← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الوجه الثاني: أن المعذور بنوم أو نسيان لم يصل الصلاة في غير وقتها، بل في نفس وقتهَا الذي وقّته الله له؛ فإِنّ الوقت في حقّ هذا حين يستيقظ ويذكر؛ فالوقت وقتان: وقت اختيار، ووقت عذر، فوقت المعذور بنوم أو سهو هو وقت ذِكْره واستيقاظه؛ فهذا لم يصلّ الصلاة إلاَّ في وقتها، فكيف يقاس عليه من صلاّها في غير وقتها عمداً وعدواناً؟! الثالث: أن الشريعة قد فرَّقت في مواردها ومصادرها بين العامد والناسي، وبين المعذور وغيره، وهذا ممّا لا خفاء به؛ فإِلحاق أحد النوعين بالآخر غير جائز. الرابع: أنّا لم نُسقِطها عن العامد المفرط ونأمر بها المعذور حتى يكون ما ذكرتم حجَّة علينا، بل ألزمْنا بها المفرِّط المتعدّي على وجه لا سبيل له إِلى استدراكها تغليظاً عليه، وجوزنا للمعذور غير المفرط. وأمّا استدلالكم بقوله ﷺ : "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك"؛ فما أصحّه من حديث! وما أراه على مقتضى قولكم! فإِنكم تقولون: هو مُدرِكٌ للعصر، ولو لم يدرك من وقتها شيئاً البتة؛ بمعنى: أنّه مُدرِك لفعلها صحيحة منه مبرئة لذمته، فلو كانت تصح بعد خروج وقتها وُتقبل منه؛ لم يتعلّق إِدراكها بركعة، ومعلوم أن النّبيّ ﷺ لم يُرِد أن من أدرك ركعة من العصر صحت صلاته بلا إِثم، بل هو آثم بتعمّد ذلك اتفاقاً؛ فإِنّه أُمِر أنّ يوقع جميعها في وقتها، فعُلم أن هذا الإِدراك لا يرفع الإِثم، بل هو مُدرِك آثم، فلو كانت تصح بعد الغروب؛ لم يكن فرق بين أن يدرك ركعة من الوقت؛ أو لا يدرك منها شيئاً". انتهى.

стр. 737

هذا وقد استدل القائلون بالقضاء بحديث الخثعمية إِذ قال لها النّبيّ ﷺ فدَين الله أحقّ أن يُقضى وهو من حديث ابن عباس ﵁ قال: "كان الفضل رديف رسول الله ﷺ فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إِليها وتنظر إِليه، وجعل النّبيّ ﷺ يصرف وجه الفضل إِلى الشقِّ الآخر فقالت: يا رسول الله إِن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة؛ أفأحُجُّ عنه، قال: نعم، وذلك في حَجَّة الوداع" (١). وفي رواية: "فإِنّ الله أحق بالوفاء" (٢). وعن ابن عباس ﵄ أيضاً أنَّ امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إِنَّ أمّي ماتت وعليها صوم شهرٍ. فقال: "أرأيتِ لو كان عليها دين، أكنتِ تقضينه؟ " قالت: نعم. قال: "فدين الله أحقّ بالقضاء" (٣). وردّ على ذلك بعض أهل العلم بقولهم: إِنّ قوله ﷺ : "فدين الله أحقّ أن يقضى"، فهذا إِنّما قاله ﷺ في حقِّ المعذور لا المفرّط، وقد قاله ﷺ في النذر المطلق الذي ليس له وقت محدود الطَّرَفين [وتقدّم في حديث المرأة التي جاءت إِلى النّبيّ ﷺ فقالت: ... إِنَّ أمّي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ ... قال: فدين الله أحقّ أن يُقضى] ومثله الحجّ، ونحن نقول في مثل هذا الدين القابل للأداء: دين الله أحقّ أن يُقضى، فالقضاء المذكور

стр. 738

في هذه الأحاديث ليس بقضاء عبادة مؤقتة محدودة الطرفين وبالله التوفيق. قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (٢/ ٣١٩) مسألة (٢٧٩): "وأمّا من تعمّد ترْك الصلاة حتى خرَج وقتها، فهذا لا يقدر على قضائها أبداً، فليكثر مِن فِعل الخير وصلاة التطوع؛ ليثقل ميزانه يوم القيامة وليستغفر الله ". وردّ على من يقول بالقضاء ردّاً قوياً فارجع إِليه -إِن شئت-. وكذلك لابن القيّم كلام بديع جدير بالاهتمام في "مدارج السالكين"، ولشيخنا -شفاه الله- تعليق طيّب على الحديث (١٢٥٧) من " الضعيفة"، والله تعالى أعلم. إِذا صلاّها في غير وقتها لعُذر، فهل يُسمى قضاءً أو أداءً؟ قال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (٢٢/ ٣٧) -بحذف يسير-: فإِن قيل: هذا يسمّى قضاء أو أداء؟ قيل: الفرق بين اللفظين هو فرق اصطلاحي؛ لا أصل له في كلام الله ورسوله؛ فإِن الله تعالى سمّى فِعل العبادة في وقتها قضاءً، كما قال في الجمعة: ﴿فإِذا قُضِيت الصلاةُ فانتشِروا في الأرض﴾، وقال تعالى: ﴿فإِذا قضيتم مناسِكَكم فاذكروا الله﴾، مع أنّ هذين يُفعلان في الوقت. و"القضاء" في لغة العرب: هو إِكمال الشيء وإتمامه، كما قال تعالى: ﴿فقضاهنّ سبعَ سموات﴾، أي: أكملهنّ وأتمّهن. فمَن فعَل العبادة كاملة فقد قضاها، وإنْ فعلها في وقتها. وقد اتفق العلماء -فيما أعلم- على أنّه لو اعتقد بقاء وقت الصلاة فنواه أداء. ثمّ تبيّن أنّه صلّى بعد خروج الوقت صحت صلاته، ولو اعتقد خروجه

стр. 739

فنواها قضاء ثمَّ تبين له بقاء الوقت أجزأته صلاته. وكل من فعل العبادة في الوقت الذي أُمِر به أجزأته صلاته، سواءٌ نواها أداءً أو قضاءً، والنائم والناسي إِذا صلّيا وقت الذكر والانتباه فقد صلّيا في الوقت الذي أُمِرا بالصلاة فيه، وإِنْ كانا قد صليا بعد خروج الوقت المشروع لغيرهما. فمن سمّى ذلك قضاءً باعتبار هذا المعنى، وكان في لغته أنّ القضاء فِعل العبادة بعد خروج الوقت المقدر شرعاً للعموم، فهذه التسمية لا تضرّ ولا تنفع.

стр. 740

صلاة المريض من لم يستطع الصلاة قائماً مِن مرض صلّى قاعداً، ومن لم يستطع الصلاة قاعداً صلّى على جنب: قال الله تعالى: ﴿الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم﴾ (١). قال ابن كثير في "تفسيره " -بتصرّف يسير-: " ... ثمَّ وصف تعالى أولي الألباب فقال: ﴿الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم﴾ كما في حديث عمران بن حصين: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "صلِّ قائماً، فإِن لم تستطع فقاعداً، فإِن لم تستطع فعلى جنب" (٢) "أي: لا يقطعون ذِكْره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم". وعن ابن عمر ﵄ قال: عاد رسول الله ﷺ رجلاً من أصحابه مريضاً وأنا معه، فدخل عليه وهو يصلّي على عود، فوضع جبهته على العود فأومأ إِليه، فطرح العود، وأخذ وسادة، فقال رسول الله ﷺ : "دعها عنك إِن استطعت أن تسجد على الأرض، وإِلا فأوْمِ إِيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك" (٣).

