← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وفي "صحيح سنن أبي داود" (١٠٦٧): " ... وفي المغرب مِثل ذلك إِن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمَع بين المغرب والعشاء، وإنْ يرتحِل قبل أن تغيب الشمس؛ أخّر المغرب حتى ينزل للعشاء، ثمَّ جمَع بينهما". عن عامر بن واثلة أنَّ معاذ بن جبل أخبره " أنّهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء قال: فأخّر الصلاة يوماً، ثمَّ خرج فصلّى الظهر والعصر جميعاً ثمَّ دخل، ثمَّ خرج فصلّى المغرب والعشاء جميعا" (١). وعن ابن عباس قال: "ألا أحدّثكم عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر قال قلنا بلى قال: كان إِذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، وإِذا لم تزغ له في منزله سار حتى إِذا حانت العصر نزل، فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإِذا لم تَحِن في منزله ركب حتى إِذا حانت العشاء نزل فجمع بينهما" (٢). وفي روايةٍ عند مسلم (٧٠٥) وغيره: "قال سعيد (هو ابن جبير) فقلت لابن عبّاس: ما حمَله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحرج أمّته".

стр. 772

وعن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﷺ إِذا ارتحل قبل أن تَزيغ الشمس؛ أخّر الظهر إِلى وقت العصر، ثمَّ نزل فجمع بينهما، فإِن زاغت الشمسُ قبل أن يرتحل؛ صلّى الظهر ثمَّ ركب" (١). ٣ - المطر: عن ابن عباس "أنَّ النّبيّ ﷺ صلّى بالمدينة سبعاً وثمانيا؛ الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ قال (٢): عسى" (٣). وعنه أيضاً قال: "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة؛ في غير خوفٍ ولا مطر" (٤). وعن نافع مولى ابن عمر: "أنَّ عبد الله بن عمر كان إِذا جمَع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر؛ جمَع معهم" (٥). قال شيخنا في "الإِرواء" (٣/ ٤٠) -بتصرف يسير-: "ثمَّ روى [أي: الإِمام مالك في "الموطّأ"] عن هشام بن عروة أن أباه عروة وسعيد بن المسيب وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة؛ إِذا جمعوا بين

стр. 773

الصلاتين ولا يُنكِرون ذلك. وعن موسى بن عقبة أنّ عمر بن عبد العزيز؛ كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إِذا كان المطر، وأنَّ سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن ومشيخة ذلك الزمان؛ كانوا يصلّون معهم ولا ينكِرون ذلك. وإِسنادهما صحيح. وذلك يدلّ على أنَّ الجمع للمطر كان معهوداً لديهم، ويؤيده حديث ابن عباس: "من غير خوف ولا مطر" فإِنّه يُشعِر أنّ الجمع للمطر كان معروفاً في عهده ﵌، ولو لم يكن كذلك؛ لما كان ثمّة فائدة من نفي المطر لتسويغ الجمع فتأمّل". انتهى. وجاء في "الفتاوى" (٢٤/ ٢٩): "وسئل ﵀ عن صلاة الجمع في المطر بين العشائين، هل يجوز من البرد الشديد؟ أو الريح الشديد؟ أم لا يجوز إلاَّ من المطر خاصة؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. يجوز الجمع بين العشائين للمطر والريح الشديد الباردة، والوحل الشديد. وهذا أصح قولي العلماء، وهو ظاهر مذهب أحمد ومالك وغيرهما، والله أعلم. وسئل ﵀ عن رجل يؤم قوماً وقد وقع المطر والثلج، فأراد أن يصلّي بهم المغرب، فقالوا له: يجمع، فقال: لا أفعل، فهل للمأمومين أن يصلّوا في بيوتهم؟ أم لا؟ فأجاب: الحمد لله. نعم يجوز الجمع للوحل الشديد والريح الشديدة الباردة في الليلة الظلماء ونحو ذلك، وإِن لم يكن المطر نازلا في أصحّ قولي

стр. 774

العلماء، وذلك أولى من أن يصلّوا في بيوتهم، بل ترك الجمع مع الصلاة في البيوت بدعة مخالفة للسنّة، إِذ السُّنّة أن تصلّى الصلوات الخمس في المساجد جماعة، وذلك أولى من الصلاة في البيوت باتفاق المسلمين. والصلاة جمعاً في المساجد أولى من الصلاة في البيوت مفرّقة باتفاق الأئمّة الذين يُجوِّزون الجمع: كمالك، والشافعي، وأحمد، والله تعالى أعلم". انتهى. وانظر للمزيد من الفائدة ما قاله ابن المنذر في "الأوسط" (٢/ ٤٣٠ - ٤٣٤). ٤ - المرض: قال الله تعالى: ﴿ما جَعَل عليكم في الدين مِن حَرَج﴾ (١) فإِذا بلغ المرض حدّاً أوقع على صاحبه الحرج فله أن يجمع، وقال سبحانه: ﴿ولا على المريض حرج﴾ (٢)، وقد يكون حاجة المريض للجمع أشدّ من حاجة من يجمع في السفر أو المطر ونحوه. قال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" (٢٤/ ٢٨) ﵀: "ويجوز عنده [أي: الإِمام أحمد] وعند مالك وطائفة من أصحاب الشافعي الجمع للمرض". انتهى. وفي "المغني": " ... والمرض المبيح للجمع هو ما يلحقه به بتأدية كلّ صلاة في وقتها مشقّة وضعفاً" (٣).

