← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ثمَّ أسند تحته حديث أبي سعيد. قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٤٠٢): "وقد استنبط المصنف من الحديث مقصود الترجمة، ووجه الدلالة منه أن جلوسهم حوله لسماع كلامه يقتضي نظرهم إِليه غالباً". قال: "من حكمة استقبالهم للإِمام التهيّؤ لسماع كلامه، وسلوك الأدب معه في استماع كلامه، فإِذا استقبله بوجهه وأقبل عليه بجسده وبقلبه وحضور ذهنه؛ كان أدعى لتفهُّم موعظته، وموافقته فيما شُرع له القيام لأجله". التأذين إِذا جلس الخطيب على المنبر والمؤذّن الواحد يوم الجمعة . عن السائب بن يزيد قال: "كان النداء يوم الجمعة أوّله إِذا جلس الإِمام على المنبر؛ على عهد النّبيّ ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ فلمّا كان عثمان ﵁ وكثُر الناس، زاد النداءَ الثالثَ على الزوراء (١) " (٢). وعنه قال: "كان بلال يؤذّن إِذا جلس رسول الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة، فإِذا نزَل أقام" (٣). وعنه أيضاً: "أنَّ الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان ﵁ حين كثر أهل المدينة -ولم يكن للنّبيّ ﷺ مؤذِّن غير

стр. 807

واحدٍ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإِمام على المنبر" (١) خطبة الحاجة: من السنّة أن يستفتح الخطيب يوم الجمعة خطبته بخطبة الحاجة، وهذا نصّها: إِنَّ الحمْدَ لله، نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أَنْفسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ له، وأَشهَدُ أنْ لا إِله إلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدهُ ورَسولهُ. ﴿يا أيّهَا الَذينَ آمَنُواْ اتَّقُوا الله حقَّ تُقَاته ولاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُسْلِموُن﴾ (٢). ﴿يا أَيّهَا النَّاسُ اتَّقُوَا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِنْ نَّفْسٍ وَاحدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبثَّ مِنهُمَا رِجَالاً كَثِيراً ونساءً واتَّقُوا الله الَذِي تساءَلُونَ به والأَرْحَام إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُم رَقِيباً﴾ (٣). ﴿يا أيّهَا الَذينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلحْ لَكُم أَعْمَالكُمْ ويَغْفِرْ لَكُم ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِع الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٤). أمَّا بعد:

стр. 808

فإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدْي هدْي محمّد ﷺ ، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار" (١). قال شيخنا في "تمام المنّة" (ص ٣٣٥): "وكان أحياناً لا يذكر هذه الآيات الثلاث". صفة الخطبة وما يُعلّم فيها (٢): اعلم أنَّ الخطبة المشروعة هي ما كان يعتاده ﷺ من ترغيب الناس وترهيبهم، فهذا في الحقيقة هو روح الخطبة الذي لأجله شُرِعت. وأما اشتراط الحمد لله، أو الصلاة على رسول الله ﷺ ، أو قراءة شيء من القرآن فجميعه خارج عن معظم المقصود، من شرعية الخطبة، واتفاق مِثل ذلك في خُطبه ﷺ ، لا يدلّ على أنّه مقصود متحتم، وشرط لازم، ولا يشكّ منصف أنّ معظم المقصود هو الوعظ دون ما يقع قبله من الحمد والصلاة

стр. 809

عليه ﷺ . وقد كان عرف العرب المستمر أنّ أحدهم إِذا أراد أن يقوم مقاماً ويقول مقالاً، شرع بالثناء على الله والصلاة على رسوله، وما أحسن هذا وأولاه! ولكن ليس هو المقصود، بل المقصود ما بعده. والوعظ في خطبة الجمعة هو الذي إِليه يُساق الحديث، فإِذا فَعَله الخطيب فقد فَعل الفِعل المشروع، إِلا أنّه إِذا قدّم الثناء على الله، [والصلاة] على رسوله، أو استطرد في وعظه القوارع القرآنية كان أتمّ وأحسن، وأمّا قصر الوجوب بل الشرطية على الحمد والصلاة، وجعْل الوعظ من الأمور المندوبة فقط، فمِن قلْب الكلام، وإِخراجِه عن الأسلوب الذي تقبّله الأعلام. والحاصل: أن روح الخطبة هو الموعظة الحسنة، من قرآن أو غيره، وكان رسول الله ﷺ يأتي في خطبته بالحمد لله تعالى (١)، وبالشهادتين، وبسورة كاملة، فعن أمّ هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: "ما أخذْتُ ﴿ق والقرآن المجيد﴾ إلاَّ عن لسان رسول الله ﷺ ؛ يقرؤها كلّ يوم جمعة على المنبر إِذا خطب الناس" (٢). والمقصود الموعظة بالقرآن، وإيراد ما يمكن من زواجره؛ وذلك لا يختصّ بسورةٍ كاملة. فعن يعلى بن أميّة ﵁ قال: "سمعت النّبيّ ﷺ يقرأ على

стр. 810

المنبر ﴿ونادوا يا مالك﴾ " (١). عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إِذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنّه منذر جيش يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول: أمّا بعد، فإِنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي (٢) هدي محمّد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة" (٣). وفي رواية له: "كانت خطبة النّبيّ ﷺ يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه، ثمَّ يقول على إِثر ذلك وقد علا صوته". وفيه دليل على أنّه يستحب للخطيب أن يرفع بالخطبة صوته، ويجزل كلامه، ويأتي بجوامع الكلم من الترغيب والترهيب. ويأتي بقول: (أمّا بعد). وظاهره أنَّه كان ﷺ يلازمها في جميع خُطَبه. وذلك بعد الحمد والثناء والتشهد ... ". وثبت أنّه ﷺ قال: "كل خطبة ليس فيها تشهُّد (٤) فهي كاليد

