵁ قال: "أُقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه، فقال: أقيموا صفوفكم وتراصّوا، فإِنّي أراكم من وراء ظهري" (٥). ٥ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سوُّوا

стр. 670

صفوفكم، فإِنّ تسوية الصفِّ من تمام الصلاة" (١). وفي رواية لأنس أيضاً ﵁ قال: "سوُّوا صفوفكم، فإِن تسوية الصفوف من إِقامة الصلاة" (٢). وفي رواية: "فإِنّ إِقامة الصفِّ من حُسن الصلاة" (٣). الترغيب في وصل الصفوف والتخويف من قطعها: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أقيموا الصفوف، فإِنّما تصفّون بصفوف الملائكة، وحاذوا بين المناكب، وسدّوا الخلل، ولينوا بأيدي إِخوانكم (٤)، ولا تذروا فُرجات للشيطان ومن وصل صفاً؛ وصَله الله، ومن قطع صفاً؟ قطَعه الله " (٥). عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من سدّ فرجة؛ رفعه الله بها درجة، وبنى له بيتاً في الجنّة" (٦).

стр. 671

وفي الحديث: "خِياركم ألينكم مناكب في الصلاة، وما من خطوة أعظم أجراً؛ مِن خطوة مشاها رجل إِلى فرجة في الصف فسدّها" (١). كيف نسوِّي صفوفنا ؟ يبيّن لنا أنس ﵁ كيف كانت تسوية الصفوف في عهد النّبيّ ﷺ فيقول: "وكان أحدنا يلزق مَنكِبه بمَنكِب صاحبه، وقدمه بقدمه" (٢). وفي قول للنعمان بن بشير ﵁: "فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه" (٣). ولا بد أن نحاذي بين المناكب والأعناق لقوله ﷺ : "وحاذوا بالأعناق" (٤). وقوله ﵇: "وحاذوا بين المناكب" (٥). يُفهم مما سبق؛ أن

стр. 672

تسوية الصفوف وتراصها تعني: ١ - لصق مَنكِب المصلي بمَنكِب صاحبه، وقدمه بقدمه، وركبته بركبته، وكعبه بكعبه. ٢ - مراعاة المحاذاة بين المناكب والأعناق والصدور، بحيث لا يتقدم عنق على عنق، ولا مَنكِب على مَنكِب، ولا صدر على صدر، وقد قال ﷺ : "لا تختلف صدوركم، فتختلف قلوبكم" (١). التوكيل في تسوية الصفوف: وجاء في "الموطأ" (١/ ١٥٨): حدّثني مالك عن عمّه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه أنّه قال: كنت مع عثمان بن عفان ﵁ فقامت الصلاة، وأنا أكلّمه في أن يفرض لي، فلم أزل أكلّمه، وهو يسوّي الحصباء بنعله، حتى جاءه رجال، قد كان وكَّلَهم بتسوية الصفوف، فأخبروه أنَّ الصفوف قد استوت، فقال لي: استو في الصف، ثمَّ كبّر (٢). الترغيب في الصف الأول وميامن الصفوف والترهيب من تأخُّر الرجال إِلى أواخر صفوفهم: عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله ﷺ : خير صفوف الرجال أوّلها، وشرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرّها أوّلها" (٣).

стр. 673

عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول؛ ثمّ لم يجدوا إلاَّ أن يستَهِموا (١) عليه لاستَهموا ... " (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال قوم يتأخّرون عن الصف الأول حتى يؤخّرهم الله في النار" (٣). وفي رواية (٤): حتى يخلفهم الله في النار. وعن البراء بن عازب قال: "كان رسول الله ﷺ يقول: إِنَّ الله وملائكته يصلّون على الصفوف الأُوَل" (٥). وعنه ﵁ قال: "كُنّا إِذا صلّينا خلف رسول الله ﷺ أحبَبنا أن نكون عن يمينه" (٦). التبليغ خلف الإِمام: يحسن التبليغ خلف الإِمام إِذا دعت الحاجة إِليه، وقد يجب إِذا تعذّر متابعة الإِمام في ركوعه وسجوده، لضعف الصوت؛ إِذ ما لا يتمّ الواجب إلاَّ به

стр. 674

فهو واجب. متى يقوم الناس للإِمام ؟ إِذا كان الإِمام مع المصلين في المسجد قاموا إِذا قام، وإن كانوا ينتظرون خروجه ومجيئه قاموا إِذا رأوه ولا يقوموا حتى يروه لحديث أبي قتادة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت" (١). هل يشرع تكرار الجماعة في المسجد الواحد ؟ عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحطبُّ، ثمَّ آمرُ بالصلاة فيؤذن لها، ثمَّ آمرُ رجلاً فيؤم النّاس، ثمَّ أخالف إِلى رجال فأحرِّق عليهم بيوتهم" (٢). ولو جاز تداركُها في جماعة أخرى؛ لما كان لتحريق النّبيّ ﷺ معنى. وعن أبي بكرة ﵁ "أنّ رسول الله أقبَل من نواحي المدينة يريد الصلاة، فوجَد الناس قد صلَّوا، فمال إِلى منزله، فجمع أهله فصلّى بهم" (٣). * ووجه الدلالة منه: أنّه لو كانت الجماعة الثانية جائزة بلا كراهه؛ لما

