كذلك بالراحلة يعرّضها (١) فيصلّي إليها، فإِنَّ النّبيّ ﷺ "كان يعرّض راحلته فيصلّي إِليها" (٢).
وبالشجرة " فإِنَّ النّبيّ ﷺ صلّى مرّة إِلى شجرة" (٣). وبالجدار (٤) وبالسرير (٥) وما هو مثل مؤخرة الرحل -وهو أقلّ ما يجزئ- لقوله ﷺ : "إِذا وضع أحدكم بين يديه مثلُ مؤخِرة الرحل فليصلِّ ولا يبالِ من مرَّ وراء ذلك" (٦).
سترة الإِمام سترة من خلفه:
قال البخاري (باب سترة الإِمام سترة مَن خَلفه) وذكر تحته حديث ابن عباس برقم (٤٩٣): "أقبلتُ راكباً على حمارٍ أتانٍ (٧) وأنا يومئذ قد ناهزْتُ الاحتلام ورسول الله ﷺ يصلّي بالناس بمنى إِلى غير جدار (٨)، فمررتُ بين
стр. 702
يدي بعض الصفّ، فنزلتُ وأرسلتُ الأتانَ تَرتَع ودخلتُ في الصفّ، فلم ينكر ذلك عليَّ أحد" (١).
ثمَّ أورد البخاري (٢) ﵀ حديث ابن عمر ﵄: "أنَّ رسول الله ﷺ كان إِذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلّي إِليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمِن ثَمَّ اتخذها الأمراء".
وذكر بعده (٣) حديث عون بن أبي جحيفة قال: "سمعت أبي أنَّ النّبيّ ﷺ صلّى بهم بالبطحاء -وبين يديه عَنَزَة (٤) - الظهر ركعتين والعصر ركعتين تَمُرُّ بين يديه (٥) المرأة والحمار".
دنوّ المصلي من السترة واقترابه منها:
لقوله ﷺ المتقدّم: "إِذا صلّى أحدكم إِلى سترةٍ فليدْنُ منها".
وعن سهل بن سعد الساعدي قال: "كان بين مصلّى رسول الله ﷺ وبين
стр. 703
الجدار ممرّ الشاة" (١).
"وكان بينه وبين الجدار الذي قِبَل وجهه قريباً من ثلاثة أذرع" (٢).
تحريم المرور بين يدي المصلِّي ودفْع المارّ ومقاتلته ومنع بهيمة الأنعام ونحوها من ذلك:
جاء في "صفة الصلاة" (ص ٨٣، ٨٤): " ... وكان ﷺ لا يدَع شيئاً يمرّ بينه وبين السترة، فقد "كان يصلّي، إِذ جاءت شاة تسعى بين يديه؛ فساعاها (٣) حتى ألزق بطنه بالحائط، [ومرَّت من ورائه] " (٤).
و"صلّى صلاة مكتوبة فضمَّ يده، فلما صلّى قالوا: يا رسول الله! أحدَث في الصلاة شيء؟ قال: (لا؛ إلاَّ أنَّ الشيطان أراد أن يمرَّ بين يدي، فخنقتُه حتى وجدْت برد (٥) لسانه على يدي، وأيم الله لولا ما سبقني إِليه أخي سليمان؛ لارتُبط إِلى سارية من سواري المسجد، حتى يطيف به ولدان أهل المدينة، [فمن استطاع أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد؛ فليفعل] " (٦).
стр. 704
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعْتُ رسول الله ﷺ يقول: "إِذا صلّى أحدكم إِلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه؛ فليدفع في نحره، [وليدرأ ما استطاع] (وفي رواية: فليمنعه، مرّتين)، فإِنْ أبى فليقاتله، فإِنّما هو شيطان" (١).
وكان يقول: "لو يعلم المارّ بين يدي المصلّي ماذا عليه؛ لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمرّ بين يديه" (٢).
ما يقطع الصلاة:
إِذا لم يتخذ المصلي سترة؛ فإِنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود لحديث أبي ذرّ ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ إِذا قام أحدكم يصلّي، فإِنَّه يستره إِذا كان بين يديه مثل آخِرةِ الرَّحْل. فإِذا لم يكن بين يديه مِثلُ آخِرةِ الرَّحْل، فإِنَّه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود". قلت: يا أبا ذرّ ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي! سألتُ رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان" (٣).
قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في "تمام المِنّة" (ص ٣٠٧): " ... ووجَبَ القول بأن الصلاة يقطعها الأشياء المذكورة عند عدم السترة.
стр. 705
وهو مذهب إِمام السنّة أحمد بن حنبل ﵀ وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية".
لا يجزئ الخطّ في السترة
لا يجزئ الخطّ في السُّترة، ولا أعلم فيه حديثاً ثابتاً، وما رُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال أبو القاسم ﷺ : "إِذا صلّى أحدكم؛ فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإِنْ لم يَجد شيئاً؛ فلينصب عصاً، فإِن لم يكن من عصاً؛ فليخُطّ خطاًّ، ولا يضرّه ما مرّ بين يديه".
وممّا قاله شيخنا في "تمام المنّة" (ص ٣٠٠): "الحديث ضعيف الإِسناد لا يصحّ وإِن صحّحه مَن ذكرهم المؤلف، فقد ضعّفه غيرهم، وهم أكثر عدداً، وأقوى حُجة، ولا سيّما وأحمد قد اختلف في الرواية عنه فيه، فقد نقَل الحافظ في "التهذيب" عنه أنه قال: "الخطّ ضعيف".
وذكر في "التلخيص" تصحيح أحمد له نقلاً عن "الاستذكار" لابن عبد البرّ، ثم عقَّب على ذلك بقوله: "وأشار إِلى ضعفه سفيان بن عيينة والشافعي والبغوي وغيرهم".
وقال مالك في "المدوّنة": "الخط باطل".
ما يُباح فِعله في الصلاة (١):
١ - غلبة البكاء والتأوّه والأنين ، سواءٌ أكان ذلك من خشية الله أم كان لغير ذلك كالتأوه من المصائب والأوجاع ما دام عن غلبة؛ بحيث لا يمكن دفْعه:
стр. 706
لقول الله تعالى: ﴿إِذا تتلى عليهم آيات الرَّحمن خَرُّوا سُجداً وبكيّاً﴾ (١). والآية تشمل المصلّي وغيره.
وعن عبد الله بن الشِّخّير قال: "رأيت رسول الله ﷺ يصلّي وفي صدره أزيز كأزيز المرْجل (٢) من البكاء" (٣).
