← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

في كلّ عشرة أزُقّ زِقّ" (١). وجاء في "تمام المِنّة" (ص ٣٧٤) لشيخنا في الردّ على السيد سابق -رحمهما الله- في ذِكْره قول البخاري "ليس في زكاة العسل شيء يصحّ": "أقول [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: ليس هذا على إِطلاقه، فقد روي فيه أحاديث؛ أحسنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأصحّ طُرقه إِليه طريق عمرو بن الحارث المصري عن عمرو بن شعيب ... بلفظ: "جاء هلال أحد بني مُتعان إِلى رسول الله ﷺ بعشور نحل له، وكان سأله أن يحمي له وادياً يقال له: (سَلَبَة)، فحمى له رسول الله ﷺ ذلك الوادي. فلمّا وَلِيَ عمر بن الخطاب، كتب سفيان بن وَهْب إِلى عمر يسأله عن ذلك، فكتب عمر: إِنْ أدّى إِليك ما كان يؤدّي إِلى رسول الله ﷺ من عشور (٢) نحله، فاحْمِ له (سَلَبته)، وإِلا فإِنما هو ذباب غيث (٣) يأكله من يشاء". قلت: وهذا إِسناد جيد، وهو مخرج في "الإِرواء" (٨١٠)، وقواه الحافظ في "الفتح"، فإِنّه قال عقبه (٣/ ٣٤٨): "وإسناده صحيح إِلى عمرو،

стр. 912

وترجمة عمرو قوية على المختار، لكن حيث لا تعارض ... إلاَّ أنّه محمول على أنه في مقابلة الحمى كما يدل عليه كتاب عمر بن الخطاب". وسبقه إِلى هذا الحمل ابن زنجويه في "الأموال" (١٠٩٥ - ١٠٩٦)، ثمّ الخطابي في "معالم السنن" (١/ ٢٠٨)، وهو الظاهر، والله أعلم. ولدقة المسألة حديثياً وفقهياً، اضطرب فيه رأي الشوكاني، فذهب في "نيل الأوطار" (٤/ ١٢٥) إِلى عدم وجوب الزكاة على العسل، وأعلّ أحاديثه كلها، وأما في "الدرر البهية " فصرَّح بالوجوب، وتبعه شارحه صديق خان في "الروضة الندية" (١/ ٢٠٠)، وأيَّد ذلك الشوكاني في "السيل الجرار" (٢/ ٤٦ - ٤٨)، وقال: "وأحاديث الباب يُقوّي بعضها بعضاً". فلم ينتبه إِلى الفَرق، واختلاف دلالة بعضها عن بعض، فهذه الطريق الصحيحة دلالتها مقيّدة بالحَمي -كما رأيت- والأخرى مطلقة، ولكنها ضعيفة لا تنهض للاحتجاج بها، كما قال هو نفسه في "النيل"، ثم تبنى العمل بها في المصدرين المشار إِليهما، ونسي قاعدة "حمل المطلق على المقيد" التي يُكرّرها في كثير من المسائل التي تتعارض فيها الأدلة، فيجمع بينها بها. إِذا تبين هذا؛ فنستطيع أن نستنبط مما سبق؛ أنّ المناحل التي تتخذ اليوم في بعض المزارع والبساتين لا زكاة عليها، اللهمّ إلاَّ الزكاة المطلقة؛ بما تجود به نفسه، على النحو الذي سبَق ذِكره في عروض التجارة. والله أعلم". انتهى. قال السندي: " .. وعُلِم أنَّ الزكاة فيه غير واجبة على وجه يجبر صاحبه

стр. 913

على الدفع؛ لكن لا يلزم الإِمام حمايته إلاَّ بأداء الزكاة" (١). زكاة الحيوان لقد وردَت نصوص في إِيجاب الزكاة في الإِبل والبقر والغنم (٢). ويشترط لإِيجاب الزكاة فيها: ١ - أن تبلغ النصاب. ٢ - أن يحول عليها الحول، وهذان الشرطان بُيِّنا في الأحاديث السابقة. ٣ - أن تكون سائمة، أي: تُرسل للرعي في الكلأ ولا تُعلَف. لقوله ﷺ : " ... وفي صدقة الغنم في سائمتها؛ إِذا كانت أربعين إِلى عشرين ومائة؛ شاة ... " (٣). زكاة الإِبل والمقدار الواجب ولا تجب الزكاة في الإِبل؛ حتى تبلغ خمساً؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: "كتَب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة، فلم يُخرجه إلى عمّاله حتى قُبض، فقَرن بسيفه، فَعمِل به أبو بكر حتى قُبض، ثمَّ عمل به عمر حتى قُبض، فكان فيه: "في خمس عن الإِبل شاة ... " (٤).

стр. 914

ولقوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسٍ من الإِبل صدقة" (١). ولقوله ﷺ : "ومن لم يكن معه إِلا أربع من الإِبل فليس فيها صدقة؛ إلاَّ أن يشاء ربُّها، فإِذا بلغت خمساً من الإِبل؛ ففيها شاة" (٢). وتجب الزكاة في الإِبل؛ على نحو ما جاء في الحديث الآتي: "عن أنس أنّ أبا بكر ﵄ كتب له هذا الكتاب لمَّا وجَّهه إِلى البحرين: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرَض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتى أمَر الله بها رسوله، فمن سُئِلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سُئّل فوقها فلا يُعطِ. في أربع وعشرين من الإِبل فما دونها من الغنم من كل خمس شاة. فإِذا بلغَت خمساً وعشرين إِلى خمس وثلاثين؛ ففيها بنت مخاض (٣) أنثى. فإِذا بلغَت ستّاً وثلاثين إِلى خمس وأربعين؛ ففيها بنت لَبون (٤) أنثى، فإِذا

стр. 915

بلغَت ستاً وأربعين إِلى ستين ففيها حقَّة (١) طَروقة (٢) الجمل. فإِذا بلغت واحدةً وستين إِلى خمس وسبعين ففيها جَذَعة (٣). فإِذا بلغت -يعني ستاً وسبعين- إِلى تسعين ففيها بنتا لبونٍ فإِذا بلغت إِحدى وتسعين إِلى عشرين ومائة؛ ففيها حِقَّتان طروقتا الجمل. فإِذا زادت على عشرين ومائة؛ ففي كلّ أربعين بنت لبون، وفي كلّ خمسين حِقّة. ومن لم يكن معه إِلا أربع من الإِبل؛ فليس فيها صدقة؛ إِلا أن يشاء ربّها (٤)، فإِذا بلغت خمساً من الإِبل ففيها شاة". وبهذا فإِنّ: بنت المخاض: ما دخَلت في السنة الثانية وحمَلت أمّها. بنت اللبون: ما دخَلت في السنة الثالثة فصارت أُمها لَبوناً. والحقّة: ما دخَلت في السنة الرابعة واستحقّت الركوب والتحميل.