стр. 675

ترَك النّبيّ ﷺ فضل المسجد النبوي * (١). قال شيخنا -حفظه الله- في "تمام المنّة" (ص ١٥٦): "وأحسن ما وقفْتُ عليه من كلام الأئمّة في هذه المسألة هو كلام الإِمام الشافعي ﵁ ولا بأس مِن نقْله مع شيء من الاختصار، ولو طال به التعليق، نظراً لأهميته، وغفلة أكثر الناس عنه، قال ﵁ في "الأم" (١/ ١٣٦): "وإِنْ كان لرجلٍ مسجد يجمع فيه، ففاتته الصلاة، فإِنْ أتى مسجد جماعة غيره كان أحبّ إِليّ، وإِنْ لم يأته وصلّى في مسجده منفرداً، فحسن، وإذا كان للمسجد إِمامٌ راتب، ففاتت رجلاً أو رجالاً فيه الصلاة، صلّوا فرادى، ولا أحب أن يصلوا فيه جماعة، فإِن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه، وإِنما كرهت ذلك لهم لأنّه ليس مما فعل السلف قبلنا، بل قد عابه بعضهم، وأحسب كراهية من كره ذلك منهم إِنما كان لتفرقة الكلمة، وأن يرغب رجل عن الصلاة خلف إِمام الجماعة، فيتخلّف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصلاة، فإِذا قُضيت دخلوا فجمّعوا، فيكون بهذا اختلاف وتفرُّق الكلمة، وفيهما المكروه، وإِنما أكره هذا في كلّ مسجد له إِمام ومؤذن، فأمّا مسجد بُني على ظهر الطريق أو ناحية لا يؤذن فيه مؤذّن راتب، ولا يكون له إِمام راتب ويصلّي فيه المارّة، ويستظلّون، فلا أكره ذلك، لأنّه ليس فيه المعنى الذي وصفتُ مِن تفرُّق الكلمة، وأن يرغب رجالٌ عن إِمامة رجل فيتخذون إِماماً غيره، قال: وإنّما معني أن أقول: صلاة الرجل لا

стр. 676

تجوز وحده وهو يقدر على الجماعة بحال تفضيل النّبيّ ﷺ صلاة الجماعة على صلاة المنفرد، ولم يقل: لا تجزي المنفرد صلاته، وأنَّا قد حفظنا أن قد فاتت رجالاً معه الصلاة، فصلّوا بعلمه منفردين، وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا، وأن قد فاتت الصلاة في الجماعة قوماً فجاؤوا المسجد فصلّى كل واحد منفرداً، وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا في المسجد، فصلّى كل واحد منهم منفرداً، وإِنما كرهوا لئلا يجمعوا في مسجد مرتين". وما علقه الشافعي عن الصحابة قد جاء موصولاً عن الحسن البصري قال: "كان أصحاب محمّد ﷺ إِذا دخلوا المسجد وقد صُلِّي فيه صلَّوا فرادى". رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٣). وقال أبو حنيفة: "لا يجوز إِعادة الجماعة في مسجد له إِمام راتب". ونحوه في "المدوّنة" عن الإِمام مالك. وبالجملة؛ فالجمهور على كراهة إِعادة الجماعة في المسجد بالشرط السابق، وهو الحقّ، ولا يعارض هذا الحديث المشهور: "ألا رجل يتصدق على هذا فيصلّي معه"، وسيأتي في الكتاب (ص ٢٧٧)، فإِنّ غاية ما فيه حضُّ الرسول ﷺ أحد الذين كانوا صلّوا معه ﷺ في الجماعة الأولى أن يصلّي وراءه تطوعاً، فهي صلاة متنفِّل وراء مفترض، وبحْثُنا إِنما هو في صلاة مفترض وراء المفترض، فاتتهم الجماعة الأولى، ولا يجوز قياس هذه على تلك لأنه قياس مع الفارق من وجوه: الأول: أن الصورة الأولى المختلف فيها لم تنقل عنه ﷺ لا إِذناً ولا تقريراً مع وجود المقتضى في عهده ﷺ ، كما أفادته رواية الحسن البصري.

стр. 677

الثاني: أن هذه الصورة تؤدي إِلى تفريق الجماعة الأولى المشروعة، لأن الناس إِذا علموا أنهم تفوتهم الجماعة يستعجلون فتكثر الجماعة، وإذا علموا أنها لا تفوتهم، يتأخّرون، فتقلّ الجماعة، وتقليل الجماعة مكروه، وليس شيء من هذا المحذور في الصورة التي أقرّها رسول الله ﷺ ، فثبت الفرق، فلا يجوز الاستدلال بالحديث على خلاف المتقرر من هديه ﷺ ". انتهى. وقد فصّل أخي الشيخ مشهور حسن -حفظه الله- المسألة تفصيلاً دقيقاً في كتابه النفيس السابق الذّكر فارجع إِليه- إن شئت-.