وعن علي ﵁ قال: "ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ابن الأسود؛ ولقد رأيتُنا وما فينا إلاَّ نائم إلاَّ رسول الله ﷺ تحت شجرة، يصلّي ويبكي حتى أصبح" (٤).
وقال عبد الله بن شداد: "سمعت نشيجَ عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ: ﴿إِنّما أشكو بثّي وحُزني إلى الله﴾ (٥) " (٦).
стр. 707
وعن عائشة أمّ المؤمنين " أنَّ رسول الله ﷺ قال في مرضه: مُروا أبا بكر يُصلّي بالناس قالت عائشة: قلت إِنَّ أبا بكر إِذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمُرْ عمر فليصلِّ. فقال: مُروا أبا بكر فليصلِّ للناس. قالت عائشة لِحفصة: قولي له إنَّ أبا بكر إذا قام في مقامك لم يُسمِع الناس من البكاء. فمرْ عمر فليُصلّ للناس. ففعلت حفصة، فقال رسول الله ﷺ : مه، إِنكنّ لأنتنّ صواحبُ يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ للناس. قالت حفصة لعائشة: ما كنتُ لأُصيب منك خيراً" (١).
وفي تصميم الرسول ﷺ على صلاة أبي بكر بالناس على هذا الحال دليل على جواز البكاء في الصلاة إِذا غلَبه ذلك.
٢ - الالتفات والإِشارة المُفهمة عند الحاجة (٢).
عن جابر قال: "اشتكى رسول الله ﷺ فصلّينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يُسمع الناسَ تكبيره، فالتفَت إِلينا فرآنا قياماً، فأشار إِلينا فقعَدنا، فصلّينا بصلاته قعوداً" (٣).
وعن سهل ابن الحَنْظَليَّة، قال: ثُوِّبَ بالصلاة -يعني: صلاة الصبح- فجعَل رسول الله ﷺ يصلّي، وهو يلتفت إِلى الشِّعْب (٤). قال أبو داود: وكان
стр. 708
أرسل فارساً إِلى الشعب من الليل يحرس" (١).
ولا ينبغي الالتفات في الصلاة لغير حاجة لحديث عائشة ﵂ قالت: سألْتُ رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: "هو اختلاسٌ (٢) يختلسه الشيطان من صلاة العبد" (٣).
وعن الحارث الأشعري ﵁ أنَّ النّبي ﷺ قال: "إِنَّ الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ... وفيه وإِنَّ الله أمرَكم بالصلاة، فإِذا صليتم فلا تلتفتوا، فإِنّ الله يَنْصبُ (٤) وجهه لوجه عبده في صلاته، ما لم يلتفت" (٥).
وانظر للمزيد من الأحاديث كتاب "صحيح الترغيب والترهيب" (باب الترهيب من رفْع البصر إِلى السماء في الصلاة).
وهذا كلّه في الالتفات بالوجه أمّا الالتفات بجميع البدن والتحوّل به عن
стр. 709
القبلة؛ فهو مبطل للصلاة اتفاقاً؛ للإِخلال بواجب الاستقبال.
٣ - قتْل الحيّة والعقرب والزنابير ونحو ذلك من كلّ ما يضرّ .
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب" (١).
٤ - المشي اليسير لحاجة .
عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلّي والباب عليه مُغلق، فجئت فاستفتَحْتُ، فمشى ففتحَ لي، ثمَّ رجع إِلى مصلاّه" (٢) وذكر (٣) أن الباب كان في القبلة.
وقال شيخنا في "الصحيحة" (٦/ ٤٨٥): جواز العمل اليسير الهادف في الصلاة وذكر تحته حديث رقم (٢٧١٦): "كانَ يصلّي قائماً تطوعاً، والباب في القبلة مغلق عليه، فاستفتحتُ الباب، فمشى على يمينه أو شماله، ففتح الباب ثمَّ رجع إِلى مكانه".
وعن الأزرق بن قيس قال: "كنّا بالأهواز نقاتل الحروريّة، فبينا أنا على جُرُف نهر إِذا رجل يُصلي، وإذا لجامُ دابَّته بيده، فجعلتِ الدابَّة تُنازِعه، وجعل يتبعها -قال شعبة: هو أبو بَرْزَة الأسلمي- فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهمّ افعل بهذا الشيخ فلمّا انصرف الشيخ قال: إِنّي سمعتُ قولكم
стр. 710
وإِنّي غزوتُ مع رسول الله ﷺ ستَّ غزوات أو سبع غزوات وثمانيًا، وشهدت تيسيره، وإِنّي إِنْ كنتُ أن أرجع مع دابّتي أحبُّ إِليَّ من أن أدَعَها ترجع إِلى مأْلَفها (١) فيشقُّ عليّ" (٢).
٥ - حمْل الصبيّ وتعلّقه بالمصلّي .
عن أبي قتادة الأنصاري "أنَّ رسول الله ﷺ ، كان يصلّي وهو حامل أُمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ولأبي العاص بن ربيعةَ بن عبدِ شمس، فإِذا سجدَ وضعها، وإِذا قام حملَها" (٣).
وعن عبد الله بن شدّاد عن أبيه قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ في إِحدى صلاتي العَشِيِّ -الظهر أو العصر (٤) - وهو حامل حسَناً أو حُسَيناً، فتقدّم النّبيّ ﷺ فوضَعه عند قدمه اليمنى، ثمَّ كبّر للصلاة فصلّى، فسجد بين ظهرانيْ (٥) صلاتِه سجدة أطالها، قال: فرفعتُ رأسي من بين الناس، فإِذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد، فرجعتُ إِلى سجودي، فلمّا قضى رسول الله ﷺ الصلاة، قال الناس: يا رسول الله! إِنّك سجدتَ بين ظهرانَي صلاتك هذه سجدة أطلْتهَا؛ حتى ظننَّا أنّه حدَث أمر، أو أنَّه يوحى إِليك! قال: كلُّ
стр. 711
ذلك لم يكن؛ ولكن ابني ارتحلني (١)، فكرهتُ أن أعجله حتى يقضيَ حاجتَه" (٢).
وعن عبد الله بن مسعود قال: "كان ﷺ يصلّي؛ فإِذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإِذا منعوهما؛ أشار إِليهم (٣) أن دعُوْهُما، فلمّا قضى الصلاة وضَعَهما في حِجْره وقال: من أحبّني فليُحبَّ هذين" (٤).
٦ - إِلقاء السلام على المصلّي ومخاطبته وجواز الردّ بالإِشارة على مَن سلّم عليه .