стр. 741

والمُعتبَر في عدم الاستطاعة هو المشقّة أو الخوف من زيادة المرض أو تأخير الشفاء، وسألت شيخنا عن المريض يصلّي مع مشقّة، فأجاب - حفظه الله تعالى-: "من المشقة ما يُطاق، ومنه ما هو فوق الطاقة، فإِن كان ممّا يُطاق؛ صلى صلاة السليم، وما لا؛ يصلّي صلاة المريض". انتهى. جاء في "الروضة الندية" (١/ ٢٩١): "وإذا تعذّر على المصلّي صفة من صفات صلاة العليل الواردة، أتى بالصلاة على صفة أخرى ممّا ورد، ثمَّ يفعل ما قدر عليه ودخل تحت استطاعته ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (١)، و"إِذا أمِرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢). وسألت شيخنا -حفظه الله تعالى- فقلت: هناك من يفضّل التربع لمن يصلّي جالساً، فهل ترون هذا التفضيل أم يجلس المريض حسبما يتيسّر (٣)؟ فقال شيخنا -حفظه الله تعالى-: أولاً: نختار هيئة من الهيئات الواردة في السنة؛ مثلاً الصلاة افتراشية، فإِن كان يسهل عليه التورّك تورّك، أو كانت الصلاة توركيّه لكنّه يستطيع الافتراش؛ فيُؤثِر الافتراش، فإِن كان لا يستطيع هذا ولا ذاك؛ حينئذٍ يأتي بالتربّع، فإِن كان لا يستطيع التربّع، قلنا له: اجلس على راحتك. ثمَّ سألته قائلاً: وهل يُحمل حديث عائشة ﵂: "رأيت

стр. 742

النّبيّ ﷺ يصلّي متربّعاً" (١) على هذا؟ فأجاب -حفظه الله تعالى-: "نعم". ومن أهل العلم من يقول: إذا تعذّر الإِيماء من المستلقي لم يجب عليه شيء بعد ذلك، وهذا لا يتفق مع قوله سبحانه: ﴿لا يكلف الله نفساً إِلا وسعها﴾ (٢)، وقوله ﷺ المتقدّم عند مسلم: (١٣٣٧): "إِذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". وسألت شيخنا عن مثل هذا فقلت: هناك من يقول: إِذا عجزَ الإِيماء برأسه، سقطت عنه الصلاة، ولا يلزمه الإِيماء بطرفه، فهل تخالفون هذا من باب: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾؟ فقال -حفظه الله تعالى-: "نعم". جواز اتخاذ المريض أو المسنّ شيئاً يعتمد عليه حين يصلّي عن أم قيس بنت محصن "أن رسول الله ﷺ لما أسنّ وأخذَه اللحم؛ اتخذَ عموداً في مصلاه يعتمد عليه" (٣).

стр. 743

صلاة الخوف ْقال الله تعالى: ﴿وإِذا كنتَ فيهم فأقمتَ لهم الصلاة فلتقُم طائفةٌ منهم معك وليأخُذوا أسلحتَهم فإِذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يُصلّوا فليصلّوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتَهم ... ﴾ (١). قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٤٣١) -بحذف-: " ... عن أحمد قال: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة، أيها فعل المرء جاز، ومال إِلى ترجيح حديث سهل بن أبي حثمة الآتي في "المغازي" (٢)، وكذا رجّحه الشافعي، ولم يختر إِساحق شيئاً على شيء، وبه قال الطبري وغير واحد منهم ابن المنذر وسرد ثمانية أوجه، وكذا ابن حبان في "صحيحه" وزاد تاسعاً. وقال ابن حزم: صحّ فيها أربعة عشر وجها، وبيّنها في جزء مُفرد. قال صاحب الهدى: أصولها ست صفات، وبلغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك من فعل النّبيّ ﷺ ، وإِنما هو من اختلاف الرواة.

стр. 744

وقال الخطابي: صلاّها النّبيّ ﷺ في أيام مختلفة بأشكال متباينة يتحرى فيها ما هو الأحوط للصلاة والأبلغ للحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى. انتهى. وقال في "الدراري": "وكلّها مجزئة؛ لأنّها ورَدت على أنحاء كثيرة، وكل نحوٍ رُوي عن النّبيّ ﷺ ، فهو جائز، يفعل الإِنسان ما هو أخفّ عليه وأوفق بالمصلحة حالتئذٍ، كذا في "الحجّة". وقال في "الروضة الندية" -بحذف- أقول: من زعم من أهل العلم أنَّ المشروع من صلاة الخوف ليس إلاَّ صفة من الصفات الثابتة دون ما عداها، فقد أهدر شريعة ثابتة وأبطل سنّة قائمة بلا حجة نيّرة، وغالب ما يدعو إلى ذلك ويوقع فيه، قصور الباع، وعدم الاعتناء بكتب السنّة المطهرة، فالحقّ الحقيق بالقبول جواز جميع ما ثبت من الصفات. فإِنْ قلت: ما الحكمة في وقوع هذه الصلاة على أنواع مختلفة؟ قلت: أمران: الأول: اقتضاء الحادثة لذلك والمقتضيات مختلفة، ففي بعض المواطن تكون بعض الصفات أنسب من بعض؛ لما يكون فيها من أخْذ الحذر، والعمل بالحزم ما يناسب الخوف العارض، فقد يكون الخوف في بعض المواطن شديداً، والعدو متصلاً أو قريباً، وفي بعض المواطن قد يكون الخوف خفيفاً والعدو بعيداً، فتكون هذه الصفة أولى بهذا الموطن، وهذه أولى بهذا الموطن. الأمر الثاني: أنّه -صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم- فعَلَها متنوّعة إِلى تلك الأنواع؛ لقصد التشريع وإِرادة البيان للناس.

стр. 745

وأمّا صلاة المغرب فقد وقع الإِجماع على أنّه لا يدخلها القصر، ووقع الخلاف، هل الأولى أن يصلّي الإِمام بالطائفة الأولى ركعتين والثانية ركعة أو العكس؟ ولم يثبت في ذلك شيء عن النّبيّ -صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم- والظاهر أنَّ الكل جائز، وإنْ صلّى لكل طائفة ثلاث ركعات، فيكون له ستّ ركعات، وللقوم ثلاث ركعات، فهو صواب قياساً على فِعله في غيرها، وقد تقرر صحّة إِمامة المتنفّل بالمفترض كما سبق"، [والله تعالى أعلم]. جاء في "الروضة الندية" (١/ ٣٦٨): وقد صحّ منها أنواع: ١ - فمنها أنّه صلّى بكل طائفة ركعتين، فكان للنّبيّ ﷺ أربع وللقوم ركعتان وهذه الصفة ثابتة في الصحيحين من حديث جابر. [قلت: وحديث جابر المشار إِليه في الصحيحين عنه بلفظ: "كنّا مع النّبيّ ﷺ بذات الرِّقاع، فإِذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنّبيّ ﷺ ، فجاء رجل من المشركين وسَيف النّبيّ ﷺ معلّق بالشجرة، فاخترطه (١) فقال له: تخافني؟ فقال له: لا، قال: فمن يمنعك منّي؟ قال: الله، فتهدّده أصحاب النّبيّ ﷺ ، وأُقيمت الصلاة فصلّى بطائفة ركعتين، ثمَّ تأخّروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، وكان للنّبيّ ﷺ أربع وللقوم ركعتان" (٢)]. ٢ - ومنها أنّه صلّى بكل طائفة ركعة، فكان له ركعتان وللقوم ركعة، وهذه الصفة أخرجها النسائي بإِسنادٍ رجاله ثقات: [قلت: ولفظ الحديث "عن ثعلبة بن زَهْدَم، قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان، ومعنا حُذيفة