стр. 678

المساجد إِنّ ممّا اختصّ الله تعالى به أمّة محمّد ﷺ أن جعلَ لها الأرض مسجداً وطَهوراً. عن أبي ذر قال: "قلت يا رسول الله! أيّ مسجدٍ وُضِع في الأرض أوّل؟ قال: "المسجد الحرام، قلت: ثمَّ أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنةً، وأينما أدركتكَ الصلاة فَصَلِّ فهو مسجد" (١). فضل بنائها: عن عثمان ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من بنى مسجداً لله تعالى بنى الله له بيتاً في الجنّة" (٢). وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من بنى لله مسجداً قدر مفحص قطاة؛ بنى الله له بيتاً في الجنّة" (٣). عن أنس ﵁ قال: "من بنى لله مسجداً صغيراً كان أو كبيراً؛ بنى الله له بيتاً في الجنّة" (٤).

стр. 679

فضل الصلاة في المسجد الأكثر عدداً: عن أُبيّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثُر؛ فهو أحبّ إِلى الله تعالى" (١). وعن قباث بن أشيم الليثي عن النّبيّ ﷺ قال: "صلاة رجلين يؤمُّ أحدهما صاحبه؛ أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى (٢)، وصلاة أربعة يؤمّهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة تترى" (٣). ما يقول الرجل إذا خرج من بيته إِلى المسجد: عن أنس بن مالك أنَّ النّبيّ ﷺ قال: "إِذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكّلتُ على الله، لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، قال: يُقال حينئذ: هُديت وكُفيت ووقيت، فتتنحّى له الشياطين، فيقول شيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدي وكُفي ووُقي؟ " (٤). وعن أمّ سلمة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ كان إِذا خرجَ من بيته قال: "اللهمّ إِنّي أعوذ بك أن أضِلَّ أو أُضَلَّ أو أزِلَّ أو أُزلَّ أو أظلِمَ أو أُظلَمَ أو أجهَلَ أو يُجهَلَ عليّ" (٥).

стр. 680

وفي حديث ابن عباس ﵄ مرفرعاً: " ... فأذّنَ المؤذّن فخرج إِلى الصلاة، وهو يقول: اللهمّ اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، اللهمّ أعطني نوراً" (١). والظاهر أنّه كان يقول هذا الدعاء حين الذَّهاب إِلى صلاة الفجر، كما يدّل عليه تمام سياق الحديث. دخول المسجد بالرِّجل اليمنى والخروج باليسرى: عن أنس أنّه كان يقول: "من السُّنّة إِذا دخَلْت المسجد أن تبدأ رجلك اليمنى، وإذا خرَجْت أن تبدأ برجلك اليسرى" (٢). أذكار دخول المسجد والخروج منه: عن أبي حُميد أو أبي أُسيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا دخل أحدكم المسجد فليُسلّم على النّبيّ ﷺ ثمَّ ليقل: اللهمّ افتح لي أبواب رحمتك، فإِذا خرج فليقل: اللهمّ إِنّي أسألك من فضلك" (٣).

стр. 681

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النّبيّ ﷺ أنّه كان إِذا دخل المسجد قال: "أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم" (١). عن فاطمة الكبرى قالت: "كان رسول الله ﷺ إِذا دخل المسجد صلّى على محمد وسلّم وقال: ربِّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإِذا خرج صلّى على محمّد وسلّم وقال: ربّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك" (٢). فضل المشي إِلى المساجد: عن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ قال: "من غدا إِلى المسجد وراح أعدّ (٣) الله له نزُله (٤) من الجنّة؛ كلمّا غدا أو راح (٥) " (٦). استحباب المشي إِلى المساجد بالسكينة: عن أبي هريرة ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: إِذا

стр. 682

أقيمت الصلاة فلا تأتُوها تسعَون، وأتوها تمشون عليكم السكينة، فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فأتمّوا" (١). وعنه أيضاً قال: "إِذا سمعتم الإِقامة فامشوا إِلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتمّوا" (٢). تحية المسجد: عن أبي قتادة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدُكُم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس" (٣). ما جاء في الصلاة في المساجد الثلاثة: عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "لا تشدُّ الرحال (٤) إلاَّ إِلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد الأقصى" (٥). وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ النّبيّ ﷺ قال: "صلاة في مسجدي

стр. 683

هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام" (١). وعن جابر ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام؛ وصلاة في المسجد الحرام؛ أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه" (٢). وعن عبد الله بن عمرو عن النّبيّ ﷺ قال: "لمّا فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس، سأل الله ثلاثاً: حُكماً يُصادف حُكمه، ومُلْكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وألاَّ يأتي هذا المسجد أحدٌ، لا يريد إلاَّ الصلاة فيه، إلاَّ خرج من ذنوبه كيومَ ولدته أمّه، فقال النّبيّ ﷺ : أمّا اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة" (٣). وعن أُسيد بن ظُهير قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجد قُباء كعمرة" (٤). تواضع بنائها والنهي عن زخرفتها: عن أنس أنَّ النّبيّ ﷺ قال: "لا تقوم الساعة؛ حتى يتباهى الناسُ في المساجد" (٥).