стр. 775

وسألتُ شيخنا -شفاه الله وعافاه-: ما تقولون في جمْع المريض؟ فقال: "حسبما تقتضيه الحاجة، إِذا احتاج إِلى ذلك جمَع وإِلاَّ فلا". وقال الإِمام النووي ﵀: "وذهب جماعة من الأئمّة إِلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة، وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي، عن أبي إِسحاق المروزي، عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس "أراد أن لا يحرج أمّته" (١)، فلم يعلّله بمرض ولا غيره، والله أعلم. وعن عبد الله بن شقيق قال: "خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاةَ الصلاةَ، قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني (٢): الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلّمني بالسنّة؟ لا أمّ لك، ثمَّ قال: رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألْته فصدّق مقالته" (٣). ٥ - الحاجة العارضة:

стр. 776

عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا حضَر أحدكم الأمر يخشى فوته؛ فليصلّ هذه الصلاة [يعني: الجمع بين الصلاتين] " (١). وتقدّم حديث ابن عباس ﵄: "صلّى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعاً بالمدينة، في غير خوف ولا سفر، "وفي رواية له "في غير خوف ولا مطر". قال أبو الزبير: فسألت سعيداً: لمَ فعَل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألني فقال: "أراد أن لا يُحرِج أحداً من أمّته". قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿هو اجتباكم وما جعلَ عليكم في الدين مِن حرَج﴾ (٢) أي: ما كلّفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء يشقّ عليكم؛ إلاَّ جعل الله لكم فرجاً ومخرجاً، فالصلاة التي هي أكبر أركان الإِسلام بعد الشهادتين؛ تجب في الحضر أربعاً وفي السفر تقصر إِلى ثنتين، وفي الخوف يصلّيها بعض الأئمّة ركعة، كما ورد به الحديث وتصلّى رجالاً ورُكباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها وكذا في النافلة في السفر إِلى القبلة وغيرها والقيام فيها يسقط لعذر المرض، فيصلّيها المريض جالساً، فإِن لم يستطع فعلى جنبه، إِلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات ... قال ابن عبّاس في قوله: ﴿ما جعل عليكم في الدين من

стр. 777

حرج﴾ أي: من ضيق بل وسّعَه عليكم ... ". وسألت شيخنا -عافاه الله وشفاه-: "هل للطبّاخ والخبّاز أن يجمعا إِذا خشيا فساد مالهما"؟ فأجاب: "إِذا فوجئ أحدهما بذلك فلا مانع، فينبغي أن يأخذ الاستعداد اللازم له، كيلا يقع مِثل هذا الفساد؛ حتى لا يضطر للجمع". فائدة: قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٥٨٣): "وفي حديث أنس (١) استحباب التفرقة في حال الجمع؛ بين ما إِذا كان سائراً أو نازلا، وقد استدل به على اختصاص الجمع بمن جدّ به السير، لكن وقع التصريح في حديث معاذ بن جبل في "الموطأ" ولفظه: "أنَّ النّبي ﷺ أخَّر الصلاة في غزوة تبوك، ثمَّ خرج فصلّى الظهر والعصر جميعا، ثمَّ دخل ثمَّ خرج فصلّى المغرب والعشاء جميعا (٢) "، قال الشافعي في "الأمّ": قوله دخل ثمَّ خرج لا يكون إِلا وهو نازل، فلِلمسافر أن يجمع نازلا وسائراً. وقال ابن عبد البر: في هذا أوضح دليل على الرد على من قال لا يجمع إلاَّ من جدّ به السير، وهو قاطع للالتباس، انتهى". وجاء في "عون المعبود" (٣/ ٥١): "قال الشافعي وأكثرون: يجوز الجمع بين الظهر والعصر في وقت أيتهما شاء، وبين المغرب والعشاء فى وقت أيتهما شاء ... قاله النووي".

стр. 778

وسألت شيخنا -عافاه الله وشفاه-: "هل يجمع تقديماً أو تأخيراً على ما يتيسّر له؟ فقال: قولنا على ما تقتضيه الحاجة أفضل". هل يشترط النية والموالاة في الجمع والقصر ؟ لا دليل على ذلك من باب التيسيرِ ومراعاةِ عدم إِسقاط مقصود الرخصة. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية (١) عن عدم اشتراط النية في الجمع والقصر: "وهو قول الجمهور من العلماء، وقال: والنّبيّ ﷺ لمّا كان يصلّي بأصحابه جمعاً وقصراً لم يكن يأمر أحداً منهم بنية الجمع والقصر، بل خرج من المدينة إِلى مكة يصلّي ركعتين من غير جمع، ثمَّ صلّى بهم الظهر بعرفة، ولم يُعلِمْهم أنّه يريد أن يصلّي العصر بعدها، ثمَّ صلّى بهم العصر ولم يكونوا نووا الجمع، وهذا جمع تقديم، وكذلك لمّا خرج من المدينة صلّى بهم بذي الحليفة العصر ركعتين ولم يأمرهم بنية قصر. وأمّا الموالاة بين الصلاتين فقد قال: والصحيح أنّه لا تشترط الموالاة بحال؛ لا في وقت الأولى ولا في وقت الثانية، فإِنّه ليس لذلك حدٌّ في الشرع، ولأنّ مراعاة ذلك يُسقِط مقصود الرخصة".

стр. 779

الصلاة في السفينة والطائرة: عن ابن عمر قال: "سُئل النّبيّ ﷺ عن الصلاة في السفينة، فقال: صلِّ فيها قائماً؛ إِلا أن تخاف الغرق" (١). وينبغي الالتفات إِلى أولوية إِتمام الركوع والسجود فيهما، فإِذا خشي فوات الوقت، صلّى فيهما. وعن عبد الله بن أبي عتبة قال: صحبتُ جابر بن عبد الله وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة في سفينة، فصلَّوا قياماً في جماعة أمَّهم بعضهم، وهم يقدرون على الجِدّ (٢) الشاطئ" (٣).

стр. 780

الجمعة فضل يوم الجمعة: ١ - عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النّبيّ ﷺ قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم وفيه أُدخل الجنّة، وفيه أُخرِج منها، ولا تقوم الساعة إلاَّ في يوم الجمعة" (١). ٢ - وعن أبي لبابة بن عبد المنذر قال: قال النّبيّ ﷺ "إِنَّ يوم الجمعة سيّد الأيام، وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر، فيه خمس خلال (٢): خلق الله فيه آدم وأهبط الله فيه آدم إِلى الأرض، وفيه توفَّى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله فيها العبد شيئاً إلاَّ أعطاه؛ ما لم يسأل حراماً، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرَّب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بحر؛ إلاَّ وهن يُشفِقن من يوم الجمعة" (٣). وعن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ هذا يومُ عيد، جعَله الله للمسلمين، فمن جاء الجمعة فليغتسل، وإن كان طيبٌ فليمَسَّ منه، وعليكم بالسواك" (٤). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "عُرضت الجمعة على

