من آخر أيّام التشريق، ويكبّر بعد العصر".
وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إِلى السوق في أيّام العشر يُكبّران، ويكبّر الناس بتكبيرهما (١).
فائدة: قال شيخنا في "الصحيحة" (١/ ٣٣١): "وفي الحديث دليل على مشروعية ما جرى عليه عمل المسلمين من التكبير جهراً في الطريق إِلى المصلّى، وإِن كان كثير منهم بدؤوا يتساهلون بهذه السنّة، حتى كادت أن تصبح في خبر كان، وذلك لضعف الوازع الديني منهم، وخجلهم من الصّدع بالسُّنة والجهر بها، ومن المؤسف أن فيهم من يتولّى إِرشاد الناس وتعليمهم، فكأن الإِرشاد عندهم محصور بتعليم الناس ما يعلمون! وأمّا ما هم بأمسّ الحاجة إِلى معرفته؛ فذلك مما لا يلتفتون إِليه، بل يعتبرون البحث فيه والتذكير به قولاً وعملاً من الأمور التافهة التي لا يحسن العناية بها عملاً وتعليماً؛ فإِنا لله وإِنا إِليه راجعون.
ومما يحسن التذكير به بهذه المناسبة: أنّ الجهر بالتكبير هنا لا يُشرع فيه الاجتماع عليه بصوت واحد كما يفعله البعض، وكذلك كل ذكر يُشرع فيه رفع الصوت أو لا يُشرع؛ فلا يشرع فيه الاجتماع المذكور، ومثله الأذان من الجماعة المعروف في دمشق بـ (أذان الجوق)، وكثيراً ما يكون هذا الاجتماع سبباً لقطع الكلمة أو الجملة في مكان لا يجوز الوقوف عنده؛ مثل: "لا إِله"! في تهليل فرض الصبح والمغرب؛ كما سمعنا ذلك مراراً".
стр. 842
فلنكن في حذر من ذلك، ولتذكر دائماً قوله ﵌: "وخير الهدي هدي محمّد".
صيغة التكبير:
جاء في "الروضة الندية" (١/ ٣٦٧): "وأمَّا صفة التكبير فأصحّ ما ورد فيه أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان قال: كبّروا، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً، قال في شرح "المنتقى" [٣/ ١١٦] نقلاً عن "الفتح" (٣/ ١١٦): وقد أُحدِث في هذا الزمان زيادة في ذلك لا أصل لها. انتهى.
قال الشوكاني: "والظاهر أن تكبير التشريق لا يختصّ استحبابه بعقب الصلوات، بل هو مستحبٌّ في كلّ وقت من تلك الأيام، كما تدلّ على ذلك الآثار".
وجاء قبله (١/ ٣٦٦): " ... ولم يثبت تعيين لفظ مخصوص ولا وقت مخصوص ولا عدد مخصوص، بل المشروع الاستكثار منه دبر الصلوات وسائر الأوقات، فما جرت عليه عادة الناس اليوم استناداً إِلى بعض الكتب الفقهية مِن جعله عقب كل صلاة فريضة ثلاث مرات، وعقب كل صلاة نافلة مرة واحدة، وقصر المشروعية على ذلك فحسب، ليس عليه أثارة من علم فيما أعلم، وأصحّ ما ورد فيه عن الصحابة أنّه من صبح يوم عرفة إِلى آخر أيام منى".
стр. 843
الموسوعة الفقهية الميسرة
في
فقه الكتاب والسنة المطهرة
الجزء الثالث
كتاب الزكاة والصيام والاعتكاف
بقلم
حسين بن عودة العوايشة
المكتبة الإسلامية
دار ابن حزم
стр. 844
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 845
الموسوعة الفقهية الميسرة
في
فقه الكتاب والسنة المطهرة
стр. 846
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٢٣ هـ -٢٠٠٢ م
المكتبة الإسلامية
ص ب (١١٣) الجبيهة، هاتف ٥٣٤٢٨٨٧
عمَّان - الأردن
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤
стр. 847
-[مقدّمة المؤلف]-
إِنّ الحمد لله، نحمَدُه ونستعينهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرور أَنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ لهُ. وأَشهَد أنْ لا إله إِلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ محمداً عَبدهُ ورَسولهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).
أمَّا بعد:
فإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدْي محمّد، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار. فهذا هو المجلد الثالث من "الموسوعة الفقهيّة الميسَّرة في ضوء الكتاب والسُّنَّة المطهَّرة" أقدمه للقُراء الكرام، سائلاً الله أن ينفع
стр. 848
به ويتقبّله منّي، وهو متضمِّنٌ كتاب الزكاة والصيام والاعتكاف.
وكنتُ قد استفدتُ من عددٍ من الإِجابات من شيخنا العلاّمة محمد ناصر الدين الألباني ﵀ من خلال مجالساته.
وقد حرصتُ على الدليل الثّابت في ضوء منهج السلف الصالح، مع الإِفادة من أقوال علماء الأمّة، ورثة النّبيّ ﷺ .
وقد تكون المسألة خلافيّة، ولكلٍّ فيما ذهبَ إِليه دليله وفهْمه، فالأمر لا يدعو إِلى التباغُض والتنافر والاختلاف والتفرُّق والشقاق والنّزاع.
فَخذ ما ترجّح لك وما تراه صواباً، دون ولاءٍ أو براءٍ أو تحزُّب أو تعصُّب، قال الله تعالى: ﴿والذين كفروا بعضُهم أولياءُ بعض إلاَّ تفعلوهُ تكنْ فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير﴾ (١).
فإِذا كان هذا شأن الكفار؛ بعضهم أولياء بعض، فالفساد والفتنة جاءا مِن أمور:
الأوّل: أنّ الكُفّار قد حقّقوا من التآلف؛ ما لم يبْلغه أهل الإِسلام -مع الأسف-.