فعن جابر أنَّه قال: "إِنَّ رسول الله ﷺ بعثَني لحاجة، ثمَّ أدركتُه وهو يسير (قال قتيبة: يصلّي) فسلّمتُ عليه فأشار إِليّ، فلمّا فرَغَ دعاني فقال: إِنّك سلّمت آنفاً وأنا أصلّي، وهو موجِّهٌ حينئذٍ قِبلَ المشرِق" (٥).
وعن صهيب أنَّه قال: "مررت برسول الله ﷺ وهو يصلّي، فسلَّمتُ عليه، فرد إِشارةً. قال: ولا أعلمه إِلا قال: إِشارة بأصبعه" (٦).
стр. 712
وعن أنس بن مالك: "أنَّ النّبيّ ﷺ كان يشير في الصلاة" (١).
وعن ابن عمر ﵄ قال: "خرج رسول الله ﷺ إِلى قباء يصلّي فيه، فجاءته الأنصار، فسلّموا عليه وهو يصلّي؟ قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلّمون عليه وهو يصلّي؟ قال: يقول هكذا، وبسط كفّه وبسط جعفر بن عون كفّه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إِلى فوق" (٢).
قال ابن المنذر في "الأوسط" (٣/ ٢٤٩): "الكلام في الصلاة لا يجوز، وقد سنّ رسول الله ﷺ أنّ المصلّي يردّ السلام بالإِشارة".
وذكر عدداً من الأحاديث والآثار في ذلك.
وقد فهمت من شيخنا -حفظه الله تعالى- أنَّ ردّ السلام بالرأس أو باليد بحسب حال المسلِّم، كأنْ يأتي من الخلف ولا يرى حركة اليد؛ فيومئ له بالرأس، أو يأتي من جهة يرى فيها حركة اليد فيرد عليه باليد -والله تعالى أعلم-.
٧ - التسبيح والتصفيق:
يجوز التسبيح للرجال والتصفيق للنساء إِذا عرَض أمْر من الأمور؛ كتنبيه الإِمام إذا أخطأ وكالإِذن للداخل، أو الإِرشاد للأعمى ونحو ذلك.
стр. 713
فعن سهل بن سعد ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: يا أيها الناس، إِذا نابكم (١) شيء في صلاتكم أخذتم بالتصفيح (٢)، إنّما التصفيح للنساء، من نابه شيءٌ في صلاته فليقل سبحان الله، فإِنّه لا يسمعه أحدٌ إلاَّ التفت" (٣).
وفي رواية: " ... يا أيها الناس، ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق؟ إِنّما التصفيق للنساء، من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله، فإِنّه لا يسمعه أحدٌ حين يقول سبحان الله إلاَّ التفت ... " (٤).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" (٥).
٨ - الفتح على الإِمام:
إِذا نسي الإِمام آية يفتح عليه المؤتمّ فيذكّره.
فعن عبد الله بن عمر: "أنَّ النّبيّ ﷺ صلى صلاةً فقرأ فيها، فلُبِس عليه،
стр. 714
فلمّا انصرف قال لأبيَّ: أصلّيت معنا؟ قال: نعم قال: فما منعَك (١)؟ " (٢).
وعن المسوَّر بن يزيد المالكي: "أنَّ رسول الله ﷺ يقرأ في الصلاة، فترك شيئاً لم يقرأهُ، فقال له رجل: يا رسول الله، تركْتَ آية كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : هلاَّ أذكرتَنِيها" (٣).
أعمال أخرى مباحة في الصلاة:
ومن الأعمال المباحة في الصلاة:
١ - رجوع الإِمام القهقرى في صلاته، أو تقدُّمه بأمرٍ ينزل به (٤).
فعن أنس بن مالك " أنَّ المسلمين بينا هم في الفجر يوم الاثنين، وأبو بكر ﵁ يُصلّي بهم، ففجَأَهم النّبيّ ﷺ قد كشف سِتر حجرة عائشة ﵂ فنظر إِليهم وهم صفوف، فتبسَّم يضحك، فنكص أبو بكر ﵁ على عقِبيه، وظنّ أنَّ رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إِلى الصلاة، وهمّ المسلمون أن يفتَتِنوا في صلاتهم فَرَحاً بالنّبيّ ﷺ حين رأوه فأشار بيده أن أتمّوا، ثمَّ دخل الحُجرة وأرخى السِّتر، وتوفِّي ذلك اليوم" (٥).
٢ - مسْح الحصى مرة واحدة عند الحاجة لحديث معيقيب "أنَّ النّبيّ ﷺ قال في الرجل يسوِّي التراب حيث يسجد قال: إِنْ كنتَ فاعلاً
стр. 715
فواحدة" (١).
٣ - بسط الثوب في الصلاة لسجود لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: "كنّا مع النّبيّ ﷺ في شدّة الحرّ، فإِذا لم يستطع أحدنا أن يُمكّن وجهه في الأرض، بسط ثوبه فسجد عليه" (٢).
٤ - متابعة السارق:
قال قتادة: "إِنْ أُخِذ ثوبه يتبع السارق ويدَع الصلاة" (٣).
٥ - غمزْ رِجل النائم ونحوه.
فعن عائشة ﵂ أنّها قالت: "كنتُ أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قِبلته، فإذا سجد غمَزني (٤)، فقبضتُ رجليّ، فإِذا قام بسطتُهما، قالت: والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح" (٥).
٦ - مقاتلة من أراد المرور بين يدي المصلّي وتقدَّم.
٧ - شُغل القلب بغير أعمال الصلاة، ممّا لا يملك دفْعه:
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : "إِذا نُودي بالصلاة
стр. 716
أدبر الشيطان وله ضراط، فإِذا قُضي أقبل، فإِذا ثُوِّبَ بها أدبر، فإِذا قُضي أقبل حتى يخطُِرَ (١) بين الإِنسان وقلبه فيقول: اذكر كذا وكذا، حتى لا يدري أثلاثاً صلّى أم أربعاً، فإِذا لم يدرِ ثلاثاً صلّى أو أربعاً؛ سجد سجدتي السهو" (٢).
وعن عمر ﵁ قال: "إِنّي لأجهّز جيشي وأنا في الصلاة" (٣).
تنبيه: ينبغي للمصلّي أن يُقبل بقلبه على ربه ويصرف عنه الشواغل بالتفكير في معنى الآيات والأذكار والأدعية واستحضار الموت، ويحمل جواز العمل في الصلاة على الحاجة والضرورة، وما لا يمكن دفْعه.
فعن عمّار بن ياسر ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ الرجل لينصرف وما كُتبَ له إلاَّ عُشرُ صلاته، تُسعُها، ثُمنها، سُبعها، سُدسها، خُمسها، رُبعها، ثُلثها، نصفها" (٤).