стр. 811

الجذماء (١) " (٢). وكان ﷺ يعلّم أصحابه في خطبته قواعد الإِسلام وشرائعه، ويأمرهم وينهاهم في خطبته إِذا عرض أمر أو نهي، كما أمر الداخل وهو يخطب أن يصلّي ركعتين؛ ويذكر معالم الشرائع في الخطبة؛ والجنّة والنار والمعاد، فيأمر بتقوى الله، ويحذّر من غضبه، ويرغّب في موجبات رضاه، وقد ورد قراءة آية، ففي حديث مسلم (٨٦٢): "كان لرسول الله ﷺ خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن، ويذكّر الناس". للجمعة خطبتان: عن نافع عن عبد الله قال: "كان النّبيّ ﷺ يخطب خطبتين يقعد بينهما" (٣). وعن جابر بن سمرة قال: كانت للنّبيّ ﷺ خطبتان؛ يجلس بينهما، يقرأ

стр. 812

القرآن ويذكّر الناس" (١). قراءة القرآن في خطبته ﷺ وتذكير الناس: للحديث السابق. قيام الخطيب وعدم قعوده: عن ابن عمر ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة قائماً ثمَّ يجلس" (٢). وعن سماك قال: أنبأني جابر بن سمرة؛ "أنَّ رسول الله ﷺ كان يخطب قائماً، ثمَّ يجلس، ثمَّ يقوم فيخطب قائماً، فمن نبّأك أنَّه كان يخطب جالساً فقد كذب، فقد والله! صلّيت معه أكثر من ألفي صلاة" (٣). عن كعب بن عُجْرَة قال: "دخل المسجد وعبد الرحمن بن أمّ الحكم يخطب قاعداً. فقال: انظروا إِلى هذا الخبيث يخطب قاعداً. وقال الله تعالى: ﴿وإِذا رأوا تِجَارَةً أو لَهْواً انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوك قَائماً﴾ " (٤). رفع الصوت بالخطبة واشتداد غضب الخطيب: عن جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله ﷺ إِذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه حتى كأنّه منذر جيش، يقول: صبّحكم

стр. 813

ومسّاكم (١)، .. ويقول: بُعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول: أمّا بعد: فإِنَّ خْير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمّد وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ بدعة ضلالة، ثمَّ يقول: أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلأهله ومن ترك ديناً أو ضَياعاً فإِليّ وعليّ" (٢). قطع الإِمام الخطبة للأمر الطارئ يحدث: عن بريدة ﵁ قال: "كان النّبيّ ﷺ يخطب فجاء الحسن والحسين ﵄ وعليهما قميصان أحمران يعثُران فيهما، فنزل النّبيّ ﷺ فقطع كلامه، فحملهما ثمَّ عاد إِلى المنبر ثمَّ قال: صدق الله ﴿إِنّما أموالُكم وأولادُكم فتنة﴾ (٣) رأيت هذين يعثُران في قميصيهما، فلم أصبر حتى قطعْتُ كلامي فحملْتُهما" (٤). وعن أبي رفِاعة قال: "انتهيت إِلى النّبيّ ﷺ وهو يخطب قال: فقلت يا رسول الله رجل غريب؛ جاء يسأل عن دينه لا يدرى ما دينه، قال: فأقبَل عليّ رسول الله ﷺ ، وترك خطبته حتى انتهى إِليّ، فأُُتي بكرسي حَسِبتُ قوائمه حديداً قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ وجعل يعلّمني ممّا علّمه الله، ثمَّ أتى

стр. 814

خطبته فأتمّ آخرها" (١). حُرمة الكلام أثناء الخطبة: عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصِت والإِمام يخطب فقد لغوت" (٢). عن عبد الله بن عمرو عن النّبيّ ﷺ قال: "يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضَرها يلغو وهو حظّه منها، ورجل حضَرها يدعو فهو رجل دعا الله ، إِنْ شاء أعطاه وإِنْ شاء منَعه، ورجل حضَرها بإِنصات وسكوت، ولم يتخطّ رقبة مسلم، ولم يؤذ أحداً، فهي كفّارة إِلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأنّ الله يقول: ﴿من جاء بالحسنة فله عشرُ أمثالها﴾ (٣) " (٤). وعن أبي ذر أنه قال: "دخلتُ المسجد يوم الجمعة والنّبيّ ﷺ يخطب، فجلست قريباً من أُبيِّ بن كعب، فقرأ النّبيّ ﷺ سورة (براءة)، فقلت لأُبيٍّ: متى نزلت هذه السورة؟ قال: فتجهّمني (٥)، ولم يكلّمني، ثمَّ مكثتُ ساعةً،