стр. 746

بن اليمان، فقال: أيكم صلّى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فوصف فقال: صلّى رسول الله ﷺ ، صلاة الخوف بطائفة ركعة، صفٍّ خلفه، وطائفة أخرى بينه وبين العدو، فصلّى بالطائفة التي تليه ركعة، ثمَّ نكص هؤلاء إِلى مصافّ أولئك، وجاء أولئك فصلّى بهم ركعة" (١)]. وعن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيّكم ﷺ : "في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة" (٢). ٣ - ومنها: "أنّه صلى بهم جميعاً، فكبّر وكبّروا، وركع وركعوا، ورفع ورفعوا، ثمَّ سجد وسجد معه الصف الذي يليه، وقام الصف المؤخَّر في نحر العدو، فلمّا قضى النّبيّ ﷺ السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثمَّ تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدّم وفَعلوا كالركعة الأولى، ولكنه قد صار الصف المؤخر مقدّماً والمقدم مؤخراً، ثمَّ سلم النّبيّ ﷺ وسلّموا جميعاً، وهذه الصفة ثابتة في "صحيح مسلم" وغيره؛ من حديث جابر ومن حديث أبي عياش الزرقي عند أحمد وأبي داود والنسائي. [قلت: ولفظه في "مسلم" (٨٤٠): "من حديث جابر بن عبد الله قال: شهدتُ مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصفَّنا صفّين: صفٌّ خلف رسول الله ﷺ والعدو بيننا وبين القبلة، فكبّر النّبيّ ﷺ وكبّرنا جميعاً، ثمَّ ركع

стр. 747

وركعنا جميعاً، ثمَّ رفع رأسه من الركوع ورفعْنا جميعاً، تمَّ انحدر بالسجود والصفّ الذي يليه، وقام الصفّ المؤخر في نحر العدو، فلمّا قضى النّبي ﷺ السجود، وقام الصفّ الذي يليه، انحدر الصف المؤخّر بالسجود وقاموا، ثمَّ تقدّم الصف المؤخّر، وتأخّر الصفّ المُقدّم، ثمَّ ركع النّبيّ ﷺ وركعنا جميعاً، ثمَّ رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثمَّ انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى، وقام الصفّ المؤخر في نحور العدو، فلمّا قضى النّبيّ ﷺ السجود والصفّ الذي يليه؛ انحدر الصفّ المؤخّر بالسجود، فسجدوا، ثمَّ سلّم النّبيّ ﷺ وسلّمنا جميعاً؛ قال جابر: كما يصنع حرسُكم هؤلاء بأمرائهم"]. ٤ - ومنها: أنّه ﵌ صلّى بإِحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثمَّ انصرفوا (١) وقاموا في مقام أصحابهم مُقبلين على العدو، وجاء أولئك (٢)، ثمَّ صلّى النّبيّ ﷺ ركعة ثمَّ سلّم (٣)، ثمَّ قضى هؤلاء ركعة [وهؤلاء ركعة] (٤) وهذه الصفة ثابتة في الصحيحين من حديث ابن عمر. [قلت: ولفظه عنه قال: "غزوت مع رسول الله ﷺ قِبل نجد، فوازينا

стр. 748

العدوّ فصاففنا لهم، فقام رسول الله ﷺ يُصلّي لنا، فقامت طائفة معه تصلّي، وأقبلت طائفة على العدوّ، وركع رسول الله ﷺ بمن معه وسجد سجدتين، ثمَّ انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصلِّ، فجاؤوا فركع رسول الله ﷺ بهم ركعة، وسجد سجدتين ثمَّ سلّم، فقام كلُّ واحدٍ منهم؛ فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين" (١)]. ٥ - ومنها: أنها قامت مع النّبيّ ﵌ طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو، وظهورهم إِلى القبلة، فكبّر فكبروا جميعاً الذين معه، والذين مقابل العدو، ثمَّ ركع ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه، ثمَّ سجد فسجدت التي تليه والآخرون قيام مقابل العدو، ثمَّ قام وقامت الطائفة التي معه، فذهبوا إِلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو، فركعوا وسجدوا، ورسول الله ﵌[قائم] كما هو، ثمَّ قاموا فركع [رسول الله ﵌ ركعة أخرى، وركعوا معه وسجد وسجدوا معه، ثمَّ أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو، فركعوا وسجدوا ورسول الله ﵌ قاعد ومن معه، ثم كان السلام فسلم وسلموا جميعاً، فكان لرسول الله ﵌ ركعتان، وللقوم لكل طائفة ركعتان، وهذه الصفة أخرجها أحمد والنسائي وأبو داود". [قلت: ولفظه كما في "صحيح سنن أبي داود" (١١٠٥): من حديث مروان بن الحكم: أنه سأل أبا هريرة: هل صلّيت مع رسول الله ﷺ صلاة

стр. 749

الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم، قال مروان: متى؟ فقال أبو هريرة: عام غزوة نجد، قام رسول الله ﷺ ، إِلى صلاة العصر، فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو، ظهورهم إِلى القبلة، فكبّر رسول الله ﷺ فكبّروا جميعاً الذين معه والذين مقابلي العدو، ثمَّ ركع رسول الله ﷺ ركعة واحدة، وركعت الطائفة التي معه، ثمَّ سجد فسجدَت الطائفة التي تليه، والآخرون قيام مقابلي العدو، ثمَّ قام رسول الله ﷺ ، وقامت الطائفة التي معه، فذهبوا إِلى العدو فقابلوهم، وأقبلَت الطائفة التي كانت مقابلي العدو فركعوا وسجدوا، ورسول الله ﷺ قائم كما هو، ثمَّ قاموا فركع رسول الله ﷺ ركعة أخرى وركعوا معه، وسجد سجدوا معه، ثمَّ أقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو، فركعوا وسجدوا، ورسول الله ﷺ قاعد ومن معه، ثمَّ كان السلام، فسلّم رسول الله ﷺ وسلّموا جميعاً، فكان لرسول الله ﷺ ركعتان، ولكلّ رجل من الطائفتين ركعة ركعة"]. ٦ - ومنها: أنّه ﷺ صلّى بطائفة ركعة وطائفة وُِجاه العدو، ثمَّ ثبت قائماً فأتمّوا لأنفسهم ثمَّ انصرفوا وُِجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، فأتمّوا لأنفسهم فسلّم بهم، وهذه الصفة ثابتة في "الصحيحين"؛ من حديث سهل بن أبي حثمة، وإنّما اختلفت صلاته ﷺ في الخوف، لأنّه كان في موطن يتحرّى ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة. [قلت: ولفظه في "البخاري" (٤١٢٩) و"مسلم" (٨٤٢): "عن صالح ابن خَوَّاتٍ عمن شهد مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرّقاع صلاة الخوف، أنّ طائفة صفّت معه، وطائفة وُجَاه العدوّ، فصلّى بالتي معه ركعة ثمَّ ثبت قائماً