الثاني: أنّ اتخاذ الكُفّار بعضهم بعضاً أولياء فيه خطورةٌ على المسلمين - وهم في مرحلة التربية والمجاهدة- إِذا لم يكونوا متفرّقين، فكيف إِذا كانوا متناحِرين متنازعين!
الثالث: أنّنا قد أُمِرنا أصلاً بمخالفتهم، وعدم التشبُّه بهم، فكيف إِذا لم
стр. 849
نبلغ ما بلغوه في شأن الولاية!
فإِذا كان كذلك؛ أفلا يكون بعضنا أولياء بعض؛ ولو بتقدير الآراء وكفّ اللسان عن إِيقاع الأذى بالعلماء، أو بمن تَلقّى عنهم المسائل، وأن نُعذر مَن قد يكون له أجر واحد في فتواه، ومن أفاد منه كذلك؟!
فكيف ونحن لا نعلم؟ فربّما يكون له أجران!
فالأمر يدعو إِذاً إِلى المزيد من الإِعذار والتآلف والتوادّ.
أسأل الله أن يتقبّل مني ويجعل هذا العمل في ميزاني يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، إلاَّ مَن أَتى الله بقلبٍ سليم.
وكَتَب:
حسين بن عودة العوايشة
عمّان ٤/ربيع الثاني/ ١٤٢١هـ
стр. 850
الزكاة
الزكاة: لغةً: هي النّماء والزيادة، يقال: زَكَى الزرع يزكو، أي: نما وهي الطهارة أيضاً، وسميت الزكاة زكاةً؛ لأنه يزكو بها المال بالبركة ويطهُر بها المرء بالمغفرة (١).
وفي الاصطلاح الشرعي: هي عبارة عن إِيجاب طائفة من المال في مالٍ مخصوص لمالك مخصوص (٢).
الزكاة رُكن من أركان الإِسلام
عن ابن عباس ﵄ أنَّ معاذاً قال: بعَثني رسول الله ﷺ . قال: "إِنّك تأتي قوماً من أهل الكتاب. فادْعُهم إِلى شهادة أن لا إِله إلاَّ الله وأنِّي رسول الله، فإِنْ هُم أطاعوا لذلك، فأعلِمهم أنّ الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في كلِّ يومٍ وليلة، فإِنْ هم أطاعوا لذلك، فأعلِمهم أن الله افترض عليهم صدقة؛ تُؤْخَذ من أغنيائهم فتردُّ في فقرائهم" (٣).
وقد قُرنت بالصلاة (٤) في مواطنَ كثيرة كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وارْكعوا مع الراكعين﴾ (٥).
стр. 851
وكقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرِضوا الله قرضاً حَسَناً﴾ (١).
الحضّ على أدائها والترغيب فيها
١ - قال الله تعالى: ﴿خُذ من أموالهم صدقةً تُطهّرهم وتزكّيهم بها﴾ (٢).
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنّ المتقين في جنّات وعيون * آخذين ما آتاهم ربّهم إِنّهم كانوا قبل ذلك مُحسنين* كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون* وبالأسحار هم يستغفرون* وفي أموالهم حقّ للسائل والمحروم﴾ (٣).
٣ - وقال تعالى: ﴿وما آتيتم من زكاةٍ تريدون وجه الله فأولئك هم المُضْعِفُون﴾ (٤).
المُضْعفُون: أي: يُضاعَف لهم الثواب والجزاء، كما في حديث أبي هريرة ﵁ الآتي إِن شاء الله.
٤ - وعن أبي كبشة الأنماري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ثلاثٌ أُقسِم عليهنّ وأحدّثكم حديثاً فاحفظوه.
قال: ما نقَص مالُ عبدٍ من صدقة، ولا ظُلم عبدٌ مظلمةً صبر عليها إلاَّ زاده الله عزّاً، ولا فَتَح عبدٌ باب مسألة إلاَّ فَتَح الله عليه باب فقر، أو كلمة
стр. 852
نحوها ... " (١).
٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من تصدَّق بعَدْل (٢) تمرة مِن كسْبٍ طيّب -ولا يقبل الله إلاَّ الطيّب- فإِن الله يتقبلها بيمينه ثم يربّيها لصاحبه كما يُربّي أحدكم فَلوَّه (٣) حتّى تكون مثل الجبل" (٤).
وفي رواية: "إلاَّ أخَذها الرحمن بيمينه، وإنْ كانت تمرة، فتربو في كفّ الرحمن؛ حتّى تكون أعظم من الجبل" (٥).
٦ - وعن جابر ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله؟ أرأيتَ إِنْ أدى الرجل زكاة ماله؟ فقال رسول الله ﷺ : "من أدّى زكاة ماله فقد ذهب عنه شرُّه" (٦).
стр. 853
٧ - وعن عمرو بن مُرّة الجهني ﵁ قال: "جاء رجل من قُضاعة إِلى رسول الله ﷺ فقال: إِني شهدت أنْ لا إِله إِلا الله وأنك رسول الله، وصليّتُ الصلوات الخَمْس، وصُمتُ رمضان وقمتُه، وآتيتُ الزكاة.
فقال رسول الله ﷺ : "من مات على هذا كان من الصدِّيقين والشهداء" (١).
٨ - عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "سبعةٌ يُظلُّهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلاَّ ظلّه: إِمامٌ عدْل، وشابٌّ نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلَّقٌ في المساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعَته امرأة ذات مَنْصِب وجمال فقال: إِنِّي أخاف الله، ورجل تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه، ورجل ذكَر الله خالياً ففاضت عيناه" (٢).
وانظر للمزيد من الأحاديث "صحيح الترغيب والترهيب" (كتاب الصدقات) "الترغيب في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها".
الترهيب من منْعها
١ - قال الله تعالى: ﴿ولا يحسبنَّ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شرٌّ لهم سيُطوّقون ما بَخِلُوا به يوم القيامة﴾ (٣).
стр. 854
٢ - وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١).