стр. 815

ثمَّ سألته؟ فتجهّمني، ولم يكلّمني. ثمَّ مكثتُ ساعة، ثمَّ سألته؟ فتجهّمني، ولم يكلّمني. فلمّا صلّى النّبيّ ﷺ قلت لأُبيّ: سألتك فتجهّمتني، ولم تكلّمني؟ قال أُبيّ: مالك من صلاتك إلاَّ ما لغوت! فذهبتُ إِلى النّبيّ ﷺ فقلت: يا نبيّ الله كنتُ بجنب أُبيّ وأنت تقرأ (براءة)، فسألته: متى نزلت هذه السورة؟ فتجهّمني، ولم يكلّمني، ثمَّ قال: مالك من صلاتك إلاَّ ما لغوت! قال النّبيّ ﷺ : صدق أُبيُّ" (١). ورجّح النووي ﵀ في "المجموع" (٤/ ٥٢٤) تحريم تشميت العاطس كردّ السلام والإِمام يخطب. قال شيخنا -حفظه الله- في "تمام المنّة" (ص ٣٣٩): "وهذا هو الأقرب لما ذكرْتُه في "الضعيفة" تحت الحديث (٥٦٦٥). ثمَّ وجدت لابن المنذر في "الأوسط" (٤/ ٧٣) قولاً في ذلك: "ثبتَ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا قلت لصاحبك: أنصت والإِمام يخطب فقد لغوت"، فالإِنصات يجب على ظاهر السنّة، وإباحة رد السلام وتشميت العاطس غير موجود بحجة، والذي أرى أن يرد السلام إِشارة، ويشمت العاطس إِذا فرغ الإِمام من خطبته". جواز كلام المصلّين إِذا لم يخطب الإِمام وإِن جلسَ على المنبر: عن ثعلبة بن أبي مالك: "إِنّهم كانوا يتحدثون حين يجلس عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر، حتى يسكت المؤذن، فإِذا قام عمر

стр. 816

على المنبر، لم يتكلم أحد حتى يقضي خطبتيه كلتيهما" (١). الأمر بالتحية في خطبة الجمعة: عن جابر بن عبد الله قال: "دخل سليك الغطفاني المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب الناس، فقال له رسول الله ﷺ : اركع ركعتين، ولا تعودنَّ لمثل هذا. يعني: الإِبطاء عن الخطبة، قاله لسليك الغطفاني" (٢). عدم إِطالة الموعظة يوم الجمعة: عن جابر بن سمرة السوائي قال: "كان رسول الله ﷺ لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إِنما هنّ كلمات يسيرات" (٣). عن أبي وائل قال: "خطبنا عمّار فأوجز وأبلغ، فلمّا نزل قلنا يا أبا اليقظان! لقد أبلغتَ وأوجزتَ فلو كنت تنفّست (٤) فقال: إِنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: إِنَّ طول صلاة الرجل وقِصَر خطبته مئنّة (٥) مِن فقهه، فأطيلوا الصلاة

стр. 817

واقصُروا الخطبة، وإنَّ من البيان سحرا" (١). وعن جابر بن سمرة قال: كنت أصلّي مع رسول الله ﷺ فكانت صلاته قصداً (٢) وخطبته قصداً" (٣). وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: "كان رسول الله ﷺ يُكثر الذكر ويُقلّ اللغو، ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشيَ مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة" (٤). هل يصلّي الظهر إِذا لم يصلِّ الجمعة ؟ إِذا كان المرء ممّن تجب عليهم صلاة الجمعة، ولم يصلِّها، وليس له عُذرٌ في ذلك، فلا يجوز له أن يصلّي الظهر بدلاً منها، وإنّما ذلك للمعذور. ماذا إِذا فاتته ركعة من الجمعة ؟ عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النّبيّ ﷺ قال: "من أدرك من الجُمُعة ركعة؛ فليَصِلْ إِليها أُخرى" (٥). وعنه ﵁ أنَّ النّبيّ ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الصلاة

стр. 818

فقد أدرك الصلاة" (١). وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أو غيرها فقد أدرك الصلاة" (٢). وعن ابن مسعود ﵁ قال: "من أدرك من الجمعة ركعة فليُضف إِليها أخرى، ومن فاتته الركعتان؛ فليُصلِّ أربعاً" (٣). وقال ابن عمر: "إِذا أدركت من الجمعة ركعة، فأضِف إِليها أُخرى، وإِن أدركتهم جلوساً فصلِّ أربعاً" (٤). الصلاة في الزحام: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " ... إِذا اشتدّ الزحام، فليسجد الرجل منكم عى ظهر أخيه" (٥). قال ابن المنذر في "الأوسط" (٤/ ١٠٥): "وبقول عمر بن الخطاب نقول: لأنه سجود في حال ضرورة على قدْر طاقة الساجد، ولم يكلّف المصلّي إِلا قدر طاقته".

стр. 819

التطوع قبل الجمعة وبعدها: عن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ قال: "من اغتسل، ثمَّ أتى الجمعة، فصلّى ما قُدِّر له، ثمَّ أنصت حتى يفرغ من خطبته. ثمَّ يُصلّي معه، غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام" (١). فقوله ﷺ : "فصلّى ما قُدِّر له" يُفهم جواز التنفّل من غير حصر، حتى يحضر الإِمام. أمّا ما يسمّى بسنّة الجمعة القبلية فلا أصل له ألبته. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "أمّا النّبيّ ﷺ فإِنَّه لم يكن يصلّي قبل الجمعة بعد الأذان شيئاً، ولا نقَل هذا عنه أحد، فإِنّ النّبيّ ﷺ كان لا يُؤذَّن على عهده إلاَّ إِذا قعد على المنبر، ويؤذِّن بلال، ثمَّ يخطب النّبيّ ﷺ الخطبتين، ثمَّ يقيم بلال فيصلّي النّبيّ ﷺ بالناس، فما كان يمكن أن يصلّي بعد الأذان، لا هو ولا أحد من المسلمين الذين يصلّون معه ﷺ ، ولا نقَل عنه أحد أنَّه صلى في بيته قبل الخروج يوم الجمعة، ولا وقَّتَ بقوله: صلاة مقدّرة قبل الجمعة، بل ألفاظه ﷺ فيها الترغيب في الصلاة إِذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة؛ من غير توقيت. كقوله: "من بكّر وابتكر ومشى ولم يركب، وصلّى ما كُتب له" (٢). وهذا هو المأثور عن الصحابة، كانوا إِذا أتوا المسجد يوم الجمعة، يُصلّون من حين يدخلون ما تيسر، فمنهم من يصلّي عشر ركعات، ومنهم من يصلّي اثنتي عشر ركعة، ومنهم من يصلّي ثمان ركعات، ومنهم من يصلّي