стр. 750

وأتمّوا لأنفسهم، ثمَّ انصرفوا فصفُّوا وُِجاه العدوّ وجاءت الطائفة الأخرى، فصلّى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثمَّ ثبت جالساً وأتمّوا لأنفسهم، ثمَّ سلّم بهم". وانظر مقدّمة صلاة الخوف. وفي رواية البخاري (٤١٣١) ومسلم (٨٤١): عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حَثْمَة قال: "يقوم الإِمام مستقبل القبلة وطائفة منهم معه، وطائفة من قِبَلِ العدوّ وجوهُهم إِلى العدوّ، فيُصلّي بالذين معه ركعه ثمَّ يقومون فيركعون لأنفسهم ركعة، ويسجدون سجدتين في مكانهم، ثمَّ يذهب هؤلاء إِلى مقام أولئك، فيجيء أولئك فيركع بهم ركعة فله ثنتان، ثمَّ يركعون ويسجدون سجدتين". الصلاة في شدة الخوف وما يباح فيها من كلام وإِيماء وإذا اشتدّ الخوف والتحم القتال صلاها الرَّاجلُ والرّاكب، ولو إِلى غير القبلة ولو بالإِيماء، ويقال لصلاة الخوف عند التحام القتال: صلاة المسايف (١). وتقدّم حديث البخاري (٢) عن ابن عمر في تفسير سورة البقرة بلفظ: "فإِن كان خوف هو أشَدّ من ذلك صلَّوا رجالاً قياماً على أقدامهم، أو رُكبانا مستقبلي القبلة أو غيرَ مستقبليها"، قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذَكَر ذلك إلاَّ عن رسول الله ﷺ .

стр. 751

وهو في "مسلم" (١) من قول ابن عمر بنحو ذلك. وقد رواه ابن ماجه (٢) عن ابن عمر، أنَّ النّبيّ ﷺ وصف الخوف وقال [أي: النّبيّ ﷺ ]: "فإِن كان خوف أشد من ذلك فرجالاً أو رُكباناً".

стр. 752

صلاة السفر وجوب القصر في السفر: قال الله تعالى: ﴿وإِذا ضرَبْتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصُروا من الصلاة إنْ خفتُم أن يفتنَكم الذين كفروا﴾ (١). ولولا ورود ما يأتي من النصوص لقال العلماء بتقييد القصر بالخوف. فعن ابن سيرين عن ابن عبّاس: "أنَّ رسول الله ﷺ سافر من المدينة لا يخاف إلاَّ الله ، فصلّى ركعتين حتى رجع" (٢). وعن يعلى بن أميّة قال: "قلت لعمر بن الخطاب: ﴿ليس عليكم جناح أن تقصُروا من الصلاة إِنْ خفتم أن يفتنَكم الذين كفروا﴾ فقد أمِنَ النّاس! فقال: عجبتُ ممّا عجبتَ منه. فسألتُ رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "صدقةٌ تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" (٣). وعن عائشة زوج النّبيّ ﷺ قالت: "فرض الله الصلاة، حين فرضها ركعتين ثمَّ أتمّها في الحضر، فأُقرّت صلاة السفر على الفريضة الأولى" (٤).

стр. 753

وعنها ﵂ قالت: "أولُ ما فُرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلمّا قدم ﷺ المدينة صلى إِلى كلِّ صلاةٍ مثلها غير المغرب؛ فإِنّها وتر النهار، وصلاة الصبح لطول قراءتها، وكان إِذا سافر عادَ إِلى صلاته الأولى" (١). وعن عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال: "صحبْتُ ابن عمر في طريق مكّة، قال: فصلّى لنا الظهر ركعتين، ثمَّ أقبل وأقبَلنا معه حتّى جاء رحله (٢)، وجلَس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحوَ حيث صلّى فرأى ناساً قياماً. فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يُسبّحون (٣) قال: لو كنت مُسبّحاً لأتممتُ صلاتي، يا ابن أخي! إِنّي صحبت رسول الله ﷺ في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبتُ أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثمَّ صحبتُ عثمان (٤) فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وقد قال الله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أُسوةٌ حسَنة﴾ (٥) " (٦).

стр. 754

قال شيخنا -حفظه الله- بعد أن ذكَر عدداً من الأحاديث في الموضوع: " ... دلّت الأحاديث المتقدّمة على أنَّ صلاة السفر أصلٌ بنفسها وأنّها ليست مقصورة من الرباعية كما يقول بعضهم، فهي في ذلك كصلاة العيدين ونحوها؛ كما قال عمر ﵁: "صلاة السفر وصلاة الفطر وصلاة الأضحى؛ وصلاة الجمعة؛ ركعتان تمامٌ غير قصر على لسان نبيكم ﷺ " (١) وذلك هو الذي رجّحه الحافظ في "فتح الباري" بعد أن حكى الاختلاف في حكم القصر في السفر، ودليل كلٍّ فقال (١/ ٤٦٤): "والذي يظهر لي -وبه تجتمع الأدلّة السابقة- أنَّ الصلوات فُرضت ليلة الإِسراء ركعتين ركعتين إلاَّ المغرب، ثمَّ زيدت بعد الهجرة عقب الهجرة إلاَّ الصبح، ... ثمَّ بعد أن استقر فرْض الرباعية؛ خفف منها في السفر عند نزول الآية السابقة وهي قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصُروا من الصلاة﴾، ويؤيد ذلك ما ذكره ابن الأثير في "شرح المسند": أنّ قصر الصلاة كان في السَّنَة الرابعة من الهجرة ... ". مسافة القصر لقد كثُرت أقوال العلماء في تحديد المسافة التي تقصر فيها الصلاة والراجح "أنّه لا حدّ لذلك أصلاً، إلاَّ ما سُمّي سفراً في لغة العرب التي بها خاطبهم ﵇، إِذ لو كان لمقدار السفر حدّ غير ما ذكَرنا لما أغفل ﵇ بيانه البته، ولا أغفلوا هم سؤاله ﵇ عنه، ولا اتفقوا على