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من صاحب ذهب ولا فضة؛ لا يؤدّي منها حقّها إِلا إِذا كان يوم القيامة صُفِّحَت (٢) له صفائح من نار فأُحْمي عليها في نار جهنم، فيُكوى بها جَنْبُه وجبينه وظهره. كلما بَرَدَت أُعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيَرى سبيله إِمّا إِلى الجنة وإمّا إِلى النار.
قيل: يا رسول الله! فالإِبِل؟ قال: ولا صاحب إِبِل لا يؤدي منها حقّها ومِنْ حقها حَلَبها (٣) يوم وِردها، إِلا إِذا كان يوم القيامة، بُطِحَ لها بِقَاعِ قرْقرٍ (٤) أوفر ما كانت؛ لا يفقد منها فصيلاً واحداً تطؤه بأخفافها (٥) وتعَضُّهُ بأفواهها،
стр. 855
كلما مرَّ عليه أُولاها ردّ عليه أُخراها؛ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيَرى سبيله إِمّا إِلى الجنة وإمّا إِلى النار.
قيل: يا رسول الله! فالبقر والغنم؟ قال: ولا صاحب بقرٍ ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلاَّ إِذا كان يوم القيامة بُطِحَ لها بقاع قرْقرٍ، لا يفقد منها شيئاً، ليس فيها عقْصَاء (١) ولا جَلْحَاء (٢) ولا عَضْبَاء (٣)، تنطِحُهُ بقرونها وتطؤه بأظْلاَفِها (٤)، كلّما مر عليه أولاها رُدّ عليه أُخْراها، في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنةٍ؛ حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إِمّا إِلى الجنة وإمّا إِلى النار" (٥).
٤ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "من آتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاته؛ مُثّل له يوم القيامة شجاعاً (٦) أَقْرع (٧) لهَ زِبيبتَان (٨) يُطوّقُه
стр. 856
يوم القيامة ثم يأخذ بِلِهزِمتيه (١) -يعني: شدقيه- ثم يقول: أنا مالُك أنا كنزُك، ثم تلا: ﴿ولا يحسبَنّ الذين يبخلون ... ﴾ (٢) الآية " (٣).
٥ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معشر المهاجرين! خمسٌ إِذا ابتُليتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدركوهُنّ!
لم تظهر الفاحشة في قومٍ قطُّ حتى يُعلنوا بها، إلاَّ فشا فيهم الطاعون والأوجاع؛ التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مَضَوا.
ولم ينقصوا المكيال والميزان إلاَّ أُخِذوا بالسنين وشدّة المؤنَة وجَوْرِ السلطان عليهم.
ولم يمنعوا زكاةَ أموالهم، إِلا مُنِعُوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطَروا.
ولم ينقضوا عهدَ الله وعهد رسوله؛ إلاَّ سلّط الله عليهم عدواً من غيرهم، فأَخذوا بعض ما في أيديهم.
وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيّروا ممّا أنزل الله؛ إِلا جَعَل الله
стр. 857
بأسهم بينهم" (١).
حُكم مانعها
من امتنع عن أداء الزكاة غير منكر وجوبها، فإِنّ للحاكم أنْ يأخذ الزكاة منه قهراً، وشطر ماله عقوبة.
فعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه (٢) قال: "لا يفرق إِبل عن حسابها (٣)، من أعطاها مؤتجراً (٤) فله أجرها، ومن أبى فإِنّا آخِذوها وشطر ماله، عَزْمةً (٥) من عَزَمات ربّنا، لا يحلّ لآل محمّد ﷺ منها شيئاً" (٦).
قتال من يمنعها
ولو امتنع قوم عن أدائها مع اعتقادهم وجوبها وكانت لهم قوّة ومنَعة؛
стр. 858
فإِنّهم يقاتَلون عليها حتى يعطوها (١) قال الله تعالى: ﴿فإِن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلَهم﴾ (٢).
وعن ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إِله إلاَّ الله، وأنَّ محمّداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة.
فإِذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقِّ الإِسلام، وحسابهم على الله" (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "لمّا توفّي رسول الله ﷺ ، وكان أبو بكر ﵁ وكفَر من كفَر من العرب، فقال عمر ﵁: كيف تقاتل الناس؛ وقد قال رسول الله ﷺ : أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إِله إِلا الله، فمن قالها فقد عصَم منّي ماله ونفسه إلاَّ بحقِّه، وحسابه على الله؟!
فقال: والله لأقاتلنَّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإِنَّ الزكاة حق المال، والله لو منعنوني عَناقاً (٤) كانوا يؤدّونها إِلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منْعها.
قال عمر ﵁: فوالله ما هو إلاَّ أنْ قد شَرح الله صدر أبي بكر ﵁ فعرفتُ أنّه الحقُّ" (٥).
стр. 859
وفي بعض روايات البخاري ومسلم: عِقالاً (١).
جاء في "الروضة النديّة" (١/ ٤٦٠): "قال مالك: الأمر عندنا أنّ كلّ من منَع فريضة من فرائض الله تعالى، فلم يستطع المسلمون أخذها كان حقاً عليهم جهاده حتّى يأخذوها منه، وبلغه أنّ أبا بكر الصِّدّيق ﵁ قال: "لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه" كذا في "المسوّى"".
وسألت شيخنا ﵀ هل يجب على الحاكم قتال مانعي الزكاة؟
فأجاب: إِذا غلب على ظنّه الانتصار عليهم فَعل.
على من تَجِب ؟
تجب على كلّ مسلم (٢) حرّ مالك النصاب.
ولا تجب على غير المؤمنين لحديث ابن عمر ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: "على المؤمنين في صدقة الثمار -أو مال العقار- عُشر ما سقتِ العينُ وما سقتِ السماء، وعلى ما يُسقى بالغَرْب (٣) نصفُ العُشْر" (٤).
стр. 860
قال البيهقي: "وفيه كالدّلالة على أنها لا تُؤخَذ من أهل الذِّمّة".
"قلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: وكيف تُؤخَذ منهم وهم على شِركهم وضلالهم؟! فالزكاة لا تزكيهم وإنما تُزكّي المؤمن المزكَّى من دَرَن الشرك؛ كما قال الله تعالى: ﴿خُذ من أموالهم صدقةً تُطهِّرهم وتزكيهمْ بها وصلِّ عليهم إِنَّ صلاتك سَكَنٌ لهم﴾ (١).
فهذه الآية تدلّ دلالة ظاهرة، على أنّ الزكاة إِنّما تُؤخَذ من المؤمنين، لكن الحديث أصرح منها دلالة على ذلك.
وإنّ من يدرس السيرة النبوية، وتاريخ الخلفاء الراشدين، وغيرهم من خلفاء المسلمين وملوكهم؛ يعلم يقيناً أنّهم لم يكونوا يأخذون الزكاة من غير المسلمين المواطنين، وإنّما كانوا يأخذون منهم الجزية؛ كما ينصّ عليها الكتاب والسنّة". انتهى.
جاء في "المحلّى" (٥/ ٣٠٧): "ولا يجوز أخذ الزكاة من كافر.
قال أبو محمّد: هي واجبة عليه، وهو معذَّب على منْعها، إِلا أنها لا تجزئ عنه إِلا أنْ يُسلِم.
وكذلك الصلاة ولا فرْق، فإِذا أسلم فقد تفضّل بإِسقاط ما سلف عنه من كلّ ذلك!
قال الله تعالى: ﴿إِلاّ أصحاب اليمين * في جنّات يتساءلون * عن المجرمين * ما سَلَكَكُم في سقر * قالوا لم نك من المصلّين * ولم نك
стр. 861
نُطعِم المسكين * وكنّا نخوض مع الخائضين * وكنّا نُكذِّب بيوم الدِّين * حتّى أتانا اليقين﴾ (١).
وقال الله : ﴿وويلٌ للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون﴾ (٢).
ماذا يُشتَرط في النصاب ؟
١ - أن يكون فاضلاً عن الحاجات الضرورية؛ التي لا يَستغني المرء عنها؛ كالمطعم والملبس، والمسكن والمركب، وآلات الحرفة.
٢ - أن يحول عليه الحول الهجريّ، وابتداؤه من يوم مُلْك النصاب.
لحديث عائشة ﵂ قالت: "لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول" (٣).
وهذا الشرط لا يمضي في زكاة الزروع والثمار، لأنّها تجب يوم الحصاد، قال الله تعالى: ﴿وءاتوا حقّه يوم حصاده﴾ (٤).
كيف يُزكّي إِذا تعدّدت الأنصبة ؟
الأصل عدم إِخراج زكاة النصاب إِلا إِذا حال عليه الحول، فإِذا كانت
стр. 862
الأنصبة قليلة؛ وتمكّن من ذلك فعَل، وإلا أَخْرَج من مجموع المال؛ تيسيراً على نفسه.
سُئل شيخنا ﵀ عن رجل عنده أموال أثناء السنة الأولى؛ ثمّ جاءته أرباح، فلمّا دخلت السنة الثانية؛ وجد عدّة أنصبة، وليس نصاباً واحداً، فكيف يُخرِج زكاته؟
فأجاب ﵀: "اختلف العلماء في كيفية إِخراج الزكاة؛ فمنهم من قال: يُخرِج عن مجموع ما عنده من الأنصبة التي وجب عليها الزكاة، وعلى الأنصبة الأخرى التي لم يحُلْ عليها الحول كذلك.
ومنهم من قال: كلما توفّر عنده نصابٌ سجَّله، وانتظر أن يحُول عليه الحَوْل.
والنظر إِلى قاعدة التيسير يجعلني أُرجِّح القول الأول، إِذ متابعة الأنصبة مُرهِق لعقل (الكمبيوتر)؛ فضلاً عن عقل الإِنسان فيُخرج عن الأرباح، شريطة أن يكون هناك أصل؛ وهو النصاب الذي حال عليه الحول". انتهى.
قلت: "ولا شكّ أنّ في هذا زيادةً على الزكاة الواجبة، فيُؤجَر عليها ويريح نفسه من بَلْبَلَة تعدّد الأنصبة. والله -تعالى- أعلم".
هل في مال الصغير والمجنون زكاة ؟
اختلف العلماء في هذه المسألة، فمنهم من رأى وجوب ذلك.
وقالوا: إِنّ النصوص في إِيجاب الزكاة تفيد العموم، ومن ذلك الصغير والمجنون، والزكاة حقُّ الفقراء؛ أكان مِن صغير أو كبير أو مجنون أو عاقل.
стр. 863
قال ابن حزم ﵀ في "المُحلّى" (٥/ ٣٠٢) -بحذف-: "وأمّا مال الصغير والمجنون؛ فإِنّ مالكاً والشافعي قالا بقولنا؟ وهو قول عمر ابن الخطاب، وابنه عبد الله، وأمّ المؤمنين عائشة، وجابر وابن مسعود، وعطاء وغيره.
وقال أبو حنيفة: لا زكاة في أموالهما من الناضّ (١) والماشية خاصة، والزكاة واجبة في ثمارهما وزروعهما.
ولا نعلم أحداً تقدّمه إِلى هذا التقسيم!
وقال الحسن البصري، وابن شبرمة: لا زكاة في ذهبه وفضّته خاصّة -وأمّا الثمار والزروع والمواشي ففيها زكاة.
وأمّا إِبراهيم النخعي، وشريح، فقالا: لا زكاة في ماله جملة!
قال أبو محمّد: إِنْ موّه مُمَوِّه منهم بأنّه لا صلاة عليهما؟ قيل له: قد تسقط الزكاة عمن لا مال له ولا تسقُط عنه الصلاة!
وإِنّما تجب الصلاة والزكاة على العاقل والبالغ؛ ذي المال الذي فيه الزكاة، فإِنْ سقط المال: سقَطت الزكاة، ولم تسقُط الصلاة؛ وإِنْ سقَط العقل، أو البلوغ: سقَطَت الصلاة ولم تسقُط الزكاة؛ لأنه لا يسقط فرض أوجبه الله تعالى، أو رسوله ﷺ ، إِلا حيث أسقطه الله تعالى أو رسوله ﷺ .