стр. 684

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أُمرت بتشييد المساجد، قال ابن عباس: لتزخرفنّها كما زخرَفَت اليهود والنصارى" (١). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا زخرفتم مساجدكم وحلّيتم مصاحفكم فالدمار عليكم" (٢). وعن نافع أنّ عبد الله أخبره "أنَّ المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيّاً باللِّبن وسقفه الجريدُ (٣) وعمدُه (٤) النخيل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً" (٥). وفى "صحيح البخاري" معلّقاً بصيغة الجزم (٦): "وأمر عمر ببناء المسجد وقال: أَكِنَّ (٧) الناس من المطر، وإيّاك أن تُحمرَ أو تُصَفرَ فتفتن الناس وقال

стр. 685

أنس: يتباهون بها ثمَّ لا يعْمُرونها إلاَّ قليلا". الترغيب في تنظيفها وتطهيرها وتجنيبها الأقذار والروائح الكريهة وما جاء في تجميرها (١): عن أبي هريرة ﵁ أنَّ امرأة سوداء كانت تقُمُّ (٢) المسجد، ففقدها رسول الله ﷺ ، فسأل عنها بعد أيامٍ، فقيل له: إِنّها ماتت. فقال: فهلا آذنتموني؟ فأتى قبرها، فصلى عليها" (٣). وفي رواية: "إِنّ امرأة كانت تلقط الخِرَق والعِيدان من المسجد" (٤). وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نتَّخذ المساجد في ديارنا، وأمرنا أن نُنظّفها" (٥). وعن عائشة ﵂ قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدُّور، وأن تُنظّف وتُطيّب" (٦). وعن أنس بن مالك قال: "بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إِذ

стр. 686

جاء أعرابيّ، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مَهْ مَهْ (١)، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تُزرموه (٢) دعوه، فتركوه حتّى بال، ثمَّ إِنَّ رسول الله ﷺ دعاه فقال له: إِنَّ هذه المساجد لا تَصْلُح لشيء من هذا البول ولا القَذَر، إِنّما هي لذِكر الله ، والصلاة وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ ، قال فأمَر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماءٍ فشنّه (٣) عليه" (٤). وعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "إِذا قام أحدُكم إِلى الصلاة فلا يبصُق أمامه، فإِنّما يُناجي الله ما دام في مصلاّه، ولا عن يمينه؛ فإِنَّ عن يمينه مَلَكاً، وليبصُق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنُها" (٥). وعن جابر بن عبد الله أنَّ النّبيّ ﷺ قال: "من أكلَ ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا -أو قال: فليعتزل مسجدنا- وليقعد في بيتها، أنَّ (٦) النّبيّ ﷺ أُتي بقدرٍ فيه خَضِرات (٧) من بقولٍ فوجد لها ريحاً، فسأل فأُخبر بما فيها من البُقول فقال: قرّبوها -إِلى بعض أصحابه كان معه- فلمّا رآه كره أكلها قال:

стр. 687

كُلْ، فإِني أُناجي من لا تُناجى" (١). وفي رواية: "من أكل البصل والثوم والكرّاث (٢) فلا يقربنَّ مسجدنا فإِنّ الملائكة تتأذّى ممّا يتأذّى منه بنو آدم" (٣). وخطب عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة، فقال: " ... ثمَّ إِنّكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلاَّ خبيثتين: هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله ﷺ إِذا وجد ريحمها من الرجل في المسجد أمَرَ به فأُخرج إِلى البقيع، فمن أكلهما فليُمتْهما طبخاً" (٤). أمّا ما لم يكن للمرء فيه كسب ولا هو يملك إِزالته كالبخر، فإِنَّه لا يلحق بالروائح الكريهة، والشارع الحكيم إِنّما منع أكل الثوم وغيره من حضور المساجد والحصول على فضيلة الجماعة؛ عقوبةً له على عدم مبالاته بإِيذاء المؤمنين والملائكة المقرّبين، فلا يجوز أن يحرم من هذه الفضيلة صاحب الأبْخَرُ ونحوه لما ذكرناه من الفارق. عن "تمام المنّة": (ص ٢٩٥) ملخّصاً. كراهة نشْد الضالة والبيع والشراء في المسجد: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمع رجلاً ينشد

стр. 688

ضالَّةً (١) في المسجد، فليقل: لا ردَّها الله عليك. فإِنَّ المساجد لم تُبْنَ لهذا" (٢). وعن سليمان بن بريدة عن أبيه أنَّ رجلاً نشد في المسجد فقال: من دعا إِلى الجمل الأحمر. فقال النّبيّ ﷺ : "لا وجدْتَ إِنّما بُنيت المساجد لما ُبُنِيَت له" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إِذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك" (٤). وفي رواية: "وإِذا رأيتم من ينشد فيه ضالّة فقولوا: لا ردّ الله عليك" (٥). عدم رفع الصوت فيها: عن عائشة عن النبي ﷺ "أنَّه اطلع من بيته والناس يصلّون يجهرون بالقراءة، فقال لهم: إِنَّ المصلّي يُناجي ربّه، فلينظر بما يُناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن" (٦). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "اعتكف رسول الله ﷺ