стр. 755

تَرْك نقْل تحديده في ذلك إِلينا" (١). قال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" (٢٤/ ١٢): "وقد تنازع العلماء: هل يختص بسفر دون سفر؟ أم يجوز في كلّ سفر؟ وأظهر القولين أنّه يجوز في كل سفر قصيراً كان أو طويلاً، كما قصر أهل مكة خلف النّبيّ ﷺ بعرفة ومنى، وبين مكة وعرفة نحو بريد: أربع فراسخ. وأيضاً فليس الكتاب والسنّة يخصّان بسفر دون سفر، لا بقصر ولا بفطر، ولا تيمُّم، ولم يحدّ النّبيّ ﷺ مسافة القصر بحدّ، لا زمانيّ، ولا مكانيّ، والأقوال المذكورة في ذلك متعارضة، ليس على شيء منها حجّة، وهي متناقضة، ولا يمكن أن يَحُدّ ذلك بحد صحيح. فإِنَّ الأرض لا تُذرَع بذَرع مضبوط في عامّة الأسفار، وحركة المسافر تختلف، والواجب أن يُطلَق ما أطلقه صاحب الشرع ﷺ ، ويُقَيّد ما قيَّده، فيقصُر المسافر الصلاة في كل سفر، وكذلك جميع الأحكام المتعلقة بالسفر، من القصر والصلاة على الراحلة، والمسح على الخفّين. ومن قسَّم الأسفار إِلى قصير وطويل، وخصّ بعض الأحكام بهذا وبعضها بهذا، وجعلها متعلقة بالسفر الطويل، فليس معه حُجّة يجب الرجوع إِليها، والله أعلم". ونقل شيخنا -حفظه الله- كلاماً طيّباً له من "مجموعة الرسائل والمسائل" بعد أن بيّن وضْع حال الحديث (٤٣٩) من "السلسة الضعيفة" وأنّه موضوع ولفظه: "يا أهل مكّة! لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة بُرُد

стр. 756

من مكة إِلى عُسفان" وفيه: "وممّا يدل على وضع هذا الحديث، وخطأ نسبته إِليه ﷺ ؛ ما قاله شيخ الإِسلام ابن تيمية في رسالته في أحكام السفر (٢/ ٦ - ٧ من مجموعة الرسائل والمسائل): "هذا الحديث إِنّما هو من قول ابن عباس، ورواية ابن خزيمة وغيره له مرفوعاً إِلى النّبيّ ﷺ باطلة بلا شك عند أئمّة الحديث، وكيف يخاطِب النّبيّ ﷺ أهل مكة بالتحديد، وإِنّما قام بعد الهجرة زمناً يسيراً وهو بالمدينة، لا يحدّ لأهلها حدّاً كما حدّه لأهل مكة، وما بال التحديد يكون لأهل مكة دون غيرهم من المسلمين؟! وأيضاً، فالتحديد بالأميال والفراسخ يحتاج إِلى معرفة مقدار مساحة الأرض، وهذا أمر لا يعلمه إلاَّ خاصة الناس، ومَن ذكره؛ فإِنّما يخبر به عن غيره تقليداً، وليس هو ممّا يقطع به، والنّبيّ ﷺ لم يقدِّر الأرض بمساحة أصلاً، فكيف يُقدّر الشارع لأمّته حدّاً لم يجْرِ به له ذِكْر في كلامه، وهو مبعوث إلى جميع الناس؟! فلا بد أن يكون مقدار السفر معلوماً علماً عاماً". ومن ذلك أيضاً أنَّه ثبت بالنقل الصحيح المتفق عليه بين علماء الحديث؛ أنّ النّبيّ ﷺ في حَجّة الوداع كان يقصر الصلاة بعرفة، ومزدلفة، وفي أيام منى، وكذلك أبو بكر وعمر بعده، وكان يصلّي خلفهم أهل مكة، ولم يأمروهم بإِتمام الصلاة، فدلّ هذا على أن ذلك سفر، وبين مكة وعرفة بريد، وهو نصف يوم بسير الإِبل والأقدام. والحق أنَّ السفر ليس له حدٌّ في اللغة ولا في الشرع، فالمرجع فيه إِلى العُرف، فما كان سفراً في عُرف الناس؛ فهو السفر الذي علّق به الشارع

стр. 757

الحكم. وتحقيق هذا البحث الهامّ تجده في رسالة ابن تيمية المشار إِليها آنفاً، فراجِعها، فإِنَّ فيها فوائد هامّة لا تجدها عند غيره". انتهى. جاء في "الدراري المضية" (١/ ٢٠٤) (١) -بحذف-: وإيجاب القصر على من خرج من بلده قاصداً للسفر وإن كان دون بريد (٢) وجْهُه أن الله تعالى

стр. 758

قال: ﴿وإِذا ضربْتُم في الأرض فليس عليكم جُناحٌ أن تقصُروا من الصلاة﴾ (١)، والضرب في الأرض يصدق على كل ضرْب، لكنه خرج الضرب - أي: المشي لغير السفر- لِما كان يقع من ﷺ الخروج إِلى بقيع الغرقد ونحوه، ولا يقصر، ولم يأتِ في تعيين قدْر السفر الذي يقصر فيه المسافر شيء، فوجب الرجوع إِلى ما يسمى سَفَراً لغة وشرعاً، ومن خرج من بلده قاصداً إِلى محلّ يعد في مسيره إِليه مسافراً قصر الصلاة، وإنْ كان ذلك المحل دون البريد، ولم يأت من اعتبر البريد واليوم واليومين والثلاثة وما زاد على ذلك بحجة نيّرة. وغاية ما جاءوا به حديث: "لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام بغير ذي محرم"، وفي رواية: "يوماً وليلة" (٢). وليس في هذا الحديث ذِكر القصر ولا هو في سياقه، والاحتجاج به مجرد تخمين. وأحسن ما ورد في التقدير ما رواه شعبة عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: "سألت أنساً عن قصر الصلاة فقال: كان رسول الله ﷺ إِذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين" والشك من شعبة، أخرجه مسلم (٣)

стр. 759

وغيره. فإِنْ قلت: محلّ الدليل في نهي المرأة عن السفر تلك المسافة بدون مَحرَم هو كونه ﷺ سمّى ذلك سفراً، قلت: تسميته سفراً لا تنافي تسمية ما دونه سفراً ... ". وفي "الروضة" (١/ ٣٧٨) -بحذف-: "أقول: مسألة أقلّ السفر قد اضطربت فيها الأقوال، وطال فيها النزاع، وتشعّبت فيها المذاهب، وليس في ذلك شيء يستند إِليه، إلاَّ مجرد قول الرواة قصر رسول الله ﵌ في كذا من دون بيانٍ لمقدار يرجع إِليه، وأصرح ما في ذلك ما قاله بعض الرواة: أنَّه ﵌ كان يقصر إِذا سافر ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ هكذا على الشك، مع أنّه لم يُبيِّن مقدار المسافة التي هي انتهاء سَفَره، وغاية ما وقع التعويل عليه أحاديث: "لا يحل لامرأة" كما تقدّمت، والمعمول عليه هاهنا رواية البريد، لأنَّ ما فوقها يعتبر فيه ذلك بفحوى الخطاب. لكن لا ملازمة بين اعتبار المحرم للمرأة وبين وجوب القصر على غيرها من المسافرين؛ لأنَّ علّة مشروعية المحرم غير علّة مشروعية القصر، فلم يبق في المسألة ما يصلح للاستناد إِليه، فوجب الرجوع إِلى ما يصدق عليه مسمّى الضرب في الأرض على وجهٍ يُخالف ما يفعله المقيم من ذلك. فالحاصل: أنَّ الواجب الرجوع إِلى ما يصدق عليه اسم السفر شرعاً أو لغة أو عرفاً لأهل الشرع، فما كان ضرباً في الأرض يصدق عليه أنَّه سفر وجب فيه القصر".