стр. 864
ولا يسقُط فرض من أجل سقوط فرض آخر بالرأي الفاسد، بلا نصّ قرآن ولا سُنّة.
وأيضاً: فإِنْ أسقطوا الزكاة عن مال الصغير والمجنون لسقوط الصلاة عنهما، ولأنهما لا يحتاجان إِلى طهارة؛ فليُسقطاها بهذه العلّة نفسها من زرعهما وثمارهما ولا فرق؛ وليُسقطا أيضاً عنهما زكاة الفطر بهذه الحُجّة!
فإِنْ قالوا: النصّ جاء بزكاة الفطر على الصغير؟
قلنا: والنص جاء بها على العبد، فأسقطتموها عن رقيق التجارة بآرائكم، وهذا ممّا تركوا فيه القياس، إِذ لم يقيسوا زكاة الماشية والناضّ، على زكاة الزرع، والفِطر، أو فليوجبوها على المكاتب؛ لوجوب الصلاة عليه، ولا فرق.
وقد قال بعضهم: زكاة الزرع والثمرة حقٌّ واجب في الأرض، يجب بأوّل خروجهما.
قال أبو محمّد: ولا فرق بين وجوب حقّ الله تعالى في الزكاة في الذهب والفضة والمواشي؛ من حين اكتسابها إِلى تمام الحول، وبين وجوبه في الزرع والثمار؛ من حين ظهورها إِلى حلول وقت الزكاة فيها، والزكاة ساقطة بخروج كلّ ذلك عن يد مالكه قبل الحول، وقبل حلول وقت الزكاة في الزرع والثمار.
وإِنّما الحقّ على صاحب الأرض لا على الأرض، ولا شريعة على أرض أصلاً، إِنما هي على صاحب الأرض!
قال الله تعالى: ﴿إِنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبَيْن أن يحمِلنها وأشفَقْن منها وحمَلَها الإِنسان إِنّه كان ظلوماً
стр. 865
جهولاً﴾ (١).
فظهر كذب هذا القائل وفساد قوله.
وأيضاً فلو كانت الزكاة على الأرض لا على صاحب الأرض؛ لوجب أخْذها في مال الكافر مِن زرعه وثماره، فظهر فساد قولهم وبالله التوفيق.
ولا خلاف في وجوب الزكاة على النساء كهي على الرجال؛ وهم مُقرّون بأنها قد تكون أَرْضُون كثيرة؛ لا حقّ فيها من زكاة، ولا من خَراج، كأرض مسلم؛ جعَلها قصباً وهي تغلّ المال الكثير، أو ترَكَها لم يجعل فيها شيئاً، وكأرض ذمّي صالَح على جزية رأسه فقط.
وقد قال سفيان الثوري والحسن البصري وأشهب والشافعي: إِنّ الخراجي الكافر إِذا ابتاع أرض عشر من مسلم؛ فلا خراج فيها ولا عشر.
وقد صحّ أنّ اليهود والنصارى والمجوس بالحجاز واليمن والبحرين؛ كانت لهم أرضون في حياة النّبيّ ﷺ ، ولا خلاف بين أحد من الأُمة؛ فى أنّه لم يجعل ﵇ فيها عُشراً ولا خراجاً.
فإِن ذكروا قول رسول الله ﷺ : "رُفع القلم عن ثلاث". فذكر "الصبي حتى يبلُغ والمجنون حتى يُفيق" (٢).
قلنا: فأسقطوا عنهما بهذه الحُجّة زكاة الزرع والثمار، وأرُوش (٣) الجنايات
стр. 866
التي هي ساقطة بها لا شكّ، وليس في سقوط القلم سقوط حقوق الأموال، وإنّما فيه سقوط المَلاَمة، وسقوط فرائض الأبدان فقط. وبالله -تعالى- التوفيق.
فإِنْ قالوا: لا نيّة لمجنون، ولا لمن لم يبلغ؛ والفرائض لا تجزئ إِلا بنيّة!
قلنا: نعم، وإنّما أمر بأخذها الإِمام والمسلمون، بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (١)، فإِذا أخَذَها من أُمِر بأخذها بنية أنها الصدقة أجزأت عن الغائب، والمُغْمَى عليه، والمجنون، والصغير، ومن لا نيّة له.
والعجب أنّ المحفوظ عن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- إِيجاب الزكاة في مال اليتيم".
ثمَّ ذكر ﵀ بعض الآثار في ذلك.
وقال الشيخ أحمد شاكر ﵀ في التعليق على "المحلّى" (٥/ ٣٠٤): "وكان الأصحّ أنّ الزكاة تجب في المال، كما تجب الدِّيَة، وكما يجب العِوَض، وكما يجب الثمن مثَلاً، وأنّ وليّ الصبيّ أو المجنون مُكلَّف بإِخراجها من مال مَحْجُورِه، وأنّ وليّ الأمر يجب عليه استيفاؤها من المال".
قال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ١٧): "وتجب الزكاة في مال اليتامى؛ عند مالك والليث والشافعي وأحمد وأبي ثور، وهو مرويّ عن عمر وعائشة وعليّ وابن عمر وجابر ﵃ ... ".
وجاء في "الروضة النديّة" (١/ ٤٦٠) -ردّاً على من يقول بإِيجابها تحت شرط: "إِذا كان المالك مُكلَّفاً"-: "اعلم أنّ هذه المقالة قد يَنْبُو
стр. 867
عنها ذِهن من يسمعها، فإِذا راجع الإِنصاف، ووقف حيث أوقفه الحقّ، عَلِم أنّ هذا هو الحقّ، وبيانه أنّ الزكاة هي أحد أركان الإِسلام، ودعائمه وقوائمه، ولا خلاف أنّه لا يجب شيء من الأربعة الأركان؛ التي الزكاة خامستها على غير مكلّف، فإِيجاب الزكاة عليه، إِنْ كان بدليل فما هو؟ فما جاء عن الشارع في هذا شيء ممّا تقوم به الحُجّة.