стр. 781

رسول الله ﷺ ؛ جاءه بها جبرائيل ﵇ في كفّه كالمرآة البيضاء، في وسطها كالنكتةِ السوداء، فقال: ما هذه يا جبرائيل؟ قال: هذه الجمعة، يعرضها عليك ربُّك؛ لتكون لك عيداً، ولقومك من بعدك، ولكم فيها خير، تكون أنت الأوّل، وتكون اليهود والنصارى من بعدك، وفيها ساعةٌ لا يدعو أحدٌ ربَّه فيها بخير هو له قُسِمَ، إلاَّ أعطاه، أو يتعوّذ من شرّ؛ إلاَّ دفع عنه ما هو أعظم منه، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد ... " (١). وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها، ويبعث يوم الجمعة زهراء منيرة، أهلها يحفُّون بها كالعروس تُهْدَى إِلى كَريمها، تُضيءُ لهم، يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضاً، وريحهم تسطع كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إِليهم الثقلان، ما يطرقون تعجُّباً حتى يدخلوا الجنّة، لا يخالطهم أحد إلاَّ المؤذنون المحتسبون" (٢). الدعاء فيه: ١ - عن عبد الله بن سلام قال: "قلت ورسول الله ﷺ جالس؛ إِنّا لنجد في كتاب الله في يوم الجمعة؛ ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلّي يسأل الله فيها شيئاً؛ إلاَّ قضى له حاجته. قال عبد الله: فأشار إِلىّ رسول الله ﷺ أو بعض ساعة، فقلت: صدقت، أو بعض ساعة، قلت: أي ساعة هي؟ قال هي آخر

стр. 782

ساعات النهار، قلت: إِنّها ليست ساعة صلاة، قال: بلى إِنّ العبد المؤمن إِذا صلى ثمَّ جلس؛ لا يحبسه إلاَّ الصلاة فهو في الصلاة" (١). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النّبيّ ﷺ قال: "إِنَّ في الجُمُعة لساعة؛ لا يوافقها مسلم يسأل الله فيها خيراً، إلاَّ أعطاه إياه" (٢). ٣ - عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ قال: "يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة؛ لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئاً؛ إلاَّ آتاه إِيّاها، فالتمسوها آخر ساعة بعد صلاة العصر" (٣). استحباب كثرة الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ليلة الجمعة ويومها: عن أوس بن أوس -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ "إِنَّ من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قُبِض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثِروا عليّ من الصلاة فيه؛ فإِنَّ صلاتكم معروضة عليّ، قالوا: يا رسول الله! وكيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أرمت (٤) يقولون: بليت، فقال:

стр. 783

إِنَّ الله حرّم على الأرض أجساد الأنبياء" (١). عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة وليلة الجمعة، فمن صلّى عليّ صلاة؛ ﷺ عشرا" (٢). استحباب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة أو ليلته: عن أبي سعيد -رضي الله تعالى عنه- أنَّ النّبيّ ﷺ قال: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمُعتين" (٣). وفي رواية: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له النور ما بينه وبين البيت العتيق" (٤). وفي رواية لأبي سعيد موقوفاً: "من قرأ سورة الكهف؛ ليلة الجمعة، أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق" (٥).

стр. 784

الغسل والتجمّل والسواك والتطيّب: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ هذا يوم عيد، جَعَله الله للمسلمين، فمن جاء الجمعة فليغتسل، وإِن كان طيبٌ فليمسّ منه، وعليكم بالسواك" (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا كان يوم الجمعة، فاغتسل الرجل، وغسل رأسه، تمَّ تطيّب من أطيب طيبه، ولَبِس من صالح ثيابه، ثمَّ خرج إِلى الصلاة، ولم يُفرّق بين اثنين، ثمَّ استمع للإِمام، غُفر له من الجمعة إِلى الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام" (٢). وعن أبي سعيد ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "غُسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم (٣)، وسواك، ويمسّ من الطيب قَدَرَ عليه" (٤). وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن شيخ من الأنصار قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثٌ حقٌّ على كلّ مسلم: الغسل يوم الجمعة والسواك ويمسّ من طيبٍ إِنْ وجد" (٥).

стр. 785

وعن عبد الله بن سلام أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول على المنبر في يوم الجمعة: "ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة؛ سوى ثوب مهنته" (١). وعن سلمان الفارسي قال: قال النّبيّ ﷺ : "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثمَّ يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثمَّ يصلّي ما كتب له، ثمَّ ينصت إِذا تكلّم الإِمام؛ إلاَّ غفر له ما بينه وبين الجمُعة الأخرى" (٢). التبكير إِلى الجمعة: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة، ثمَّ راح فكأنما قرّب (٣) بدنة (٤)، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة، فإِذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون

стр. 786

الذكر" (١). وعن أوس بن أوس الثقفي ﵁ قال: سمعْت رسول الله ﷺ يقول: "من غسَّل يوم الجمعة واغتسل، وبكّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإِمام فاستمع ولم يلْغُ، كان له بكلّ خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها" (٢). وأوّل ساعة تبدأ من طلوع الشمس في الغالب كما أفادني شيخنا -شفاه الله-، ولكن قد يتفق أهل حيٍّ أو قرية على الصلاة في وقتٍ ما قبل الزوال؛ فعندئذ تكون الساعة الخامسة قبل صعود الإِمام المنبر، وترتيب الساعات الباقية معروفة. والله أعلم. وسألت شيخنا -شفاه الله تعالى- عن أول تبكير صلاة الجمعة فقال: متى يصلّي العيد؟ قلت: بعد ارتفاع وقت الكراهة، فقال: هذا هو. الدنو من الإِمام: عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "احضروا الذِّكر وادنوا من الإِمام، فإِنّ الرجل لا يزال يتباعد؛ حتى يُؤخَّر في الجنّة وإنْ دخلها" (٣).