стр. 916

والجَذَعة: ما دخَلت في السنة الخامسة وجذعت [أي: سقطت] مقدّم أسنانها أو كلّها. والخلاصة في المقدار الواجب أنّه: ١ - لا شيء في الإِبل حتى تبلغ خمساً. ٢ - من (٥ - ٢٤) من الإِبل تجب في كلّ خمس شاة. ٣ - من (٢٥ - ٣٥) من الإِبل تجب فيها بنت مخاض أنثى. ٤ - من (٣٦ - ٤٥) من الإِبل تجب فيها بنت لبون. ٥ - من (٤٦ - ٦٠) من الإِبل تجب فيها حقّة طروقة الجمل. ٦ - من (٦١ - ٧٥) من الإِبل تجب فيها جذعة. ٧ - من (٧٦ - ٩٠) من الإِبل تجب فيها بنتا لبون. ٨ - من (٩١ - ١٢٠) من الإِبل، تجب فيها حقّتان طروقتا الجمل. ٩ - من ١٢٠ فأكثر يجب في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقَّة. زكاة البقر والمقدار الواجب تجب زكاة البقر في الثلاثين منها تبيع أو تبيعة، والتبيع ذو الحول ذكَراً كان أم أنثى (١)، فإِذا بلغت أربعْين ففيها مسُنّة؛ وهي ذات الحولين. عن معاذ ﵁ "أنَّ النّبيّ ﷺ لمّا وجّهه إِلى اليمن؛ أمَره أن

стр. 917

يأخذ من البقر؛ من كل ثلاثين تبيعاً أو تبيعة، ومن كلّ أربعين مُسنَّة" (١). قال ابن عبد البَرّ في "الاستذكار": "لا خلاف بين العلماء أنَّ السُّنّة في زكاة البقر؛ على ما في حديث معاذ ﵁ وأنّه النصاب المُجمَع عليه" (٢). قال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٣٧): "والتبيع: الذي له سنة، ودخَل في الثانية، والبقرة المُسنّة: ما لها سنتان". "قال أبو بكر [ابن خزيمة]: قال أبو عبيد: تبيع ليس بسِنّ إِنّما هو صفة، وإنما سُمّي تبيعاً؛ إِذا قَوِي على اتباع أمّه في الرعي، وقال: إِنه لا يقوى على اتّباع أمّه في الرعي؛ إلاَّ أن يكون حولياً أي: قد تمّ له حول" (٣). هل في الجاموس زكاة ؟ نعم في الجاموس زكاة لأنه من صنف البقر. جاء في "اللسان": الجاموس: نوع من البقر. وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٣٧): "والجواميس بمنزلة البقر؛ حكى ابن المنذر فيه الإِجماع". وسئل شيخنا ﵀: هل في الجاموس زكاة؟ فأجاب: نعم في الجاموس زكاة؛ لأنه نوع من أنواع البقر.

стр. 918

فائدة: إِذا كان يشتري لجماله المرعى أيّام الرعي، هل فيها زكاة؟ أجاب عن هذا شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (٢٥/ ٤٨) قائلاً: "إِذا كانت راعيةً أكثر العام؛ مِثل أن يشتري لها ثلاثة أشهر أو أربعة، فإِنه يُزكّيها، هذا أظهر قولي العلماء". عن معاوية بن حيدة ﵁ قال: سمعْتُ رسول الله ﷺ يقول: "في كلّ إِبلٍ سائمة؛ في كلّ أربعين ابنة لبون (١)." (٢). زكاة الغنم والمقدار الواجب لا تجب الزكاة في الغنم حتى تبلغ أربعين، والمقدار الواجب فيها على نحو ما جاء في الحديث الآتي: "وفي صدقة الغنم في سائمتها؛ إِذا كانت أربعين إِلى عشرين ومائة شاة، فإِذا زادت على عشرين ومائة إِلى مائتين؛ شاتان، فإِذا زادت على مائتين إِلى ثلاثمائة، ففيها ثلاث، فإِذا زادت على ثلاثمائة؛ في كلّ مائة شاة. فإِذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة؛ فليس فيها صدقة؛ إِلا أن يشاء ربّها" (٣).

стр. 919

والخلاصة: ١ - لا شيء في الغنم حتى تبلغ أربعين. ٢ - من (٤٠ - ١٢٠) شاة، تجب فيها شاة واحدة. ٣ - من (١٢١ - ٢٠٠) شاة، تجب فيها شاتان. ٤ - من (٢٠١ - ٣٠٠) شاة، تجب فيها ثلاث. ٥ - ما زاد عن الثلاثمائة في كل مائة شاة. قال الحافظ في "الفتح" (٣/ ٣٣٠): "مقتضاه أنه لا تجب الشاة الرابعة حتى توفّى أربعمائة وهو قول الجمهور". فائدة: قال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٣٦): "واختلفوا فيما إِذا كان بعض الجنس أرفع من بعض، فقيل: يأخذ من أيها شاء، وقيل: من الوسط". حُكْم الأوقاص: الأوقاص: جمع وَقَص -بالتحريك-: ما بين الفريضتين؛ كالزيادة على الخمس في الإِبل إِلى التسع، وعلى العَشر إِلى أربع عشرة (١)، وقيل غير ذلك. ولا شيء في الأوقاص، وقد صحّ الدليل لذلك؛ كما في كتاب أبي بكر إِلى أنس المتقدِّم: "فإِذا كانت سائمة الرجل ناقصةً من أربعين شاة واحدة؛ فليس فيها صدقة إلاَّ أن يشاء ربُّها". وهذا في الغنم.

стр. 920

ما لا يُؤخذ في الزكاة ينبغي عدم الإِجحاف بأموال الأغنياء ومراعاة حقوقهم، فلا يؤخذ من أنْفَسها إلاَّ برضاهم، ويجب كذلك مراعاة الفقير فلا يؤخذ الحيوان المعيب، وإنّما من وسط المال. عن ابن عباس ﵄ قال: "قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل -حين بعَثه إِلى اليمن- ... فأخبِرْهم أنّ الله قد فرَض عليهم صدقة؛ تُؤخذ من أغنيائهم؛ فتردّ على فقرائهم، فإِنْ هم أطاعوا لك بذلك؛ فإِيّاك وكرائم (١) أموالهم" (٢). ومن الأدلة على ذلك: ١ - ما رواه أنس أنّ أبا بكر ﵁ كتَبَ له التي أمر الله رسوله ﷺ "ولا يخرَج في الصدقة هرِمة (٣)، ولا ذاتُ عوار (٤) ولا تيس (٥)، إلاَّ ما شاء