وعن أبي اليَسَر ﵁ أنَّ النّبيّ ﷺ قال: "منكم من يصلّي الصلاة كاملة، ومنكم من يصلّي النصف، والثلث، والربع، والخمس، حتى بلغ العُشر" (٥).
стр. 717
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصلاة ثلاثةُ أثلاث، الطُّهور ثلث، والركوع ثُلث، والسجود ثُلث، فمن أدّاها بحقِّها قُبلت منه، وقُبل منه سائر عمله، ومن رُدّت عليه صلاته، رُدَّ عليه سائر عمله" (١).
وعن زيد بن خالد الجهني ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من توضّأ فأحسن الوضوء ثمّ صلّى ركعتين، لا يسهو فيهما غُفر له ما تقدّم من ذنبه" (٢).
وعن عثمان بن أبي العاص ﵁ أنَّه أتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! إِنَّ الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يَلْبِسُها عليّ، فقال رسول الله ﷺ : "ذاك شيطان يُقال له خِنْزَب فإِذا أحْسَسْتهُ فتعوّذ بالله منه، واتفُِل على يسارك ثلاثاً قال: ففعَلْت ذلك فأذهبه الله عنّي" (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإِذا قال العبد: الحمد لله ربّ العالمين، قال الله تعالى: حَمِدَني عبدى، وإِذا قال:
стр. 718
الرحمن الرحيم قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال مالك يوم الدين قال: مجَّدني عبدي (وقال مرّة: فوَّضَ إِليَّ عبدي) فإِذا قال: إِيَّاك نعبد وإيّاك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإِذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضَّالين قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (١).
стр. 719
ما يُنهى عن فِعله في الصلاة
١ - العبث بالثوب أو البدن إلاَّ لحاجة .
فعن مُعَيقيب "أنَّ النّبيّ ﷺ قال في الرجل يسوّي التراب حيث يسجد قال: إِنْ كنتَ فاعلاً فَوَاحِدَةً" (١).
٢ - التخصّر في الصلاة:
فعن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ "أنَّه نهى أن يصلّي الرجل مختصراً" (٢).
٣ - رفع البصر إِلى السماء:
فعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لينتهينّ أقوامٌ عن رفعهم أبصارَهم عند الدعاء في الصلاة إِلى السماء؛ أو لتخطَفَنّ أبصارُهم" (٣).
стр. 720
وقوله لتُخطَفَنّ أبصارُهم يدل على التحريم، وبه يقول شيخنا -حفظه الله تعالى-.
٤ - الالتفات لغير حاجة (١):
عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة، فقال: "هو اختلاسٌ (٢) يختلسه الشيطان من صلاة العبد" (٣).
٥ - النظر إِلى ما يلهي ويشغل:
عن عائشة "أنَّ النّبيّ ﷺ صلّى في خميصةٍ (٤) لها أعلام فنظر إِلى أعلامها نظرةً، فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إِلى أبي جهم واْئتوني بأنبِجانية (٥) أبي جهم، فإِنّها ألهتني آنفاً عن صلاتي" (٦).
٦ - تغميض العينين:
ويفعله بعض المصلّين استجلاباً للخشوع، وليس هذا بصواب، وسألت شيخنا -حفظه الله- عمّن يُغمض عينيه في الصلاة فقال: "هو مكروه؛
стр. 721
خلاف السنّة".
٧ - السدل (١) وتغطية الفم:
عن أبي هريرة "أنَّ رسول الله ﷺ نهى السّدل في الصلاة، وأن يغطّي الرجل فاه" (٢).
٨ - الكلام في الصلاة:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "نُهينا عن الكلام في الصلاة، إلاَّ بالقرآن، والذكر" (٣).
٩ - الصلاة بحضرة الطعام ومدافعة الأخبثين ونحو ذلك:
عن عائشة ﵂ قالت: "سمعْت رسول الله ﷺ يقول: لا
стр. 722
صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان (١) " (٢).
وهذا الحديث قد أفاد التحريم وبه يقول شيخنا -حفظه الله تعالى- وسألته هل ترون أنّ هذا الحديث قد أفاد التحريم، فأجاب: "نعم" وقال: "وهذا إِنْ كان تائقاً للطعام، وإِلا قدّم الصلاة على الطعام": وقال: ... وابن حزم يرى البُطلان.
وعن ابن عمر ﵄ قال: "قال رسول الله ﷺ إِذا وُضع عَشاء أحدكم وأقيمت الصلاة؛ فابدَؤا بالعَشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه، وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرُغ وإنّه ليسمع قراءة الإِمام" (٣).
١٠ - الصلاة عند النعاس:
عن عائشة ﵂ أنَّ النّبيّ ﷺ قال: "إِذا نَعَس أحدكم في الصلاة، فليرقد حتى يذهب عنه النوم. فإِنّ أحدكم إِذا صلّى وهو ناعسٌ، لعلّه يذهب يستغفر فيسُبُّ نفسه" (٤).
وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا قام أحدكم
стр. 723
من الليل فاستعجم القرآنُ على لسانه (١) فلم يدْرِ ما يقول فليضطجع" (٢).
١١ - البُصاق جهة القبلة، أو عن يمينه، لقوله ﷺ : "إِنَّ أحدكم إِذا قام يصلّي؛ فإِن الله ﵎ قِبَل وجهه، فلا يبصقنّ قِبَل وجهه، ولا عن يمينه" (٣).
١٢ - التثاؤب لقوله ﷺ : "إِذا تثاوب أحدكم في الصلاة، فليكظم ما استطاع؛ فإِنَّ الشيطان يدخل" (٤).
١٣ - كفْت (٥) الشعر والثوب، لقوله ﷺ : "أُمِرتُ أن أسجد على سبعة أعظُم: على الجبهة -وأشار بيده على أنفه- واليدين والركبتين وأطراف القدمين، ولا نكفتَ الثياب والشَّعَر" (٦).
١٤ - الاعتماد على اليد في الصلاة وتشبيك اليدين:
عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده" (٧).
стр. 724
وعن إِسماعيل بن أمية قال: "سألت نافعاً عن الرجل يصلّي وهو مشبك يديه، قال: قال ابن عمر: تلك صلاة المغضوب عليهم" (١).
وعن ابن عمر " أنّه رأى رجلاً يتّكي على يده اليسرى وهو قاعد في الصلاة -وقال هارون بن زيد-: ساقطاً على شقه الأيسر، فقال له: لا تجلس هكذا؛ فإِن هكذا يجلس الذين يعذبون" (٢).