стр. 787

عدم تخطّي الرقاب: عن عبد الله بن بُسر قال: "جاء رجل يتخطى رقاب النّاس يوم الجمعة والنّبيّ ﷺ يخطب، فقال النّبيّ ﷺ : اجلس فقد آذيت وآنيت (١) " (٢). تخطي الرقاب لحاجة: عن عقبة بن الحارث قال: "صلّيت وراء النّبيّ ﷺ بالمدينة العصر، فسلّم ثمَّ قام مسرعاً، فتخطى رقاب الناس إِلى بعض حُجَر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنّهم عجبوا من سرعته فقال: ذكرت شيئاً من تبْرٍ (٣) عندنا، فكرهت أن يحبسني فأُمرت بقِسمته" (٤). مشروعية التنفّل قبلها: ١ - عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلّي بعدها ركعتين في بيته، ويُحدّث أنّ رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك" (٥). ٢ - وعن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ قال: "من اغتسل ثمَّ أتى الجمعة فصلّى ما قُدِّرَ له ثمَّ أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثمَّ يصلّيَ معه غُفر له ما بينه وبين

стр. 788

الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام" (١). إِذا رأى الإِمام رجلاً جاء وهو يخطب أمره أن يصلّي ركعتين (٢). عن جابر بن عبد الله قال: "جاء رجل والنّبيّ ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة فقال: أصلّيت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع" (٣). وفي رواية: "إِذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإِمام يخطب؛ فليركع ركعتين وليتجوّز (٤) فيهما" (٥). تحوُّل مَن غلبه النعاس عن مكانه: عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِذا نعس أحدكم وهو في المسجد؛ فليتحوّل من مجلسه ذلك إِلى غيره" (٦). وجوب صلاة الجمعة: قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نُودي للصلاة (٧) من يوم الجُمُعة

стр. 789

فاسعَوا إِلى ذِكر الله وذَرُوا البيعَ ذلكم خيرٌ لكم إِنْ كنتم تعلَمون﴾ (١). وعن أبي هريرة ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخِرون السابقون يوم القيامة، بَيْد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثمَّ هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبَعٌ، اليهود غداً (٢) والنصارى بعد غد (٣) " (٤). وعن عبد الله بن مسعود أنَّ النّبيّ ﷺ قال لقوم يتخلّفون عن الجمعة: "لقد هممْتُ أن آمر رجلا يصلّي بالناس، ثمَّ أُحَرِّقَ على رجال يتخلّفون عن الجمعة بيوتهم" (٥). وعن عبد الله بن عمر وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: "لَينتَهينّ أقوام عن ودْعِهم (٦) الجمعات، أو ليختمنّ الله على قلوبهم ثمَّ ليكونُنّ من الغافلين" (٧).

стр. 790

وعن أبي الجعد الضَّمْري وكانت له صحبة عن النّبيّ ﷺ : من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها؛ طبع الله على قلبه" (١). وعن أسامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك ثلاث جمعات من غير عُذر؛ كُتب من المنافقين" (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: "من ترك الجمعة ثلاث جُمَع متواليات، فقد نبذَ الإِسلام وراء ظهره" (٣). ولما تقدّم من النصوص أقول: يجب شهود الجمُعة على كلّ مسلم، ويُستثنى من ذلك: العبد المملوك (٤)، والمرأة والصبي والمريض الذي يشقّ عليه حضورها، أو يخاف زيادة المرض أو تأخّر البرء. فعن طارق بن شهاب عن النّبيّ ﷺ قال: "الجمعة حقٌّ واجب على كل

стр. 791

مسلم في جماعة إلاَّ أربعةً: عبدٌ مملوك أو امرأةٌ أو صبيٌّ أو مريضٌ" (١). ويلحق بالمريض من يقوم على عنايته إِذا دعَت الحاجة إِلى ذلك، فعن إِسماعيل بن عبد الرحمن "أنَّ ابن عمر ﵄ دُعي يوم الجمعة وهو يتجهّز للجمعة إِلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وهو يموت، فأتاه وترَك الجمعة". وفي رواية ... : "مرض في يوم الجمعة فركب إِليه بعد أن تعالى النهار واقتربت الجمعة وترك الجمعة" (٢) ويستثنى من ذلك أيضاً المسافر لحديث أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "ليس على مسافر جمعة" (٣)، ولقول عمر لأحدهم: "اخرُج؛ فإِنَّ الجمعة لا تحبس عن سفر" (٤). "وقد دلّ الاستقراء على أنَّ النّبيّ ﷺ سافر هو وأصحابه في الحج وغيره، فلم يصلِّ أحدٌ منهم الجمعة مع اجتماع الخلق الكثير" (٥). ويستثنى من ذلك أيضاً كلّ معذور أُذن له أن يترك الجماعة لعُذر المطر أو الوحل أو البرد ونحو ذلك.

стр. 792

فعن عبد الله بن عبّاس ﵄ أنَّه قال لمؤذِّنه في يوم مطير: إِذا قلت: "أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن محمداً رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلّوا في بيوتكم، قال: فكانّ الناس استنكروا ذاك فقال: أتعجبون من ذا؟ قد فعل ذا مَن هو خير منّي؛ إِنَّ الجمعة عَزْمَة (١) وإني كرهتُ أن أُخرجكم فتمشوا في الطين والدَّحْضِ (٢) " (٣). وعن أبي المليح عن أبيه أنّه شهد النّبيّ ﷺ زمن الحديبية في يوم جمعة وأصابهم مطر؛ لم تبتلّ أسفل نعالهم فأَمَرهم أن يصلّوا في رحالهم" (٤). أداء الجمعة في المسجد الجامع: عن عائشة ﵂ قالت: كان الناسُ ينتابون يومَ الجُمعة (٥) من منازلهم العوالي (٦) ... " (٧). وقال عطاء (٨) إِذا كنت في قرية جامعة؛ فنُوديَ بالصلاة من يوم الجمعة

стр. 793

فحقٌّ عليك أن تشهدها، سمعْتَ النداء أو لم تسمعه (١)، وكان أنس (٢) ﵁ في قصره أحياناً يُجمِّعُ، وأحياناً لا يُجمِّع، وهو بالزاوية (٣) على فرسخين". وجاء في "الإِرواء" (٣/ ٨١) برقم (٦٢٥) -بحذف-: "حديث أنَّ النّبيّ ﷺ وخلفاءه لم يقيموا إلاَّ جمعة واحدة"، صحيح متواتر كذا قال ابن الملقن في "البدر المنير" (ق ٥٢/ ١) ويعني: التواتر المعنوي، وإلاَّ فإِنّي لا أعرف حديثاً واحداً بهذا اللفظ، وما أظن المؤلّف أراد أنَّ هذا اللفظ وارد، بل هو مأخوذ بالاستقراء كما قال الحافظ في "التلخيص" (ص ١٣٢) قال: فلم يكن بالمدينة مكان يجمع فيه إِلا مسجد المدينة، وبهذا صرّح الشافعي فقال: "ولا يُجمع في مصر وإن عظُم، ولا في مساجد إِلا في مسجد واحد، وذلك لأنَّ النّبيّ ﷺ ، والخلفاء بعده لم يفعلوا إلاَّ كذلك". وروى ابن المنذر عن ابن عمر أنّه كان يقول: لا جمعة إلاَّ في المسجد الأكبر الذي يُصلّي فيه الإِمام، وروى أبو داود في "المراسيل" عن بكير بن الأشج أنَّه كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجده ﷺ ، يسمع أهلها تأذين بلال، فيصلّون في مساجدهم، زاد يحيى بن يحيى في روايته: "ولم يكونوا يصلّون في شيء من تلك المساجد إلاَّ في مسجد النّبيّ ﷺ ". أخرجه البيهقي في "المعرفة".