стр. 689

في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، وهو في قُبّةٍ له، فكشف الستور وقال: ألا إِنّ كلكم مناجٍ ربّه، فلا يؤذينَّ بعضكم بعضاً، ولا يرفعنَّ بعضكم على بعض بالقراءة. أو قال: في الصلاة" (١). ويجوز التحدّث بما هو مباح في المسجد، حتى لو صاحبه تبسّم وضَحك؛ لحديث سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سَمُرهّ: أكنتَ تجالس رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، كثيراً. كان لا يقوم من مُصلاه الذي يُصلّي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإِذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون. فيأخذون في أمر الجاهلية. فيضحكون ويتبسَّم" (٢). ويشرع إِنشاد الشعر المشتمل المعاني الحسنة، المتضمّن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك، فعن عبد الله بن عمرو أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الشعر بمنزلة الكلام، حسنُه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام" (٣). وعن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: "الشِّعر حسَن ومنه قبيح، فخُذ بالحسن، ودع القبيح، ولقد رُوّيت من شعر كعب بن مالك أشعاراً؛ منها القصيدة فيها أربعون بيتاً ودون ذلك" (٤).

стр. 690

وعن أبي هريرة "أنَّ عمر مرّ بحسّان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحَظَ إِليه فقال: قد كنتُ أنشِدُ؛ وفيه مَن هو خيرٌ منك، ثمَّ التفت إِلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله أسمعْتَ رسول الله ﷺ يقول: أجِبْ عنّي اللهمّ أيِّده بروح القُدُس؟ قال: اللهمّ نعم" (١). هل يُباح الأكل والشرب والنوم فيها ؟ عن عبد الله بن الحارث قال: "كنّا نأكل على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الخبز واللحم" (٢). وعن سهل بن سعد قال: "ما كان لعليّ اسم أحبّ إِليه من أبي تراب، وإنْ كان لفرح به إِذا دُعي بها، جاء رسول الله ﷺ بيتَ فاطمة فلم يَجِد عليّاً في البيت، فقال: أين ابن عمّك؟ فقالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني فخرج، فلم يَقِلْ عندي. فقال رسول الله ﷺ لإِنسان: انظر أين هو؟ فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقدٌ، فجاء رسول الله ﷺ وهو مضطجعٌ؛ قد سقط رداؤه عن شقِّه فأصابه تراب، فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه وهو يقول: قم أبا تُراب، قم أبا تراب" (٣). قال البخاري: "وقال أبو قلابة عن أنس: قدم رهط من عُكْل على النّبيّ ﷺ فكانوا في الصُّفَّة (٤)، وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: كان أصحاب الصُّفَّة

стр. 691

الفقراء" (١). وعن نافع قال: "أخبرني عبد الله بن عمر أنَّه كان ينام وهو شاب أعزب، لا أهل له في مسجد النّبيّ ﷺ " (٢). عدم اتخاذ المساجد طُرُقاً: عن ابن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا المساجد طُرُقاً إلاَّ لذِكر أو صلاة" (٣). النهي عن تشبيك الأصابع عند الخروج إلى الصلاة: عن كعب بن عُجْرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا توضّأ أحدُكم فأحسَن وضوءه، ثمَّ خرجَ عامداً إِلى المسجد؛ فلا يشبكنّ بين أصابعه، فإِنَّه في صلاة" (٤). الصلاة بين السواري: عن معاوية بن قرّة عن أبيه قال: "كُنّا نُنهى أن نصفَّ بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ونُطرد عنها طرداً" (٥).

стр. 692

قال شيخنا في "الصحيحة" (٣٣٥) بحذف وتصرف: "وله شاهد من حديث أنس بن مالك يتقوّى به، ويرويه عبد الحميد بن محمود قال: "صلّيت مع أنس بن مالك يوم الجمعة، فدُفِعنا إِلى السواري، فتقدّمنا وتأخّرنا، فقال أنس: كنّا نتّقي هذا على عهد رسول الله ﷺ " (١). وهذا الحديث نصٌّ صريح في ترك الصف بين السواري، وأنّ الواجب أن يتقدّم أو يتأخّر؛ إلاَّ عند الاضطرار؛ كما وقع لهم. وعن ابن مسعود أنَّه قال: "لا تصفُّوا بين السواري". وقال البيهقي: "وهذا -والله أعلم- لأنّ الأسطوانة تحول بينهم وبين وصل الصف" (٢). وقال مالك: "لا بأس بالصفوف بين الأساطين إِذا ضاق المسجد". انتهى. ويستدلّ بعضهم على جواز الصلاة بين السواري بحديث ابن عمر ﵄ قال: "دخل النّبيّ ﷺ البيت وأسامة بن زيد وعثمان ابن طلحة وبلال فأطال، ثمَّ خرج، كنت أول الناس دخل على أَثَره، فسألت بلالاً: أين صلّى؟ قال: بين العمودين المقدّمين" (٣). وبما رواه أيضاً أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحَجَبِيُّ، فأغلقها عليه ومكث فيها. فسألتُ بلالا حين خرج: ما صنَع النّبيّ ﷺ ؟ قال:

стр. 693

جعل عموداً عن يساره وعموداً عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه. وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثمَّ صلّى. وقال لنا إِسماعيل: حدَّثني مالك وقال: عمودين عن يمينه" (١). وهذا بعيد جدّاً، وإِنما يستدلّ به للإِمام والمنفرد، لذلك بوّب له البخاري ﵀ بقوله: (باب الصلاة بين السواري في غير جماعة). النهي عن التزام مكان خاص من المسجد: عن عبد الرحمن بن شبل قال: "نهى رسول الله ﷺ عن نَقْرة الغراب (٢) وافتراش السبُع (٣) وأن يوطن الرجل المكان في المسجد، كما يُوطِن البعير (٤) " (٥). وسألت شيخنا -شفاه الله- هل ترون هذا للتحريم، فقال: نعم. قال ابن المنذر في "الأوسط" (٥/ ١٣٠): من سبق إلى مكان من

стр. 694

المسجد فهو أحق به ما دام ثابتاً فيه، فإِذا زال عنه زال حقه، إِذ ليس أحد أحق به من أحد، قال الله : ﴿وأن المساجد لله﴾ (١) الآية. وقال: ﴿إِنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾ (٢). المواضع المنهي عن الصلاة فيها: ١ - الصلاة في المقبرة: عن أبي سعيد عن النّبيّ ﷺ قال: "الأرض كلّها مسجد إلاَّ الحمّام والمقبرة" (٣). وعن عائشة ﵂ عن النّبيّ ﷺ قال في مرضه الذي مات فيه: "لعن الله اليهود والنصارى اتَّخذوا قبور أنبيائهم مسجداً، قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّي أخشى (٤) أن يُتَّخذ مسجداً" (٥). وعنها أيضاً أنَّ أمّ سلمة ذَكَرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يُقال لها: مارية، فذكَرت له ما رأت فيها من الصّور، فقال رسول الله ﷺ : "أولئك قومٌ إِذا مات فيهم العبد الصالح -أو الرجل الصالح- بنوا على قبره

стр. 695

مسجداً، وصوّروا فيه تلك الصُّور، أولئك شرار الخلق عند الله" (١). قال شيخنا -حفظه الله-: "الذي يمكن أن يُفهَم من هذا الاتخاذ [أي: اتخاذ القبور مساجد]، إِنما هو ثلاث معان: الأول: الصلاة على القبور، بمعنى السجود عليها. الثاني: السجود إِليها واستقبالها بالصلاة والدعاء. الثالث: بناء المساجد عليها، وقصْد الصلاة فيها" (٢). ولا فرق فيما قلنا بين المقبرة فيها قبر أو أكثر. قال شيخنا -حفظه الله- في "تمام المنّة" (ص ٢٩٨): قال: [أي: شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-] في "الاختيارات العلمية": "ولا تصحّ الصلاة في المقبرة ولا إِليها، والنهي عن ذلك إِنّما هو سدّ لذريعة الشرك، وذكر طائفة من أصحابنا أن القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة، لأنه لا يتناوله اسم المقبرة، وإنّما المقبرة ثلاثة قبور فصاعداً (٣)، وليس في كلام أحمد وعامّة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قُبر فيه، لا أنه جمْع قبر، وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة ممّا حول القبور لا يصلى فيه، فهذا يعين أنّ المنع يكون متناولاً لحرمة القبر المنفرد وفنائه

стр. 696

المضاف إليه، وذكر الآمدي وغيره أنه لا تجوز الصلاة فيه، أي: المسجد الذي قبلته إِلى القبر حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر، وذكر بعضهم: هذا منصوص أحمد". ٢ - الحمّام: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "الأرض كلّها مسجد إلاَّ الحمام والمقبرة" (١). فائدة: وقد ورد في بعض النصوص النهيُ عن الصلاة في مواطن معيّنة، كالصلاة في المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق وأعطان الإِبل وفوق ظهر بيت الله، وقد بيّن شيخنا ضعف هذا الحديث في "تمام المنّة" (ص ٢٩٩) -بحذف- وقال رادّاً على الشيخ السيد سابق -حفظهما الله تعالى-. " ... قلت: فذَكَر المواضع المذكورة، ثمَّ نقل عن الترمذي تضعيفه الحديث، وأقرّه على ذلك، وهو الصواب كما هو مُبيّن في "الإرواء" (٢٨٧)، فعادت الدعوى بدون دليل صحيح، فكان على المؤلّف أن يورد أحاديث أخرى صحيحة تشهد للحديث، ولو في بعض مفرداته: فمنها قوله ﷺ : "الأرض كلها مسجد؛ إلاَّ المقبرة والحمام". ومنها قوله ﷺ : "إِذا حضرت الصلاة فلم تجدوا إلاَّ مرابض الغنم وأعطان الإِبل فصلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإِبل" (٢).

стр. 697

ولا أعلم حديثاً صحيحاً في النهي عن الصلاة في المواطن الأخرى، ولا يجوز القول ببطلانها فيها إلاَّ بنص عنه ﷺ ، فليعلم". ما جاء في الصلاة في البِيَع (معابد النصارى) ونحوها: جاء في "صحيح البخاري" تحت (باب الصلاة في البِيعة) وقال عمر ﵁: "إِنا لا ندخلُ كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصُّور، وكان ابن عباس يصلّي في البيعة إِلاَّ بيعةً فيها تماثيل" (١). والذي قد بدا لي أنَّ الأصل جواز الصلاة في مِثل هذه المعابد إِذا أُمنت الفتنة وخلت من التماثيل وأرى في زماننا هذا المنع للعامّة من باب سدّ الذريعة -والله تعالى أعلم-. ما جاء في الصلاة في مواضع الخسف (٢) والعذاب: قال البخاري تحت (باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب): ويذكر أنَّ علياً ﵁ كره الصلاة بخسف بابل (٣).