стр. 725
مبطلات الصلاة
١ - الأكل والشرب عمداً:
قال ابن المنذر في "الأوسط" (٣/ ٢٤٨): "أجمع أهل العلم على أنَّ المصلّي ممنوع من الأكل والشرب، وأجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم أنَّ على من أَكل أو شرب في الصلاة عامداً الإِعادة".
٢ - الكلام عمداً في غير مصلحة الصلاة (١):
قال ابن المنذر في "الأوسط" (٣/ ٢٣٤): "أجمع أهل العلِم على أنَّ من تكلّم في صلاته عامداً لكلامه، وهو لا يريد إِصلاح شيء من أمرها أنّ صلاته فاسدة".
عن زيد بن الأرقم قال: "كنّا نتكلّم في الصلاة يُكلِّم الرجل صاحبه وهو إِلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين (٢)﴾ (٣) فأُمِرْنا بالسكوت ونُهِينا عن الكلام" (٤).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كنّا نُسلِّم على النّبيّ ﷺ
стр. 726
وهو في الصلاة فيردُّ علينا، فلمّا رجعْنا من عند النجاشيِّ سلّمْنا عليه فلم يردّ علينا وقال: إِنّ في الصلاة شُغُلاً" (١).
أمّا من تكلّم ناسياً أو جاهلاً بالحُكم فصلاته صحيحة، كما في حديث معاوية بن الحكم السُّلميّ قال: "بَيْنا أنا أُصلّي مع رسول الله ﷺ إِذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم (٢) فقلت: واثكْلَ أُمِّياهْ (٣)! ما شأنكم (٤) تنظرون إليَّ؛ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلمّا رأيتهم يُصَمِّتُونني (٥) لكنِّي سكتُّ. فلما صلّى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمِّي! ما رأيتُ معلّماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه. فوالله! ما كَهَرني (٦) ولا ضربني ولا شتمني. فال: إِنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إِنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" (٧).
جاء في "المرقاة" (٣/ ٦٢): "قال القاضي: أضاف الكلام إِلى الناس ليخرج منه الدعاء والتسبيح والذكر، فإِنّه لا يراد بها خطاب الناس وإِفهامهم.
стр. 727
قال النووي: وفيه أنّ من حلف أن لا يتكلّم فسبّح أو كبّر أو قرأ القرآن لا يحنث، وفي "شرح السنّة"، لا يجوز تشميت العاطس في الصلاة، فمن فعل بطلت صلاته، وفيه أنّ كلام الجاهل بالحكم لا يبطلها إِذ لم يأمره [رسول الله ﷺ ] بإِعادة الصلاة، وعليه أكثر العلماء من التابعين، وبه قال الشافعي، وزاد الأوزاعي وقال: إِذا تكلم عامداً بشيء من مصلحة الصلاة مِثل: إِنْ قام الإِمام في محل القعود فقال: اقعد، أو جهَر في موضع السرّ فأخبَره لم تبطل صلاته (١) اهـ.
وقال ابن حجر: أجمعوا على بطلانها بالكلام العمد لغير مصلحة الصلاة، واعترض الإِجماع بأنّ ابن الزبير قال: من قال وقد مطروا في الصلاة: يا هذا خفف فقد مُطِرنا لا تبطل صلاته".
٣ - الاشتغال الكثير بما ليس من الصلاة:
قال الشوكاني في "الدرر البهية" (١/ ٢٨٤): "وذلك مُقيَّد بأن يخرج به المصلّي عن هيئة الصلاة؛ كمن يشتغل مثَلاً بخياطة أو نجارة، أو مشْيٍ كثيرٍ، أو التفاتٍ طويل، أو نحو ذلك، وسبب بطلانها بذلك أنّ الهيئة المطلوبة من المصلّي قد صارت بذلك الفعل متغيرة عمّا كانت عليه، حتى صار الناظر لصاحبها لا يعدّه مصلياً".
وقال محمد صدّيق البخاري في "الروضة الندية" (١/ ٢٨٥) -بحذف-: "اختلف أنظار أهل العلم في تعريف الفعل الكثير المفسد للصلاة والمبطل لها والذي أراه طريقاً إِلى معرفة الفعل الكثير، أن ينظر المتكلّم في ذلك إِلى
стр. 728
ما صدر منه ﷺ من الأفعال (١)، مثل حمْله لأُمامة بنت أبي العاص، ونحو ذلك مما وقع منه ﷺ لا لإِصلاح الصلاة، فيحكم بأنّه غير كثير، وكذلك ما وقع لقصد إصلاح الصلاة مثل خلْعه ﷺ للنعل، وإِذنه بمقاتلة الحيّة وما أشبه ذلك (٢). ولكنه إِذا صدر من المصلي من الأفعال التي لمجرّد العبث ما يخرج به عن هيئة من يؤدي هذه العبادة؛ مِثل أن يشتغل بعملٍ من الأعمال التي لا مدخل لها في الصلاة ولا في إِصلاحها نحو: حمل الأثقال والخياطة، والنسج ونحو ذلك فهذا غير مُصلٍّ".
ثمَّ ذكر ما جاء في "الحجة البالغة" (٢/ ١٣ - ١٤): "إِنَّ النّبيّ ﷺ قد فعل أشياءَ في الصلاة بيانا للمشروعية، وقرر على أشياءَ، فذلك وما دونه لا يُبطِل الصلاة.
والحاصل من الاستقراء؛ أنّ القول اليسير مِثل: ألعنك بلعنه الله، ويرحمك الله وياثكل أمّاه، وما شأنكم تنظرون إِليَّ [بغير عمد]، والبطش اليسير مثل: وضع صبية من العاتق ورفعها، وغمز الرجل، ومثل فتح الباب (٣) والمشي اليسير كالنزول من درج المنبر إِلى مكان ليتأتى منه السجود في أصل المنبر، والتأخر من موضع الإِمام إِلى الصف، والتقدّم إِلى الباب المقابل ليفتح، والبكاء خوفاً من الله تعالى، والإِشارة المُفهِمة، وقتل الحية والعقرب،
стр. 729
واللحظ يميناً وشمالاً من غير ليِّ العنق لا يفسد، وإنْ تعلّق القذر بجسده أو ثوبه إِذا لم يكن بفعله، أو كان لا يعلمه لا يفسد" (١).
٤ - ترْك شرط أو رُكن عمداً بلا عُذر:
وذلك لما تقدّم في قول النّبيّ ﷺ للمسيء صلاته: "ارجع فصلِّ فإِنّك لم تُصلِّ".
وقد أمَر النّبيّ ﷺ من رأى لمعة في ظهر قدمه لم يُصبها الماء؛ أن يعيد الوضوء والصلاة (٢).