стр. 921

المصدِّق" (١). ٢ - وكذلك ما رواه عبد الله بن معاوية الغاضري عن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث من فعلهنّ فقد طَعِم طعْم الإِيمان: مَن عبدَ الله وحده، وأنّه لا إِله إِلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبةً بها نفسُه، رافدةً عليه كلّ عام، ولم يُعطِ الهَرِمة، ولا الدّرِنة (٢)، ولا المريضة، ولا الشَّرَط (٣) اللئيمة، ولكن من وسط أموالكم، فإِنّ الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشرّه" (٤). إِباحة دعاء الإِمام على مُخْرِج مُسِنّ ماشيته في الصدقة؛ بأن لا يبارَك له في ماشيته، ودعائه لمُخرج أفضل ماشيته في الصدقة؛ بأن يبارَك له في ماله (٥). عن وائل بن حجر: "أنَّ النّبيّ ﷺ بعَث ساعياً، فأتى رجلاً، فأتاه فَصِيلاً مخلولاً فقال النّبيّ ﷺ : بعَثْنا مُصدِّق الله ورسوله، وأنَّ فلاناً أعطاه فصيلاً مخلولاً (٦)، اللهمّ لا تبارِك فيه، ولا في إِبلِه. فبلغ ذلك الرجل فجاء بناقة حسناء، فقال: أتوب إِلى الله

стр. 922

وإِلى نبيّه ﷺ ، فقال النّبيّ ﷺ : اللهمّ بارك فيه وفي إِبِله" (١). زكاة غير الأنعام قد تقدّمت النصوص فيما تجب فيه الزكاة من الحيوان، ولم يأت نصٌّ يوجب زكاةً في الخيل أو البغال أو الحمير، بل جاء ما يبيّن العفو عن ذلك. فعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قد عفوت عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقة؛ من كل أربعين درهماً درهماً، وليس في تسعين ومائة شيء، فإِذا بلغَت مائتين ففيها خمسة دراهم" (٢). وتقدّم حديث أبي هريرة ﵁: وفيه: " ... فالحُمُر؟ قال: ما أُنزل عليّ في الحُمُر شيء، إلاَّ هذه الآية الفاذّة (٣) الجامعة ﴿فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يَرَه ومن يعمل مثقال ذرّة شرّاً يَرَه﴾ " (٤). قال ابن حزم ﵀ في "المُحلّى" (٥/ ٣٣٩): "وذهَب جمهور الناس إِلى أن لا زكاة في الخيل أصلاً". ثمّ ساق بعض الآثار بأسانيده، ومن ذلك: ١ - "عن شبيل بن عوف قال: أَمَر عمر بن الخطاب ﵁

стр. 923

الناس بالصدقة، فقال الناس: يا أمير المؤمنين! خيلٌ لنا ورقيق، افرِض علينا عشرة عشرة! فقال عمر: أمّا أنا فلا أفرض ذلك عليكم" (١). ٢ - وعن حارثة بن معزب قال: "حجَجْت مع عمر بن الخطاب ﵁ فأتاه أشراف أهل الشام فقالوا؛ يا أمير المؤمنين، إِنّا أصبنا رقيقاً ودوابَّ؛ فخُذ من أموالنا صدقةً؛ تطهرنا وتكون لنا زكاة! فقال: هذا شيء لم يفعله اللذان كانا قبلي". ثمّ قال -رحمه الله تعالى-: هذه أسانيد في غاية الصحة والإِسناد فيه أنّ رسول الله ﷺ لم يأخذ من الخيل صدقة؛ ولا أبو بكر بعده؛ وأنّ عمر لم يفرض ذلك، وأنّ علياً بعده لم يأخذها" (٢). في الجمع والتفريق: عن أنس ﵁ أنَّ أبا بكر ﵁ كتَب له التي فرَض رسول الله ﷺ : "ولا يجمع بين مُتفرِّق، ولا يُفرَّق بين مُجتَمعٍ خشية الصدقة" (٣). قال الحافظ في "الفتح" (٣/ ٣١٤): "قال مالك في "الموطَّأ": معنى هذا الحديث أن يكون النفر الثلاثة؛ لكلّ واحد منهم أربعون شاة؛ وجَبت فيها الزكاة، فيجمعونها حتى لا تجب عليهم كلّهم فيها إِلا شاة واحدة، أو

стр. 924

يكون للخليطين مائتا شاة وشاتان؛ فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فيُفرِّقونها حتى لا يكون على كلّ واحد إِلا شاة واحدة. وقال الشافعي: هو خطاب لرب المال من جهة وللساعي من جهة، فأمّر كلّ واحد منهم؛ أن لا يُحدِث شيئاً من الجمع والتفريق خشية الصدقة، فرَبُّ المال يخشى أن تكثُر الصدقة؛ فيجمَع أو يُفرِّق لتقلّ، والساعي يخشى أن تقلّ الصدقة؛ فيجمع أو يفرّق لتكثُر. فمعنى قوله خشية الصدقة: أي: خشية أن تكثُر الصدقة، أو خشية أنْ تقلّ الصدقة ... " (١). وفي رواية: "وما كان من خليطين (٢)؛ فإِنهما يتراجعان (٣) بينهما في

стр. 925

السوية" (١). وعن سويد بن غفلة ﵁ قال: سِرْتُ -أو قال: أخبَرني من سار- مع مُصدِّق (٢) النّبيّ ﷺ فإِذا في عهد رسول الله ﷺ : "أن لا تأخذ من راضع لبن (٣)، ولا تجمعَ بين مُفتَرِق ولا تُفَرِّق بين مجتَمع" (٤). من أين تُؤخَذ الصدقات ؟ عن ابن عمرو ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: "لا جَلَب (٥) ولا

стр. 926

جَنَب (١)، ولا تؤخذ صدقاتهم إلاَّ في دورهم (٢) ". وعن محمّد بن إِسحاق في قوله: "لا جَلَب ولا جَنَب": قال: أن تُصّدَّق الماشية في مواضعها، ولا تجلب إِلى المصدِّق، والجَنَب عن (غيره) هذه الفريضة أيضاً؛ لا تجنب أصحابها. يقول: ولا يكون الرجل بأقصى مواضع أصحاب الصدقة؛ فتجنب إِليه، ولكن تؤخذ في موضعه" (٣). وعن ابن عمرو ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: "تؤخَذ صدقات المسلمين على مياههم" (٤). يعني مواشيهم. وفي رواية: " ... ولا تؤخَذ صدقاتهم إلاَّ في ديارهم" (٥). إِرضاء العاملين على الصدقات عن جرير بن عبد الله قال: "جاء ناسٌ من الأعراب إِلى رسول الله ﷺ ،

стр. 927

فقالوا: إِنَّ ناساً من المصدقّين يأتوننا فيظلموننا. قال: فقال رسول الله ﷺ : أَرضوا مُصدِّقيكم. قال جرير: ما صدر عنِّي مُصدِّق، منذُ سمعتُ هذا من رسول الله ﷺ ، إلاَّ وهو عنِّي راضٍ" (١). سمة غنم الصدقة إِذا قُبِضت (٢) عن أنس قال: "دخلْتُ على النّبيّ ﷺ بأخ لي يُحنِّكه (٣) وهو في مِربدٍ (٤) له فرأيته يَسم (٥) شاة، حسبته (٦) قال: في آذانها" (٧). وفي رواية لمسلم عن أنس بن مالك ﵁ أيضاً قال: "رأيت في يد رسول الله ﷺ المِيْسَم (٨)، وهو يسِمُ أبلِ الصدقة".