стр. 794

ويشهد له صلاة أهل العوالي مع النّبيّ ﷺ الجمعة كما في "الصحيح" ... ". وقتها: قال شيخنا في "الأجوبة النافعة" (ص٢٠ - ٢٥) -بتصرف-: للأذان المحمدي وقتان: الأول: بعد الزوال مباشرة، وعند صعود الخطيب. والآخر: قبل الزوال عند صعود الخطيب أيضاً، وهذا مذهب أحمد بن حنبل ﵀ وغيره. أما الأوّل فدليله حديث السائب بن يزيد: "أنّ الأذان كان أوله حين يجلس على المنبر" (١). فهذا صريح في أنّ الأذان كان حين قيام سبب الصلاة، وهو زوال الشمس عن وسط السماء، مع جلوس الإِمام على المنبر في ذلك الوقت، ويشهد لهذا [ما ثبت] عن سعد القَرَظ مؤذّن النّبيّ ﷺ "أنَّه كان يؤذّن يوم الجمعة على عهد رسول الله ﷺ ؛ إِذا كان الفيء مثل الشراك (٢) " (٣). أخرجه ابن ماجه (١/ ٣٤٢)، والحاكم: (٣/ ٦٠٧).

стр. 795

وقال الحافظ ابن حجر: في النسائي: أن خروج الإِمام بعد الساعة السادسة وهو أول الزوال (١). الأحاديث في الوقت الآخر (قبل الزوال): وأمّا الوقت الآخر ففيه أحاديث: ١ - عن سلمة بن الأكوع قال: "كنّا نُجمِّع (٢) مع رسول الله ﷺ إِذا زالت الشمس، ثمَّ نرجع نتتبع الفيء" (٣). ٢ - عن أنس "أن رسول الله ﷺ كان يصلّي الجمعة حين تميل الشمس" (٤).

стр. 796

٣ - عن جابر ﵁: "كان رسول الله ﷺ إِذ زالت الشمس صلّى الجمعة" (١). وهذه الأحاديث ظاهرة الدلالة على ما ذكَرنا، وذلك أنّه من المعلوم أنّه ﷺ كان يخطب قبل الصلاة خطبتين؛ يقرأ فيهما القرآن ويذكّر الناس؛ حتى كان أحياناً يقرأ فيها ﴿ق والقرآن المجيد﴾. ففي "صحيح مسلم" (٣/ ١٣) عن أمّ هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: "ما أخذْتُ ﴿ق والقران المجيد﴾ إلاَّ عن لسان رسول الله ﷺ يقرأها كلّ يوم جمعة على المنبر إِذا خطب الناس" [وتقدّم]. وصحّ عنه أنَّه قرأ فيها سورة براءة. رواه ابن خزيمة في "صحيحه" والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وغيره. فإِذا تذكَّرنا هذا علِمْنا أنّ الأذان كان قبل الزوال حتماً، وكذا الخطبة طالما أن الصلاة كانت حين الزوال، وهذا بيِّنٌ لا يخفى والحمد لله. وأصرح من هذه الأحاديث في الدلالة على المطلوب حديث جابر الآخر وهو: ٤ - وعنه قال: "كان رسول الله ﷺ يصلّي الجمعة ثمَّ نذهب إِلى جِمالنا فنريحها حين تزول الشمس، يعني: النواضح" (٢). فهذا صريح في أنَّ الصلاة كانت قبل الزوال، فكيف بالخطبة والأذان؟

стр. 797

الآثار في الوقت الآخر (قبل الزوال): ويشهد لذلك آثار من عمل الصحابة نذكر بعضها للاستشهاد بها. ١ - عن عبد الله بن سيدان السلمي قال: "شهدتُ الجمعة مع أبي بكر الصديق، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثمَّ شهِدنا مع عمر فكانت خطبته وصلاته إِلى أن أقول: انتصف النهار، ثمَّ شهدنا مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إِلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكَره" (١). ٢ - وعن عبد الله بن سلمة قال: "صلّى بنا عبد الله الجمعة ضحى، وقال: خشيت عليكم الحرّ" (٢). ٣ - وعن سعيد بن سويد قال: "صلّى بنا معاوية الجمعة ضحى" (٣). ٤ - وعن بلال العبسي: "أن عمّاراً صلّى بالناس الجمعة، والناس فريقان: بعضهم يقول: زالت الشمس، وبعضهم يقول: لم تزُل" (٤).

стр. 798

٥ - وعن أبي رزين قال: "كنا نصلّي مع عليّ الجمعة، فأحيانا نجد فيئاً، وأحياناً لا نجده" (١). العدد الذي تنعقد به الجمعة: قال الإِمام الشوكاني (٢) ﵀ في الرد على من يقول في عددها "وثلاثة مع مقيمها": هذا الاشتراط لهذا العدد لا دليل عليه قط، وهكذا اشتراط ما فوقه من الأعداد. وأمّا الاستدلال بأنّ الجمعة أقيمت في وقت كذا وعدد من حضَرها كذا؛ فهذا استدلال باطل لا يتمسّك به من يعرف كيفية الاستدلال، ولو كان هذا صحيحا لكان اجتماع المسلمين معه ﵌ في سائر الصلوات دليلا على اشتراط العدد. والحاصل أنّ صلاة الجماعة قد صحّت بواحد مع الإِمام، وصلاة الجمعة هي صلاة من الصلوات، فمن اشترط فيها زيادة على ما تنعقد به الجماعة فعليه الدليل، ولا دليل ... [و] الشروط إِنّما تثبت بأدلّة خاصّة، تدلّ على انعدام المشروط عند انعدام شرطه، فإِثبات مِثل هذه الشروط بما ليس بدليل أصلاً؛ فضلا عن أن يكون دليلاً على الشرطية؛ مجازفةٌ بالغة وجرأة على التّقوّل على الله وعلى رسوله ﷺ وعلى شريعته. والعجب من كثرة الأقوال في تقدير العدد، حتى بلغت إِلى خمسة عشر