стр. 760

وجاء في "الإِرواء" (٣/ ١٥): "فالعمدة على حديث أنس (١)، وقد قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٥٦٧): "وهو أصح حديث ورَد في بيان ذلك وأصرحه، وقد حمَله من خالفه على أنَّ المراد به المسافة التي يُبتَدأ منها القصر، لا غاية السفر، ولا يخفى بُعد هذا الحمل مع أنَّ البيهقي (قلت: وكذا أحمد) ذكر في روايته من هذا الوجه أنَّ يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال: سألت أنساً عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إِلى الكوفة -يعني من البصرة- فأصلّي ركعتين حتى أرجع، فقال أنس: فذكَر الحديث. فظهر أنّه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يُبتَدأ القصر منه. ثمَّ إِنَّ الصحيح في ذلك أنّه لا يتقيد بمسافة، بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منها. وردّه القرطبي بأنّه مشكوك فيه فلا يحتجّ به، فإِن كان المراد به أنّه لا يحتجّ به في التحديد بثلاثة أميال فمسلّم، لكن لا يمتنع أن يحتج به في التحديد بثلاثة فراسخ، فإِنّ الثلاثة أميال مندرجة فيه، فيؤخذ بالأكثر احتياطاً. وقد روى ابن أبي شيبة عن حاتم بن إِسماعيل عن عبد الرحمن بن حرملة قال: قلت لسعيد ابن المسيب: أَقصرُ الصلاة وأُفطِر في بريد من المدينة؟ قال: نعم. قلت: وقد صحّ عن ابن عمر ﵁ جواز القصر في ثلاثة أميال، كما سيأتي بعد حديثين، وهي فرسخ، فالأخذ بحديث أنس أولى من حديث ابن عباس لصحته، ورَفعه وعمل بعض الصحابة به، والله أعلم.

стр. 761

على أنَّ قصره في المدة المذكورة لا ينفي جواز القصر في أقل منها؛ إِذا كانت في مسمّى السفر، ولذلك قال ابن القيّم في "الزاد": "ولم يحدّ ﷺ لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر، بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمُّم في كلّ سفر. وأمّا ما يُروى من التحديد باليوم واليومين أو الثلاثة فلم يصح عنه منها شيء البتة، والله أعلم". ثمَّ قال شيخنا -حفظه الله تعالى- (ص ١٨ - ١٩): "وقد صح عن ابن عمر القصر في أقل من البريد، فأخرج ابن أبي شيبة (٢/ ١٠٨/١) عن محمّد بن زيد بن خليدة عن ابن عمر قال: "تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال" (١). ثمَّ روى (٢/ ١٠٩/١) عن محارب بن دثار قال: سمعت ابن عمر يقول: "إِنّي لأسافر الساعة من النهار وأقصر". وإِسناده صحيح كما قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٥٦٧). ثمَّ روى (٢/ ١١١/١) عن نافع عن ابن عمر: "أنّه كان يقيم بمكة فإِذا خرج إِلى منى قصر". وإِسناده صحيح أيضاً. وقال الثوري: سمعت جبلة بن سحيم سمعت ابن عمر يقول: "لو خرجت ميلاً قصرت الصلاة". ذكره الحافظ وصححه. قلت [أي: شيخنا -حفظه الله-]: وهذه الآثار عن ابن عمر أقرب إِلى

стр. 762

السنّة على ما سبق بيانه قبل حديثين، والله أعلم. قلت: والذي قبل الحديثين: حديث ابن عباس وابن عمر: "كانا لا يقصران في أقل من أربعة بُرُد" وعلّقه البخاري. والخلاصة: أنَّه لا حدّ للمسافة التي تقصر فيها الصلاة، فيجب الرجوع إِلى ما يسمّى سفَراً لُغةً وعُرفاً وما كان ضرباً في الأرض؛ يصدق عليه أنّه سفر وما وردَ من نصوص متعلّقةٍ بالسّفر؛ إِما أن تكون سفراً طويلاً؛ أو سفراً قصيراً؛ وهي نماذج للسفر، وأمثلة عليه، لا تفيد الحصر، فقصْره فيما ذُكر لا ينفي جواز القصر في أقل منها؛ إذا كانت في مسمّى السَّفر، والله تعالى أعلم". ولشيخنا -شفاه الله تعالى- كلام نفيس في "الصحيحة" تحت الحديث (١٦٣) فارجع إِليه -إِن شئت-. الموضع الذي يقصر منه: ذهب جمهور العلماء إِلى أنَّ قصر الصلاة يشرع بمفارقة الحضر، والخروج من البلد، وأنّ ذلك شرط ولا يتِمّ حتى يدخل أول بيوتها. قال ابن المنذر: ولا نعلم أنَّ النّبيّ ﷺ قصر في شيء من أسفاره إلاَّ بعد خروجه عن المدينة (١). وقال أنس: "صليت الظهر مع النّبيّ ﷺ بالمدينة أربعاً وبذي الحليفة ركعتين" (٢).

стр. 763

* المسافر إِذا أقام لقضاء حاجة ولم يُجمع إقامة يقصر حتى يخرج (١): عن جابر قال: أقام النّبيّ ﷺ بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة" (٢). قال ابن القيّم: "ولم يقُل ﷺ للأمّة لا يقصر الرجل الصلاة إِذا قام أكثر من ذلك؛ ولكن اتفق إِقامته هذه المدّة". وعن ابن عباس ﵄: "أقام النّبيّ ﷺ تسعة عشر يوماً يقصر، فنحن إِذا سافَرنا تسعة عشر قصرنا وإِنْ زدنا أتمَمنا" (٣) *. وأخرجه البيهقي وغيره بلفظ: سبعة عشر يوماً، وجمَع البيهقي وغيره بأنّ من روى الأولى عدّ يوم الدخول ويوم الخروج، ومن روى الأخرى لم يعدّهما وقال الحافظ: وهو جمعٌ متين والله أعلم (٤). قلت: والذي يبدو أنَّ هذا الذي اتّفق لهم، فقد ذَكرنا حديث جابر "أنَّ النّبيّ ﷺ أقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة". وثبت أنَّ ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة وقد حال الثلج بينه وبين الدخول. فعن ابن عمر أنَّه قال: "أريح علينا الثلج (٥)، ونحن بأذربيجان ستة أشهر

стр. 764

في غزاة، وكنّا نصلي ركعتين". قال شيخنا في "الإِرواء" (٣/ ٢٨): "وإِسناده صحيح، كما قال الحافظ في "الدراية" (١٢٩)، وهو على شرط الشيخين كما نقله الزيلعي (٢/ ١٨٥) عن النووي وأقره. وله طريق أخرى، فقال ثمامة بن شراحيل: "خرجت إِلى ابن عمر فقلت: ما صلاة المسافر؟ فقال: ركعتين ركعتين، إلاَّ صلاة المغرب ثلاثاً، قلت: أرأيت إِنْ كنا بـ (ذي المجاز)؟ قال: وما (ذو المجاز)؟ قال: قلت: مكان نجتمع فيه، ونبيع فيه، ونمكث عشرين ليلة أو خمس عشرة ليلة، فقال: يا أيها الرجل! كنت بأذربيجان -لا أدري قال- أربعة أشهر أو شهرين، فرأيتهم يصلّونها ركعتين ركعتين، ورأيت نبيّ الله ﷺ بصر عيني يصلّيها ركعتين ثمَّ نزع إِلي بهذه الآية: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسَنة﴾ (١) " (٢). وفي "الروضة الندية" (١/ ٣٨٣): "وقول أكثر أهل العلم: إِنَّه يقصر أبداً ما لم يُجمع إِقامة". انتهى. والأئمة الأربعة متفقون على أنَّه إِذا أقام لحاجةٍ ينتظر قضاءَها يقول: اليوم أخرج؛ فإِنّه يقصر أبداً إلاَّ الشافعي في أحد قوليه فإِنّه يقصر عنده إِلى سبعة عشر أو ثمانية عشر يوماً ولا يقصر بعدها، وقد قال ابن المنذر في