стр. 928

استعمال إِبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل (١) عن أنس ﵁: "أنَّ أناساً من عُرَينة اجتووُا المدينة، فرخَّص لهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إِبل الصدقة؛ فيشربوا من ألبانها وأبوالها" (٢). زكاة الرّكاز الرّكاز لغة: مأخوذ من الرَّكز وهو الدَّفن، وهو المعدن والمال المدفون كلاهما. وشرعاً: هو دفين الجاهلية (٣). جاء في "الروضة الندية" (١/ ٥٢٤): "قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا، والذي سمِعْت أهل العلم يقولون: إِنّ الرّكاز إِنما هو دَفْنٌ يوجد من دفن الجاهلية، ما لم يُطلَب بمال، ولم يُتكلَّف فيه نفقة، ولا كبير عمل، ولا مؤنة. فأمّا ما طُلِب بمال وتُكلِّف فيه كبير عمل فأُصيب مرّة وأخُطِئ مرّة؛ فليس بركاز". قال البخاري: قال مالك وابن إِدريس (٤) الركاز دِفْن الجاهلية؛ في قليله

стр. 929

وكثيره الخُمس وليس المعدن بركاز، وقد قال النّبيّ ﷺ في المعدن جُبار (١)، وفي الركاز الخمس" (٢). وقد ردّ شيخنا ﵀ في "تمام المنّة" (ص ٣٧٧) على من يقول: إِنَّ الركاز الذي يجب فيه الخُمس: هو كلَّ ما كان مالاً؛ كالذهب والفضّة ... إِلخ. فقال: "وهذا خطأٌ مخالِف للغة، فإِنّ الركاز فيها: المال المدفون في الأرض ... والمال لغةً: ما ملكتْه من شيء. فيُستنتَج من هاتين المقدمتين أنّ الرّكاز كل ما دُفن من المال؛ فلا يختصّ بالنقدين؛ وهو مذهب الجمهور، واختاره ابن حزم، ومال إِليه ابن دقيق العيد، وكان مالك يتردّد في ذلك، ثمّ استقر رأيه آخر الأمر على هذا القول المختار، كما في "المدوّنة" ... ". قال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٨): "وجعل [الشرع] المال المأخوذ على حساب التعب، فما وُجِد من الأموال الجاهلية هو أقلّه تعباً ففيه الخُمس، ثمّ ما فيه التعب من طرف واحد، فيه نصف الخمس -وهو العشر- فيما سقَته السماء، وما فيه التعب من طرفين فيه ربع الخمس -وهو نصف العشر- فيما سقي بالنضح، وما فيه التعب في طول السنة كالعين؛ ففيه ثُمن ذلك -وهو ربع

стр. 930

العشر-". هل يشترط الحَوْل والنصاب في الركاز ؟ لا اعتبار للنصاب والحول في الركاز؛ بل تجب فيه الزكاة على الفور؛ لقوله ﷺ : "وفي الركاز الخُمس" (١). قال الحافظ في "الفتح" (٣/ ٣٦٥): "واتفقوا [أي: الجمهور] على أنّه لا يشترط فيه الحول، بل يجب إِخراج الخمس في الحال". قال شيخنا ﵀ في "تمام المِنّة" (ص ٣٧٧): "والظاهر من إِطلاق الحديث: "وفي الركاز الخمس"، عدم اشتراط النصاب، وهو مذهب الجمهور، واختاره ابن المنذر والصنعاني والشوكاني وغيرهم". مصرفه: قال شيخنا ﵀ في "تمام المِنّة" (ص ٣٧٨): " ... مصرفه يرجع إِلى رأي إِمام المسلمين؛ يضعه فيما تقتضيه مصلحة الدولة، وهو الذي اختاره أبو عبيد في "الأموال". وكأنّ هذا هو مذهب الحنابلة، حيث قالوا في مصرف الركاز. يُصرف مصرف الفيء المطلق للمصالح كلّها". هل في المعادن زكاة ؟ لم يَرِدْ نصٌّ في إِيجاب الزكاة في المعادن، إِلا ما سبق القول في الصدقة

стр. 931

المطلقة غير المقنّنة. هذا وقد ذكر عبد الرحمن بن قدامة المقدسي -رحمه الله تعالى- جمعاً من العلماء يَرْون الزكاة على المعادن قال: "قال الشافعي ومالك: لا تتعلّق الزكاة إلاَّ بالذهب والفضة ... ولأنّه مال مُقوَّم مستفاد من الأرض؛ أشبه الطين الأحمر" (١). وروى مالك (١/ ٢٤٨/٨) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد: "أنَّ رسول الله ﷺ قطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية -وهي من ناحية الفرع- فتلك المعادن لا يُؤخَذ منها إِلى اليوم إلاَّ الزكاة". ورواه عن مالك أبو داود (٣٠٦١) وأبو عبيد (٣٣٨/ ٨٦٣) والبيهقي (٤/ ١٥٢) وقال: "قال الشافعي (٢): ليس هذا مما يُثبِته أهل الحديث روايةً، ولو أثبتوه لم يكن فيه رواية عن النّبيّ ﷺ إِلا إِقطاعه، فأمّا الزكاة في المعادن دون الخمس؛ فليست مرويّة عن النّبيّ ﷺ فيه". قال البيهقي: "هو كما قال الشافعي في رواية مالك، وقد روي عن عبد العزيز الدراوردي عن ربيعة موصولاً". وضعّفه شيخنا ﵀ في "الإِرواء" تحت رقم (٨٣٠). وجاء في كتاب "الأمّ" (٤/ ١٥٣) للإِمام الشافعي ﵀: "وإذا عمل في المعادن؛ فلا زكاة في شيء مما يخرج منها؛ إِلا ذهب أو وَرِق، فأمّا الكحل والرَّصاص والنّحاس والحديد والكبريت وغيره؛ فلا زكاة فيه.

стр. 932

وإذا خرج منها ذهب أو وَرِق ويميز؛ فكان غير متميز؛ حتى يُعالج بالنار أو الطّحْن أو التحصيل؛ فلا زكاة فيه حتى يصير ذهباً أو وَرِقاً، ما اختلط به من غيره. فإِن سأل رب المعدن المصدِّق؛ أن يأخذ زكاته مُكايلَةً أو موازنة أو مُجَازَفَة؛ لم يكن له ذلك، وإِنْ فعل فذلك مردود، وعلى صاحب المعدن إِصلاحه حتى يصير ذهباً أو ورقاً، ثمّ تؤخذ منه الزكاة. ولا يجوز بيع تُراب المعادن بحال؛ لأنه فضَّة أو ذهب مُختلط بغيره غير متميز منه. وقد ذهب بعض أصحابنا، إِلى أن المعادن ليس بركاز، وأنَّ فيها الزكاة". ثمّ ذكر الحديث السابق وضعّفه. وقال ابن حزم ﵀ في "المُحلّى" (٥/ ٣٣٣): "وأمّا المعادن: فإِنّ الأمّة مجمِعةٌ بلا خلاف من أحد منها؛ على أنّ الصُّفر والحديد والرصاص والقزدير؛ لا زكاة في أعيانها، وإنْ كثُرت! ثم اختلفوا إِذا مُزج شيء منها في الدنانير والدراهم والحُليّ. فقالت طائفة: تُزكّى تلك الدنانير والدراهم بوزنها. قال أبو محمّد: وهذا خطأ فاحش، لأنّ رسول الله ﷺ أسقط الزكاة نصّاً فيما دون خمس أواقي من الوَرِق، وفيما دون مقدارها من الذهب، ولم يوجب -بلا خلاف- زكاةً في شيء من أعيان المعادن المذكورة. فمن أوجب الزكاة في الدنانير، والدراهم الممزوجة بالنحاس أو الحديد