جاء في "الروضة النديّة" (١/ ٢٨٨): "وإذا ترك الركن فما فوقه سهواً فعَله، وإن كان قد خرج عن الصلاة، كما وقع منه -صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم- في حديث ذي اليدين (٣)، فإِنّه سلم عن ركعتين ثمَّ أخبر بذلك، فكبّر وفعل الركعتين المتروكتين، وأمّا ترْك ما لم يكن شرطاً ولا ركناً من الواجبات فلا تبطل به الصلاة؛ لأنّه لا يؤثر عدمه في عدمها، بل حقيقة الواجب ما يمدح فاعله ويذمّ تاركه، وكونه يذمّ لا يستلزم أنّ صلاته باطلة".
٥ - الضحك في الصلاة:
نقل ابن المنذر الإِجماع على بُطلان الصلاة بالضحك (٤).
стр. 730
قضاء الصّلاة
إِنَّ الكلام في هذا الموضوع يطول، فأختصر منه ما يناسب المقام، فأقول وبالله أستعين: أوّلاً:
عن أنس ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصلِّها إِذا ذكَرها، لا كفّارة لها إلاَّ ذلك ﴿وأقمِ الصلاة لذِكري﴾ (١) " (٢)
وفي رواية: "من نسي صلاة أو نام عنها، فكفارتها أن يُصليها إِذا ذَكرها" (٣).
وفي رواية: "إِنّه لا تفريط في النوم، إِنّما التفريط في اليقظة ... " (٤).
وعن أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس في النوم تفريط (٥)، إِنما التفريط في اليقظة أن تؤخَّر صلاة حتى يدخل وقت أخرى" (٦).
وقال إِبراهيم النخعي: من ترك صلاةً واحدةً عشرين سنة، لم يُعِد إلاَّ تلك الصلاة الواحدة (٧).
стр. 731
بعد هذه النصوص المتقدمة أقول:
١ - ينبغي أن نعقل ما يترتّب على قوله ﷺ : "إِنّه ليس في النّوم تفريط"، ويُعيننا على ذلك قوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ (وفي رواية: وعن المجنون، وفي لفظ المعتوه حتى يعقل أو يُفيق)، وعن الصبي حتى يكبر (وفي رواية: حتى يحتلم) " (١).
فنفي التفريط عن النوم وإِثباته في اليقظة له شأن عظيم، ولا ينبغي التسوية بين النائم والمستيقظ، ولا نجعل قوله ﷺ : "ليس في النّوم تفريط" كقول الغافل: "ليس في اليقظة تفريط"! ولا سيما أنَّ ذلك جاء مُؤكَّداً في قوله ﷺ : "إِنّما التفريط في اليقظة".
فهذا يفيد التعيين. جاء في "مختار الصحاح": "وإِن زِدْتَ على إِنّ (ما) صارت للتعيين، كقوله تعالى: ﴿إِنّما الصّدقات للفقراء﴾ الآية، لأنّه يوجب إِثبات الحُكم للمذكور ونفيه عمّا عَداه".
وفسّر ﵊ معنى التفريط في اليقظة فقال: " ... إِنّما التفريط في اليقظة؛ أن تؤخّر صلاةً حتى يدخُل وقْت أُخرى".
والمراد من مقدّمات التفريط وعدمه؛ بيان من يجوز له أن يصلّي بعد الوقت المُقرَّر، فمن أخّر صلاة حتى يدخل وقت أخرى فقط فرّط، فضلاً عمّن أخّرها حتى تدخل صلوات كثيرة.
٢ - بيان جواز قضاء الفائتة لصنفٍ مُعيَّن ومحدّد وذلك في قوله ﷺ : " ... من نسي صلاة أو نام عنها".
стр. 732
فبعد المقدّمات التي أشَرْت إليها؛ بيَّن النّبيّ ﷺ من يسوغ له أن يصلّي الفائتة بقوله: "من نسي صلاةً أو نام عنها".
فالعُذر: نسيان أو نوم، فإِذا سويّنا بين المتعمّد، أو النّاسي والنائم والمعذور وغير المعذور، فما قيمة الحديث؟
٣ - ولا شكّ أن (مَن) شَرْطيَّة، فِعْلها (نسي) و (نام) معطوفة على (نَسي)، وجواب الشرط (ليُصلّها إِذا ذكَرها). واللام هنا لام الأمر، وهي ممّا يُؤكّد ما نحن فيه مِن قول.
فهذه الصلاة فقط لمن نام أو نسي، ولكن هل هذه الرخصة مطلقة؟ كلاّ لأنها جاءت مشروطةً موقوتة.
فقوله ﷺ : "فليصلّها إِذا ذكَرها" يدّل على تقييد ذلك حين التذكر لا يتجاوزه، ولم يقُلِ النّبيّ ﷺ : "فليصلها متى شاء". وهذا للمعذور فكيف بغير المعذور!
ثمَّ يأتي قوله ﷺ : "لا كفّارة لها إلاَّ ذلك". فهذه اللام نافية للجنس، أي: تنفي جنس الكفّارات، والمعنى: لا كفّارة إلاَّ أن يُصلّيها حين يذكرها، وماذا إِذا أجَّلها مرَّة أُخرى وأخَّرها، أنقول إِنَّ له كفارة؟! وهل يليق بنا أن نُثبت ما نفاه رسول الله ﷺ ؟
والخلاصة المتقدمة من هذه النّصوص:
من أضاع صلاةً حتى خرَج وقتها وهو مستيقظ لغير عُذر نصّ عليه الشرع فهو مفرّط؛ ومن نام عن صلاة أو نسيها فليس بمفرِّط أو مقصِّر، فله أن يصلّي ما فات، إِذ هو معذورٌ بذلك، ولكن عليه أن يصلّي ما فاته حين يذكر الصلاة،
стр. 733
ولا كفّارة لما وقَع فيه من ترْك الصلاة سوى ذلك: أي: الصلاة حين يذكرها.
ولا بدّ من مراعاة معرفة المفرّط من غير المفرّط، لأنّه بها يتحدّد من يجوز له الصلاة بعد فوات وقتها (١) ممّن لا يجوز له ذلك.
ثانياً: وممّا يحسُن بنا أن نعلم أنّ أمر الكفَّارات توقيفيّ، فهناك أمور كفّارتها إِقامة الحدّ مِن جَلْد أو رجم أو إِطعام ... وأمور كفّارتها الصيام، وأمور لا كفّارة لها سوى التوبة والإِنابة، فاليمين الغموس لا كفّارة لها مِن صيام ونحوه، ككفّارة مَن حلف وهو غير قادر على الإطعام، ولا يُقال للقاتل عمداً: لك أن تكفِّر كمن قتل خطأً ... ، بل إِنّه قد خطئ الحقّ من قال: إِنَّ مَن قتَل عمداً لهو أولى بصيام شهرين متتابعين ممّن قتَل خطأً.