стр. 765

"إِشرافه" (١): أجمع أهل العلم أنَّ للمسافر أن يقصر ما لم يُجمع إِقامة إِن أتى عليه سنون (٢). وفهمت من شيخنا أنَّ مدار الأمر؛ فيما إِذا أجمع المرء الإِقامة وحدّد مدّتها، أو عدم ذلك، فإِنْ لم يحدّد مضت عليه أحكام المسافر، وإنْ حدّد مضت عليه أحكام المقيم، إلاَّ إِذا بقيت عنده أحوال المسافر، والله تعالى أعلم. قال ابن المنذر في "الأوسط" (٤/ ٣٤٢): "ذِكر إِباحة قصر الصلاة للمسافر في المدن يقْدُمُها إِذا لم ينوِ مقاماً يجب عليه له إِتمام الصلاة". ثمَّ قال: في قدوم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة عام حجة الوداع مقيمين بها أياماً يصلون ركعتين، دليل على أن للمسافر أن يقصر الصلاة في المدن إِذا قدمها، ولم يعزم على أن يقيم بعد قدومه مدة يجب عليه بمقام تلك المدة إِتمام الصلاة. ثمَّ ساق بإِسناده إِلى موسى بن سلمة قال: سألت ابن عباس قلت: "إِني مقيم هنا يعني بمكة فكيف أصلّي؟ قال: ركعتين، سنّة أبي القاسم ﷺ " (٣). صلاة التطوع في السفر: قال البخاري: (باب من تطوّع في السفر في غير دُبُر الصلوات وقبلها وركع

стр. 766

النّبيّ ﷺ ركعتي الفجر في السفر) (١) وذكر تحته أحاديث: ١ - حديث رقم: (١١٠٣) من حديث ابن أبي ليلى بلفظ: "ما أنبأ أحدٌ أنه رأى النّبيّ ﷺ صلّى الضحى غيرُ أمّ هانئ: ذكَرت أنَّ النّبيّ ﷺ يوم فتح مكة اغتسل في بيتها، فصلّى ثمان ركعات، فما رأيته صلّى صلاة أخفّ منها، غير أنّه يُتمّ الركوع والسجود". ٢ - وحديث رقم (١١٠٤): من حديث عبد الله بن عامر: "أنَّ أباه أخبره أنّه رأى النّبيّ ﷺ صلّى السُّبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته؛ حيث توجَّهت به" (٢). ٣ - وحديث رقم: (١١٠٥): من حديث ابن عمر ﵄: "أنَّ رسول الله ﷺ كان يسبّحُ على ظهر راحلته حيث كان وجهُه، يُومئ برأسه وكان ابن عمر يفعله" (٣). قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٥٧٨): "قوله (باب من تطوع في السفر في غير دبر الصلاة) هذا مُشعِر بأنَّ نفي التطوع في السفر محمول على ما بعد الصلاة خاصة، فلا يتناول ما قبلها، ولا ما لا تعلّق له بها من النوافل المطلقة؛ كالتهجد والوتر والضحى وغير ذلك، والفرق بين ما قبلها وما بعدها أنَّ التطوع قبلها لا يظن أنّه منها، لأنّه ينفصل عنها بالإِقامة وانتظار الإِمام غالباً ونحو

стр. 767

ذلك، بخلاف ما بعدها فإِنّه في الغالب يتصل بها فقد يظنُّ أنّه منها". انتهى. وقال النووي في "شرحه" (٥/ ٢١٠) بعد أن ذكر الأحاديث المتقدّمة وما في معناها خلا حديث أم هانئ: وفي هذه الأحاديث جواز التنفّل على الراحلة في السفر حيث توجّهت، وهذا جائز بإِجماع المسلمين، وشرطه أن لا يكون سفر معصية ... ". السفر يوم الجمعة: يجوز السفر يوم الجمعة ما لم يسمع النداء، فإِذا سمعه وجب عليه الحضور (١)، وليس في السنّة -فيما علمتُ- ما يمنع من السفر يوم الجمعة، بل إِنَّ فيها ما يشعر بالجواز. فعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "ليس على مسافر جمعة" (٢). ولا يستلزم من ذلك أن يكون هذا مقتصراً، على من كان مسافراً من قبل جادّاً في سيره؛ ماضياً فيه. قال شيخنا في "الضعيفة" (١/ ٣٨٦) -بحذف بعد أن ذكَر حديثاً موضوعاً في منع السفر يوم الجمعة-: "وليس في السنّة ما يمنع السفر يوم الجمعة مطلقاً ... ". وقد روى البيهقي (٣/ ١٨٧) عن الأسود بن قيس عن أبيه قال: "أبصر

стр. 768

عمر بن الخطاب ﵁ رجلاً عليه هيئة السفر، فسمعه يقول: لولا أنّ اليوم يوم جمعة لخرجْتُ، قال عمر ﵁: اخرُجْ فإِنَّ الجمعة لا تحبس عن سفر. ورواه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٥/٢) مختصراً. وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات، وقيس والد الأسود؛ وثّقه النسائي وابن حبان. فهذا الأثر مما يُضعّف هذا الحديث ... ، إِذ الأصل أنّه لا يخفى على أمير المؤمنين عمر لو كان صحيحاً. هل يشرع الجمع لسفر المعصية ؟ سألت شيخنا -عافاه الله وشفاه- فقال: فيه عندي تفصيل: إِنْ أنشأ السفر للمعصية؛ أرى ما يقوله أهل العلم أنَّه ليس له الترخّص ولكن إِن كان أصل المعصية لم ينشأ ابتداءً ولكن وقع في المعصية وهو في سفره؛ فالحُكم يبقى على عمومه.

стр. 769

الجمع بين الصلاتين الحالات التي يجوز فيها الجمع بين الصلاتين: يجوز للمصلّي الجمع بين الظهر والعصر، سواءٌ أكان ذلك تقديماً أم تأخيراً (١)، وبين المغرب والعشاء كذلك، وليس هنالك جمع غيره؛ وذلك في الحالات الآتية: ١ - الجمع بعرفة والمزدلفة: فعن أبي أيوب الأنصاري: "أنَّ رسول الله ﷺ جمَع في حجَّة الوَداع المغرب والعشاء بالمزدلفة" (٢). وكان ابن عمر ﵄ "إِذا فاتته الصلاة مع الإِمام جمَع بينهما" (٣). وعن ابن شهاب قال: "أخبرني سالم أنَّ الحجاج بن يوسف -عام نزَل بابن الزبير ﵄ سأل عبد الله ﵁: كيف تصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إِن كنت تُريد السنّة فهجِّر بالصلاة يوم عرفة. فقال عبد الله بن عمر: صدق، إِنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في

стр. 770

السنَة. فقلت لسالم: أفَعَل ذلك رسول الله ﷺ ؛ فقال سالم: وهل يتَّبعون بذلك إلاَّ سنّته"؟ (١). قال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" (٢٦/ ١٦٨): "ومن سُنّة رسول الله ﷺ أنَّه جمَع بالمسلمين جميعهم بعرفة بين الظهر والعصر، وبمزدلفة بين المغرب والعشاء وكان معه خلق كثير ممّن منزله دون مسافة القصر من أهل مكة وما حولها، ولم يأمر حاضري المسجد الحرام بتفريق كلّ صلاة في وقتها، ولا أن يعتزل المكيون ونحوهم فلم يصلّوا معه العصر، وأن ينفردوا فيصلّوها في أثناء الوقت دون سائر المسلمين ... ". ٢ - السفر: عن معاذ بن جبل أنَّ النّبيّ ﷺ كان في غزوة تبوك إِذا ارتحل قبل زيغ الشمس (٢) أخّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصلّيها جميعاً، وإِذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلّى الظهر والعصر جميعاً ثمَّ سار، وكان إِذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصلّيها مع العشاء، وإذا ارتحل (٣) بعد المغرب عجّل (٤) العشاء، فصلاّها مع المغرب" (٥).