стр. 933

أو الرصاص أو القزدير؛ فقد خالف رسول الله ﷺ مرّتين-: إِحداهما: في إِيجابه الزكاة؛ في أقلّ من خمس أواقي من الرِّقة. والثانية: في إِيجابه الزكاة في أعيان المعادن المذكورة؟ وأيضاً: فإِنّهم تناقضوا إِذ أوجبوا الزكاة في الصفر والرصاص والقزدير والحديد؛ إِذا مزج شيء منها بفضة أو ذهب، وأسقطوا الزكاة عنها إِذا كانت صرفاً؛ وهذا تحكُّم لا يحلّ! وأيضاً؛ فنسألهم عن شيء من هذه المعادن، مُزج بفضّة أو ذهب؛ فكان الممزوج منها أكثر من الذهب ومن الفضة؟ ثم لا نزال نزيدهم، إِلى أن نسألهم عن مائتي درهم، في كل درهم فلس فضة فقط، وسائرها نحاس. فإِن جعلوا فيها الزكاة أفحشوا جداً، وإن أسقطوها؛ سألناهم عن الحد الذي يوجبون فيه الزكاة والذي يُسقِطونها فيه". وجاء في "الروضة الندية" (١/ ٤٧٥): "ولا زكاة في غيرها من الجواهر؛ كالدر والياقوت والزمرد والماس واللؤلؤ والمرجان ونحوها؛ لعدم وجود دليل يدل على ذلك، والبراءة الأصلية مستصحبة. أقول -الكلام لصاحب الروضة-: ليس من الورع ولا من الفقه، أن يوجب الإِنسان على العباد؛ ما لم يوجِبه الله عليهم؛ بل ذلك من الغلو المحض، والاستدلالُ بمِثل ﴿خُذ من أموالهم صدقة﴾ (١) يستلزم وجوب

стр. 934

الزكاة في كل جنس من أجناس ما يصدُق عليه اسم المال، ومنه الحديد والنحاس والرصاص، والثياب والفراش والحجر والمدر (١)، وكل ما يقال له مال -على فرض أنه ليس من أموال التجارة-. ولم يقُل بذلك أحد من المسلمين، وليس ذلك لورود أدلة؛ تخصّص الأموال المذكورة من عموم ﴿خُذ من أموالهم﴾ حتى يقول قائل: إِنّها تجب زكاة ما لم يخصه دليل؛ لبقائه تحت العموم. بل الذي شرع الله فيه الزكاة من أموال عباده، هو أموال مخصوصة، وأجناس معلومة، ولم يوجب عليهم الزكاة في غيرها. فالواجب حمل الإِضافة في الآية الكريمة على العهد، لِما تقرَّر في عِلم الأصول، والنحو والبيان، أنّ الإِضافة تنقسم إِلى الأقسام التي تنقسم إِليها اللام، ومن جملة أقسام اللام العهد، بل قال المحقق الرضي: إِنه الأصل في اللام. إِذا تقرر هذا فالجواهر واللآلئ والدر والياقوت والزمرد والعقيق واليسر، وسائر ما له نفاسة وارتفاع قيمة؛ لا وجه لإيجاب الزكاة فيه، والتعليل للوجوب بمجرد النفاسة؛ ليس عليه أثارة من عِلم. ولو كان ذلك صحيحاً، لكان في المصنوعات من الحديد، كالسيوف والبنادق ونحوها، ما هو أنفس وأعلى ثمناً، ويلحق بذلك الصين، والبلور واليشم (٢)، وما يتعسر الإِحاطة به؛ من الأشياء التي فيها نفاسة، وللناس إِليها

стр. 935

رغبة. فما أحسن الإِنصاف والوقوف على الحد الذي رسمه الشارع، وإراحة الناس من هذه التكاليف التي ما أنزل الله بها من سلطان. على أنّ الآية التي أوقعت كثيراً من الناس في إِيجاب الزكاة فيما لم يوجبه الله وهي: ﴿خذ من أموالهم﴾ قد ذكَر أئمة التفسير أنها في صدقة النفل؛ وليست في صدقة الفرض التي نحن بصددها". وسئل شيخنا ﵀ عن زكاة المعادن فقال: لا تجب الزكاة في المعادن؛ لأنه لا زكاة إِلا بنصّ. ما يُستخرج من البحر قال البخاري ﵀: قال ابن عباس ﵄ ليس العنبر بركاز، هو شيء دَسَرهُ (١) البحر (٢). وسألْتُ شيخنا ﵀ عن هذا الأثر فقال: روايةً لا يحضرني، ودرايةً؛ هو كذلك. قال البخاري: وقال الحسن: في العنبر واللؤلؤ الخُمس (٣)، فإِنما جعَل

стр. 936

النّبيّ ﷺ في الرّكاز الخمس، ليس في الذي يُصاب في الماء (١). قال ابن القصار: "ومفهوم الحديث؛ أنّ غير الرّكاز لا خمس فيه -ولاسيما اللؤلؤ والعنبر- لأنهما يتولّدان من حيوان البحر؛ فأشبها السمك" (٢). وذهب الجمهور إِلى أنه لا يجب فيه شيء؛ إلاَّ ما رُوي عن عمر بن عبد العزيز (٣). قال ابن حزم ﵀ في "المُحلّى" (٦/ ١٦٠): "وليس في شيء ممّا أُصيب من العنبر والجواهر والياقوت والزّمرّد -بَحْرية وبَرّيّة- شيء أصلاً، وهو كلّه لمن وجَده؟ ". وقال (ص ١٦١): "قال رسول الله ﷺ : "إِنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام"، فصحّ أنه لا يحلّ إِغرام مسلم شيئاً بغير نصّ صحيح، وكان -بلا خلاف- كلّ ما لا ربّ له فهو لمن وجَده - وبالله تعالى التوفيق!؟ ". قال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ١٩): "وأمّا ما يخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان؛ فلا زكاة فيه عند الجمهور. وقيل: فيه زكاة، وهو قول الزهري والحسن البصري ورواية لأحمد". وسألتُ شيخنا ﵀: هل ترون وجوب الزكاة على ما يخرج من البحر؛ فقال ﵀: "لا زكاة عليه".