стр. 820

أقل من ذلك. ولهذا كان جماهير الأئمة متّفقين على أنّه ليس قبل الجمعة سنّة مؤقتة بوقت، مقدرة بعدد، لأنَّ ذلك إِنّما يثبت بقول النّبيّ ﷺ أو فِعله. وهو لم يسنّ في ذلك شيئاً لا بقوله ولا فعله، وهذا مذهب مالك، ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه، وهو المشهور في مذهب أحمد. وذهب طائفة من العلماء إِلى أنّ قبلها سنّة، فمنهم من جعلها ركعتين، كما قاله طائفة من أصحاب الشافعي، وأحمد ومنهم من جعلها أربعاً، كما نقل عن أصحاب أبي حنيفة، وطائفة من أصحاب أحمد وقد نُقِل عن الإمام أحمد ما استدلّ به على ذلك، وهؤلاء منهم من يحتجّ بحديث ضعيف ... ثمَّ أجاب على ذلك ... " (١). وقال ابن القيّم في "زاد المعاد" (١/ ٤٣٢): " ... فإِنَّ النّبيّ ﷺ كان يخرج من بيته، فإِذا رَقِي المنبر، أخذ بلال في أذان الجمعة، فإِذا أكمله، أخذ النّبيّ ﷺ في الخطبة من غير فصل، وهذا كان رأي عين، فمتى كانوا يُصلّون السُّنّة؟! ومن ظن أنهم كانوا إِذا فرغ بلال ﵁ من الأذان، قاموا كلُّهم، فركعوا ركعتين، فهو أجهلُ الناس بالسنّة". وأمّا بعدها فله أن يصلّي أربعاً أو اثنتين؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان منكم مصليّاً بعد الجمعة فليصلِّ

стр. 821

أربعاً " (١). ولحديث ابن عمر أنَّه وصفَ تطوُّع صلاة رسول الله ﷺ قال: "فكان لا يصلّي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلّي ركعتين في بيته" (٢). وعن ابن عمر قال: "كان إذا كان بمكة فصلّى الجمعة، تقدّم فصلّى ركعتين، ثمَّ تقدم فصلّى أربعاً، وإِذا كان بالمدينة صلّى الجمعة، ثمَّ رجع إلى بيته فصلى ركعتين، ولم يصلّ في المسجد، فقيل له فقال: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك" (٣). اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد عن إِياس بن أبي رملة الشامي قال: "شهدْتُ معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم قال: أشهدتَ مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلّى العيد، ثمَّ رخّص في الجمعة فقال: من شاء أن يصليَ فليصلّ" (٤). وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنِّه قال: "قد اجتمع في يومكم هذا

стр. 822

عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنّا مجمِّعون (١) " (٢). وعن عطاء بن أبي رباح قال: "صلّى بنا ابن الزبير في يوم عيد، في يوم جمعة أوّل النهار، ثمَّ رُحْنا إِلى الجمعة، فلم يخرج إِلينا، فصلينا وُحْدَاناً. وكان ابن عباس بالطائف، فلمّا قدم ذكَرنا ذلك له، فقال: أصاب السنّة" (٣). وعن عطاء أيضاً: اجتمع يوم جمعة ويوم فطر، على عهد ابن الزبير فقال: "عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعاً، فصلاّهما ركعتين بُكْرة، لم يزد عليهما حتى صلّى العصر" (٤). وهذا يدل على أنَّه لم يُصلّ الظهر.

стр. 823

صلاة العيدين حكمها: صلاة العيدين واجبةٌ لمواظبة النّبيّ ﷺ عليها وأمْره الرجال والنساء أن يخرجوا لها. فعن أمّ عطيّة قالت: "أمَرنا رسول الله ﷺ أن نُخرجهنّ في الفطر والأضحى: العواتق (١) والحُيّض وذواتِ الخدور (٢) فأمّا الحُيَّض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت يا رسول الله: إِحدانا لا يكون لها جلباب، قال: لتُلبِسْها أختها من جلبابها" (٣). وجاء في "الروضة الندية" (١/ ٣٥٧) -بحذف-: "قد اختلف أهل العلم هل صلاة العيد واجبة أم لا؟ والحقّ الوجوب، لأنَّه ﷺ مع ملازمته لها قد أمَرنا بالخروج إِليها كما في حديث أمرِه ﷺ للناس أن يغدوا إِلى مصلاهم، بعد أن أخبره الركب برؤية الهلال (٤) وثبت في الصحيحين من

стр. 824

حديث أم عطية [المتقدّم] قالت: ... وذكره. قال: فالأمر بالخروج يقتضي الأمر بالصلاة لمن لا عذر لها بفحوى الخطاب، والرجال أولى من النساء بذلك. بل ثبت الأمر القرآني بصلاة العيد كما ذكره أئمّة التفسير في قوله تعالى: ﴿فَصَل لِرَبِّكَ وانْحر﴾ (١) فإِنّهم قالوا: المراد صلاة العيد. ومن الأدلّة على وجوبها أنها مسقطة للجمعة إِذا اتفقتا في يوم واحد، وما ليس بواجب لا يُسقِط ما كان واجباً". وفيه (١/ ٣٥٨): " ... وعند أبي حنيفة تجب صلاة العيد على كل من تجب عليه صلاة الجمعة ويشترط لِصلاة العيد ما يشترط للجمعة، كذا في "المسوى" (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣) وغيره". انتهى. قال شيخنا (٢) -حفظه الله- في "الصحيحة": (وجوب خروج النساء إِلى مصلّى العيد)، وذلك تحت حديث رقم (٢٤٠٨) عن أخت عبد الله بن رواحة الأنصاري عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: وجب الخروج على كل ذات

стр. 825

نطاق. يعني في العيدين (١). آداب يوم العيدين لُبْس الثياب الجميلة: عن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يلبس يوم العيد بردة حمراء" (٢). الأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى: عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات [ويأكلهن وترا] " (٣).