стр. 799

قولا، وليس على شيء منها دليل يستدل به قطّ؛ إلاَّ قول من قال: إِنّها تنعقد جماعة الجمعة بما تنعقد به سائر الجماعات. قال شيخنا -شفاه الله-: وهذا هو الصواب إِن شاء الله تعالى وانظر التعليق على الحديث (١٢٠٤) من "الضعيفة". مكان الجمعة: يصحّ أداء الجمعة حيثما كان المرء سواءٌ أكان من أهل المدُن أو القرى أو المياه. فعن ابن عبّاس ﵄ قال: "أوّل جمعة جمّعت بعد جمعةٍ جمّعت في مسجد رسول الله ﷺ مسجد عبد القيس؛ بجُواثى يعني من البحرين" (١). وروى ابن أبي شيبة في "باب من كان يرى الجمعة في القرى وغيرها" من طريق أبي رافع؛ عن أبي هريرة أنهم كتبوا إِلى عمر يسألونه عن الجمعة فكتب: "جمّعوا حيثما كنتم" (٢). وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن مالك قال: "كان أصحاب محمد ﷺ في هذه المياه بين مكة والمدينة يجمّعون" (٣). قال شيخنا في "السلسلة الضعيفة" تحت الحديث (٩١٧): وترجم له

стр. 800

البخاري (أي: لحديث ابن عباس أول جمعة جمّعت ... " وأبو داود بـ "باب الجمعة في القرى". قال الحافظ: "ووجه الدلالة منه أنّ الظاهر أن عبد القيس لم يجمّعوا إلاَّ بأمر النّبيّ ﷺ ، لِما عرف من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشرعية في زمن نزول الوحي، ولأنّه لو كان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن، كما استدلّ جابر وأبو سعيد على جواز العزل بأنّهم فعلوه والقرآن ينزل، فلم يُنهَوا عنه". قلت [أي: شيخنا]-حفظه الله-: وفي هذه الآثار السلفية عن عمر ومالك وأحمد من الاهتمام العظيم اللائق بهذه الشعيرة الإِسلامية الخالدة: صلاة الجمعة، حيث أُمِروا بأدائها والمحافظة عليها حتى في القرى وما دونها من أماكن التجمع، وهذا ....... هو الذي يتفق مع عمومات النصوص الشرعية وإطلاقاتها، وبالغ التحذير من تركها -وهي معروفة- وحسبي الآن أن أذكِّر بآية من القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نودي للصلاة من يوم الجمُعة فاسعَوا إِلى ذِكر الله وذروا البيع﴾، وصلاة الظهر بعدها ينافي تمامها: ﴿فإِذا قُضيت الصلاة فانتشِروا في الأرض وابتغوا من فضْل الله﴾. وقال الشوكاني ﵀ في "السيل الجرار" (١/ ٢٩٨) -ردّاً على من يقول مشترطاً "ومسجد في مستوطن"-: "وهذا الشرط ... لم يدل عليه دليل يصلح للتمسك به لمجرد الاستحباب فضلاً عن الشرطية، ولقد كثر التلاعب بهذه العبادة وبلغ إِلى حد تَقْضِى منه العجب. والحق أنَّ هذه الجمعة فريضة من فرائض الله سبحانه وشعار من شعارات

стр. 801

الإِسلام وصلاة من الصلوات فمن زعم أنّه يعتبر فيها ما لا يعتبر في غيرها من الصلوات لم يسمع منه ذلك إلاَّ بدليل وقد تخصصت بالخطبة وليست الخطبة إلاَّ مجرد موعظة يتواعظ بها عباد الله فإِذا لم يكن في المكان إلاَّ رجلان قام أحدهما يخطب واستمع له الآخر ثمَّ قاما فصليا صلاة الجمعة". الجمعة لا تخالف الصلوات إِلاَّ في مشروعيّة الخطبة قبلها (١): وهي كسائر الصلوات لا تُخالفُها؛ لكونه لم يأت ما يدلّ على أنها تخالفها في غير ذلك، وفي هذا الكلام إِشارة إِلى ردّ ما قيل: إِنّه يُشترط في وجوبها الإِمام الأعظم، والمصر الجامع، والعدد المخصوص، فإِنّ هذه الشروط لم يدلّ عليها دليل يفيد استحبابها؛ فضلاً عن وجوبها، فضلاً عن كونها شروطاً، بل إِذا صلّى رجلان الجمعة في مكان لم يكن فيه غيرهما جماعةً، فقد فعلا ما يجب عليهما، ولولا حديث طارق بن شهاب المذكور (٢) من تقييد الوجوب على كلّ مسلم بكونه في جماعة، ومن عدم إِقامتها ﷺ في زمنه في غير جماعة، لكان فعْلها فرادى مجزئاً كغيرها من الصلوات. ومن تأمَّل فيما وقع في هذه العبادة الفاضلة التي افترضها الله تعالى عليهم في الأسبوع، وجعَلها شعاراً من شعائر الإِسلام، وهي صلاة الجمعة من الأقوال الساقطة والمذاهب الزائغة والاجتهادات الداحضة، قضى من ذلك العجب، فقائل يقول: الخطبة كركعتين وإِنّ من فاتته لم تصحّ جمعته، وكأنّه لم يبلغه ما ورد عن رسول الله ﵌ من طرق متعددة يقوّي