فهذا أبلغ في الزجر والتعنيف، وبيان ما لهذه الأمور من حُرمة، وكذلك ليس مَن ترك الصلاة عمداً حتى يخرج وقتها؛ كمن نام عنها أو نَسيها.
ولو أنَّ رجلاً حلف فقال: والله لأطعمنّ زيداً قبل العصر، فإِنّه لا يجزئه أن يُطعم زيداً نفسه بعد العشاء، ولكن عليه أن يطعم عشرة أشخاص.
ولو أنَّ رجلاً جامع في نهار رمضان عامداً؛ فإِنّه لا يجزئه أن يصوم يوماً بعد رمضان، بل يجب عليه صيام شهرين متتابعين.
فليس لنا أن نقول لمن ضيّع صلاة وفرّط فيها: عليك أن تصلّي صلاةً واحدةً تكفِّر ما فَعَلْت!
ثالثاً: وفي الحديث: "أوّل ما يُحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة فإِنْ
стр. 734
كان أكملها كُتبت له كاملة، وإِن لم يكن أكمَلها، قال للملائكة: انظروا هل تجِدون لعبدي مِن تطوُّع؛ فأكمَلوا بها ما ضَيّع مِن فريضة، ثمَّ الزكاة، ثمَّ تُؤخذ الأعمال على حسب ذلك" (١).
ولم يقُل: " .. انظروا هل تجدون لعبدي من قضاء" فلنا من هذا الحديث أنْ نأمر من فاتته صلوات بغير ما سبق من أعذار، أن يكثر من التطوّع والتنفّل، وهو غير قضاء الفريضة، وخير الهدي هدي محمّد ﷺ .
رابعاً: قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في "الصحيحة" -بحذف يسير- تحت الحديث (٦٦) بلفظ: "إِذا أدرك أحدكم أوّل سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فليتمّ صلاته، وإذا أدرك أوّل سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس؛ فليتمّ صلاته".
"ومعنى قوله ﷺ : "فليتمّ صلاته"؛ أي: لأنّه أدركها في وقتها وصلاّها صحيحة، وبذلك برئت ذمّته، وأنّه إِذا لم يدرك الركعة؛ فلا يتمّها؛ لأنها ليست صحيحة بسبب خروج وقتها؛ فليست مبرئة للذمّة.
ولا يخفى أنّ مثله -وأولى منه- من لم يدرك من صلاته شيئاً قبل خروج الوقت؛ فإِنّه لا صلاة له، ولا هي مبرئة لذمّته؛ أي: أنّه إِذا كان الذي لم يدرك الركعة لا يؤمر بإِتمام الصلاة؛ فالذي لم يدركها إِطلاقاً أولى أن لا يؤمر بها، وليس ذلك إلاَّ من باب الزجر والردع له عن إِضاعة الصلاة، فلم يجعل الشارع الحكيم لمثله كفّارة كي لا يعود إِلى إِضاعتها مرّة أخرى؛ متعلّلاً بأنّه يمكنه
стр. 735
أنْ يقضيها بعد وقتها، كلاّ فلا قضاء للمتعمّد؛ كما أفاد هذا الحديث الشريف وحديث أنس: "لا كفّارة لها إلاَّ ذلك".
ومن ذلك يتبيّن لكلّ من أوتي شيئاً من العلم والفقه في الدين؛ أنّ قول بعض المتأخّرين: "وإِذا كان النائم والناسي للصلاة -وهما معذوران- يقضيانها بعد خروج وقتها؛ كان المتعمد لتركها أولى"؛ أنه قياس خاطئ؛ بل لعله من أفسد قياس على وجه الأرض؛ لأنَّه من باب قياس النقيض على نقيضه، وهو فاسد بداهة، إِذ كيف يصحّ قياس غير المعذور على المعذور والمتعمد على الساهي؟! ومن لم يجعل الله له كفّارة على من جعل الله له كفّارة؟! وما سبب ذلك إلاَّ من الغفلة عن المعنى المراد من هذا الحديث الشريف، وقد وفّقنا الله تعالى لبيانه، والحمد لله تعالى على توفيقه.
وللعلامة ابن القيّم -رحمه الله تعالى- بحث هام مفصّل في هذه المسألة، أظنّ أنَّه لم يُسبَق إِلى مثله في الإِفادة والتحقيق، وأرى من تمام هذا البحث أن أنقل منه فصلين: أحدهما في إِبطال هذا القياس، والآخر في الردّ على من استدل بهذا الحديث على نقيض ما بيَّنَّا، قال ﵀ بعد أن ذكر القول المتقدّم-: "فجوابه من وجوه:
أحدها: المعارضة بما هو أصحّ منه أو مِثله، وهو أن يقال: لا يلزم من صحة القضاء بعد الوقت من المعذور -المطيع لله ورسوله الذي لم يكن منه تفريط في فِعل ما أمر به وقبوله منه- صحته وقبوله من متعدٍّ لحدود الله، مضيِّع لأمره، تارك لحقّه عمداً وعدواناً؛ فقياس هذا في صحّة العبادة وقَبولها منه وبراءة الذمة بها من أفسد القياس.
стр. 736
الوجه الثاني: أن المعذور بنوم أو نسيان لم يصل الصلاة في غير وقتها، بل في نفس وقتهَا الذي وقّته الله له؛ فإِنّ الوقت في حقّ هذا حين يستيقظ ويذكر؛ فالوقت وقتان: وقت اختيار، ووقت عذر، فوقت المعذور بنوم أو سهو هو وقت ذِكْره واستيقاظه؛ فهذا لم يصلّ الصلاة إلاَّ في وقتها، فكيف يقاس عليه من صلاّها في غير وقتها عمداً وعدواناً؟!
الثالث: أن الشريعة قد فرَّقت في مواردها ومصادرها بين العامد والناسي، وبين المعذور وغيره، وهذا ممّا لا خفاء به؛ فإِلحاق أحد النوعين بالآخر غير جائز.
الرابع: أنّا لم نُسقِطها عن العامد المفرط ونأمر بها المعذور حتى يكون ما ذكرتم حجَّة علينا، بل ألزمْنا بها المفرِّط المتعدّي على وجه لا سبيل له إِلى استدراكها تغليظاً عليه، وجوزنا للمعذور غير المفرط.