стр. 698

ثمَّ ذكر حديث عبد الله بن عمر (١) (برقم: ٤٣٣) أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين؛ إلاَّ أن تكونوا باكين، فإِن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ لا يصيبكم ما أصابهم" (٢). الصلاة في الكعبة: عن ابن عمر قال: دخل النّبيّ ﷺ البيت وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال فأطال، ثمّ خرج، كنت أوّل الناس دخل على أَثرِه، فسألتُ بلالاً: أين صلّى؟ قال: بين العمودين المقدّمين" (٣). وفي رواية لابن عمر أيضاً أنّ رسول الله ﷺ دخل الكعبة وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحَجَبيّ، فأغلقها عليه ومكث فيها. فسألت بلالا حين خرج: ما صنع النّبيّ ﷺ ؟ قال: جعل عموداً عن يساره وعموداً عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه. وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ثمَّ صلّى، وقال لنا إِسماعيل: حدثني مالك وقال: عمودين عن يمينه" (٤). وعن نافع أنَّ عبد الله كان إِذا دخل الكعبة مشى قِبلَ وجهه حين يدخل، وجعل الباب قِبل ظهره، فمشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قِبل وجهه قريباً من ثلاثة أذرع صلّى يتوخّى المكان الذي أخبره به بلال أنَّ النّبي ﷺ صلّى فيه. قال: وليس على أحدنا بأس إِن صلّى في أي نواحي البيت شاء" (٥).

стр. 699

السترة حُكمها: السترة واجبة على الإمام والمنفرد وذلك لقوله ﷺ : "لا تُصلِّ إلاَّ إِلى سُترة، ولا تَدع أحداً يمرُّ بين يديك، فإِنْ أبى فلتقاتِله؛ فإِنَّ معه القرين (١) " (٢). ولقوله ﷺ : "إِذا صلّى أحدكم إِلى سترة؛ فليدْنُ منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته" (٣). ولا يعني قوله ﷺ : "إِذا صلّى أحدكم إِلى سترة" جواز الصلاة إِلى غير سترة؛ إِذ مفهوم الحديث: أنَّ من صلّى إِلى سترة ولم يدْنُ منها فهو مُعرّضٌ لقطع صلاته من قِبَل الشيطان، فكيف بمن لم يصلِّ إِلى سترة! قال شيخنا في "تمام المِنّة" (ص ٣٠٠): وإنَّ ممّا يؤكدّ وجوبها أنها سبب شرعي لعدم بطلان الصلاة بمرور المرأة البالغة والحمار والكلب الأسود، كما صحّ ذلك في الحديث، ولمنع المار من المرور بين يديه، وغير ذلك من الأحكام المرتبطة بالسترة، وقد ذهب إِلى القول بوجوبها الشوكاني في "نيل الأوطار" (٣/ ٢)، و"السيل الجرار" (١/ ١٧٦)، وهو الظاهر من

стр. 700

كلام ابن حزم في "المحلى" (٤/ ٨ - ١٥). السُّترة في الكعبة والمسجد الحرام: عن صالح بن كيسان قال: رأيت ابن عمر يصلّي في الكعبة، ولا يدع أحداً يمر بين يديه (١). وعن يحيى بن أبي كثير قال: رأيت أنس بن مالك دخل المسجد الحرام، فركز شيئاً، أو هيأ شيئاً يصلّي إليه (٢). بمَ تتحقّق ؟ تتحقق السترة بالأُسطوانة: فعن يزيد بن أبي عبد قال: "كان سلمة بن الأكوع يتحرّى الصلاة عند الأسطوانة التي عِند المصحف (٣). فقلت له: يا أبا مسلم! أراك تتحرّى الصلاة عند هذه الأُسطوانة، قال: رأيتُ النّبيّ ﷺ يتحرّى الصلاة عندها" (٤). والعصا المغروزة، فإِن النبيّ ﷺ "كان إِذا صلّى [في فضاء ليس فيه شيء يستتر به] غرَز بين يديه حربة فصلّى إِليها والناس وراءه" (٥). وتتحقق السترة

стр. 701

كذلك بالراحلة يعرّضها (١) فيصلّي إليها، فإِنَّ النّبيّ ﷺ "كان يعرّض راحلته فيصلّي إِليها" (٢). وبالشجرة " فإِنَّ النّبيّ ﷺ صلّى مرّة إِلى شجرة" (٣). وبالجدار (٤) وبالسرير (٥) وما هو مثل مؤخرة الرحل -وهو أقلّ ما يجزئ- لقوله ﷺ : "إِذا وضع أحدكم بين يديه مثلُ مؤخِرة الرحل فليصلِّ ولا يبالِ من مرَّ وراء ذلك" (٦). سترة الإِمام سترة من خلفه: قال البخاري (باب سترة الإِمام سترة مَن خَلفه) وذكر تحته حديث ابن عباس برقم (٤٩٣): "أقبلتُ راكباً على حمارٍ أتانٍ (٧) وأنا يومئذ قد ناهزْتُ الاحتلام ورسول الله ﷺ يصلّي بالناس بمنى إِلى غير جدار (٨)، فمررتُ بين