стр. 826

تأخير الأكل يوم الأضحى ليأكل من أضحيته: عن بريدة قال: "كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل، وكان لا يأكل يوم النحر حتى يرجع" (١). الخروج إلى المصلّى: تُؤدَّى صلاة العيد في المصلّى لما تقدّم من الأحاديث. خروج النساء والصبيان: لحديث أم عطيّة المتقدّم: "أمَرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهنّ في الفطر والأضحى: العواتق والحُيَّض وذوات الخدور ... ". وعن ابن عبّاس قال: "خرجتُ مع النّبيّ ﷺ يوم فِطرٍ أو أضحى، فصلّى ثمَّ خطب، ثمَّ أتى النساء فوعظهنّ وذكَرهنّ وأمرهنّ بالصدقة" (٢). مخالفة الطريق: يُستحَبّ مخالفة الطريق يوم العيد، فيذهب في طريق ويرجع في آخر. فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان النّبيّ ﷺ إِذا كان يوم عيد خالف الطريق" (٣). وعن أبي هريرة قال: "كان النّبيّ ﷺ إِذا خرج إِلى العيدين رجع في غير

стр. 827

الطريق الذي خرج فيه" (١) وقت صلاة العيد: يدخل وقت صلاة عيد الفطر عند ارتفاع الشمس (٢) ويكون ذلك حين تكون الشمس على قيد رمحين، والأضحى على قيد رُمح (٣). عن عبد الله بن بسر؛ أنَّه خرج مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إِبطاء الإِمام (٤)، وقال: "إِنّا كنّا مع النّبيّ ﷺ قد فرغنا (٥) ساعتنا هذه (٦)، وذلك حين التسبيح (٧) " (٨).

стр. 828

هل يؤذّن للعيدين أو يُقام ؟ عن عطاء عن ابن عبّاس وجابر بن عبد الله الأنصاري قالا: لم يكن يُؤذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى، ثمَّ سألته بعد حين عن ذلك، فأخبرني قال: أخبرني جابر بن عبد الله الأنصاري أنْ لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإِمام ولا بعد ما يخرج ولا إِقامة ولا نداء ولا شيء ولا نداء يومئذ ولا إِقامة" (١). وعنه أنَّ ابن عباس أرسل إِلى ابن الزبير أوّل ما بُويع له؛ أنه لم يكن يؤذَّن للصلاة يوم الفطر. فلا تؤذِّن لها، قال: فلم يؤذِّن لها ابن الزبير يومه. وأرسل إِليه مع ذلك: إِنّما الخطبة بعد الصلاة. وإِنَّ ذلك قد كان يُفعل. قال: فصلّى ابن الزبير قبل الخطبة" (٢). وعن جابر بن سَمُرة؛ قال: "صلّيتُ مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرّة ولا مرّتين؛ بغير أذانٍ ولا إِقامة" (٣). ولا يجوز الأذان أو الإِقامة للعيدين بحالٍ من الأحوال، وليس لأحدٍ أن يزعم ضرورة ذلك؛ لبيان وقتٍ وتنبيه ساهٍ ونحو ذلك فهذا يقتضيه حال الصحابة ﵃ ومع ذلك لم يفعلوه، ولم يأمُرهم النّبيّ ﷺ بذلك، فدلّ على أنّه بدعة، وبالله التوفيق. صِفة الصلاة: صَلاة العيد ركعتان، يكبّر فيها بعد تكبيرة الإِحرام، وقبل القراءة سبعاً،

стр. 829

وفي الثانية قبل القراءة خمساً. عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال نبيّ الله ﷺ : "التكبير في الفطر سبعٌ في الأولى، وخمسٌ في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما" (١). وعن عائشة ﵂ "أنَّ رسول الله ﷺ كان يكبّر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمساً" (٢). وورد التكبير أربعاً، فعن القاسم أبي عبد الرحمن قال: حدّثني بعض أصحاب رسول الله ﷺ قال: "صلّى بنا رسول الله ﷺ يوم عيد، فكبّر أربعاً أربعاً، ثمَّ أقبل علينا بوجهه حين انصرف قال: لا تنسوا، كتكبير الجنائز، وأشار بأصبعه، وقبض إِبهامه يعني في صلاة العيد" (٣). وعن سعيد بن العاص: "أنه سأل أبا موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان: كيف كان رسول الله ﷺ يكبر في الأضحى والفطر؟ فقال أبو موسى: كان يكبر أربعاً تكبيره على الجنائز، فقال حذيفة: صدق، فقال أبو موسى: كذلك كنت أكبِّر في البصرة حيث كنت عليهم" (٤).