стр. 937

المال المغصوب والضائع قال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ١٨): "قال مالك: ليس فيه زكاة حتى يقبضه، فيزكّيه لعام واحد، وكذلك الدَّيْن عنده لا يزكّيه حتى يقبضه زكاة واحدة، وقول مالك: يُروى عن الحسن وعطاء وعمر ابن عبد العزيز. وقيل: يزكى كلّ عام إِذا قبضه زكاة عمّا مضى، وللشافعي قولان" (١). جواز دفْع القيمة بدل العين قال ابن حزم ﵀: "والزكاة واجبة في ذمّة صاحب المال لا في عين المال؛ وقد اضطربت أقوال المخالفين في هذا. وبرهان صحّة قولنا، هو أن لا خلاف بين أحد من الأمّة، من زمننا إِلى زمن رسول الله ﷺ -في أنّ من وجبت عليه زكاة بُرّ أو شعير أو تمر أو فضة أو ذهب أو إِبل أو بقر أو غنم؛ فأعطى زكاته الواجبة عليه؛ من غير ذلك الزرع؛ ومن غير ذلك التمر، ومن غير ذلك الذهب، ومن غير تلك الفضة، ومن غير تلك الإِبل، ومن غير تلك البقر، ومن غير تلك الغنم- فإِنه لا يمنع من ذلك، ولا يكره ذلك له، بل سواء أعطى من تلك العين، أو ممّا عنده من غيرها، أو ممّا يشتري، أو ممّا يوهب، أو ممّا يستقرض. فصحّ يقيناً أن الزكاة في الذمّة لا في العين؛ إِذ لو كانت في العين؛ لم يحلّ

стр. 938

له ألبتة أن يُعطيَ من غيرها، ولوجَب منْعه من ذلك، كما يُمنع من له شريك في شيء من كل ذلك؛ أن يُعطيَ شريكه من غير العين التي هم فيها شركاء إِلا بتراضيهما، وعلى حكم البيع. وأيضاً -فلو كانت الزكاة في عين المال؛ لكانت لا تخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما-: إِمّا أن تكون في كل جزء من أجزاء ذلك المال، أو تكون في شيء منه بغير عينه. فلو كانت في كل جزء منه؛ لحرُم عليه أن يبيع منه رأساً أو حبّة فما فوقها؛ لأنّ لأهل الصدقات في ذلك الجزء شريكاً، ولحرُم عليه أن يأكل منها شيئاً لِما ذكَرنا، وهذا باطل بلا خلاف ... وإنْ كانت الزكاة في شيء منه بغير عينه؛ فهذا باطل، وكان يلزم أيضاً: مثل ذلك سواء سواء؛ لأنّه كان لا يدري لعله يبيع أو يأكل الذي هو حق أهل الصدقة، فصحّ ما قُلنا يقيناً -وبالله تعالى التوفيق-" (١). قال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٤٦): "ومعلوم أنّ مصلحة وجوب العين؛ قد يعارضها أحياناً في القيمة من المصلحة الراجحة، وفي العين من المشقة المنفية شرعاً". وقد رجّح شيخ الإِسلام جواز ذلك في بعض الصور للحاجة أو المصلحة الراجحة كما في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٧٩). وقال (ص٨٢): "والأظهر في هذا: أنّ إِخراج القيمة لغير حاجة، ولا

стр. 939

مصلحة راجحة؛ ممنوع منه، ولهذا قدّر النّبيّ ﷺ الجبران بشاتين، أو عشرين درهماً، ولم يعدل إِلى القيمة، ولأنه متى جوّز إِخراج القيمة مطلقاً، فقد يعدل المالك إِلى أنواع رديئة. وقد يقع في التقويم ضرر، ولأن الزكاة مبناها على المواساة، وهذا معتَبر في قدْر المال وجنسه. وأمّا إِخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل؛ فلا بأس به، مِثل أن يبيع ثمر بستانه، أو زرْعه بدراهم؛ فهنا إِخراج عشر الدراهم يجزيه، ولا يكلَّف أن يشتري ثمراً، أو حِنْطة، إِذ كان قد سوى الفقراء بنفسه، وقد نصّ أحمد على جواز ذلك. ومِثل أن يجب عليه شاة في خمس من الإِبل، وليس عنده من يبيعه شاة؛ فإِخراج القيمة هنا كاف، ولا يُكلَّف السفر إِلى مدينة أخرى ليشتري شاة، ومِثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إِعطاء القيمة؛ لكونها أنفع؛ فيعطيهم إِياها، أو يرى الساعي أنّ أخْذها أنفع للفقراء" (١). إِذا وجبت الزكاة في المال وهلك قبل الأداء اختلف العلماء فيما إِذا وجبت الزكاة في المال وهلك قبل الأداء، والراجح فيه سقوط الزكاة عمّن تلف لديه النصاب قبل التمكّن؛ إِذا لم يُفرِّط في الأداء، وإِلا كانت في ذمّته. قال الإِمام الشافعي ﵀ في "الأم" (٤/ ١٨٨): "ولو كان له

стр. 940

مال يُمكنه أن يؤدي زكاته فلم يفعل؛ فوجبت عليه الزكاة سنين ثم هلك؛ أدى زكاته لِما فرّط فيه. وإِنْ كانت له مائة شاة، فأقامت في يده ثلاث سنين، وأمكَنه في مُضيّ السَّنة الثالثة أداء زكاتها، فلم يؤدِّها، أدّى زكاتها لثلاث سنين، وإن لم يمكنه في السنة الثالثة أداء زكاتها حتى هلكت؛ فلا زكاة عليه في السنة الثالثة، وعليه الزكاة في السنتين اللتين فرّط في أداء الزكاة فيهما". وبه يقول عدد من العلماء. قال في "المغني" (٢/ ٤٦٥) -بعد أنْ نقل بعض الأقوال في المسألة-: "والصحيح -إِن شاء الله- أنّ الزكاة تسقط بتلف المال؛ إِذا لم يفرط في الأداء، لأنها تجب على سبيل المواساة، فلا تجب على وجه يجب أداؤها مع عدم المال وفقر من تجب عليه، ولأنه حقٌّ يتعلق بالعين، فيسقط بتلفها من غير تفريط كالوديعة. والتفريط أن يمكنه إِخراجها فلا يخرجها، فإِن لم يتمكّن من إِخراجها فليس بمفرِّط، سواء لعدم المستحق، أو لبعد المال، أو لكون الفرض لا يوجد في المال ولا يجد ما يشتري، أو كان في طلب الشراء ونحو ذلك ... ". وجاء في "الاختيارات الفقهيّة" (ص ٩٨): ولو تلِف النصاب بغير تفريط من المالك؛ لم يضمن الزكاة على كلٍّ من الروايتين، واختاره طائفة من أصحاب أحمد. وهو اختيار شيخنا ﵀ كما في "تمام المِنّة" (ص٣٧٩).