стр. 771

وفي "صحيح سنن أبي داود" (١٠٦٧): " ... وفي المغرب مِثل ذلك إِن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمَع بين المغرب والعشاء، وإنْ يرتحِل قبل أن تغيب الشمس؛ أخّر المغرب حتى ينزل للعشاء، ثمَّ جمَع بينهما". عن عامر بن واثلة أنَّ معاذ بن جبل أخبره " أنّهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء قال: فأخّر الصلاة يوماً، ثمَّ خرج فصلّى الظهر والعصر جميعاً ثمَّ دخل، ثمَّ خرج فصلّى المغرب والعشاء جميعا" (١). وعن ابن عباس قال: "ألا أحدّثكم عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر قال قلنا بلى قال: كان إِذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، وإِذا لم تزغ له في منزله سار حتى إِذا حانت العصر نزل، فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإِذا لم تَحِن في منزله ركب حتى إِذا حانت العشاء نزل فجمع بينهما" (٢). وفي روايةٍ عند مسلم (٧٠٥) وغيره: "قال سعيد (هو ابن جبير) فقلت لابن عبّاس: ما حمَله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحرج أمّته".

стр. 772

وعن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﷺ إِذا ارتحل قبل أن تَزيغ الشمس؛ أخّر الظهر إِلى وقت العصر، ثمَّ نزل فجمع بينهما، فإِن زاغت الشمسُ قبل أن يرتحل؛ صلّى الظهر ثمَّ ركب" (١). ٣ - المطر: عن ابن عباس "أنَّ النّبيّ ﷺ صلّى بالمدينة سبعاً وثمانيا؛ الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ قال (٢): عسى" (٣). وعنه أيضاً قال: "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة؛ في غير خوفٍ ولا مطر" (٤). وعن نافع مولى ابن عمر: "أنَّ عبد الله بن عمر كان إِذا جمَع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر؛ جمَع معهم" (٥). قال شيخنا في "الإِرواء" (٣/ ٤٠) -بتصرف يسير-: "ثمَّ روى [أي: الإِمام مالك في "الموطّأ"] عن هشام بن عروة أن أباه عروة وسعيد بن المسيب وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة؛ إِذا جمعوا بين

стр. 773

الصلاتين ولا يُنكِرون ذلك. وعن موسى بن عقبة أنّ عمر بن عبد العزيز؛ كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إِذا كان المطر، وأنَّ سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن ومشيخة ذلك الزمان؛ كانوا يصلّون معهم ولا ينكِرون ذلك. وإِسنادهما صحيح. وذلك يدلّ على أنَّ الجمع للمطر كان معهوداً لديهم، ويؤيده حديث ابن عباس: "من غير خوف ولا مطر" فإِنّه يُشعِر أنّ الجمع للمطر كان معروفاً في عهده ﵌، ولو لم يكن كذلك؛ لما كان ثمّة فائدة من نفي المطر لتسويغ الجمع فتأمّل". انتهى. وجاء في "الفتاوى" (٢٤/ ٢٩): "وسئل ﵀ عن صلاة الجمع في المطر بين العشائين، هل يجوز من البرد الشديد؟ أو الريح الشديد؟ أم لا يجوز إلاَّ من المطر خاصة؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. يجوز الجمع بين العشائين للمطر والريح الشديد الباردة، والوحل الشديد. وهذا أصح قولي العلماء، وهو ظاهر مذهب أحمد ومالك وغيرهما، والله أعلم. وسئل ﵀ عن رجل يؤم قوماً وقد وقع المطر والثلج، فأراد أن يصلّي بهم المغرب، فقالوا له: يجمع، فقال: لا أفعل، فهل للمأمومين أن يصلّوا في بيوتهم؟ أم لا؟ فأجاب: الحمد لله. نعم يجوز الجمع للوحل الشديد والريح الشديدة الباردة في الليلة الظلماء ونحو ذلك، وإِن لم يكن المطر نازلا في أصحّ قولي

стр. 774

العلماء، وذلك أولى من أن يصلّوا في بيوتهم، بل ترك الجمع مع الصلاة في البيوت بدعة مخالفة للسنّة، إِذ السُّنّة أن تصلّى الصلوات الخمس في المساجد جماعة، وذلك أولى من الصلاة في البيوت باتفاق المسلمين. والصلاة جمعاً في المساجد أولى من الصلاة في البيوت مفرّقة باتفاق الأئمّة الذين يُجوِّزون الجمع: كمالك، والشافعي، وأحمد، والله تعالى أعلم". انتهى. وانظر للمزيد من الفائدة ما قاله ابن المنذر في "الأوسط" (٢/ ٤٣٠ - ٤٣٤). ٤ - المرض: قال الله تعالى: ﴿ما جَعَل عليكم في الدين مِن حَرَج﴾ (١) فإِذا بلغ المرض حدّاً أوقع على صاحبه الحرج فله أن يجمع، وقال سبحانه: ﴿ولا على المريض حرج﴾ (٢)، وقد يكون حاجة المريض للجمع أشدّ من حاجة من يجمع في السفر أو المطر ونحوه. قال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" (٢٤/ ٢٨) ﵀: "ويجوز عنده [أي: الإِمام أحمد] وعند مالك وطائفة من أصحاب الشافعي الجمع للمرض". انتهى. وفي "المغني": " ... والمرض المبيح للجمع هو ما يلحقه به بتأدية كلّ صلاة في وقتها مشقّة وضعفاً" (٣).

стр. 775

وسألتُ شيخنا -شفاه الله وعافاه-: ما تقولون في جمْع المريض؟ فقال: "حسبما تقتضيه الحاجة، إِذا احتاج إِلى ذلك جمَع وإِلاَّ فلا". وقال الإِمام النووي ﵀: "وذهب جماعة من الأئمّة إِلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة، وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي، عن أبي إِسحاق المروزي، عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس "أراد أن لا يحرج أمّته" (١)، فلم يعلّله بمرض ولا غيره، والله أعلم. وعن عبد الله بن شقيق قال: "خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاةَ الصلاةَ، قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني (٢): الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلّمني بالسنّة؟ لا أمّ لك، ثمَّ قال: رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألْته فصدّق مقالته" (٣). ٥ - الحاجة العارضة:
следующие страницы →