стр. 702

يدي بعض الصفّ، فنزلتُ وأرسلتُ الأتانَ تَرتَع ودخلتُ في الصفّ، فلم ينكر ذلك عليَّ أحد" (١). ثمَّ أورد البخاري (٢) ﵀ حديث ابن عمر ﵄: "أنَّ رسول الله ﷺ كان إِذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلّي إِليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمِن ثَمَّ اتخذها الأمراء". وذكر بعده (٣) حديث عون بن أبي جحيفة قال: "سمعت أبي أنَّ النّبيّ ﷺ صلّى بهم بالبطحاء -وبين يديه عَنَزَة (٤) - الظهر ركعتين والعصر ركعتين تَمُرُّ بين يديه (٥) المرأة والحمار". دنوّ المصلي من السترة واقترابه منها: لقوله ﷺ المتقدّم: "إِذا صلّى أحدكم إِلى سترةٍ فليدْنُ منها". وعن سهل بن سعد الساعدي قال: "كان بين مصلّى رسول الله ﷺ وبين

стр. 703

الجدار ممرّ الشاة" (١). "وكان بينه وبين الجدار الذي قِبَل وجهه قريباً من ثلاثة أذرع" (٢). تحريم المرور بين يدي المصلِّي ودفْع المارّ ومقاتلته ومنع بهيمة الأنعام ونحوها من ذلك: جاء في "صفة الصلاة" (ص ٨٣، ٨٤): " ... وكان ﷺ لا يدَع شيئاً يمرّ بينه وبين السترة، فقد "كان يصلّي، إِذ جاءت شاة تسعى بين يديه؛ فساعاها (٣) حتى ألزق بطنه بالحائط، [ومرَّت من ورائه] " (٤). و"صلّى صلاة مكتوبة فضمَّ يده، فلما صلّى قالوا: يا رسول الله! أحدَث في الصلاة شيء؟ قال: (لا؛ إلاَّ أنَّ الشيطان أراد أن يمرَّ بين يدي، فخنقتُه حتى وجدْت برد (٥) لسانه على يدي، وأيم الله لولا ما سبقني إِليه أخي سليمان؛ لارتُبط إِلى سارية من سواري المسجد، حتى يطيف به ولدان أهل المدينة، [فمن استطاع أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد؛ فليفعل] " (٦).

стр. 704

وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعْتُ رسول الله ﷺ يقول: "إِذا صلّى أحدكم إِلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه؛ فليدفع في نحره، [وليدرأ ما استطاع] (وفي رواية: فليمنعه، مرّتين)، فإِنْ أبى فليقاتله، فإِنّما هو شيطان" (١). وكان يقول: "لو يعلم المارّ بين يدي المصلّي ماذا عليه؛ لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمرّ بين يديه" (٢). ما يقطع الصلاة: إِذا لم يتخذ المصلي سترة؛ فإِنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود لحديث أبي ذرّ ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ إِذا قام أحدكم يصلّي، فإِنَّه يستره إِذا كان بين يديه مثل آخِرةِ الرَّحْل. فإِذا لم يكن بين يديه مِثلُ آخِرةِ الرَّحْل، فإِنَّه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود". قلت: يا أبا ذرّ ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي! سألتُ رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان" (٣). قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في "تمام المِنّة" (ص ٣٠٧): " ... ووجَبَ القول بأن الصلاة يقطعها الأشياء المذكورة عند عدم السترة.

стр. 705

وهو مذهب إِمام السنّة أحمد بن حنبل ﵀ وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية". لا يجزئ الخطّ في السترة لا يجزئ الخطّ في السُّترة، ولا أعلم فيه حديثاً ثابتاً، وما رُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال أبو القاسم ﷺ : "إِذا صلّى أحدكم؛ فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإِنْ لم يَجد شيئاً؛ فلينصب عصاً، فإِن لم يكن من عصاً؛ فليخُطّ خطاًّ، ولا يضرّه ما مرّ بين يديه". وممّا قاله شيخنا في "تمام المنّة" (ص ٣٠٠): "الحديث ضعيف الإِسناد لا يصحّ وإِن صحّحه مَن ذكرهم المؤلف، فقد ضعّفه غيرهم، وهم أكثر عدداً، وأقوى حُجة، ولا سيّما وأحمد قد اختلف في الرواية عنه فيه، فقد نقَل الحافظ في "التهذيب" عنه أنه قال: "الخطّ ضعيف". وذكر في "التلخيص" تصحيح أحمد له نقلاً عن "الاستذكار" لابن عبد البرّ، ثم عقَّب على ذلك بقوله: "وأشار إِلى ضعفه سفيان بن عيينة والشافعي والبغوي وغيرهم". وقال مالك في "المدوّنة": "الخط باطل". ما يُباح فِعله في الصلاة (١): ١ - غلبة البكاء والتأوّه والأنين ، سواءٌ أكان ذلك من خشية الله أم كان لغير ذلك كالتأوه من المصائب والأوجاع ما دام عن غلبة؛ بحيث لا يمكن دفْعه:
следующие страницы →