стр. 941

إِذا عزل الزكاة ليخرجها فضاعت جاء في "المحلّى" (٥/ ٣٩١) -بحذف وتصرّف يسير-: "كلّ مالٍ وجبت فيه زكاة من الأموال ... فسواء تلف ذلك أو بعضه -أكثره أو أقله- ... بتفريط تلف أو بغير تفريط؛ فالزكاة كلّها واجبة في ذمّة صاحبه؛ كما كانت لو لم تتلف، ولا فرق؛ [لأنّ] الزكاة في الذمّة؛ لا في عين المال. ... وكذلك لو أخرج الزكاة وعَزلها ليدفَعها إِلى المصدّق أو إِلى أهل الصدقات؛ فضاعت الزكاة كلّها أو بعضها؛ فعليه إِعادتها كلّها ولا بدّ ... ولأنه في ذمّته؛ حتى يوصلها إِلى من أمَره الله تعالى بإِيصالها إِليه" ثم ذكَر أقوال العلماء وبعض الآثار عن عدد من السلف؛ أنها لا تجزي عنه إِن ضاعت؛ وعليه إِخراجها ثانية. قال: وروّينا عن عطاء أنّها تجزئ عنه. وسألت شيخنا ﵀ عن ذلك فقال: "لا بدّ من إِيصالها". تأخير الزكاة لا يُسقِطها (١) * من مضى عليه سنون؛ ولم يؤدّ ما عليه من زكاة؛ لزِمه إخراج الزكاة عن جميعها؛ سواء علم وجوب الزكاة، أم لم يعلم، وسواء كان في دار الإِسلام أم في دار الحرب. وقال ابن المنذر: لو غلب أهل البغي على بلد، ولم يؤد أهل ذلك البلد

стр. 942

الزكاة أعواماً، ثم ظفر بهم الإِمام؛ أخَذ منهم زكاة الماضي؛ في قول مالك والشافعي وأبي ثور* وقال الإِمام الشافعي ﵀: "لو كان له مال يُمكنه أن يؤدي زكاته، فلم يفعل، فوجبت عليه الزكاة سنين، ثمّ هلك؛ أدّى زكاته لما فرّط فيه" (١). الزكاة في المال المشترك (٢) إِذا كان المال مُشترَكاً بين شريكين أو أكثر؛ لا تجب الزكاة على واحد منهم؛ حتى يكون لكلّ واحد منهم نصاب كامل؛ في قول أكثر أهل العلم. هذا في غير الخلطة في الحيوان (٣). الفرار من الزكاة قبل وجوبها مَن ملك نصاباً من أي صنفٍ من أصناف المال؛ فباعه قبل الحول أو تخلّص جزء منه ابتغاء إِسقاط الزكاة؛ كان آثماً، وتبقى معلّقةً في ذمّته حتى يُخرِجها، إِذ هذا ضرْبٌ من ضروب التحايل، وهو من صنيع اليهود. وهذا كمن طلّق امرأته في مرض موته؛ ليحرمها الإِرث، والله -تعالى- أعلم. وجاء في "الاختيارات الفقهية" (ص ٩٩): "ولا يحلّ الاحتيال لإِسقاط

стр. 943

الزكاة، ولا غيرها من حقوق الله تعالى". وقال الشيخ السيد سابق ﵀ في "فقه السنة" (١/ ٣٣٥) في التعليق: "لو باع النصاب في أثناء الحول، أو أبدله بغير جنسه؛ انقطع حول الزكاة، واستأنف حولاً آخر". قال شيخنا ﵀ في "تمام المِنّة" (ص ٣٥٩) -في الرد على ذلك-: "ينبغي أن يُقيَّد هذا بما إِذا وقع ذلك اتفاقاً، لا لقصد الخلاص من الزكاة؛ كما يُروى عن بعض الحنفية؛ أنه كان إِذا قارب انتهاء حول النصاب، وهب المال لزوجته، حتى إِذا انتهى الحول استردَّه منها! لأنّ العود بالهدية جائز عندهم على تفصيل فيه! فمن احتال هذه الحيلة -التي يُسمّيها بعضهم حيلة شرعية- فإِنّي أرى أن يُؤخَذ منه الزكاة، وشطْر ماله، على حديث بهز بن حكيم؛ فإِنَّ المحتال ... أولى بهذا الجزاء من الممتنع دون حيلة، فتأمّل". مصارف الزكاة (١) قال الله تعالى: ﴿إِنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمُؤَلفة قلوبهم وفي الرّقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضةً (٢) من الله والله عليم حكيم﴾ (٣).

стр. 944

وهذه الآية الكريمة تُبيّن أنّ الأصناف ثمانية، وهي: ١، ٢ - الفقراء والمساكين، وهم المحتاجون الذين لا يجدون كفايتهم ويقابلهم الأغنياء المكفيُّون ما يحتاجون إِليه (١). أمّا ما جاء في الفقراء: فحديث ابن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحلّ الصدقة لغني، ولا لذي مِرَّة (٢) سوي (٣) " (٤). وسألت شيخنا ﵀: وإذا احتاج ذو المرّة السويّ؟ فأجاب: "المقصود أن يسأل، أمّا غير السائل فيجوز". وعن عبد الله بن عديّ بن الخيار قال: "أخبرني رجلان أنهما أتيا النّبيّ ﷺ في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه، فرآنا جلدَيْن، فقال: إِن شئتما أعطيتكما، ولا حظَّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب" (٥). وعن زهير العامري قال: "قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله

стр. 945

عنهما-: أخبرني عن الصدقة أي مال هي؟ قال: هي شر مال، إِنما هي مال للعميان والعرجان والكسحان واليتامى وكل منقطع به. فقلت: إِن للعاملين عليها حقاً وللمجاهدين، فقال: للعاملين عليها بقدر عمالتهم، وللمجاهدين في سبيل الله قدر حاجتهم -أو قال حالهم- قال رسول الله ﷺ : إِنَّ الصدقة لا تحلّ ... " (١). الحديث. وأمّا ما جاء في المساكين: فعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "ليس المسكين الذي يطوف على الناس؛ تردُّه اللُّقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يُغنيه، ولا يُفطن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس" (٢). وليس ثمّة فرقٌ من حيث الحاجة واستحقاق الزكاة بين الفقراء والمساكين؛ إِذ النّصوص تدّل على هذا. ففي "النهاية": (المسكين): الذي لا شىء له، وقيل: هو الذي له بعض الشيء. وفي "النهاية"كذلك في تفسير كلمة (الفقير): الفقير الذي لا شيء له،

стр. 946

والمسكين الذي له بعض ما يكفيه، وإِليه ذهب الشافعي، وقيل فيهما بالعكس وإليه ذهب أبو حنيفة. وفي تفسير "ابن كثير": في قوله تعالى: ﴿إِنّما الصدقات للفقراء والمساكين﴾: قدّم الفقراء هاهُنا على البقيّة؛ لأنهم أحوج من غيرهم على المشهور ولشدّة فاقتهم وحاجتهم. قال ابن كثير ﵀: "واختار ابن جرير وغير واحد؛ أنَّ الفقير هو المتعفّف الذي لا يسأل الناس شيئاً، والمسكين هو الذي يسأل ويطوف ويَتْبَع الناس شيئاً". وإلى هذا تميل نفسي؛ لقوله ﷺ : "ليس المسكين الذي يطوف على الناس؛ تردّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكنّ المسكين الذي لا يجد غنىً يُغنيه، ولا يُفطن له فيُتصدّق عليه، ولا يقوم فيسأل النّاس". وهذا فيه التعريف السائد للمسكين في المجتمع، وجاء الشرع ليُلغي المعنى، لا ليُلغي التعريف، كقوله ﷺ : "ليس الشديد بالصُّرَعة (١)، إِنّما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (٢). وكقوله ﷺ : "أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إِنّ المفلس من أمتي؛ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذَف هذا، وأَكل مال هذا، وسَفَك دم هذا، وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإِنْ فنيت حسناته، قبْل أن يُقْضى