كما يُروَى عن النّبي ﵌ أنه أمر بالاتّجار في أموال الأيتام؛ لئلاّ تأكلها الزكاة، فلم يصحّ ذلك في شيء مرفوعاً إِلى النّبيّ ﷺ (١)، فليس ممّا تقوم به الحُجّة.
وأمّا ما رُوي عن بعض الصحابة فلا حُجّة فيه أيضاً، وقد عُورِض بمِثله.
وإِنْ قال قائل: إِنّ الخطاب في الزكاة عامّ كقوله: ﴿خُذْ مِن أموالهم﴾ (٢) ونحوه، فذلك ممنوع.
وليس الخطاب في ذلك إِلا لمن يصلُح له الخطاب، وهم المكلّفون، وأيضاً بقيّة الأركان، بل وسائر التكاليف التي وقع الاتفاق على عدم وجوبها على من ليس بمُكلّف، الخطابات بها عامّة للناس، والصبيّ مِن جُمْلة الناس.
فلو كان عموم الخطاب في الزكاة مسوغاً لإِيجابها على غير المكلّفين؛ لكان العموم في غيرها كذلك، وأنّه باطل بالإِجماع، وما استلزم الباطل باطل، مع أنّ تمام الآية -أعني قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ - يدلّ على عدم وجوبها على الصبيّ، وهو قوله: ﴿تُطهّرهم وتزكّيهم بها﴾ فإِنّه لا
стр. 868
معنى لتطهير الصبيّ، والمجنون، ولا لتزكيته، فما جعلوه مُخصّصاً لغير المكلفين في سائر الأركان الأربعة؛ لزمهم أن يجعلوه مُخصّصاً في الركن الخامس وهو الزكاة.
وبالجملة: فأموال العباد محرَّمة بنصوص الكتاب والسنَّة، لا يُحلّلها إلاَّ التّراضي، وطِيبة النّفْس.
أمّا ورود الشرع كالزكاة، والدِّيَة، والأرْش، والشُّفعة (١)، ونحو ذلك، فمن زعم أنه يحل مال أحد من عباد الله، سيّما مَن كان قلمُ التكليف عنه مرفوعاً؛ فعليه البرهان، والواجب على المُنْصِف أن يقف موقف المنع حتى يزحزحه عنه الدليل.
ولم يوجب الله تعالى على وليّ اليتيم، والمجنون أن يخرج الزكاة من مالهما، ولا أمَره بذلك، ولا سوّغه له، بل ورَدت في أموال اليتامى تلك القوارع التي تتصدّع لها القلوب، وترجُف لها الأفئدة (٢) ".
وفيها (ص ٤٦٢): " .. فمن أوجَب على الصبيّ زكاة في ماله تمسُّكاً بالعمومات، فليوجب عليه بقيّة الأركان تمسُّكاً بالعمومات.
стр. 869
وبالجملة: فالأصل في أموال العباد الحرمة ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (١)، "لا يحلّ مالُ امرئٍ مُسلم إلاَّ بطيبةٍ من نفسه" (٢)، ولا سيما أموال اليتامى، فإِنّ القوارع القرآنية، والزواجر الحديثية فيها؛ أظهر من أن تُذكَر وأكثر من أن تُحصَر، فلا يأمن وليّ اليتيم إِذا أخذ الزكاة من ماله من التَّبعة، لأنه أخَذ شيئاً لم يُوجِبه الله على المالك، ولا على الوليّ ولا على المال.
أما الأوّل: فلأنّ المفروض أنه صبيٌّ لم يحصُل له ما هو مناط التكاليف الشرعية؛ وهو البلوغ.
وأمّا الثاني: فلأنه غير مالك للمال، والزكاة لا تجب على غير مالك.
وأمّا الثالث: فلأنّ التكاليف الشرعية مختصة بهذا النوع الإِنساني؛ لا تجب على دابّة ولا جماد، والله أعلم".
وسألت شيخنا ﵀ عن زكاة أموال اليتامى فقال: "لا زكاة على مال من لم يبلغ سنّ الاحتلام على الراجح".
وفي "تبيين المسالك" (٢/ ٦٧) للشيخ عبد العزيز الإِحسائي -بعد أن نقل أدلّة الموجب وغير الموجب- "وقال أبو حنيفة: لا تجب في مال صبي ولا مجنون واحتجّ بحديث: "رُفع القلم عن ثلاث".
وله عدة ألفاظ منها:
стр. 870
"رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ (وفي رواية: وعن المجنون (وفي لفظ: المعتوه) حتى يعقل أو يُفيق) وعن الصبى حتى يكبَر. (وفي رواية: حتى يحتلم) " (١).
المالك المَدِين:
من كان في يده مالٌ تجب الزكاة فيه، وهو مدين؛ أخرج منه ما يفي بدينه وزكّى الباقي؛ إِن بلَغ نصاباً، وإن لم يبلغ النصاب فلا زكاة فيه، لأنّه في هذه الحالة فقير (٢).
ومن الأدلّة على ذلك قول رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁: " ... فأخبِرهم أنَّ الله قد فرَض عليهم صدقة؛ تُؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم" (٣).
وسألْتُ شيخنا ﵀: مَن ملك النصاب، وعليه ديونٌ تستغرق النصاب؛ فهل يجب عليه الزكاة أم لا؟
فأجاب ﵀: "ما دام المال في حَوْزَته، وحال عليه الحول فلا بُدّ من إِخراج الزكاة، ولو كان عليه من الدَّين ما يستغرق النصاب كلّه، فإِذا كان ينوي عدم إِخراج الزكاة؛ فعليه أن يفيَ الناس حقوقهم وديونهم".