стр. 830

قال شيخنا في "الصحيحة" (٦/ ١٢٦٣): والحقّ أنّ الأمر واسعٌ في تكبيرات العيدين، فمن شاء كبّر أربعاً أربعاً بناءً على هذا الحديث والآثار التي معه (١)، ومن شاء كبر سبعاً في الأولى، وخمساً في الثانية بناء على الحديث المسند الذي أشار إِليه البيهقي، وقد جاء عن جمع من الصحابة، يرتقي بمجموعها إِلى درجة الصحة، كما حققته في "إِرواء الغليل" (رقم (٦٣٩). والحقّ أنّ كلّ ذلك جائز، فبأيهما فعَل فقد أدّى السُّنة، ولا داعي للتعصب والفرقة، وإِن كان السبع والخمس أحب إِليّ لأنه أكثر". انتهى. وانظر "المحلّى" تحت المسألة (٥٤٣) للمزيد من الاطلاع -إِن شئت- و"مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٤٩٣) (في التكبير في العيدين واختلافهم فيه)، و"مصنف عبد الرزاق" (٣/ ٢٩١) (باب التكبير في الصلاة يوم العيد). والتكبير سنة لا تبطل الصلاة بتركه عمداً ولا سهواً (٢)، قال ابن قدامة: "ولا أعلم فيه خلافاً"، ورجّح الشوكاني أنّه إِذا تركه سهواً لا يسجد للسهو (٣). وعن حماد بن سلمة عن إِبراهيم: "أنَّ الوليد بن عقبة دخل المسجد،

стр. 831

وابن مسعود وحذيفة وأبو موسى في عرصة المسجد (١)، فقال الوليد: إِنّ العيد قد حضر فكيف أصنع؟ فقال ابن مسعود: يقول: الله أكبر، ويحمد الله ويثني عليه ويُصلّي على النّبيّ ﷺ ويدعو الله، ثمَّ يكبِّر ويحمد الله ويُثني عليه، ويُصلي على النّبيّ ﷺ ويدعو الله، ثمَّ يكبِّر ويحمد الله ويُثني عليه، ويُصلّي على النّبي ﷺ ويدعو، ثمَّ يكبِّر ويحمد الله ويُثني عليه، ويُصلّي على النّبي ﷺ ثمَّ كَبِّر، واقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، ثمَّ كَبِّر واركع واسجد، ثمَّ قم فاقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، ثمَّ كَبِّر واحمد الله وأثْنِ عليه، وصلِّ على النّبيّ ﷺ وادْعُ، ثمَّ كَبِّر واحمد الله، وأثْنِ عليه، وصلِّ على النّبيّ ﷺ ، واركع واسجد، قال: فقال حذيفة وأبو موسى: أصاب" (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال في صلاة العيد: "بين كلّ تكبيرتين حمْدٌ لله وثناءٌ على الله" (٣).

стр. 832

هل يرفع يديه مع كلّ تكبيرة؟ لم يثبت عن النّبيّ ﷺ أنّه رفَع يديه، وقد رُوي عن عمر رفع اليدين وليس بثابت كذلك (١). وجاء في "المحلّى" تحت المسألة (٥٤٣): "ولا يرفع يديه في شيء منها إلاَّ حيث يرفع في سائر الصلوات فقط". القراءة فيها: يقرأ الإِمام في صلاة العيد بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾، أو بـ ﴿اقتربت الساعة﴾ و ﴿ق والقرآن المجيد﴾. فعن النعمان بن بشير، قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة، بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾. قال: وإِذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد؛ يقرأ بهما أيضاً في الصلاتين" (٢). وعن سمُرة قال: كان النّبيّ ﷺ يقرأ في العيدين: ﴿سبّح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ " (٣). وعن أبي واقد الليثي؛ قال: "سألني عمر بن الخطاب عمّا قرأ به رسول الله

стр. 833

- ﷺ في يوم العيد؟ فقلت: بـ ﴿اقتربت الساعة﴾، و ﴿ق والقرآن المجيد﴾ (٤). هل يصلّي قبلها أو بعدها ؟ عن ابن عباس ﵁ أنَّ النّبيّ ﷺ خرج يوم الفطر، فصلّى ركعتين؛ لم يُصلِّ قبلها ولا بعدها، ومعه بلال" (١). وقال أبو المعلّى: "سمعتُ سعيداً عن ابن عبّاس كره الصلاة قبل العيد" (٢). وذكر الحافظ في "الفتح" (٢/ ٤٧٦): أقوال العديد من العلماء في هذه المسألة، وبيّن من يرى ذلك ممن لا يراه، ومن فرّق فيه بين الإِمام والمأموم. وفيه: "ونقل بعض المالكية الإِجماع على أنَّ الإِمام لا يتنفّل في المصلى، وقال ابن العربي: التنفّل في المصلّى لو فُعِل لنُقل، ومن أجازه رأى أنّه وقت مطلق للصلاة، ومن تركه رأى أن النّبيّ ﷺ لم يفعله، ومن اقتدى فقد اهتدى". انتهى. خطبة العيد بعدها: عن ابن عباس قال: "شهدت العيد مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فكلّهم كانوا يصلّون قبل الخطبة" (٣).