стр. 802

بعضها بعضاً، ويشدّ بعضها من عضد بعض أنّ: "من فاتته ركعة من ركعتي الجمعة فليضف إِليها أخرى وقد تمّت صلاته" (١). ولا بلَغه غير هذا الحديث من الأدلّة، وقائل يقول: لا تنعقد الجمعة إلاَّ بثلاثة مع الإِمام. وقائل يقول: بأربعة. وقائل يقول: بسبعة. وقائل يقول: بتسعة. وقائل يقول: باثني عشر. وقائل يقول: بعشرين. وقائل يقول: بثلاثين، وقائل يقول: لا تنعقد إلاَّ بأربعين. وقائل يقول: بخمسين. وقائل يقول: لا تنعقد إلاَّ بسبعين. وقائل يقول: فيما بين ذلك. وقائل يقول: بجمع كثيرٍ من غير تقييد. وقائل يقول: إِن الجمعة لا تصح إلاَّ في مصر جامع، وحده بعضهم بأن يكون الساكنون فيه كذا وكذا من آلاف، وآخر قال أن يكون فيه جامع وحمّام. وآخر قال: أنْ يكون فيه كذا وكذا، وآخر قال: إِنّها لا تجب إِلا مع الإِمام الأعظم. فإِنْ لم يوجد أو كان مختلّ العدالة بوجه من الوجوه لم تجب الجمعة ولم تشرع. ونحو هذه الأقوال التي ليس عليها أثارة من عِلم، ولا يوجد في كتاب الله تعالى ولا في سُنّة رسول الله ﷺ حرف واحد يدلّ على ما ادّعوه، من كون هذه الأمور المذكورة شروطاً لصحة الجمعة، أو فرضاً من فرائضها، أو ركناً من أركانها؛ فيالله العجب، ما يفعل الرأي بأهله، ومن يخرج من رؤوسهم من الخزعبلات الشبيهة بما يتحدّث الناس به في مجامعهم، وما يُخبرونه في أسمارهم من القصص والأحاديث الملفقة، وهي عن الشريعة المطهّرة بمعزل، والحكم بين العباد هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵌ كما قال سبحانه: ﴿فإن تنازعتم في شيءٍ فردُّوه إلى الله

стр. 803

والرسول﴾ (١) [فالمرجع] مع الاختلاف إِلى حُكم الله ورسوله، وحُكم الله هو كتابه، وحُكم رسوله، بعد أن قبضه الله تعالى هو سنّته ليس غير ذلك، ولم يجعل الله تعالى لأحد من العباد، وإنْ بلغ في العِلم أعلى مبلغ، وجمع منه ما لا يجمع غيره، أن يقول في هذه الشريعة بشيء لا دليل عليه من كتاب ولا سنّة، والمجتهد وإنْ جاءت الرخصة له بالعمل برأيه عند عدم الدليل، فلا رخصة لغيره أن يأخذ بذلك الرأي كائنا من كان، وإني -كما علم الله- لا أزال أُكثِر التعجب من وقوع مِثل هذا للمصنّفين، وتصديره في كتب الهداية، وأمر العوامّ والمقصّرين باعتقاده والعمل به، وهو على شفا جرفٍ هار، ولم يختصّ هذا بمذهب من المذاهب ولا بقطر من الأقطار، ولا بعصر من العصور، بل تبع فيه الآخر الأول؛ كأنّه أخَذه من أمّ الكتاب، وهو حديث خرافة، وقد كثرت التعيينات في هذه العبادة كما سبقت الإِشارة إِليها بلا برهان ولا قرآن ولا شرع ولا عقل، والبحث في هذا يطول جدّاً". الخطبة تجب خطبة الجمعة لمواظبة النّبيّ ﷺ عليها وعدم ترْكه لها أبداً. قال محمّد صديق البخاري في كتابه "الموعظة الحسنة" (٢): قد ثبت ثبوتاً يفيد القطع أن النّبيّ ﷺ ما ترك الخطبة في صلاة الجمعة التي شرعها الله . وقد أمَر الله سبحانه في كتابه العزيز بالسعي إِلى ذِكر الله ؛ والخُطبة من ذِكر الله.

стр. 804

قال شيخنا -حفظه الله- في "الأجوبة النافعة" (ص٥٣) وثبوت الأمر بالسعي إِليها؛ يتضمّن الأمر بها من باب أولى، لأنّ السعي وسيلة إِليها؛ فإِذا وجبت الوسيلة، وجب المتوسَّل إِليه بالأحرى. قال محمّد صدّيق البخاري في "الموعظة الحسنة": وظاهر محافظته على ما ذكر في الخطبة وجوب ذلك، لأنَّ فعله بيان لما أجمل في آية الجمعة، وقد قال ﷺ : "صلّوا كما رأيتموني أصلي" (١). وقد ذهب إِلى هذا الشافعي. وقال بعضهم: مواظبته ﷺ دليل الوجوب. قال في "البدر التمام": "وهو الأظهر". والقول بالوجوب هو الذي ذهب إِليه جمهور أهل العلم مستدلّين بما تقدّم، والله تعالى أعلم. تسليم الإِمام إِذا رقى المنبر: عن جابر ﵁: "أنَّ النّبيّ ﷺ إِذا صعَد المنبر سلَّم" (٢). قال شيخنا -حفظه الله- في "الصحيحة" تحت الحديث (٢٠٧٦): وممّا يشهد للحديث ويقوّيه أيضاً؛ جريان عمل الخلفاء عليه، فأخرج ابن أبي شيبة عن أبي نضرة قال: "كان عثمان قد كبر، فإِذا صعَد المنبر سلّم، فأطال قدْر ما يقرأ إِنسان أمّ الكتاب". وإسناده صحيح. ثمَّ روى عن عمرو بن مهاجر: "أنَّ عمر بن عبد العزيز كان إِذا استوى على

стр. 805

المنبر سلّم على الناس وردّوا عليه". وسنده صحيح أيضاً. استقبال المأمومين للخطيب: قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في "الصحيحة": استقبال الخطيب من السنن المتروكة وذكَر تحته حديث رقم (٢٠٨٠): "كان إذا صعد المنبر؛ أَقْبَلْنا بوجوهنا إِليه". ثمَّ ذكر بعض الآثار في ذلك منها: أثر نافع من حديث ابن المبارك: "أنَّ ابن عمر كان يفرغ من سبحته يوم الجمعة قبل خروج الإِمام، فإِذا خرَج لم يقعد الإِمام حتى يستقبله"، وقال شيخنا: وهذا إِسناد جيد ... وقال شيخنا كذلك -بحذف-: وهناك آثار أخرى كثيرة، أخرجها ابن أبي شيبة في "المصنف"، وكذا عبد الرزاق في "مصنفه" (٣/ ٢١٧ - ٢١٨) من ذلك عند ابن أبي شيبة عن المستمر بن الريان قال: رأيت أنساً عند الباب الأول يوم الجمعة قد استقبل المنبر، قلت [أي: شيخنا]: وإِسناده صحيح على شرط مسلم. وإنّ ممّا لا شك فيه أنّ جريان العمل بهذا الحديث من الصحابة ومن بعدهم؛ لَدليل قويّ على أنّ له أصلاً أصيلاً عن النّبيّ ﷺ ، ولا سيما أنَّه يشهد له قول أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله ... ". أخرجه البخاري: (٩٢١ و١٤٦٥ و٢٨٤٢ و٦٤٢٧) ومسلم: (٣/ ١٠١ - ١٠٢) [وغيرهما] ". هذا وقد أورد البخاري الحديث في "باب يستقبل الإِمام القوم، واستقبال الناس الإِمام إِذا خطب، واستقبل ابن عمر وأنس ﵃ الإِمام".