стр. 871
من مات وعليه الزكاة
من مات وعليه زكاة سنة أو سنتين أو أكثر؛ فإِنّها تجب في ماله، وتقدَّم على الدائنين والوصية والورثة؛ لقول الله تعالى في شأن المواريث: ﴿مِن بعْد وصيةٍ يُوصِي بها أو دين﴾ (١)، والزكاة دَينٌ قائم لله تعالى (٢).
وعن ابن عباس ﵄ قال: "جاء رجل إِلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! إِنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: نعم؛ فدَين الله أحقُّ أن يُقضى" (٣).
قال الإِمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "ومن مات وعليه زكاة أُخِذَت من تَرِكته ولو لم يوص بها ... لأنها حقٌّ واجب تصحّ به الوصيّة، فلم يسقُط بالموت، كدَين الآدمي" (٤). وذكَر الحديث.
قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (٦/ ١١٣): "فلو مات الذي وجَبَتْ عليه الزكاة سنة أو سنتين؛ فإِنها من رأس ماله، أقرَّ بها أو قامت عليه بيّنة، ورثه ولده أو كَلاَلهَ (٥)، لا حقّ للغرماء ولا للوصية ولا للورثة حتى تُسْتَوْفى كلها؛ سواء في ذلك العين والماشية والزرع.
стр. 872
وهو قول الشافعي وأبي سليمان وأصحابهما".
وقال ﵀ (ص ١١٤): "والعجب كلّه من إيجابهم الصلاة بعد خروج وقتها على العامِد لتركها، وإِسقاطهم الزكاة ووقتها قائم عن المتعمّد لتركها".
وقال ﵀ (ص ١١٦): "ويُسألون عن الزكاة، أفي الذّمّة هي أم في عين المال؟ ولا سبيل إِلى قسم ثالث!
فإِنْ قالوا: في عين المال، فقد صحّ أنّ أهل الصدقات شركاء في ذلك المال، فمن أين وجب أن يبطل حقّهم؛ وتبقى ديون اليهود والنصارى؟
وإنْ قالوا: في الذِّمّة، فمن أين أسقطوها بموته؟! ".
أداؤُها وقت الوجوب (١)
يجب إِخراج الزكاة فوراً عند وجوبها، ويحرُم تأخير أدائها عن وقت الوجوب.
فعن عُقبة بن الحارث ﵁ قال: "صلّيتُ مع النّبيّ ﷺ العصر، فلّما سلّم؛ قام سريعاً حتى دخَل على بعض نسائه، ثمَّ خرج ورأى ما
стр. 873
في وجوه القوم مِن تعجُّبهم لسرعته، فقال: ذكرتُ وأنا في الصلاة تِبراً (١) عندنا؛ فكرهتُ أن يمسي أو يبيت عندنا، فأمرتُ بقسمته" (٢).
التعجيل بأدائها قبل الحول
يجوز تعجيل الزكاة قبل الحول؛ لما ثبت عن علىّ ﵁ "أنّ النّبيّ ﷺ تعجَّل من العبّاس صدقته سنتين" (٣).
قال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٨٥): "وأمّا تعجيل الزكاة قبل وجوبها بعد سبب الوجوب؛ فيجوز عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد ... ".
مَن أحَبَّ تعجيل الزكاة من يومها (٤)
عن عقبة بن الحارث ﵁ قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ العصر فأسرَع، ثمّ دَخل البيت فلم يلبث أنْ خرج، فقلت أو قيل له، فقال: "كنت خَلَّفْتُ في البيت تِبراً من الصدقة فكرهت أن أبيِّته، فقسَمْته" (٥).
стр. 874
عدم ذهاب السُّعَاة لجمع الأموال الباطنة ويتولّى الرجل تَفْرِقة أمواله الباطنة بنفسه
لحديث أبي هريرة ﵁ المتقدّم وفيه: " ... ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه".
واعلم -رحمك الله- أنّه قد ورَد عدد من النصوص؛ فى ذَهاب السعاة لتحصيل زكاة الأموال الظاهرة من الحيوان: الإِبل والبقر والغنم، ومن الحبوب: البرُّ والشعير، ومن الثمار: النخل والعنب.
أمّا الأموال الباطنة؛ كالذهب والفضة والركاز، فالناس مؤتمنون عليها ولم يثبت إِرسال النّبيّ ﷺ المصدّقين لتحصيلها.
قال شيخنا في "تمام المِنّة" (ص ٣٨٣) في مناقشة السيد سابق -رحمهما الله تعالى (١) -:
"لم أجِدْ في السُّنّة أنّ النّبيّ ﷺ كان يبعث من يجمع الصدقات من الأموال الباطنة -وهي عروض التجارة والذهب والفضة والركاز كما ذكر المؤلف نفسه- ولا وجدْتُ أحداً من المحدّثين ذكَر ذلك.
بل صرَّح ابن القيّم بنفي ذلك، بل إِنّه نفى أن يكون البعث المذكور؛ في
стр. 875
الكتاب في الأموال الظاهرة على عمومه، حيث قال في "الزاد":
"كان ﷺ يبعث سعاته إِلى البوادي، ولم يكن يبعثهم إِلى القرى، ولم يكن من هديه ﷺ أن يبعث سعاته إلاَّ إِلى أهل الأموال الظاهرة؛ من المواشي والزروع والثمار".
ولو صحّ ما ذكَره المؤلف؛ لكان دليلاً من السّنّة على وجوب الزكاة على عروض التجارة. فتأمّل.
وقال أبو عبيد (رقم ١٦٤٤): "سُنّة الصامت (١) خاصّة أن يكون الناس فيه مؤتمنين عليه".
لم أجده كذلك عن الخلفاء الثلاثة، بل روى أبو عبيد (رقم ١٨٠٥)، والبيهقي (٤/ ١١٤) عن أبي سعيد المقبري، قال:
"أتيتُ عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين! هذه زكاة مالي -قال: وأتيته بمائتي درهم- فقال: أعَتَقْت يا كيسان؟ فقلت: نعم، فقال: فاذهب بها أنت فاقسمها". إِسناده جيد.