стр. 834

وعن أبي سعيد الخدري قال: "كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إِلى المصلّى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثمَّ ينصرف فيقوم مقابل الناس والنّاس جلوس على صفوفهم، فيعِظُهم ويوصيهم ويأمرهم، فإِنْ كان يريد أن يقطع بعْثا قطَعه أو يأمر بشيء أمر به ثمَّ ينصرف. قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك، حتى خرجْتُ مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فِطر، فلمّا أتينا المصلّى إِذا منبرٌ بناه كَثِيرُ بن الصَّلْت، فإِذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلّي، فجبذت بثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيَّرتم والله فقال: أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير ممّا لا أعلم فقال: إِنَّ الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعَلْتها قبل الصلاة" (١). وعن عبد الله بن السائب قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ العيد، فلمّا قضى الصلاة قال: إِنّا نخطب؛ فمن أحبّ أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحبّ أن يذهب فليذهب" (٢). وعن ابن عبّاس ﵁ قال: "إِنَّ الخطبة بعد الصلاة" (٣). هل يفتتح الخطبة بالتكبير ؟ يفتتح الخطيب خطبته يوم العيد بخطبة الحاجة على الأصل، ولم يثبُت

стр. 835

أن النّبيّ ﷺ كان يفتتح خطبتي العيد بالتكبير، وأشار ابن القيم إِلى هذا في "زاد المعاد" (١). قضاء صلاة العيد: عن أبي عمير بن أنس بن مالك قال: "حدّثني عمومتي من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: أغمي علينا هلال شوال، فأصبحنا صياماً، فجاء ركْب من آخر النهار، فشهدوا عند النّبيّ ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله أن يفطروا، وأن يخرجوا إِلى عيدهم من الغد" (٢). إِذا فاتته الصلاة مع الجماعة: قال البخاري في "صحيحه": (باب إِذا فاته العيد يصلّي ركعتين)، وكذلك النساء ومن كان في البيوت والقرى، لقول النبيّ ﷺ : "هذا عيدُنا أهل الإِسلام". وأمَر أنسُ بنُ مالك مولاهم ابن أبي عُتبة بالزاوية؛ فجمع أهله وبنيه وصلّى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم، وقال عكرمة: أهل السواد يجتمعون في العيد، يصلّون ركعتين كما يصنع الإِمام، وقال عطاء: إِذا فاته العيد صلّى ركعتين (٣).

стр. 836

الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه (١): عن أنس قال: "قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنّا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر" (٢). وعن عائشة قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تُغنِّيان؛ بما تقاولت الأنصار يوم بُعاث (٣)، قالت: وليستا بمغنِّيتَين. فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر، إِن لكل قوم عيداً، وهذا عيدُنا" (٤). في رواية لمسلم (٨٩٢): فاقدُروا (٥) قدْر الجارية الحديثة السنّ حريصةً على اللهو. وفي رواية قالت عائشة: دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تُغنيان بغناء بُعاث، فاضطجع على الفراش وحوَّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مِزمارةُ الشيطان عند النّبيّ ﷺ ! فأقبَل عليه رسول الله ﷺ فقال:

стр. 837

دعهما فلمّا غفل غمزتُهما (١) فخرجتا" (٢). وفي رواية لمسلم (٨٩٢): "جاء حبشٌ يزفنون (٣) في يوم عيدٍ في المسجد، فدعاني النّبيّ ﷺ ، فوضعْت رأسي على مَنكِبه فجعلتُ أنظرُ إِلى لعبهم ... ". وعن نُبَيشْة الهُذَلي قال: "قال رسول الله ﷺ أيّام التشريق أيّام أكل وشرب وفي رواية: وزاد فيه وذِكرٍ لله" (٤). فضل العمل الصالح في أيّام العشر من ذي الحجّة: عن ابن عبّاس ﵄ قال: "قال رسول الله ﷺ ما من أيّام العمل الصالح فيها أحبّ إِلى الله من هذه الأيّام يعني أيّام العشر، قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلاَّ رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" (٥). وجاء في "الإِرواء" (٣/ ٣٩٨): "وفي رواية للدارمي (٢/ ٢٦) بلفظ: ما من عمل أزكى عند الله ولا أعظم أجراً من خير يعمله في عشر

стр. 838

الأضحى .... "، والباقي مثله، وزاد: "قال: وكان سعيد بن جبير إِذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهاداً شديداً حتى ما يكاد يقدر عليه" (١). وقال ابن عبّاس: "ويذكروا اسم الله في أيّام معلومات": أيّام العشر، والأيّام المعدودات: أيّام التشريق. رواه البخاري معلّقاً مجزوماً به، وقال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٤٥٨) "لم أره موصولاً عنهما". وقال البخاري: (باب فضل العمل في أيام التشريق)، وقال ابن عبّاس: ﴿واذكروا الله في أيّام معلومات﴾، أيّام العشر، والأيّام المعدودات أيّام التشريق. استحباب التهنئة بالعيد: عن جبير بن نفير قال: "كان أصحاب النّبيّ ﷺ إِذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبّل الله منا ومنكم" (٢). التكبير في أيام العيدين: قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ

стр. 839

تَشْكُرُونَ﴾ (١). جاء في "تفسير ابن كثير": " ... ولهذا أخَذَ كثير من العلماء مشروعيّة التكبير في عيد الفِطر من هذه الآية: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّة ولِتُكبّروا الله على ما هَدَاكُم﴾، حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إِلى وجوبه؛ في عيد الفطر لظاهر الأمر في قوله: ﴿ولِتكبّرُوا الله عَلى ما هَدَاكُم﴾، وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة ﵀ أنّه لا يشرع التكبير في عيد الفطر، والباقون على استحبابه". وهذا في عيد الفطر، والتكبير فيه من وقت الخروج إِلى الصلاة، إِلى ابتداء الخطبة. أمّا الأضحى ففيه قوله سبحانه: ﴿واذكروا الله في أيّام معدودات﴾ (٢). جاء في "الإِرواء" (٣/ ١٢١): "روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الزهري قال: كان الناس يكبّرون في العيد حين يخرجون من منازلهم؛ حتى يأتوا المصلّى وحتى يخرج الإِمام، فإذا خرج الإِمام سكتوا، فإِذا كبّر كبّروا". وفيه (ص١٢٢): " ... ثمَّ روى [أي: الفريابي] بسند صحيح عن الوليد (وهو ابن مسلم) قال: سألت الأوزاعي ومالك بن أنس عن إِظهار التكبير في العيدين؟ قالا: نعم، كان عبد الله بن عمر يظهره في يوم الفطر حتى يخرج الإِمام". وفيه (ص ١٢٣): "وقد صحّ عن الزهري مرسلاً مرفوعاً، فقال ابن أبي شيبة