وأمّا استدلالكم بقوله ﷺ : "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك"؛ فما أصحّه من حديث! وما أراه على مقتضى قولكم! فإِنكم تقولون: هو مُدرِكٌ للعصر، ولو لم يدرك من وقتها شيئاً البتة؛ بمعنى: أنّه مُدرِك لفعلها صحيحة منه مبرئة لذمته، فلو كانت تصح بعد خروج وقتها وُتقبل منه؛ لم يتعلّق إِدراكها بركعة، ومعلوم أن النّبيّ ﷺ لم يُرِد أن من أدرك ركعة من العصر صحت صلاته بلا إِثم، بل هو آثم بتعمّد ذلك اتفاقاً؛ فإِنّه أُمِر أنّ يوقع جميعها في وقتها، فعُلم أن هذا الإِدراك لا يرفع الإِثم، بل هو مُدرِك آثم، فلو كانت تصح بعد الغروب؛ لم يكن فرق بين أن يدرك ركعة من الوقت؛ أو لا يدرك منها شيئاً". انتهى.
стр. 737
هذا وقد استدل القائلون بالقضاء بحديث الخثعمية إِذ قال لها النّبيّ ﷺ فدَين الله أحقّ أن يُقضى وهو من حديث ابن عباس ﵁ قال: "كان الفضل رديف رسول الله ﷺ فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إِليها وتنظر إِليه، وجعل النّبيّ ﷺ يصرف وجه الفضل إِلى الشقِّ الآخر فقالت: يا رسول الله إِن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة؛ أفأحُجُّ عنه، قال: نعم، وذلك في حَجَّة الوداع" (١).
وفي رواية: "فإِنّ الله أحق بالوفاء" (٢).
وعن ابن عباس ﵄ أيضاً أنَّ امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إِنَّ أمّي ماتت وعليها صوم شهرٍ. فقال: "أرأيتِ لو كان عليها دين، أكنتِ تقضينه؟ " قالت: نعم. قال: "فدين الله أحقّ بالقضاء" (٣).
وردّ على ذلك بعض أهل العلم بقولهم: إِنّ قوله ﷺ : "فدين الله أحقّ أن يقضى"، فهذا إِنّما قاله ﷺ في حقِّ المعذور لا المفرّط، وقد قاله ﷺ في النذر المطلق الذي ليس له وقت محدود الطَّرَفين [وتقدّم في حديث المرأة التي جاءت إِلى النّبيّ ﷺ فقالت: ... إِنَّ أمّي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ ... قال: فدين الله أحقّ أن يُقضى] ومثله الحجّ، ونحن نقول في مثل هذا الدين القابل للأداء: دين الله أحقّ أن يُقضى، فالقضاء المذكور
стр. 738
في هذه الأحاديث ليس بقضاء عبادة مؤقتة محدودة الطرفين وبالله التوفيق.
قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (٢/ ٣١٩) مسألة (٢٧٩): "وأمّا من تعمّد ترْك الصلاة حتى خرَج وقتها، فهذا لا يقدر على قضائها أبداً، فليكثر مِن فِعل الخير وصلاة التطوع؛ ليثقل ميزانه يوم القيامة وليستغفر الله ". وردّ على من يقول بالقضاء ردّاً قوياً فارجع إِليه -إِن شئت-.
وكذلك لابن القيّم كلام بديع جدير بالاهتمام في "مدارج السالكين"، ولشيخنا -شفاه الله- تعليق طيّب على الحديث (١٢٥٧) من " الضعيفة"، والله تعالى أعلم.
إِذا صلاّها في غير وقتها لعُذر، فهل يُسمى قضاءً أو أداءً؟
قال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (٢٢/ ٣٧) -بحذف يسير-: فإِن قيل: هذا يسمّى قضاء أو أداء؟
قيل: الفرق بين اللفظين هو فرق اصطلاحي؛ لا أصل له في كلام الله ورسوله؛ فإِن الله تعالى سمّى فِعل العبادة في وقتها قضاءً، كما قال في الجمعة: ﴿فإِذا قُضِيت الصلاةُ فانتشِروا في الأرض﴾، وقال تعالى: ﴿فإِذا قضيتم مناسِكَكم فاذكروا الله﴾، مع أنّ هذين يُفعلان في الوقت.
و"القضاء" في لغة العرب: هو إِكمال الشيء وإتمامه، كما قال تعالى: ﴿فقضاهنّ سبعَ سموات﴾، أي: أكملهنّ وأتمّهن. فمَن فعَل العبادة كاملة فقد قضاها، وإنْ فعلها في وقتها.
وقد اتفق العلماء -فيما أعلم- على أنّه لو اعتقد بقاء وقت الصلاة فنواه أداء. ثمّ تبيّن أنّه صلّى بعد خروج الوقت صحت صلاته، ولو اعتقد خروجه
стр. 739
فنواها قضاء ثمَّ تبين له بقاء الوقت أجزأته صلاته. وكل من فعل العبادة في الوقت الذي أُمِر به أجزأته صلاته، سواءٌ نواها أداءً أو قضاءً، والنائم والناسي إِذا صلّيا وقت الذكر والانتباه فقد صلّيا في الوقت الذي أُمِرا بالصلاة فيه، وإِنْ كانا قد صليا بعد خروج الوقت المشروع لغيرهما. فمن سمّى ذلك قضاءً باعتبار هذا المعنى، وكان في لغته أنّ القضاء فِعل العبادة بعد خروج الوقت المقدر شرعاً للعموم، فهذه التسمية لا تضرّ ولا تنفع.
стр. 740
صلاة المريض
من لم يستطع الصلاة قائماً مِن مرض صلّى قاعداً، ومن لم يستطع الصلاة قاعداً صلّى على جنب:
قال الله تعالى: ﴿الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم﴾ (١).
قال ابن كثير في "تفسيره " -بتصرّف يسير-: " ... ثمَّ وصف تعالى أولي الألباب فقال: ﴿الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم﴾ كما في حديث عمران بن حصين: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "صلِّ قائماً، فإِن لم تستطع فقاعداً، فإِن لم تستطع فعلى جنب" (٢) "أي: لا يقطعون ذِكْره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم".
وعن ابن عمر ﵄ قال: عاد رسول الله ﷺ رجلاً من أصحابه مريضاً وأنا معه، فدخل عليه وهو يصلّي على عود، فوضع جبهته على العود فأومأ إِليه، فطرح العود، وأخذ وسادة، فقال رسول الله ﷺ : "دعها عنك إِن استطعت أن تسجد على الأرض، وإِلا فأوْمِ إِيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك" (٣).