فهذا عمر ﵁ قد أولى تفريق الزكاة إِلى صاحبها خلافاً لما نقَله المؤلف عنه، وقد ترجم البيهقي لهذا الأثر بـ "باب الرجل يتولّى تفريق زكاة ماله الباطنة بنفسه".
ما نقله عن عثمان أنّه سار على ذلك النّهج ... إِلخ. لم أجد له أصلاً في شيء من كتب الآثار، ولا ذَكَره أحد من أئمّة الحديث -فيما علمت-.
стр. 876
والظاهر أنّ المؤلف نقَله -وكذا ما قبله- من بعض كتب الفقه أو غيرها؛ التي لا تتحرّى الثابت مما يُروى". والله أعلم.
الأموال التي تجب فيها الزكاة
تجب الزكاة في النقدين الذهب والفضة، والزروع، والثمار والمواشي والركاز (١).
زكاة النقدين الذَّهب والفضّة
ما جاء في الترهيب من كنز الذّهب أو الفضّة وعدم إِخراج زكاتها:
قال الله تعالى: ﴿والذّين يكنزون الذّهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشِّرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنَّم فتُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كَنَزْتُم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنِزون﴾ (٢).
نصاب الذهب ومقدار الواجب فيه ؟
نصاب الذهب عشرون ديناراً (٣). وفيه ربع العشر.
стр. 877
عن عليّ ﵁ قال: " ... فإِذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول؛ فعليها خمسة دراهم، وليس على شيء -يعني في الذهب- حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإِذا كان لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول؛ ففيها نصف دينار" (١).
وعن ابن عمر وعائشة: "أن النّبيّ ﷺ كان يأخذ من كل عشرين ديناراَّ فصاعداً، نصف دينار، ومن الأربعين ديناراً، ديناراً" (٢).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: "ليس في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب، ولا في أقلّ من مائتي درهم صدقة" (٣).
قال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ١٢): "وأمّا نصاب الذهب؛ فقد قال مالك في "الموطأ": السُّنّة التي لا اختلاف فيها عندنا: أنَّ الزكاة تجب في عشرين ديناراً؛ كما تجب في مائتي درهم.
فقد حكى مالك إِجماع أهل المدينة، وما حُكي خلافٌ؛ إِلا عن الحسن أنه قال: لا شيء في الذهب حتى يبلغ أربعين مثقالاً. نقَله ابن المنذر".
فائدة: سُئل شيخنا ﵀ هل يخرج زكاة ذهبه نقداً أم منه نفسه؟
فأجاب ﵀: "الأصل إِخراج الذهب منه، وإخراج النقود لما لا
стр. 878
ينفكّ عنه. وتُراعى المصلحة في الأمر (١)، كأمر نقْل الزكاة (٢) ".
وسألت شيخنا ﵀: ماذا تفعل إِذا كان عندها ذهب ولا مال معها لإِخراج الزكاة؟ فقال: تبيع منه".
نصاب الفضة ومقدار الواجب
نصاب الفضة مائتا درهم وفيها ربع العُشر (٣).
عن عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قد عفوتُ عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقَة (٤) من كلّ أربعين درهماً درهماً، وليس في تسعين ومائة شيء، فإِذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم" (٥).
وعن أنس "أنّ أبا بكر ﵄ كَتَب له هذا الكتاب لمّا وجّهه إِلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه فريضة الصدقة التي فرَض رسول الله ﷺ على المسلمين؛ والتي أمَر الله بها رسوله ... " وفيه: "وفي الرّقَة
стр. 879
رُبْع العُشر" (١).
زكاة العملات الورقيّة والمعدنية
"والعملات الورقيّة والمعدنية المتعامل بها اليوم؛ حُكمها حُكم النقدين: الذهب والفضة، فينظر إِلى ما يقابلها من النقدين، فإِن بلغت قيمتها عشرين مثقالاً، أو مائتي درهم، وحال عليها الحول، زُكّيت" (٢).
زكاة الدَّيْن
الدَّيْن دَيْنَان:
١ - دَيْن يرجى رجوعه، والراجح أنّه يلزمه إِخراج الزكاة في الحال؛ لأنّه قادر على أَخْذِه والتصرُّف فيه.
٢ - دين لا يُرجى رجوعه، لعُسرٍ ألمَّ بصاحبه، أو جحودٍ أو مماطلة، فهذا لا تجب فيه الزكاة.
وإذا قبضَه يزكّي عن كلّ ما مضى؛ لأنه حقٌّ متعلّق بالعباد.
عن عائشة ﵂ قالت: "ليس في الدَّيْن زكاة" (٣)
стр. 880
وعنها قالت: "ليس فيه زكاة حتى يقبضه" (١).
وعن علي ﵁ في الدين الظَّنون (٢) "إِنْ كان صادقاً فليزكّه إِذا قَبضه، لِما مضى" (٣).
زكاة الحُليّ
اختلف العلماء في هذه المسألة وهناك آثار تفيد إِخراج الزكاة عنها، وأخرى تفيد عدم الإِخراج؛ ذكَرها ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (٤).
زكاة الحُلي واجبة لعموم الآيات والأحاديث الآمرة بالزكاة، ولا دليل على الاستثناء.
قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (٦/ ١٠٠): " ... صحّ عن النّبيّ ﷺ إِيجاب الزكاة في الذهب عموماً؛ ولم يخصّ الحُلي من سقوط الزكاة فيه؛ لا بنصّ ولا بإِجماع، فوجبت الزكاة بالنّصّ في كلّ ذهب وفضّة.
وخصّ الإِجماع المتيقّن بعض الأعداد منهما وبعض الأزمان، فلم تجب الزكاة فيهما؛ إلاَّ في عدد أوجبه نصٌّ أو إِجماع، وفي زمان أوجبه نصٌّ أو إِجماع، ولم يُجز تخصيص شيء منها؛ إِذ قد عمَّهما النصّ؛ فوجَب أنْ لا يُفرَّق بين أحوال الذهب بغير نصّ ولا إِجماع.