стр. 806

ثمَّ أسند تحته حديث أبي سعيد. قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٤٠٢): "وقد استنبط المصنف من الحديث مقصود الترجمة، ووجه الدلالة منه أن جلوسهم حوله لسماع كلامه يقتضي نظرهم إِليه غالباً". قال: "من حكمة استقبالهم للإِمام التهيّؤ لسماع كلامه، وسلوك الأدب معه في استماع كلامه، فإِذا استقبله بوجهه وأقبل عليه بجسده وبقلبه وحضور ذهنه؛ كان أدعى لتفهُّم موعظته، وموافقته فيما شُرع له القيام لأجله". التأذين إِذا جلس الخطيب على المنبر والمؤذّن الواحد يوم الجمعة . عن السائب بن يزيد قال: "كان النداء يوم الجمعة أوّله إِذا جلس الإِمام على المنبر؛ على عهد النّبيّ ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ فلمّا كان عثمان ﵁ وكثُر الناس، زاد النداءَ الثالثَ على الزوراء (١) " (٢). وعنه قال: "كان بلال يؤذّن إِذا جلس رسول الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة، فإِذا نزَل أقام" (٣). وعنه أيضاً: "أنَّ الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان ﵁ حين كثر أهل المدينة -ولم يكن للنّبيّ ﷺ مؤذِّن غير

стр. 807

واحدٍ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإِمام على المنبر" (١) خطبة الحاجة: من السنّة أن يستفتح الخطيب يوم الجمعة خطبته بخطبة الحاجة، وهذا نصّها: إِنَّ الحمْدَ لله، نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أَنْفسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ له، وأَشهَدُ أنْ لا إِله إلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدهُ ورَسولهُ. ﴿يا أيّهَا الَذينَ آمَنُواْ اتَّقُوا الله حقَّ تُقَاته ولاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُسْلِموُن﴾ (٢). ﴿يا أَيّهَا النَّاسُ اتَّقُوَا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِنْ نَّفْسٍ وَاحدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبثَّ مِنهُمَا رِجَالاً كَثِيراً ونساءً واتَّقُوا الله الَذِي تساءَلُونَ به والأَرْحَام إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُم رَقِيباً﴾ (٣). ﴿يا أيّهَا الَذينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلحْ لَكُم أَعْمَالكُمْ ويَغْفِرْ لَكُم ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِع الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٤). أمَّا بعد:

стр. 808

فإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدْي هدْي محمّد ﷺ ، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار" (١). قال شيخنا في "تمام المنّة" (ص ٣٣٥): "وكان أحياناً لا يذكر هذه الآيات الثلاث". صفة الخطبة وما يُعلّم فيها (٢): اعلم أنَّ الخطبة المشروعة هي ما كان يعتاده ﷺ من ترغيب الناس وترهيبهم، فهذا في الحقيقة هو روح الخطبة الذي لأجله شُرِعت. وأما اشتراط الحمد لله، أو الصلاة على رسول الله ﷺ ، أو قراءة شيء من القرآن فجميعه خارج عن معظم المقصود، من شرعية الخطبة، واتفاق مِثل ذلك في خُطبه ﷺ ، لا يدلّ على أنّه مقصود متحتم، وشرط لازم، ولا يشكّ منصف أنّ معظم المقصود هو الوعظ دون ما يقع قبله من الحمد والصلاة

стр. 809

عليه ﷺ . وقد كان عرف العرب المستمر أنّ أحدهم إِذا أراد أن يقوم مقاماً ويقول مقالاً، شرع بالثناء على الله والصلاة على رسوله، وما أحسن هذا وأولاه! ولكن ليس هو المقصود، بل المقصود ما بعده. والوعظ في خطبة الجمعة هو الذي إِليه يُساق الحديث، فإِذا فَعَله الخطيب فقد فَعل الفِعل المشروع، إِلا أنّه إِذا قدّم الثناء على الله، [والصلاة] على رسوله، أو استطرد في وعظه القوارع القرآنية كان أتمّ وأحسن، وأمّا قصر الوجوب بل الشرطية على الحمد والصلاة، وجعْل الوعظ من الأمور المندوبة فقط، فمِن قلْب الكلام، وإِخراجِه عن الأسلوب الذي تقبّله الأعلام. والحاصل: أن روح الخطبة هو الموعظة الحسنة، من قرآن أو غيره، وكان رسول الله ﷺ يأتي في خطبته بالحمد لله تعالى (١)، وبالشهادتين، وبسورة كاملة، فعن أمّ هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: "ما أخذْتُ ﴿ق والقرآن المجيد﴾ إلاَّ عن لسان رسول الله ﷺ ؛ يقرؤها كلّ يوم جمعة على المنبر إِذا خطب الناس" (٢). والمقصود الموعظة بالقرآن، وإيراد ما يمكن من زواجره؛ وذلك لا يختصّ بسورةٍ كاملة. فعن يعلى بن أميّة ﵁ قال: "سمعت النّبيّ ﷺ يقرأ على

стр. 810

المنبر ﴿ونادوا يا مالك﴾ " (١). عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إِذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنّه منذر جيش يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول: أمّا بعد، فإِنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي (٢) هدي محمّد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة" (٣). وفي رواية له: "كانت خطبة النّبيّ ﷺ يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه، ثمَّ يقول على إِثر ذلك وقد علا صوته". وفيه دليل على أنّه يستحب للخطيب أن يرفع بالخطبة صوته، ويجزل كلامه، ويأتي بجوامع الكلم من الترغيب والترهيب. ويأتي بقول: (أمّا بعد). وظاهره أنَّه كان ﷺ يلازمها في جميع خُطَبه. وذلك بعد الحمد والثناء والتشهد ... ". وثبت أنّه ﷺ قال: "كل خطبة ليس فيها تشهُّد (٤) فهي كاليد
следующие страницы →