стр. 947

ما عليه، أخذ من خطاياهم فَطُرِحت عليه، ثم طرح في النار" (١). وكقوله ﷺ : "ما تَعُدّون الرَّقوب فيكم؟ قلنا: الذي لا يولد له، قال: ليس ذاك بالرقوب، ولكنّه الرجل الذي لم يُقدِّم من ولده شيئاً" (٢). قال ابن الأثير في "النهاية": "الرقوب في اللغة: الرجل والمرأة إِذا لم يَعِش لهما ولد، لأنّه يرقب موته ويرصُده؛ خوفاً عليه، فنَقله النّبيّ ﷺ إِلى الذي لم يقدّم من الولد شيئاً أي: يموت قبله؛ تعريفاً أنّ الأجر والثواب لمن قدَّم شيئاً من الولد، وأنّ الاعتداد به أكثر والنفع به أعظم ... ومن لم يُرزق ذلك؛ فهو كالذي لا ولد له، ولم يقُلْه إِبطالاً لتفسيره اللغوي" (٣). ويمكننا أن نقول هذا في حديث: "ليس المسكين الذي يطوف على الناس؛ تردّه اللقمة واللقمتان"، فهذا هو المعنى اللغوي وهو الواقع الاجتماعي، ولم يقُل النّبيّ ﷺ مقولته ليبطل تفسيره اللغوي. ولهذا يمكننا أن نقول عن المسكين: إِنه الذي يُفطن له بالصدقة ويسأل الناس، وطالما سأل الناس وفُطن له بالصدقة فإِنه واجدٌ ما يُغنيه، فجاء الحديث ليُبيّن الأَوْلى منه بالصدقة وهو مَنْ لا يسأل الناس، ولا يُفطن له بالصدقة، ولا يجد ما يُغنيه. وقد قال الله تعالى: ﴿للفقراء الذين أُحصِروا (٤) في سبيل الله لا

стр. 948

يستطيعون ضَرْبَاً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفُّف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إِلحافاً (١)﴾ (٢). فالفقراء إِذن قد تكون عندهم موانع تمنعهم من التكسّب، أو أنهم لا يستطيعون ذلك أصلاً لبعض الأسباب، ويحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، بعكس الذي يطوف على الناس؛ تردّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان. وهم لا يسألون الناس إِلحافاً بعكس من يسأل كما في قوله ﷺ : "ولا يقوم فيسأل الناس ... ". وفي حديث: "ليس المسكين ... " قال الحافظ (٣/ ٣٤٣): "وفيه دلالة لمن يقول: إِنّ الفقير أسوأ حالاً من المسكين، وأنّ المسكين الذي له شيء لكنّه لا يكفيه، والفقير الذي لا شيء له ... ويؤيده قوله تعالى: ﴿أمّا السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ (٣) فسمّاهم مساكين مع أنّ لهم سفينة يعملون فيها، وهذا قول الشافعي وجمهور أهل الحديث والفقه. فإِنْ قلتَ: قد جاءت الآيات الكثيرة في الحض على إِطعام المسكين، فلماذا لم يكن ذلك في الفقير وهو أولى؟ قلتُ: الفقير والمسكين كلاهما من أهل الحاجة، الذين يشرع التصدّق

стр. 949

عليهم، ولكن جاء التوبيخ والتقريع لمن لم يقدّم العون الواجب؛ لمن تكون حاجته ظاهرة وهو المسكين، كقوله تعالى: ﴿ولا يحضُّ على طعام المسكين﴾ (١). وكقوله تعالى: ﴿ولا تحاضّون على طعام المسكين﴾ (٢). والخُلاصة؛ أنّ الفقير أسوأ حالاً من المسكين، وهذا نابع من تعفّفه وعدم سؤاله الناس، ولا يفطن الناس له في صدقاتهم؛ فيحتاج إِلى مثابرة في التعرّف على هذا النوع؛ لرفع الجهل المنبوذ الذي ذكره الله تعالى في كتابه: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفّف﴾ (٣). وهذا لا ينفي جواز الصدقة على المسكين كما في قوله تعالى: ﴿إِنّما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ ولكن معرض الكلام في بيان أصناف المحتاجين وبيان الأولى في ذلك، لذلك قال ابن كثير: وإنما قدّم الفقراء هاهُنا على البقية لأنهم أحوج من غيرهم على المشهور ولشدّة حاجتهم. ولهذا فهناك خصوص وعموم بين المسكين والفقير، فالفقير أعمّ والمسكين أخصّ، فكلّ مسكين فقير، وليس كلّ فقير مسكيناً، وهو كقولنا: كلّ مؤمن مسلم، وليس كلّ مسلم مؤمناً، قال الله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلَمنا ولمّا يدخل الإِيمان في

стр. 950

قلوبكم﴾ (١). والله -تعالى- أعلم. المالك الذي لا يجد ما يفي بكفايته (٢) من ملَك نصاباً، من أيّ نوع من أنواع المال -وهو لا يقوم بكفايته، لكثرة عياله، أو لغلاء السعر- فهو غنيّ؛ من حيث أنّه يملك نصاباً؛ فتجب الزكاة في ماله، وفقير من حيث أنّ ما يملكه لا يقوم بكفايته، فيُعطى من الزكاة كالفقير. قال النووي: ومن كان له عقار، ينقص دخله عن كفايته؛ فهو فقير يُعطى من الزكاة تمام كفاية، ولا يُكلف بيعه. وفي "المغني": قال الميمون: ذاكَرت أبا عبد الله -أحمد بن حنبل- فقلت: قد يكون للرجل الإِبل والغنم؛ تجب فيها الزكاة وهو فقير، وتكون له أربعون شاة، وتكون له الضّيعة لا تكفيه، فيعطى الصدقة؟ قال: نعم، وذلك لأنه لا يملك ما يُغنيه، ولا يقدر على كسْب ما يكفيه، فجاز له الأخذ من الزكاة. كما لو كان ما يملك، لا تجب فيه الزكاة. ٣ - العاملون عليها: وهم: الجباة والسعاة؛ يستحقّون منها قِسطاً على ذلك، ولا يجوز أن يكونوا من أقرباء رسول الله ﷺ الذين تحرم عليهم الصدقة. فعن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث؛ أنه انطلق هو والفضل بن العباس يسألان رسول الله ﷺ ليستعملهما على الصدقة، فقال: "إِنَّ الصدقة لا تنبغي
следующие страницы →