стр. 840

(٢/ ١/٢): حدثنا يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن الزهري: أن رسول الله ﷺ كان يخرج يوم الفطر فيكبّر حتى يأتي المصلّى، وحتى يقضيَ الصلاة، فإِذا قضى الصلاة قطع التكبير (١). وهذا سند صحيح مرسلاً، ومن هذا الوجه أخرجه المحاملي (١٤٢/ ٢). وقد روي من وجه آخر عن ابن عمر مرفوعاً. أخرجه البيهقي (٣/ ٢٧٩) من طريق عبد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبد الله والعباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن بن أم أيمن ﵃ رافعاً صوته بالتهليل والتكبير، فيأخذ طريق الحذائين حتى يأتي المصلّى، وإِذا فرغ رجع على الحذائين حتى يأتي منزله. وقال شيخنا -حفظه الله- في آخر التخريج: "فالحديث صحيح عندي موقوفاً ومرفوعاً والله أعلم". انتهى. وانظر ما جاء في "الأوسط" (٤/ ٢٤٩) من آثار في ذلك. ووقته في عيد الأضحى من صبح يوم عرفة إِلى عصر آخر أيام التشريق. قال شيخنا: صحّ هذا عن عليّ وابن عبّاس، وقد خرّجْتهما في "الإِرواء" (٣/ ١٢٥)، ورواه الحاكم عن ابن مسعود. انتهى. والذي جاء في "الإِرواء" تحت الحديث (٦٥٣): "وقد صحّ عن علي ﵁ أنَّه كان يكبّر بعد صلاة الفجر يوم عرفة؛ إِلى صلاة العصر

стр. 841

من آخر أيّام التشريق، ويكبّر بعد العصر". وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إِلى السوق في أيّام العشر يُكبّران، ويكبّر الناس بتكبيرهما (١). فائدة: قال شيخنا في "الصحيحة" (١/ ٣٣١): "وفي الحديث دليل على مشروعية ما جرى عليه عمل المسلمين من التكبير جهراً في الطريق إِلى المصلّى، وإِن كان كثير منهم بدؤوا يتساهلون بهذه السنّة، حتى كادت أن تصبح في خبر كان، وذلك لضعف الوازع الديني منهم، وخجلهم من الصّدع بالسُّنة والجهر بها، ومن المؤسف أن فيهم من يتولّى إِرشاد الناس وتعليمهم، فكأن الإِرشاد عندهم محصور بتعليم الناس ما يعلمون! وأمّا ما هم بأمسّ الحاجة إِلى معرفته؛ فذلك مما لا يلتفتون إِليه، بل يعتبرون البحث فيه والتذكير به قولاً وعملاً من الأمور التافهة التي لا يحسن العناية بها عملاً وتعليماً؛ فإِنا لله وإِنا إِليه راجعون. ومما يحسن التذكير به بهذه المناسبة: أنّ الجهر بالتكبير هنا لا يُشرع فيه الاجتماع عليه بصوت واحد كما يفعله البعض، وكذلك كل ذكر يُشرع فيه رفع الصوت أو لا يُشرع؛ فلا يشرع فيه الاجتماع المذكور، ومثله الأذان من الجماعة المعروف في دمشق بـ (أذان الجوق)، وكثيراً ما يكون هذا الاجتماع سبباً لقطع الكلمة أو الجملة في مكان لا يجوز الوقوف عنده؛ مثل: "لا إِله"! في تهليل فرض الصبح والمغرب؛ كما سمعنا ذلك مراراً".

стр. 842

فلنكن في حذر من ذلك، ولتذكر دائماً قوله ﵌: "وخير الهدي هدي محمّد". صيغة التكبير: جاء في "الروضة الندية" (١/ ٣٦٧): "وأمَّا صفة التكبير فأصحّ ما ورد فيه أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان قال: كبّروا، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً، قال في شرح "المنتقى" [٣/ ١١٦] نقلاً عن "الفتح" (٣/ ١١٦): وقد أُحدِث في هذا الزمان زيادة في ذلك لا أصل لها. انتهى. قال الشوكاني: "والظاهر أن تكبير التشريق لا يختصّ استحبابه بعقب الصلوات، بل هو مستحبٌّ في كلّ وقت من تلك الأيام، كما تدلّ على ذلك الآثار". وجاء قبله (١/ ٣٦٦): " ... ولم يثبت تعيين لفظ مخصوص ولا وقت مخصوص ولا عدد مخصوص، بل المشروع الاستكثار منه دبر الصلوات وسائر الأوقات، فما جرت عليه عادة الناس اليوم استناداً إِلى بعض الكتب الفقهية مِن جعله عقب كل صلاة فريضة ثلاث مرات، وعقب كل صلاة نافلة مرة واحدة، وقصر المشروعية على ذلك فحسب، ليس عليه أثارة من علم فيما أعلم، وأصحّ ما ورد فيه عن الصحابة أنّه من صبح يوم عرفة إِلى آخر أيام منى".

стр. 843

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة الجزء الثالث كتاب الزكاة والصيام والاعتكاف بقلم حسين بن عودة العوايشة المكتبة الإسلامية دار ابن حزم

стр. 844

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 845

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
следующие страницы →